العدد الرابع والأربعون من جريدة المسار – أيلول ٢٠٢٠

  • الافتتاحية: الخط الثالث.
  • وداعاً عبد المجيد حمو.
  • بانوراما الانفجار السوري عام 2011.
  • القسوة غير المبررة لعقوبات ترامب على سوريا الجديدة – جوشوا لانديس وستيفن سيمون.
  • الديمقراطية والإرهاب – جمال عامر.
  • هل يقترب العالم من حرب باردة بين الصين والولايات المتحدة؟ – محمد سيد رصاص.
  • من زوايا الذاكرة (1953-1958) – الدكتور جون نسطة.

الافتتاحية:

الخط الثالث

ساهم الشيوعيون المصريون في دور أساسي في حركة 23 يوليو/ تموز 1952 من خلال الجناح العسكري لـ «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني-حدتو»، وقد قاد القائمقام يوسف صديق الكتيبة التي اعتقلت كبار قادة الجيش المصري الموالين للملك فاروق، كما كان الجهاز الفني في «حدتو» هو الذي يطبع منشورات تنظيم «الضباط الأحرار» بما فيها الوثيقة البرنامجية «أهداف الضباط الأحرار» والتي شارك في كتابتها أعضاء في «حدتو» مثل خالد محي الدين وأحمد فؤاد. 

مع السلطة الجديدة التي أيدتها «حدتو»، بخلاف المنظمات الشيوعية الأخرى، حصل الصدام في كانون ثاني 1953 مع تظاهرات عمال كفر الدوار وإعدام العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري، وفي أزمة مارس/ آذار 1954 رأت «حدتو» نفسها أقرب إلى حزب الوفد وجماعة «الإخوان المسلمين» واللواء محمد نجيب في المطالبة بعودة التعددية السياسية الحزبية وعودة العسكر للثكنات. 

لكن عندما بدأ الرئيس جمال عبد الناصر في الابتعاد عن الغرب والاقتراب من موسكو في عام 1955، رأت «حدتو» نفسها مع عبد الناصر، وفي مرحلة حرب 1956 وما بعدها قادت «حدتو» المقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال البريطاني في مدينة بورسعيد. بين عبد الناصر وخصومه، أي «الاخوان المسلمون» والوفديون وشيوعيو منظمتي «الراية» و«طليعة العمال»، كانت «حدتو» خطاً ثالثاً يقرّ بوطنية نظام 23 يوليو ولكن يعتبره متصارع الأجنحة بين يمين ويسار وطني ــ تقدمي وينسب لجمال عبد الناصر قيادة الجناح الأخير. 

عندما توحدت «حدتو» مع «الراية» و«الطليعة» وشكّلت الحزب الشيوعي المصري يوم 8 يناير/ كانون الثاني 1958، انقسمت «حدتو» من جديد عن «حزب 8 يناير» في أيلول 1958 لأنها لم ترد الصدام مع عبد الناصر الذي اصطدم مع الشيوعيين في موسكو ودمشق وبغداد والقاهرة على خلفية صدامه مع سلطة 14 تموز 1958 في بغداد بقيادة عبد الكريم قاسم. 

أرادت «حدتو» خطاً ثالثاً: لا صدام، ولكن تأييد مع تمايز عن عبد الناصر الذي اشترط حل الأحزاب في القاهرة ودمشق. لم يميّز عبد الناصر الخط الثالث لـ«حدتو» عندما شن حملة اعتقالات الشيوعيين في القاهرة ودمشق ليلة رأس سنة 1959. في السجن ظل سجناء «حدتو»، بتمايز عن شيوعي «تنظيم 8 يناير»، في خط تأييد عبد الناصر وخاصة مع إجراءات التأميم في يوليو/ تموز 1961، وكانوا خطاً ثالثاً بالقياس إلى شيوعيين أتوا من «الراية» واندمجوا في «8 يناير»، مثل فؤاد مرسي واسماعيل صبري عبد الله. استمر سجناء «حدتو» في نظرية الأجنحة المتصارعة في سلطة 23 يوليو 1952 ولكن ظلوا على اتفاق مع «8 يناير» في رفض حلّ الأحزاب. 

عندما طرح ميخائيل سوسلوف في شباط 1964 مقولة: «التطور اللارأسمالي: تحول سلطة القوى الديموقراطية الثورية للتقارب والاندماج مع الشيوعيين، مثل كوبا كاسترو، لقيادة التحول باتجاه الاشتراكية»، وأفرج عبد الناصر عن السجناء الشيوعيين بمناسبة زيارة خروتشوف للقاهرة في مايو/ أيار 1964، كانت هذه مناسبة لانتصار «حدتو» بين الشيوعيين المصريين كخط، ولكن عندما تم حل تنظيمي الشيوعيين المصريين: «حدتو» و«تنظيم 8 يناير» في مارس/ اذار وإبريل/ نيسان 1965 لاندماج أعضائهما في «تنظيم الاتحاد الاشتراكي» كان هذا يعني هزيمة الخط الثالث الذي حملته «حدتو» منذ عام 1955.

في سوريا كان هناك خط ثالث بين المتصارعين: «السلطة» و«الإخوان المسلمون» في أحداث 1979-1982 عبر «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي ضمّ خمسة أحزاب وحركات عروبية وماركسية، والذي قدم برنامجاً للتغيير الوطني الديمقراطي بعيداً عن السلطة ومواليها في «الجبهة الوطنية التقدمية» وبعيداً عن عنف «الإخوان» وبرنامجهم الإسلامي. في العراق لم يكن هناك خط ثالث في فترة 1991-2003 بين صدام حسين وأحمد الجلبي، وفي ليبيا 2011 لم يوجد الخط الثالث بين معمر القذافي ومصطفى عبد الجليل الذي كان مثل جلبي العراق في خط الاستعانة بالخارج من أجل إحداث التغيير الداخلي. 

في سوريا بين شهري كانون ثاني 2008 وتموز 2010 بدأت محادثات بين ناصريي «حزب الاتحاد الاشتراكي العربي» وماركسيي «تجمع اليسار الماركسي-تيم» و«الحزب الديمقراطي الاجتماعي» و«حزب البارتي- جناح نصر الدين ابراهيم»، مع شخصيات عربية وكردية مستقلة، من أجل تشكيل «الخط الثالث» كخط يجمع الوطنية والديموقراطية معاً في المعارضة السورية، يكون متمايزاً ومختلفاً عن خط السلطة ومواليها وعن خط «إعلان دمشق» الذي كان مع الاستعانة بالخارج ويطمح لتكرار في المعارضة السورية لتجربة المعارضين العراقيين الذي استجلبوا الخارج الأميركي في عملية إسقاط حكم صدام حسين عام 2003. 

كان (تجمع اليسار الماركسي-تيم)، وبضمنه مع أحزاب ماركسية أخرى كان حزبنا،هو المبادر مع الأطراف الأخرى المذكورة من أجل تشكيل “الخط الثالث”.لم يولد «الخط الثالث» رغم ثلاثين اجتماعاً كان آخرها في مدينة دوما في تموز 2010، ولكن تشكلت مسودة ورقة برنامجيه كانت هي البذرة الجنينية لولادة «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي» في يوم 25 حزيران 2011 بعد ثلاثة أشهر من نشوب الأزمة السورية عقب درعا 18 آذار 2011. 

لم يعد «الخط الثالث» بين خط السلطة وخط الاستعانة بالخارج فقط بل انضافت له مضامين جديدة: رفض العنف السلطوي والمعارض، رفض الحل الأمني – العسكري السلطوي والحل الإسقاطي المعارض للنظام لصالح حل تغييري عبر تسوية انتقالية تتشارك على ضوئها السلطة والمعارضة في سلطة انتقالية نحو أوضاع سورية جديدة تتجاوز بنية مرحلة ما بعد 8 آذار 1963، التي انفجرت منذ آذار 2011 لتقود إلى أزمة سورية – إقليمية – دولية لا مثيل لقوتها وتأثيراتها بالقياس إلى أزمات العالم بفترة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945.

يمكن القول بأن التجربة السورية هي الوحيدة التي نجح فيها «الخط الثالث» في أن يثبت قوته على الصعيد العربي بين «الحاكم» وبين «المعارض المستعين بالخارج» والذي يكون العنف المعارض والخط الاسقاطي للنظام جزئيين من عدة شغله ورؤيته البرنامجية: في لحظات سياسية كان هذا الخط الثالث أو كاد أن يضيع في الزحمة وسط ضجيج خط واشنطن ــ أنقرة ــ الدوحة الذي كان يطمح في خريف 2011 إلى تكرار التجربة العراقية وتلك الليبية التي أسقطت القذافي عبر «الناتو» من باب العزيزية في طرابلس الغرب يوم 23 آب 2011.

وفي مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية يومي 2-3 تموز 2012 لم يلتفت أحد للطرح التسووي الذي قدمته «هيئة التنسيق» مستعينة ببيان جنيف1 الذي صدر قبل يومين عبر توافق أميركي ــ روسي. اختلفت الأمور منذ عام 2016 مع هزيمة المعارضة المسلحة في حلب وهزيمتها في الغوطة وحوران ب عام 2018، حيث من الواضح أن المعارضة العسكرية السورية قد هزم خطها هي ومن دعمها من الاسلام السياسي ومن الليبراليين الجدد كما أن خط السلطة التي راهنت على الحل العسكري لم ينتصر، وماقام به حلفاء السلطة من انجازات عسكرية لصالح السلطة لا يمكن ترجمته إلى السياسة.

الآن، سوريا موزعة بمناطق نفوذ ثلاثة: روسية، وتركية في الشمال الغربي وأميركية في شرق الفرات. التسوية ستكون بين المتحكمين الدوليين والاقليميين بهذه المناطق الثلاث. لا يوجد منتصر سوري واحد.

بين الخطوط السورية الثلاث (خط الحل الأمني – العسكري للسلطة وخط الاستعانة بالخارج وبالسلاح المعارض من أجل إسقاط السلطة والخط التسووي المعارض) نجح فقط الخط الثالث في أن يبرز لأن الخط التسووي قد تبنته القوى الدولية والإقليمية (الولايات المتحدة- روسيا- تركيا) كحل تسووي للأزمة السورية ولكن عندما ترى تلك القوى بأن التسوية قد حان أوانها وفقاً لتلاقي مصالح تلك القوى، خط ثالث يرى أولوية التسوية للأزمة السورية ولو أتت عبر غير السوريين، لأن السوريين قد ضيعوا فرصة التسوية الداخلية عام 2011، ولكن أصحاب الخط الثالث يدركون بأن سوريا ما بعد التسوية أمامها أولوية الأولويات وهي تحرير سوريا من وصاية وهيمنة القوات غير السورية سواء كانت نظامية أو غير نظامية وقواعدها العسكرية إن وجدت مهما كان الطرف السوري الذي عقد معها اتفاقيات تلك القواعد من أجل استعادة القرار السوري الوطني المستقل.



وداعاً عبد المجيد حمو 

توفي البارحة في مدينة حلب الأخ عبد المجيد حمو (أبوناصر) عضو اللجنة المركزية في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سوريا.

الأخ أبوناصر من وجوه الحركة السياسية السورية المعارضة وكان له مساهمات في إنشاء تحالفات المعارضة السورية من التجمع الوطني الديمقراطي عام 1979 الى هيئة التنسيق الوطنية عام 2011 وكان بارزاً في المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق وفي الوفد المفاوض الذي انبثق عن هيئة المفاوضات للمعارضة السورية في جولات المفاوضات مع وفد الحكومة السورية بين عامي 2016 و2017. وقد عرفته الحياة السياسية السورية المعارضة بوصفه رجل الجسور الواصلة بين وجهات النظر المختلفة من أجل الوصول الى المواقف المشتركة.

كان خلوقاً وصادقاً وأميناً وذكياً ومحباً.

ستفتقد الحياة السياسية السورية المعارضة مع وفاة عبد المجيد حمو أحد قاماتها الكبار.

العزاء لأهل الفقيد ولحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي.

9 أيلول 2020

الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)


بانوراما الانفجار السوري عام 2011

تعددت الآراء حول تحديد تاريخ الاحتجاجات في سورية، إلا أن أغلب الوقائع تقول انها بدأت في ١٨ /٣ /٢٠١١ بعد اعتقال أمن مدينة درعا خمسة عشر طفلا بسبب كتابة شعارات ضد النظام وعندها أنشئت صفحة (الثورة السورية) على موقع الفيسبوك من قبل ناشطين سوريين سياسيين مبعدين ومغتربين في دول أوروبا والخليج العربي ومتأثرين بالاحتجاجات الواقعة في تونس ومصر. 

لم تكن تلك الاحتجاجات خيارا أمام السوريين وإنما كانت نتيجة طبيعية لتراكم أخطاء وسياسات السلطات المتعاقبة على سورية منذ ١٩٦٣ ولتغولها أمنيا وسياسيا واجتماعيا خلال تلك العقود وهيمنتها على القسم الأكبر من الاقتصاد السوري والى انتشار الفساد وغسيل الأموال وتراكم الثروة في أيادي قليلة من رجال السلطة والمقربين منها. 

ساهمت كثيراً وسائل التواصل الاجتماعي في إنتاج واقع جديد في سورية، خاصة بعد الانفجار الواقع في كل من تونس وليبيا ومصر، حيث تم كسر عوامل الخوف في المجتمع السوري عند شريحة واسعة من الشباب، كما ساهمت في توفر المعلومة وإنهاء التعتيم المفروض على المجتمع. 

 . انطلقت الحركة الاحتجاجية في سورية بالوسط الشعبي الريفي أولاً بسبب تدهور الوضع الاقتصادي المعيشي هناك في السنوات الثلاثة ما قبل ٢٠١١ وسرعان ما امتدت بالمدن والبلدات رافعة شعارات وطنية عامة ومطالب اصلاحية، وقد أشار إلى ذلك الرئيس الأسد وأكد على سلمية الاحتجاجات في خطابة أمام مجلس الشعب بتاريخ ٣/٦/٢٠١2 عندما قال بأن السلاح المنظم المعارض لم يبدأ إلابعد رمضان 2011أي في بداية أيلول2011. تصدر الشباب المشهد السياسي خلال فترة الاحتجاجات لجهة صناعة الخطاب السياسي التحريضي المطالب بالحرية والكرامة والعدالة والمشاركة السياسية، فاتسعت رقعة الاحتجاجات واندلعت المظاهرات في أغلب المدن والبلدات المنتفضة من ريف دمشق وحمص وحماة واللاذقية ودير الزور وإدلب وريف حلب إلا أنه غلب على طابعها العام العفوية واللامركزية. لم تكن بروز ظاهرة التنسيقيات في المدن والبلدات المحتجة إلا بدافع الحاجة إلى نوع من التنظيم عند الشباب المتصدرين لها وقد عمل في هذا التوجه بعض السياسيين والحزبيين المنخرطين في الاحتجاجات.

  مع تصاعد عمليات العنف المنظم من السلطة في مواجهة الاحتجاجات وتزايد المخاطر الناجمة عن القمع برزت أيضا الحاجة إلى تشكيل شخصية اعتبارية لتلك التنسيقيات الموزعة في المدن والبلدات والأحياء لتشكيل كيان واحد لها بحيث يتم من خلالها التنسيق لمختلف الأمور الميدانية والسياسية والاعلامية فتم الاعلان  عن تأسيس (اتحاد التنسيقيات ) في شهر أيار من عام ٢٠١١ وكانت الغاية من تأسيس هذا الاتحاد نقل الحراك من العفوية إلى مرحلة اكثر تنظيماً ومع ذلك بقي الحراك يفتقر على القدرة على الانضباط الأمر الذي أدى إلى الاعلان  عن توحد تلك التنسيقيات تحت اسم (الهيئة العامة للثورة السورية ) بتاريخ ١٨ /آب ٢٠١١ لتكون واجهة سياسية ميدانية وإعلامية لتلك التنسيقيات ومع ذلك لم تنجح في تأسيس كيان سياسي متماسك وبقيت وجهات النظر المتباينة تطفو على السطح بين التنسيقيات المتناثرة في المحافظات والمدن والبلدات حول عدة مسائل جوهرية وفي مقدمتها موضوع التدخل الخارجي وتشكيل الجيش الحر وتحديد نوع الشعارات أيام الاحتجاجات عند كل حدث . 

أجهدت أحزاب المعارضة التقليدية -التاريخية وبمختلف أطيافها، نفسها في استيعاب ما يحدث على الأرض وحاولت تلمس طريقها للوصول والتنسيق مع نشطاء الحراك ورموزه لتأخذ دورها فيه إلا أنه وبسبب الموقف السلبي من بعض قادة ونشطاء الحراك، وبسبب عدم مقدرتها على التعامل والتنسيق السليم مع تلك الرموز، وأيضاً بسبب محاولة تلك الأحزاب ان تأخذ دور الأستذة والعراب لهم، لم يكن ممكناً التلاقي بين الطرفين في شكل تنظيمي موحد.

شكلت الأشهر الاخيرة من  عام ٢٠١١ ومن عمر الانفجار السوري ولادة أكثر من كيان وتجمع سياسي للقوى والمعارضات السياسية التاريخية في سورية ،  ففي 17أيلول2011 عقدت هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي مؤتمرها في بلدة حلبون بريف دمشق ولتتألف من عدد من الأحزاب والحركات السياسية الداخلية ، العروبية والقومية والماركسية والكردية وشخصيات ديمقراطية ودينية ، وكان تأسيسها استجابة موضوعية لما يحدث في سورية وملاقاة لمواقفها السياسية في مطالبها بالتغير الوطني الديمقراطي السلمي ، كما حددت هيئة التنسيق الوطنية موقفها السياسي من الانفجار الواقع من خلال لاءاتها الثلاث  وعبر مؤتمر تأسيسها في حلبون ، لا  للطائفية ، ولا  للتدخل الخارجي ، ولا لحمل السلاح  ، كما راهنت مع بدء الحراك على حل سياسي عبر الحوار مع النظام لنقل سورية من الاستبداد والفساد إلى التغير الديمقراطي وإطلاق المعتقلين السياسيين ووقف العنف مع المحتجين والمتظاهرين .كان الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)هو الطرف الوحيد في الاجتماع التأسيسي لهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي بيوم 25حزيران2011 الذي طرح فكرة التسوية للأزمة السورية بحكم أن هناك استعصاء سوري في التوازن بين السلطة والحراك المعارض يمنع انتصار أحدهما على الآخر،وهو ماتبنته هيئة التنسيق  في مؤتمر حلبون يوم17أيلول2011.

 أما المجلس الوطني السوري فقد أعلن عن تأسيسه في اسطنبول بتاريخ ٢/١٠/٢٠١١ من أحزاب ومجموعات ليبرالية ومن مجموعة إعلان دمشق ومن الاخوان المسلمين الذين شكلوا الكتلة الأكبر في المجلس والوزن الأكثر تأثيراً في رسم سياساته، وعرف هذا التكوين بالمعارضة الخارجية.

خلال الأشهر الأخيرة من عام ٢٠١١ ازدادت المطالب الداخلية والضغوطات الخارجية على جميع أطياف المعارضة الداخلية والخارجية لتوحيد نفسها في كيان واحد لمواجهة عنف النظام وملاقاة استحقاق التغيير في سورية، فالتقت المعارضة الداخلية وفي مقدمتها هيئة التنسيق الوطنية مع ممثلي المجلس الوطني السوري في القاهرة ونتج عن ذلك وثيقة القاهرة في 30كانون أول2011الا انه سرعان ما تنصل منها المجلس الوطني.

 حدد المجلس الوطني ملامح سياساته ومواقفه من الازمة السورية _ باستدعاء الخارج وطلب انشاء مناطق حظر للطيران وتشجيع العمل المسلح واسقاط النظام ورفض أية عملية سياسية معه لا تؤدي إلى إزاحة رأس النظام

 مع اتساع حملة الاعتقالات في صفوف الناشطين القياديين للاحتجاجات ومع ورفض النظام تقديم أي تنازل تجاه المطالب الاصلاحية  ،سادت في صفوف المتظاهرين انفلات إيقاع الاحتجاجات السلمية وهيمنة مناخ تشاؤمي في أوساط الشباب المحتجة في جدوى الاحتجاجات السلمية واستمرارها ، ومع تغول النظام في استخدام حله الأمني وقد طال عنف النظام كل من رفض تنفيذ الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين من الجنود والضباط فساهم ذلك في بروز ظاهرة الانشقاقات داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية ، والسياسية والدبلوماسية ، الفردية والجماعية التي وصلت إلى رئيس مجلس الوزراء  ( رياض حجاب ) الذي أعلن من العاصمة الأردنية انشقاقه عن النظام في 6آب لعام ٢٠١٢ 

بدأت تظهر على السطح تشكيلات مسلحة من الضباط والمجندين المنشقين وأعلنوا في ٢٩/٧/٢٠١١ عن تأسيس ما سمي (لجيش الحر) بقيادة العقيد رياض الأسعد، فادى ذلك إلى إرباك سياسي بين صفوف المتظاهرين السلميين بين مؤيد ومعارض. أعلن هذا التنظيم المسلح في البداية ان مهمته حماية المتظاهرين إلا أن  هذه الظاهرة تطورت فيما بعد الى الإغارة على مواقع عسكرية ، ومع بداية عام ٢٠١٢ ومع تنامي ظاهرة العسكرة والتسليح ومع دخول أطراف إقليمية ودولية على خط هذه الظاهرة تحولت الأزمة السورية من صراع سياسي  داخلي بين نظام ومعارضة تطالب بحقوق سياسية وحقوق ديمقراطية واجتماعية إلى صراع مصالح دولية واقليمية في سورية والى محاولة لرسمة خارطة جيوسياسية جديدة في المنطقة وأصبح معظم أطراف الائتلاف الوطني (ورث المجلس الوطني عبر تأسيسه في 11تشرين ثاني2012) بما فيه الجيش الحر رهينة لتوجهات ومصالح القوى الفاعلة في هذا الصراع .

مع ازدياد وتيرة الاحتجاجات وتعقد الأزمة الداخلية اكثر،  تقدمت جامعة الدول العربية بتاريخ 2تشرين ثاني ٢٠١١ بمبادرتها حيث أمهلت فيها النظام السوري ثلاثة أيام للقبول بإرسال مراقبين عرب لتقصي الحقائق والأحداث الجارية في سورية  وقد وافق النظام بعد المماطلة على دخول المراقبين العرب وقدموا تقاريرهم بعد انتهاء عملهم ، وفي٢٣ /كانون الثاني من عام ٢٠١٢ طرحت الجامعة العربية مبادرتها بالإجماع و تقضي بأن تبدأ المعارضة السورية حوارا مع النظام لتشكيل حكومة انتقالية ثم يسلم الرئيس الأسد كامل صلاحياته الى نائبه الا ان النظام رفضها فتم تجميد عضوية الحكومة السورية في جامعة الدول العربية، وعلى إثر ذلك حولت جامعة الدول العربية الملف السوري إلى مجلس الأمن في 4شباط2012عندما تم استخدام الفيتو الروسي ضد مشروع المبادرة العربية. 

شكل انفجار مبنى الأمن القومي في ١٨ /تموز من عام ٢٠١٢ حدثاً مفصلياً في مسار الحراك السوري. حسم هذا الحدث جدلاً كان في بنية السلطة بين من يريد المضي في الحل السياسي أو الأمني وأصبح الرأي المسيطر في السلطة هو الدفع أكثر في إشراك الجيش والقوات المسلحة بعمليات قمع المتظاهرين والتصدي لمجموعات الجيش الحر في المدن والبلدات التي أصبحت تحت سيطرتهم فتم استخدام أحدث الأسلحة من مدفعية وصواريخ وبراميل متفجرة وطيران وأسلحة محرمة دولياً.

قبل انفجار مبنى الأمن القومي بدمشق كان   قد صدر بيان  جنيف ١ بتاريخ ٣٠/٦ / ٢٠١٢على إثر اجتماع عقد في جنيف لمجموعة العمل الدولية وأبرز ما جاء فيه تأكيده على أهمية المرحلة الانتقالية كإطار لحل الأزمة السورية وأن تتضمن هيئة حكم انتقالي بسلطات تنفيذية كاملة تكون من المعارضة والنظام وأن يتم تشكيلها على اساس من القبول المتبادل من الطرفين وعلى أن يتم مراجعة النظام الدستوري والقانوني في سوريا وعلى أن المفاوضات يجب ان يشارك فيها كافة السوريين وأنه يجب أن تكون التسوية قابلة للتحقق في مناخ من الأمن والهدوء والاستقرار للجميع وعلى ضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة وتعددية ….. الخ.

 لم يحسم بيان جنيف ١ موضوع الرئاسة أو مستقبل الرئيس الأسد خلال المرحلة الانتقالية ولا بعدها وبقي الخلاف قائما حول تلك المسألة بين الروس والأمريكان حيث خرج كل من وزير الخارجية الأمريكي ووزير الخارجية الروسي ليقدم كل منهما تصريحات متضاربة حول مستقبل الرئيس السوري في العملية السياسية. 

كان ظهور داعش (الدولة الاسلامية في العراق والشام- داعش) في العراق وسورية بتاريخ 9 نيسان 2013 إلى ٢٠١٧ الحدث الأهم في  تاريخ الازمة السورية وفي المنطقة حيث أعتبر هذا التنظيم المسلح من أخطر التنظيمات الإسلامية المتطرفة باعتباره كان يتبع فكر الجماعات الإسلامية الجهادية ويهدف إلى إعادة الخلافة الإسلامية وانتشر بسرعة بالعراق ( الموصل والانبار وكركوك وصلاح الدين ونينوى )ثم امتد في أغلب المناطق الشرقية من سوريا وجعل من مدينة الرقة عاصمة له  فادرج  التنظيم كمنظمة إرهابية لدى الأمم المتحدة (القرار 2170 في 15 آب 2014) والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي  . 

طرح داعش مفهوم له، الهوية السنية مقابل الهوية الشيعية والكردية، ثم انتقل إلى الفضاء العسكري وتشكيل جماعات (ميليشيات مسلحة) واعتمد مفاهيم الجهاد وفقه التوحش والدماء واستطاع ان يبني دولته في العراق وسورية وقد استقبل الأهالي في تلك المناطق في أول الأمر تلك الحركة بالترحاب ليس إيمانا بها ولا برسالتها وإنما شماتة بالأنظمة في كل من العراق وسورية كما استطاع أن يستقطب ألاف المقاتلين بالداخل والخارج بفضل ملايين الدولارات الموجودة في خزائنه. أصبحت تلك الحركة الجهادية العدو الأول اقليمياً  ودولياً بسبب امتداد عملياتها الجهادية إلى وسط أوربا وأمريكا فشكلت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفا دوليا ضد داعش يضم أكثر من ٦٠ دولة فتراجعت الأزمة السورية من سلم اهتمامات المجتمع الإقليمي والدولي إلى المرتبة الثالثة أو الرابعة وأصبح الهدف الأول عندهم محاربة إرهاب الدولة الإسلامية في العراق والشام والقضاء عليها وتأمين ما يسمى استقرار المنطقة ودولها، وأصبح هذا التحالف يتعامل سياسيا وأمنيا مع الدول والجماعات التي تملك امكانية محاربة داعش ومنع انتشاره.

في /١٨ /١2/٢٠١٥ تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بمسودة قرار لمجلس الأمن تمت الموافقة عليه بالإجماع وصدر القرار الدولي الخاص بسورية تحت رقم ٢٢٥٤ مؤكداً على ضرورة قيام جميع أطراف الأزمة السورية بتدابير بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة للمساهمة في جدوى العملية السياسية ووقف إطلاق النار الدائم ويعرب القرار  عن دعمه لعملية بقيادة سورية تيسرها الامم المتحدة وتقيم حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية ، كما حدد القرار جدولاً زمنيا للحكم والعملية السياسية و صياغة دستور جديد ويدعوا إلى إطلاق سراح أي شخص محتجز بشكل تعسفي كما يدعو المجموعة الدولية لدعم سورية إلى استخدام نفوذها فورا لتحقيق هذه الغايات والى التنفيذ الكامل للقرارات الدولية الصادرة وذات الشأن بالمسألة السورية والى التوقف الفوري للهجمات ضد المدنيين وعلى أهداف مدنية والى منع أي استخدام ضد المرافق الطبية وأي  استخدام عشوائي للأسلحة والى بناء الظروف للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والمشردين داخلياً والى إعادة التأهيل للمناطق المتضررة . 

شكل لقاء وزير الخارجية الأمريكي جون كيري آنذاك مع الرئيس الروسي بوتن بتاريخ ١٥/ 1١ / ٢٠١٥ الأساس الذي بني عليه نص القرار الدولي ٢٢٥٤ بصيغته التوافقية  ، كما كان أساسا بالنسبة للعلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في كل ما يتعلق على الاقل بالأزمة السورية  لذلك جاء القرار غامضاً ومربكاً في المواضيع التي لم يتم الاتفاق عليها وتحديدا فيما يتعلق بمستقبل الرئيس الاسد السياسي رغم إشارته إلى “السعي إلى كفالة التنفيذ الكامل لبيان جنيف كأساس لانتقال سياسي بقيادة سورية”  ، ومع هذا فإن القرار الدولي ٢٢٥٤ لعام ٢٠١٥ يحتوي على نصوص مهمة يبنى عليها المسار التفاوضي الذي على ما يبدو هو المسار الاجباري حتى الآن الذي  قد يؤدي الى حل سياسي.

بفعل الضغوط الدولية على المعارضة والنظام، استمرت العملية التفاوضية في جنيف (منذ يوم 29كانون ثاني 2016) رغم تعثرها وفقا للسلال الأربعة (سلة المرحلة الانتقالية وتشكيل هيئة حكم انتقالي وسلة صياغة دستور جديد او اصلاح دستوري وسلة الانتخابات وسلة الارهاب) التي حددها المبعوث الدولي استيفان دي مستورا.

فور صدور القرار الدولي ٢٢٥٤ المنوه عنه صرح الأمين العام للأمم المتحدة، أن وفود الحكومة السورية والمعارضة السورية على استعداد لاستئناف محادثات سورية – سورية بوساطة المبعوث الخاص ستيفان دي مستورة وذلك على النحو المبين في بيان جنيف١ وعلى التنفيذ الفوري لتدابير بناء الثقة وعلى التنفيذ الكامل للقرار الدولي ٢٢٥٤ ، كما صرح نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية إن تبني مجلس الامن للقرار الدولي ٢٢٥٤ بالإجماع بشأن سورية قد منح المجال وللمرة الاولى بان يكون هناك فرصة لمعالجة جدية للازمة السورية على أساس مرجعية بيان جنيف وبيانات فيينا الصادرة عن المجموعة الدولية الخاصة بسورية(تشرين أول وتشرين ثاني2015). 

  لم تكن مسائل الخلاف المذكورة ( مستقبل الرئيس السوري  و موضوع المرحلة الانتقالية وتشكيل هيئة حكم انتقالي )هي الوحيدة خلال المفاوضات الجارية في جنيف وإنما أضاف النظام إليها ايضا موضوع عدم وحدة  المعارضة وعدم صلاحية وفد المعارضة المفاوض الموجود في جنيف والمعروف بوفد (رياض ١ ) او وفد الهيئة العليا للمفاوضات المشكلة في مؤتمر الرياض في تاريخ 8-10كانون أول ٢٠١٥ هو الممثل لجميع اطراف المعارضة السورية ، هذا وقد فرضت تلك الخلافات نفسها على مجرى المفاوضات في جنيف بجولاتها التسع وكانت من الأسباب الجوهرية التي أنهت الهيئة العامة للمفاوضات برئاسة رياض حجاب وتشكيل هيئة التفاوض ( رياض٢ ) برئاسة نصر الحريري وإشراك منصتي القاهرة وموسكو بها في تشرين الثاني من عام ٢٠١٧ واستبعاد أي شرط مسبق في المفاوضات.

بذل مبعوثي الأمم المتحدة بالأزمة السوري ابتداء بالسيد كوفي عنان ومرورا بالأخضر الإبراهيمي وانتهاء بالسيد ستيفان دي مستورا جهودهم الحثيثة للوصول إلى حل سياسي وفق القرارات الدولية ذات الصلة بالأزمة الدولية و رغم كل الدعم المقدم لهم من المؤسسة الدولية الا أنهم فشلوا في مهمتهم بسبب عدم وجود الرغبة لدى الفاعلين الدوليين والإقليميين للوصول الى حل سياسي ينهي الصراع القائم ، هذا ولايزال المبعوث الدولي الحالي غير بيدرسون عاجزا عن تحقيق أي اختراق في الحل السياسي باستثناء عقده اجتماعيين فاشلين بجنيف في سلة اللجنة الدستورية في نهاية عام ٢٠١٩ثم اجتماع أكثر نجاحاً في آب 2020.

لم يكن التوافق الأمريكي _ الروسي حول القرار الدولي ٢٢٥٤ لعام ٢٠١٥ الخاص بالأزمة السورية  هو التوافق الاول ولن يكون الاخير ، فقد سبقه توافقاً صدر بموجبه بيان جنيف ١ لعام ٢٠١٢ الذي كان الأساس لحل سياسي تفاوضي بالأزمة السورية، كما سبقه توافق معلن   في جنيف في تاريخ ١٤ /٩/٢٠١٣  وضع حداً لضربة أمريكية  على سورية بعد  استخدام السلاح الكيماوي في 20آب2013 ضد مناطق سيطرة المعارضة المسلحة بالغوطة  ووضع آلية للتخلص من الأسلحة الكيمياوية في سورية وأدى أيضأ الى اعتراف سورية وانضمامها إلى اتفاقية حظر الاسلحة الكيمياوية. 

في مسار الأزمة السورية لم تكن السياسة الأمريكية فيها ثابته ولا مستقرة وهذا على خلاف السياسة الروسية التي كانت داعمة دبلوماسياً وعسكرياً للنظام منذ بداية الأزمة، فالإدارة الأمريكية برئاسة أوباما نأت بنفسها من بداية الازمة السورية عن التدخل العسكري فيها وكان مسؤولي الإدارة يصرحون باستمرار أن لا حل عسكري للأزمة السورية وأن الحل السياسي هو الحل الوحيد. 

إلا أنها ومع اتساع رقعة الاحتجاجات ومع إصرار النظام علي حله الأمني- العسكري وتغوله في قمع الاحتجاجات حددت موقفاً مؤيداً لحراك الشعب السوري ودعمت الجيش الحر بالمال ووضعت برنامجاً زمنياً لتدريب عناصره المسلحة وسلحته بأسلحة دفاعية متوسطة وطالبت بتنحي الرئيس عن السلطة، ولكن مع تنامي ظاهرة العسكرة وأسلمة الحراك الشعبي وهيمنة الجماعات الجهادية على ساحة الصراع في الأزمة السورية ومع فشل تجربتي الحركات الإسلامية في ليبيا في إدارة الدولة وبعد الهجوم الإرهابي على السفارة الامريكية في ليبيا ومقتل السفير الأمريكي فيها في 11 أيلول 2012، ومع تزايد حدة خلافاتها مع الحكومة التركية التي تدعم الحركات الإسلامية كل هذه العوامل مجتمعة دفعت الإدارة الأمريكية إلى تغيير سياساتها الداعمة للائتلاف وللجيش الحر فأوقفت تقديم السلاح والتدريب له وبدأت تسعى بالتنسيق مع روسيا لإنجاح حل سياسي بالأزمة السورية وفق بيان جنيف ١ والقرار الدولي ٢٢٥٤ لعام ٢٠١٥ من جهة، ومن جهة أخرى بدأت بإرسال قواتها إلى سوريا منذ يوم 30 أيلول 2015 مبررة ذلك لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق واحتواء التمدد الايراني في المنطقة، وكانت أولى ضرباتها الجوية على داعش في ٢٣ /٩/٢٠١٤ وخلال مدة قصيرة توسع التدخل في سوريا حتى وصل عدد القواعد العسكرية الأمريكية فيها إلى عشرون قاعدة حسب وكالة سبوتنك الروسية وأغلبها موجودة في مناطق البترول والغاز، هذا ورغم التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي ترمب بسحب القوات الأمريكية من سوريا  فإن هذا الوجود الأمريكي  يعد  حاليا محكوما في جزء منه وغير المعلن بالنفط وهو أمر نجد تبريره في الصلات التي تربط إدارة ترمب بشركات النفط الأمريكية.  

كان للتدخل الروسي العسكري – الجوي المباشر في ٣٠/ايلول من عام ٢٠١٥ الأثر الفعال في وقف الانهيارات المتسارعة في الوضع العسكري للنظام، كما أدى إلى وقف التقدم الذي احرزته التنظيمات الاسلامية المسلحة عند أطراف مدينة دمشق وفي العديد من المدن السورية مثل ادلب وحلب واللاذقية ، وحاول الروس بعد تدخلهم العسكري المباشر في سورية ونجاحهم بمساعدة قوات وميليشيات ايرانية وعراقية في أحداث تغيرات جوهرية على الأرض لصالح النظام أن يدخلوا الى العملية السياسية من خلال الالتفاف على مسار جنيف السياسي عبر المؤتمرات العديدة في أستانا التي بدأت في ٢٣/كانون الثاني لعام ٢٠١٧ مع الجناح  العسكري (للجيش الحر) حيث تزعم الوفد آنذاك محمد علوش ثم العميد احمد البري ،حيث  انحصرت المفاوضات في لقاءات الأستانا في القضايا العسكرية والانسانية ورفض الوفد العسكري للمعارضة الدخول في اي مسار سياسي كما طرح الروس خلال الاجتماعات مسودة دستور جديد لسوريا فلم يلق اي قبول من الوفد العسكري وكانت أهم المسائل التي اتفقوا عليها محاربة تنظيم الدولة الإسلامية ووحدة الأراضي السورية ووقف إطلاق النار وتحديد مناطق خفض التوتر في محافظات ادلب واللاذقية وحلب ومناطق من حماة وحمص . كما حاول الروس وعبر محادثات فيينا في ٢٥ /١ لعام ٢٠١٨ الضغط على هيئة التفاوض لرياض ٢ لحضور مؤتمر سوتشي (29-30 كانون ثاني 2018) الذي دعوا اليه بقصد وضع دستور جديد لسوريا الا أنهم لم ينجحوا بسبب تخوف هيئة التفاوض في أن يكون مؤتمر سوتشي بديلا عن مسار جنيف. 

 لم يأتي التدخل الروسي المباشر بالأزمة السورية من خلال مغامرة غير مدروسة وإنما أتى عبر صفقة مع الامريكان والغرب وليس فقط لإنقاذ النظام من السقوط وإنهاء الأزمة في سوريا وتحقيق الاستقرار فيها وفي المنطقة واحتواء المد الإيراني في كل من سورية ولبنان والعراق بعد أن قررت الإدارة الأمريكية آنذاك الانسحاب من المنطقة، وإنما كان ايضا ضمن حسابات استراتيجية أوسع لدى القادة الروس  ، فقد كان  فرصة أمامهم لتوكيد دور روسيا على المستوى الدولي وفي الشرق الأوسط خصوصا وأيضاً في إطار  تحقق حلم الروس بالوصول للمياه الدافئة. والسؤال المطروح الآن في أوساط عديدة، هل تستطيع روسيا تحقيق تغيير سياسي وفقا للقرارات الدولية ذات الصلة بسوريا في ظل تواجد ايراني واسع عسكري اقتصادي واجتماعي وثقافي فيها، ورافض لأي تغيير؟


القسوة غير المبررة لعقوبات ترامب على سوريا الجديدة
جوشوا لانديس وستيفن سيمون

موقع فورين أفيرز
17 آب 2020

في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوبات جديدة شديدة الصرامة وواسعة النطاق ضد الحكومة السورية وداعميها. يخضع الرئيس السوري بشار الأسد ومسؤولون كبار آخرون للعقوبات الأمريكية منذ عام 2011، لكن الإجراءات الجديدة، التي دخلت حيز التنفيذ في منتصف حزيران (يونيو)، كاسحة: فهي تنطبق على أي شخص، سوري أو غير سوري، يساعد أو يفعل التعامل مع نظام الأسد أو مع أي كيانات يسيطر عليها.

حازت السياسة على الثناء في بعض الأوساط – مقارنة بالعديد من الإجراءات في الشرق الأوسط في عهد ترامب، فهي على الأقل متماسكة. لكنها فشلت في دفع أي مصالح أمريكية أساسية. علاوة على ذلك، فإنه يزيد من إفقار الشعب السوري ،ويمنع جهود إعادة الإعمار، ويخنق الاقتصاد الذي يدعم السكان اليائسين خلال الأزمات الإنسانية والصحية العامة المتزايدة في سوريا. وفقًا للممثل الأمريكي الخاص لسوريا جيمس جيفري، فإن أهداف سياسة الأرض المحروقة هذه هي تحويل سوريا إلى “مستنقع” لروسيا واكتساب نفوذ كافٍ لإعادة تشكيل الحكومة السورية على غرار الخطوط التي فرضتها الولايات المتحدة على اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. أكد جيفري أن الولايات المتحدة تسعى إلى “تحول جذري” في سلوك النظام السوري: من الناحية النظرية، فإن إفلاس الحكومة السورية بشكل منهجي قد يجبر الأسد على الامتثال لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، الذي يتطلب إصلاحًا سياسيًا سوريًا. 

لزيادة الضغط ، أيدت الولايات المتحدة الضربات الإسرائيلية ضد الأراضي السورية ومصادرة تركيا لموارد الطاقة السورية. كما أغلقت الطريق السريع الرئيسي المؤدي إلى بغداد لخنق التجارة. سياسة الولايات المتحدة والانتفاضة السورية في عام 2011 ، شرع الرئيس الأمريكي باراك أوباما والزعماء الأوروبيون في حملة صليبية لإجبار الأسد على التنحي عن السلطة. 

لقد افترضوا أن حكومة بديلة فاضلة كانت تنتظر في الأجنحة – لكن شخصيات المعارضة السورية المتعلمة في الغرب والتي عملت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على ترسيخها لم يكن لها أي تأثير على الأرض ، ومحاولات بقيادة الولايات المتحدة لتوحيد السوريين. فشلت المعارضة. في عام 2012 ، أحصت وكالة المخابرات المركزية أكثر من 1500 ميليشيا معارضة في سوريا. بحلول الوقت الذي تدخلت فيه روسيا في عام 2015 ، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون في الخوف من أن هذه الجماعات قد فقدت السيطرة على الجهد العسكري ضد الأسد لصالح الجماعات الإسلامية المتطرفة ، مثل الدولة الإسلامية (أو داعش) والقاعدة.

تفترض حملة العقوبات الجديدة في واشنطن أن المستنقع الذي تخلقه الولايات المتحدة سيبتلع روسيا بطريقة ما. بالنسبة لمؤيدي هذه السياسة – خاصة أولئك الذين بلغوا سن الرشد في حقبة فيتنام – فإن مصطلح “المستنقع” هو مصطلح شديد الصدى ، يشير إلى الحرب التي قتلت 58000 أمريكي ، ومزقت المصداقية الأمريكية ، وأضعفت نسيج المجتمع الأمريكي. لكن مجرد تكرار هذا المصطلح التعويضي لن يحول المستنقع التاريخي للولايات المتحدة إلى روسيا. 

الحفاظ على الأسد هو أعظم نجاح في السياسة الخارجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ ضم شبه جزيرة القرم ، ويمكن لروسيا أن تبقي الرجل السوري القوي واقفاً على قدميه دون أن تدفع جزءاً بسيطاً من الثمن الرهيب الذي دفعته الولايات المتحدة في فيتنام. علاوة على ذلك ، ليس لدى الولايات المتحدة ما تكسبه من خلق مستنقع لروسيا. القيام بذلك لن يحسن موقعها الاستراتيجي في المنطقة ، أو ينقذ أرواح السوريين ، أو يقلل من التهديد الذي تشكله روسيا على الديمقراطية الأمريكية. يعد الحفاظ على الأسد أعظم نجاح لبوتين في السياسة الخارجية منذ ضم شبه جزيرة القرم. في العالم الحقيقي ، “المستنقع” هو ببساطة مصطلح مضلل لدولة فاشلة. 

والدول الفاشلة تترك سكانها عرضة للجوع والمرض والفقر وأمراء الحرب المفترسين. تتجاهل إدارة ترامب هذه الحقيقة المروعة بالإصرار على نجاح العقوبات. ومع ذلك ، هناك القليل من الأدلة على أن العقوبات الاقتصادية تحقق أهدافها. حتى العقوبات الأفضل تصميمًا يمكن أن تكون هزيمة ذاتية ، وتقوية الأنظمة التي صممت لإيذاء ومعاقبة المجتمعات التي كان من المفترض أن تحميها. إن تدمير الطبقة الوسطى في العراق في التسعينيات هو مثال على ذلك: فقد قتلت العقوبات الأمريكية مئات الآلاف من العراقيين. كان تأثيرها جنسانيًا ، ومعاقبة النساء والأطفال بشكل غير متناسب. 

إن الفكرة القائلة بأن العقوبات تنجح هي وهم لا يرحم. الحقيقة هي أن أصحاب الأسلحة يأكلون أولاً، والتنافس مع الأسد على من يمكنه إيذاء الفلاحين السوريين أكثر هو لعبة خاسرة لواشنطن. منطق العقوبات صممت إدارة ترامب العقوبات التي فرضتها الآن على سوريا لجعل إعادة الإعمار مستحيلة. تستهدف العقوبات قطاعات البناء والكهرباء والنفط ، وهي ضرورية لإعادة سوريا إلى قدميها. على الرغم من أن الولايات المتحدة تقول إنها “تحمي” حقول النفط السورية في الشمال الشرقي ، إلا أنها لم تمنح الحكومة السورية إمكانية الوصول لإصلاحها ، كما أن العقوبات الأمريكية تمنع أي شركة من أي جنسية من إصلاحها – ما لم ترغب الإدارة في استثناء . تم إجراء مثل هذا الاستثناء مؤخرًا لشركة أمريكية لإدارة حقول النفط ، لكن تسرب النفط يستمر في التصريف في نهري الخابور والفرات. لا تعاقب العقوبات الأمريكية الأشخاص الذين يحصلون على الكهرباء لساعة أو ساعتين فقط في اليوم ، ولكنها تسمم بيئتهم أيضًا.

بل إن العقوبات تمنع منظمات الإغاثة غير الأمريكية من تقديم مساعدات إعادة الإعمار. الاستثناءات الإنسانية غامضة بشكل متعمد ، وكذلك المتطلبات التي يتعين على الحكومة السورية الوفاء بها من أجل تخفيف العقوبات. ويهدف عدم اليقين هذا إلى ردع موردي المساعدات والمستثمرين الذين قد يساعدون سوريا على إعادة الإعمار ولكنهم لا يستطيعون أن يكونوا واثقين تمامًا من أنهم على استعداد للقيام بذلك. هذا التأثير المروع ، المعروف باسم الامتثال المفرط ، هو استجابة عقلانية للخوف من التورط غير المقصود في قضايا قانونية معقدة يمكن أن تدمر منظمة غير حكومية أو شركة. يواجه السوريون ، المحظورين من إعادة بناء بلدهم والسعي للحصول على مساعدات خارجية ، “مجاعة جماعية أو نزوح جماعي آخر” ، وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي. 

في عام 2011 ، بلغ معدل الفقر المدقع في سوريا أقل من1٪. لكن بحلول عام 2015 ، ارتفع معدل الفقر المدقع إلى 35 في المائة من السكان. في أواخر ربيع عام 2020 ، اقترب لبنان من الإفلاس ، وبدأ الاقتصاد السوري ، الذي تربطه علاقات عميقة وطويلة الأمد بالاقتصاد اللبناني ، بالخروج عن السيطرة. ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 209 في المائة العام الماضي ، والأدوية باهظة الثمن ونادرة. ارتفع عدد السوريين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي من 7.9 مليون إلى 9.3 مليون في ستة أشهر فقط ، وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي. 

لا تعاقب العقوبات الأمريكية الناس فحسب ، بل تسمم بيئتهم أيضًا. إن جلب المساعدات الإنسانية ومساعدات إعادة الإعمار إلى سوريا سوف يشمل بالضرورة حكومة البلاد ، التي تشتهر بالفساد. لكن المملكة العربية السعودية فاسدة أيضًا: لا يمكن لأحد القيام بأعمال تجارية هناك دون دفع ضريبة غير رسمية لأفراد العائلة المالكة. يجب على أولئك الذين يتعاملون مع حكومات هذه المنطقة والذين يسعون لمساعدتها على تجنب الانهيار أن يفهموا فساد النظام باعتباره تكلفة إضافية مؤسفة ولكن لا يمكن تجنبها. تشارك جماعات المعارضة أيضًا في ثقافة الفساد: دعا روبرت فورد ، سفير الولايات المتحدة السابق في سوريا ، دون جدوى مع ميليشيات المعارضة الرئيسية في البلاد لإعادة المواد التي نهبتها من مستودعات الفصائل التي تدعمها الولايات المتحدة. قامت الميليشيات المدعومة من الولايات المتحدة حول حلب بدورها بنهب أكثر من 1000 مصنع ، وجردتهم إلى أساساتهم الأسمنتية. 

وبالتالي ، فإن إيصال المساعدات سوف يستلزم عمليات تبادل متكررة بين مقدمي الخدمات المخصصين لتوجيه القيمة الكاملة للمساعدة إلى المستفيدين المقصودين وحكومة مصممة على توجيهها نحو مؤيديها. ستكون هذه العملية مرهقة ومخيبة للآمال لكلا الجانبين. لكن المساعدات سوف تمر. لماذا من غير المرجح أن تعمل العقوبات على الرغم من أن جيفري قال إن الولايات المتحدة لم تعد تسعى لتغيير النظام في سوريا ، إلا أن العديد من المدافعين عن العقوبات داخل إدارة ترامب ما زالوا يأملون في ذلك بالضبط. وهم يقولون إن آلام السوريين العاديين اليوم ستؤتي ثمارها ، لأن رحيل الأسد سيؤدي إلى مستقبل خالٍ من القمع والخوف. يقول خصومهم إن تغيير النظام من المرجح أن يطلق العنان
لجولة ثانية من الحرب الأهلية بعد انهيار الدولة وأن سوريا يمكن أن تغرق في الفوضى لعقد آخر. 

تكمن مشكلة المدافعين عن هذه العقوبات في عدم وجود دليل يدعم ادعائهم المضاد – وهو أن تدمير الدولة الاستبدادية سيحسن حقوق الإنسان – ويمكن لخصومهم الإشارة إلى الفوضى الدموية التي أحدثها تغيير النظام في العراق وليبيا. اقترح صانعو السياسة الأمريكيون أن الأسد وداعميه سيتبنون طواعية طريق الأمم المتحدة إلى الأمام ، معتمدين “مجموعة جديدة تمامًا من السلوكيات” من أجل “الخروج من هذه العقوبات”. لكن الفكرة القائلة بأن الأسد سيقبل بحرية خطة الأمم المتحدة – التي تدعو إلى انتخابات نزيهة ، ووضع دستور جديد، و “حكم ذي مصداقية وشاملة وغير طائفية” – منفصلة عن الواقع. عمليا، القيام بذلك سيعني الإطاحة بالأسد ، وهو يعرف ذلك. لقد انتصر الأسد وأنصاره في الحرب الأهلية في البلاد رغم احتمالات كبيرة. لم يتصدعوا عندما ذبح المتمردون فريق الأمن القومي بأكمله في وقت مبكر من الحرب. 

لم يتصدعوا عندما فقدوا تدمر أو إدلب أو نصف حلب أو حقول النفط أو الشمال الشرقي أو الجنوب الشرقي ؛ لقد تجاهلوا حملة قصف ترامب التي استمرت 60 ثانية. وصمدوا أمام جهد أمريكي نشط لتجهيز وتدريب المعارضة المسلحة. إذا لم تهزم تسع سنوات من العنف الوحشي الذي أودى بحياة حوالي 100000علوي – واحد من كل 25 – الأسد وجيشه ، فمن غير المرجح أن تزعجه الحصار الاقتصادي. الحقيقة أن العقوبات لن تحقق العدالة للأسد ولا رحمة للشعب السوري. قادت الولايات المتحدة ذات مرة نظامًا ليبراليًا دوليًا قائمًا على الاقتناع بأن التجارة الحرة والطبقة الوسطى الحيوية ستنتج حكمًا ديمقراطيًا ورفاهية مجتمعية. 

اليوم ، تحاول إدارة ترامب إقناع العالم بالعكس – أن الإفقار وتقييد التجارة سيجلب الحرية والتقدم. كلما أعادت الولايات المتحدة النظر في سياستها العقابية تجاه سوريا ، كلما أسرعت في تقديم مساهمة إيجابية في التنمية الإقليمية. من المرجح أن يوافق الأسد على تنازلات كبيرة من أجل الخروج من العقوبات ، لكن التنحي ليس من بينها.


الديمقراطية والإرهاب

جمال عامر

تأتي قيمة الديمقراطية من الحاجة الملحة والاستراتيجية لبناء مجتمع منظم يقود سفينته في الاتجاه الصحيح فالديمقراطية تحصر رموز الفساد والإخلال بالقانون وتطبيق سيادة القانون ويصبح للقانون رهبة عند الجميع – المشرعين –  الدولة – بقية أفراد الشعب.

سأتحدث عن الديمقراطية ليس من موقع تعليمي بل عبر طرح بذور حلول لمشاكل يعانيها مجتمعنا مع بعض الاختصار لأن ما أكتبه مقالة وليس دراسة لكن مقالة علمية تستند على المنهج العلمي وعلى مجموع الملاحظات العلمية للعلوم الاجتماعية.

الديمقراطية حكم الشعب وسيادة القانون ، هي المناخ الملائم لممارسة أوسع مجال من الرقابة الديمقراطية على مؤسسات الدولة ومراقبة المجتمع بتياراته السياسية والنقابية والعلمية وغيرها لمجراه النهائي ليضع الاستراتيجية الضرورية للوصول لأهداف معينة منها التنمية وحصر رموز الفساد وتحقيق رهبة القانون والقضاء على الارهاب العابر للحدود وفصل السلطات، فمن خلال الرقابة الديمقراطية الشعبية واصدار الصحف والمجلات وحرية المظاهرات وتشكيل الأحزاب وحرية الاجتماعات كلها تساهم في حصر الفساد وتنمية المجتمع ووسيلة لزوال الاقطاع السياسي والاقتصادي والديني والقضاء على جذور الارهاب الفكري والسياسي حيث تبين التجارب  أنَّ الارهاب جاء من بنيات اجتماعية متفككة وتعاني من فشل مشاريع التنمية والديمقراطية وسيادة القانون وتضخم الفساد والأزمات الاقتصادية الخانقة، فالممارسة الديمقراطية تنتج مجتمع مدني ديمقراطي سيد نفسه يفسح المجال للابداع والنقاش والنقد والبحث والاستقراء والقياس للوصول للأهداف المحددة.

تأتي ضرورات الديمقراطية ليس فقط في اقتلاع جذور الارهاب وارهاب الدولة وحصر الفساد وتنمية المجتمع ودمقرطة مؤسساته جميعهاً بل في إنجاز المهام الوطنية والقومية من تحرير الأراضي المغتصبة ودعم نضال الشعب الفلسطيني والتصدي للانحلال العدمي تجاه المسؤولية الوطنية  وتعزيز الروح القومية العروبية لتحقيق الوحدة العربية المنشودة كونها طريق لا بد منه من اجل انجاز المهام القومية الديمقراطية وتحقيق الاستقلال وفك التبعية لشركات متعددة الجنسية والدول الإمبريالية وهذا يتعزز عندما يرى المواطن نفسه في موقع المسؤول والباحث عن الحلول والناقد والكاتب والجندي الأول.

فقط عندما تتحقق رهبة القانون وعدم تجاوزه واستغلال الثغرات به ولا سلطة بعد سلطة القانون الديمقراطي وفصل الدين عن الدولة وانجاز التحرر الوطني والقومي بالاقتصاد والسياسة والاجتماع يتحقق المجتمع الديمقراطي المدني المتجاوز لكل العلاقات ما قبل الوطنية والقومية فقط من خلال أداة الرقابة الديمقراطية والمساءلة الشفافة والمتاحة لكل القوى السياسية والمهنية.

العراق وسوريا يبينان أهمية احقاق الديمقراطية في العادات والتقاليد وتكوين الشخصية ونمو المسؤولية المواطنية، فقد بين مثال العراق تراكم الثغرات وقد كانت ممارسة الديكتاتورية طريق سهّل للاحتلال الخارجي فلم يؤمن الحكم الديكتاتوري  بنية اجتماعية متماسكة للتصدي ومجابهة  لأي عدوان واحتلال خارجيين وتبين التجربة السورية ومسار الأزمة السورية من احتلال وتدخلات خارجية أهمية تدعيم الوضع الداخلي لمواجهة الاستحقاقات الخارجية الوطنية والقومية والدولية ولا سبيل لإزالة خطر الاحتلال الخارجي من غير طريق تحقيق البرنامج الديمقراطي الذي هو  النقطة المشتركة بين غالبية قوى المعارضة السورية وقوى  المجتمع المدني.


هل يقترب العالم من حرب باردة بين الصين والولايات المتحدة؟

محمد سيد رصاص

جريدة “الأخبار” 9\9\2020

في يوم 23أيار\مايو2020 أعلن وزير خارجية الصين وانغ يي بأن “الصين والولايات المتحدة تقتربان من حرب باردة جديدة”.في يوم 24حزيران\يونيو2020قال روبرت أوبراين ،مستشار الأمن القومي الأميركي،بأن “الولايات المتحدة يقظة تجاه التهديد الذي يفرضه الحزب الشيوعي الصيني لنمطنا في الحياة..وهي تعمل على وقف انتشار أيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني..كنا ساذجين لمافكرنا بأن تحول الصين إلى دولة أغنى وأقوى سيدفع الحزب الشيوعي إلى التلبرل لملاقاة الآمال الديمقراطية للشعب الصيني..أيام السلبية والسذاجة الأميركية تجاه الصين قد انتهت”.

كان مفاجئاً تصريح الوزير الصيني،وهو يشبه ،ربما،خطاب وينستون تشرشل في آذار\مارس1946في كلية ويستمنستر،بمدينة فولتون بولاية ميسوري الأميركية،عندما تكلم عن “ستار حديدي يمتد بين بحري البلطيق والأدرياتيك”يقسم من خلاله ستالين شرق أوروبة عن غربها.لم تكن الحرب الباردة قد بدأت بعد وكانت أفكار السلام العالمي مازالت تحوم في الأفق مع تأسيس الأمم المتحدة ومع استمرار تماسك الحلفاء (الأميركان-السوفيات-البريطانيون)الذين هزموا الألمان واليابانيين لأشهر خلت من عام1945.أشعر تشرشل الغربيين بقشعريرة رهبة الحرب القادمة في وسط أجواء التفاؤل بالسلام،تماماً كمافعل في أيلول\سبتمبر1938عندما عارض اتفاقية ميونيخ بين رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشمبرلين وأدولف هتلر ،التي غضت البصر فيها بريطانية عن ابتلاع الألمان لتشيكوسلوفاكية.في الحالتين تنبأ تشرشل بنشوب الحرب بعد عام من تصريحه،وفي الحالتين نشبت الحرب العالمية الثانية في أيلول\سبتمبر1939والحرب الباردة في آذار\مارس1947 مع طرح “مبدأ ترومان “الذي قال بمساعدة الولايات المتحدة للدول التي تتعرض لتهديدات خارجية أوتمردات مسلحة في ظرف كانت الحرب الأهلية اليونانية مشتعلة  بين الشيوعيين والملكيين. الملفت، هنا، في تصريح مستشار الأمن القومي الأميركي هو تركيزه على الحزب الشيوعي الصيني وعلى أيديولوجيته، كما تحدثه عن “سذاجة” أميركية في مساعدة الصين تكنولوجياً واقتصادياً، لماكان طرح خطة الاصلاح الاقتصادي الصيني (كانون أول\ديسمبر1978) متزامناً بدء تطبيقها بالشهر التالي مع زيارة الزعيم الصيني (دينغ سياو بينغ) لواشنطن في شهر تلاقت الصين والولايات المتحدة ضد الغزو الفيتنامي لكمبوديا وفي شهر سبق بشهر الحرب الصينية مع الفيتناميين المدعومين من السوفيات. كان اليمين الأميركي ومنه ريتشارد نيكسون نائب الرئيس دوايت أيزنهاور في الخمسينيات يرى الصين الشيوعية أخطر من الاتحاد السوفياتي الذي اتجه لسياسة التعايش السلمي منذ نيكيتا خروتشوف الذي اختلف معه ماوتسي تونغ عام1960حول ذلك ، ولكن عندما استلم نيكسون الرئاسة عام1969نصحه مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر بالتقارب مع الصين للضغط على الكرملين من أجل موضوع  معاهدة ( سالت1 ) لتحديد متبادل ثنائي للسلاح الاستراتيجي ومن أجل الضغط على الفييتناميين من أجل جلبهم لمائدة المفاوضات.أتت زيارة كيسنجر السرية للصين(تموز1971)ثم زيارة نيكسون(شباط1972)في إطار ذلك. تابع الرئيس جيمي  كارتر عامي1979و1980ذلك التقارب مع الصين في ظل ازدياد الهجومية السوفياتية التي برزت مع غزو أفغانستان من قبل الكرملين(27كانون أول1979)وازداد هذا في زمن رونالد ريغان.قايض دينغ سياو بينغ تأييد الأميركان ضد السوفيات في السياسة بمكاسب في التكنولوجيا الغربية التي انفتحت أبوابها أمام الصينيين وبمكاسب في الاقتصاد،في وقت بدأ تطبيق (اقتصاد السوق)في الريف الصيني عام1980ثم في عام1987انفتحت الصين أمام الرأسمال الأجنبي وبدأت في تطبيق الرأسمالية الداخلية بقيادة الحزب الشيوعي مع احتفاظ (قطاع الدولة في الاقتصاد)بأقسام استراتيجية(سيطرة البنك المركزي على عملية تحديد قيمة العملة- الصناعات العسكرية- الهاي تكنيك..إلخ).كان رأي الشيوعيين الصينيين مثل رأي كارل ماركس وبخلاف لينين وماوتسي تونغ،بأنه لايمكن الدخول في الاشتراكية ببلد متخلف قبل استنفاذ كامل مراحل التطور الرأسمالي.الصين انتقلت خلال ثلاثين عاماً من بلد متخلف اقتصادياً  لكي تكون القوة الاقتصادية العالمية الثانية عام2010بعد الولايات المتحدة.

يلفت النظر، هنا، توحد باراك أوباما ودونالد ترامب، رغم خلافاتهما الأيديولوجية والسياسية العميقة، في رؤية الخطر الصيني.كان رأي المحافظين الجدد في زمن بوش الإبن بأن النمو الرأسمالي الصيني سيقود لليبرالية في الاقتصاد، وأن التعددية في الاقتصاد ستقوض الواحدية السياسية للحزب الشيوعي، وتقود إلى الديموقراطية التعددية.على الأرجح هذا مانعته أوبراين ب “السذاجة الأميركية”. من خلال ذلك جاءت الموافقة الأميركية على دخول الصين في منظمة التجارة العالمية عام2001. كان انفتاح دينغ سياو بينغ الاقتصادي مرتبطاً مع تشدده السياسي، وهذا ماأظهره ب يوم3حزيران\يونيو1989عندما أنزل الدبابات وسحق اعتصام الطلاب المطالبين بالتعددية السياسية في ساحة (تيان آن مين). على الأرجح كان واعياً لمخاطر بيريسترويكا صينية ولوجود محتمل لغورباتشيف صيني متمثلاً في أمين عام الحزب الشيوعي (زهاو زيانغ) الذي أسقط من منصبه بعد قليل من ماجرى في (تيان آن مين). يمكن، وهذا الأرجح أن الأمريكان لم يعوا تفكير (دينغ)، ولم يعوا بأنه يعرف عبارة فريدريك إنجلز:”الخسارة هي مصير أية حكومة تسمح لحركة معادية تتطلع إلى اسقاطها بالعمل في إطار القوانين”، وهي عبارة قالها إنجلز عام1890عندما ألغى القيصر الألماني قانون حظر الاشتراكيين الذي أصدره بسمارك في عام1878.

ولكن الآن يطرح السؤال نفسه بقوة: هل تملك الصين مقومات الاتحاد السوفياتي عام1947لكي تكون أحد طرفي حرب باردة مع الولايات المتحدة؟ قبل الإجابة على السؤال، من الواضح أن هناك رغبة أميركية في النزال مع الصين، كما يبدو من كلام أوبراين، ومن تصريحات عديدة للرئيس ترامب وللوزير بومبيو.هناك وعي أميركي بأن التهديد الوحيد لوضعية القطب الأميركي الواحد للعالم، والقائمة منذ عام1989مع هزيمة السوفيات في الحرب الباردة، هو التهديد الصيني.هذا كاف لوحده لكي يشعل حرباً باردة. في الحرب الباردة بين الأمريكان والسوفيات عندما لم تستخدم المجابهة المباشرة عسكرياً (رغم الاقتراب من حافة ذلك ب عامي1962و1973) كان هناك مشاريع أيديولوجية متضادة وحروب عسكرية بالوكالة واستقطابات دولية واقليمية متضادة وحروب اقتصادية وتكنولوجية. تملك الصين مقومات الدخول في نزال الحرب الباردة من خلال كونها عملاقاً  اقتصادياً يقترب من العملقة العسكرية مع تضاعف الانفاق العسكري الصيني لعشر مرات بين عامي2009و2019.تقوم الصين باستقطابات دولية عبر شراكات اقتصادية  طويلة المدى مع روسيا وايران ،وتستأجر مرافىء لعشرات السنوات في باكستان وميانمار من أجل تفادي المرور بمضيق مالاقا الرابط بين المحيطين الهندي والهادىء الذي يسيطر عليه الأميركان عند سنغافورة ، وتتغلغل الصين في افريقيا عبر مشاريع اقتصادية مع عملاق اقليمي اسمه إثيوبية.مع مؤشرات قدمتها شركة (هواوي)واضح أن الصين تتقدم كثيراً في الهاي- تكنيك. تملك الصين مقومات العملاق الاقتصادي الطامح للعملقة العسكرية-السياسية عبر دور عالمي، كماكانت ألمانية في فترة1871-1890قبل أن تكشر عن أنيابها وتقود العالم إلى حربين عالميتين.على مايبدو، الآن، لم تعد واشنطن في وضعية لندن لمااطمأنت إلى سياسة بسمارك (مستشار ألمانية ال موحدة1871-1890) غير الصدامية مع البريطانيين، من خلال رؤيته المتمثلة في عبارته:”ألمانية وحش بري، وبريطانية وحش بحري، ويجب أن لايتصادما”، وهي عبارة دفع ثمن تجاهلها ألمان الحربين العالميتين.

يمكن لذلك أن يؤهل الصين للنزال ولكن التوازن يقول بكفة تميل للأميركان: تملك واشنطن أيديولوجية واضحة، وهو مالاتملكه الصين، فيماكان ستالين يملك ذلك عام1947.هناك تفوق علمي-تكنولوجي أميركي بأشواط أمام الصين، مع تفوق عسكري واقتصادي. حسب “مصلحة الأبحاث في الكونغرس الأميركي”،بدراسة عن “تأثيرات كوفيد-19 في الاقتصاد العالمي”(26آذار2020)يمثل الدولار الأميركي 88%من حجم التداول النقدي الخارجي لدول العالم وثلثا موجودات النقد للبنوك المركزية العالمية ونصف موجودات النقد الأجنبي في البنوك غير الأميركية وهو يمثل ثلثي المستجلبات النقدية من البنوك والمحافظ النقدية من قبل الشركات الصناعية غير الأميركية.هناك عيوب بنيوية في الاقتصاد الصيني:41,7%من الصادرات الصينية عام2018هي لشركات أجنبية مسجلة في الصين،وكذلك 43,7%من واردات الصين هي لصالح هذه الشركات(“الصعود الاقتصادي الصيني”،دراسة في “مصلحة أبحاث الكونغرس الأميركي”،25حزيران2019).معظم الشركات الأجنبية وأقواها في الصين  هي أميركية،وحتى العجز التجاري الأميركي مع الصين ناتج  بمعظمه عن منتوجات تنتجها هذه الشركات الأميركية بالصين ثم تصدر لأميركا.تأتي نزعة ترامب نحو “القومية الاقتصادية”من أجل جلب تلك الشركات الأميركية للداخل الأميركي.

كتكثيف: الصين تملك من خلال الاقتصاد، الذي يحدد هو وليس السلاح النووي من هي الدولة العظمى أوالكبرى، مقومات منافسة (القطب الأميركي الواحد للعالم). هي في وضعية فرنسة أمام انكلترا بين عامي 1689و1815حتى هزيمة نابليون بونابرت في واترلو، وفي وضعية ألمانية أمام انكلترا بين عامي1890و1945. فلاديمير بوتين لايملك الآن هذه الوضعية أمام الأميركان الذين مازالوا حتى الآن القطب الواحد للعالم منذ هزيمة السوفيات بالحرب الباردة عام1989.


من زوايا الذاكرة (1953-1958)

الدكتور جون نسطة

من منطلق أن فرقتنا الحزبية من مجموعة طلاب، ومن مدرسة واحدة بدأنا بالعمل السياسي في صفوف الطلبة، ومع فرق طلابية شيوعية أخرى، نحرض على الاضرابات والخروج بمظاهرات تندد بالحكم الدكتاتوري لأديب الشيشكلي. وكانت المظاهرات تمر على دكاكين الباعة في حي بستان الديوان بحمص أولا وتطلب من الباعة الصغار اغلاق محلاتهم، وتنادي “سكر يا عرصا سكر”، فيضطرون لاغلاق محلاتهم لفترة مرور المظاهرة، ثم يعودون لفتحها مجدداً.

كانت المظاهرات تتجه نحو منتصف المدينة وأغلب الأحيان قبل وصولها لهدفها تتصدى لها الشرطة واغلبها من الشرطة السرية أو السياسية بألبسة مدنية، وتحاول القبض على الطلبة،وكنا نفر من أمامهم وهم يلاحقوننا.أحيانا نستطيع الفرار وأحيانا لا ننجح.

كان يرأس هذه المجموعة من الشرطة رجل حمصي في منتصف العمر إسمه أبو شمسو، الذي بعرف كل عائلات المدينة.كانوا عندما يقبضون على أحدنا يقودونه إلى فرع النظارة، وهناك كنا نتلقى بعض الصفعات على وجوهنا وأحيانا يضعوننا تحت الفلقة بعد خلع احذيتنا طبعا،ويضربون بعصا غليظة على سطوح أقدامنا، وكان أبو شمسو إذا تعرف على أحدنا، يكتفي بالاتصال بآبائنا ليحضروا إلى النظارة لاستلامنا بعد الطلب منهم بأن يحسنوا تربيتنا ومنعنا بالعمل بالسياسة. طبعا كانت اغلبيتنا من الصبية الصغار من العمر.

أحب في هذا المجال أن أروي حادثة ظريفة جرت في حمص.

قام أديب الشيشكلي بإجراء انتخابات برلمانية، بعد أن أسس تنظيم سياسي سماه جبهة التحرير، وجرى البحث عن مرشحين في كل محافظة. في العادة كان أحد نواب مدينة حمص عن المسيحيين إسمه عبد الله فركوح من الحزب الوطني يفوز دوماً في كل المجالس النيابية السابقة منذ عهد الاستقلال. ولأن الحزب الوطني وحزب الشعب والبعثي والشيوعي قاطعوا الإنتخابات. فقد طلبت السلطة من محام له سمعة طيبة ولم يكن سياسياً واسمه فيليب فركوح ان يرشح نفسه ففعل.ومن الطبيعي ان ينجح وهو على قائمة السلطة، كما في كل عهود الاستبداد.

سمعنا إبن عمتي المهندس الشيوعي البارز مدحت أبو خاطر (عليه الرحمة)، وانا، بأن أهالي حي الحميدية من المسيحيين، يرغبون بالذهاب إلى دار النائب الفائز بالانتخابات السيد فيليب فركوح بقصد تقديم التهاني.

وبما أن جدي لأبي وجدّ الاستاذ مدحت لأمه، كان من وجهاء الحي،

توقعنا ان يذهب الموكب برئاسة جدي إلى التهنئة.فقمنا سوية مدحت وأنا بزيارة جدنا ديب نسطه، وشرحنا له موقفنا من النظام الدكتاتوري ومن هذهِ الانتخابات المسخرة ومن نتائجها المزورة، ما أشبه البارحة باليوم، ورجوناه أن يمتنع أن يشارك في وفد المهنئين. وكان يحبنا كثيرا فوعدنا خيرا.

وفي اليوم التالي تجمع أهل الحي واتجهوا إلى دكان جدي طالبين منه بالحاح ان يسير في مقدمتهم.فأصابه الخجل فطاوعهم. وعند وصولهم إلى فناء دار آل فركوح الواسع، الممتليء بالمهنئين، صاح جدي بصوته الجهوري …يا فيليب جئنا إلى هنا لنهنئك تهنئة شخصيه بس ك…. أخت الشيشكلي.

هاج الجمع وماج دون ان ينبس أحدهم بكلمة. وتبسم النائب ابتسامة لطيفة ودعاهم للجلوس وتناول القهوة كما جرت العادة.وخرج جدي إلى داره وهو مرتاح الضمير لأنه أرضى أهل الحي وأرضانا، ابنة عمتي وأنا بنفس الوقت.

ديب نسطه كان رجلا أمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة ،عمل في شبابه،كما أغلبية اهل مدينة حمص بصناعة النسيج لكنه كان مختصا بتزيين الكوفيات السوداء من الحرير بخيوط من الذهب بواسطة مكوك صغير جدا وكان يستغرق عمله على كوفية واحدة أسبوعا كاملاً ويأخذ أجرته ليرة ذهبية كاملة،لندرة الصناع من هذا الإختصاص.ثم هاجر إلى الأرجنتين لعند إثنان من إخوته ،حاملا معه على الباخرة كميات كبيرة من العرق الذي كان مولعا بتعاطيه…ولم يطب له البقاء هناك طويلا فعاد إلى حمص .ثم بعد فترة ،قرر السفر الى المكسيك حيث يقيم ويعمل ثلاثة من أولاده منهم ابي،وثلاثة من إخوته .ومع ذلك لم يطب له البقاء هناك طويلاً بحجة ان بلداً ليس فيه عرق وأراكيل تنباك ليس صالحاً للحياة.

وعاد ومعه ثروة بددها بسرعةٍ واضطر لفتح دكان أو حانوت يشاركه فيه أحد معارفه ممن يجيدون الكتابة والقراءة.

ديب نسطه كان رجلا مربوع القامة لا طويلها ولا قصيرها يجيد رياضة السيف والترس، كان متفوقا بها، يشارك في حفلات المبارزة آلتي كانت تجري علنا في العديد من المحافظات في سوريا ولبنان.وكان المنتصر يجرح خصمه جرحا سطحيا بسيطا، غالبا على وجهه لكي تنتهي المبارزة.وظل وجهه وجبينه دائما بدون اية خدشة سالماً.

كان رجلاً جميل المحيا، عينان زرقاوتان يشعان كالمصباح في الظلام، وتحتهما شاربان أبيضان ضخمان مفتولان، يلبس القنباز من الجوخ الانكليزي في الشتاء، والصاي الحرير في الصيف، ويتزنر بشال عجمي بألوان جميلة، ويحتذي غالبا حذاءً من الجلد اللماع.

كان، وإن أطلت عليكم، رجلا شجاعا مهابا، كريما، ودودا. مرفها لنفسه ينام صيفاً وشتاءا في فراشه عارياً، ويستيقظ باكرا ليذهب إلى البئر في وسط داره ليغتسل بالماء البارد، متجها إلى بائع المغطوطة، هي فطور يعرفه القدامى من اهل حمص جميعاً، او إلى بائع الفطائر او الشعيبيات لتناول فطوره ومن ثم الى دكانه.

في نهاية شهر شباط (فبراير) من العام ١٩٥٤ قام ضباطا ًمن الجيش السوري في مواقع حلب وحماه وحمص على ما أذكر بعصيان او إنقلاب على أديب الشيشكلي، طالبين منه التنحي، فخرجنا جموعا كبيرة من الطلاب والاهالي إلى وسط المدينةَ وفيه موقع قيادةٍ الجيش، لتأييد العصيان تملئنا الفرحة والأمل، منشدين الأناشيد الوطنية والقومية والنضالية.

لم يمضِ يوم او يومان على ما أذكر، حتى أذاع أديب الشيشكلي بيانا من إذاعة دمشق يعلن فيه حرصه على دماء السوريين وخوفه من حرب أخوة السلاح،معلنا استقالته من رئاسة الجمهورية، وعزمه على مغادرة البلاد.

قام بالعصيان ضباطاً أغلبهم من البعثيين وعلى رأسهم في حلب مصطفى حمدون.

عمت البلاد فرحة كبيرة لا تضاهيها فرحة وخرجت الجموع من جماهير واسعة من العمال والفلاحين وأهل المدن بكافة تلاوينهم المهنية.وتولى رئاسة الوزارة محام معروف بالوطنية والنزاهة هو سعيد الغزي أعلن عن إجراء عملية انتخابات نيابية في شهر أيلول من نفس العام.

بدأ حزبنا الشيوعي يستعد لخوض المعركة الانتخابية المقبلة،وذلك بالإتصال بالرفاق الذين توقفوا عن النشاط السياسي،بسبب الدكتاتوريات المتعاقبة المسيطرة على الحكم،بدءاً  بانقلاب حسني الزعيم في آذار 1949 ثم سامي الحناوي وبعده الشيشكلي، التي نشرت الخوف والرعب بين الناس.وكذلك الإتصال بأصدقاء الحزب وأقيمت العلاقات المستجدة معهم. وكذلك أعادت بناء المنظمات الحزبية آلتي خرجت إلى العلنية بعد فترات العمل السري الطويلة.

وكان علينا نحن الطلبة ان ننتظم، أيضاً، في فرق حزبية في أحياء السكن أو أماكن تواجدنا اليومي. وهكذا انتظمت في فرقة حزبية في حي بستان الديوان أذكر بعض رفاقها منهم العامل في معمل سكر حمص زكي أبو فريوة، رجلاً مقداماً ينبض بالنشاط والحيوية، والرفيق اسبر بيطار، والياس غالي يعمل بالكهرباء، وغيرهم. وانتظمت أيضا بفرقة في حي المحطة حيث كنا نسكن. وكان معنا على ما أذكر الرفيق أكرم دلاور وشقيقه الأصغر أسعد أولاد الدكتور المشهور زكي دلاور وآخرين. وفي هذه الفرقة كان يشرف علينا ويعلمنا النظرية والممارسة رفيقنا الكبير ظهير عبد الصمد.

وأذكر بأن الحزب رشح إثنان من كوادره البارزين في حمص هما موريس صليبي وظهير عبد الصمد باسم مرشحي الجبهة الوطنية.وقامت كل منظمات الحزب بالعمل الدعائي لصالح المرشحين، وتنظيم العراضات والتجمعات في كافة أحياء المدينةَ للتعريف بمناقب الرفيقين النضالية والاخلاقية، واذكر خروجنا بعراضة من حي الحميدية اخترقت وسط المدينةَ وأسواقها المختلفة، قاصدين حي المحطة، حيث يقع منزل الرفيق المحامي موريس صليبي.

وكان كالعادة يقوم الرفيق نظير بطيخ الشاعر الزجلي والمنشد ذائع  الصيت محمولا على الاكتاف بنظم بعض الشعارات. وفي هذه العراضة أنشد يقول “تهنى يالشعب الفقير، رشحنا محمد ظهير”. لما وصلنا إلى الهدف قام الرفيق موريس صليبي من على شرفة بيته بإلقاء كلمة عرض فيها لأهداف الحزب في توطيد أركان الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومناصرة مطالب العمال والفلاحين وإقامة جبهة وطنية في وجه القوى الرجعية والاقطاعية.

وفي العاصمة دمشق قام الحزب بترشيح ثلاثة أسماء هم خالد بكداش، وجورج عويشق، ونصوح الغفري. وفي محافظة حلب تقدم الرفيق احمد محفل قائمة المرشحين، وفي محافظة الحسكة تم ترشيح ابراهيم بكري والشاعر الكردي جكر خوين ورفيق كردي آخر نسيت اسمه. وفي اللاذقية وطرطوس كان لنا مرشحين نسيت اسمائهم.

في حلب حصل الرفيق أحمد محفل على نسبة عالية من الأصوات ولكنه لم ينجح مثله مثل كافة المرشحين، ما عدا الرفيق خالد بكداش، الذي جاء نجاحه في المرتبة الثانية بعد الزعيم الدمشقي خالد العظم.

كان لنجاح خالد بكداش في الانتخابات النزيهة السورية في ايلول من العام 1954 أصداء عالمية واقليمية وداخلية كبيرة. كان النائب الشيوعي الاول في العالم العربي.

وعمت الفرحة والفخر كل الأوساط التقدمية في سوريا ولبنان والأردن وحتى في العراق.

كنت وقتها في الصف الثامن اعدادي أذهب الى المدرسة في النادر، وهذا ممكن في المدارس الخاصة، وخصوصاً مع وجود الأستاذ نعمان، وهو أستاذ متقاعد مسن، كانت مهمته من قبل إدارة المدرسة تسجيل أسماء المتغيبين من الطلاب، والذهاب الى أهاليهم يعلمهم بذلك ويسألهم عن أسباب التغيب، كنا مع الأسف نرشي الاستاذ نعمان فيغض النظر عن قيامه بواجبه.

كنت بالمقابل مواظباً على قراءة الكتب بنهم عجيب. فلقد قمت بقراءة جل الأدب الروسي والسوفييتي من تولستوي، دستويفسكي، غوغول، تشيخوف إلى مكسيم غوركي، وبقية روايات الحرب العالمية الثانية البطولية في مقاومة الغزاة الألمان ومن أهمها رواية “وبالحديد سفيناه”. 

ثم بدأت بقراءة الكتب العربية وعلى رأسها كتب المثقف التنويري الكبير سلامة موسى الذي تأثرت به كثيرا والشيخ الأحمر خالد محمد خالد وكتاب في الثقافة المصرية لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس. ثم انتقلت الى قراءة لا بل دراسة الكتب الفرنسية المترجمة حول الفلسفة الماركسية، ومن أهمها كتاب لجورج بوليتزر “أصول الفلسفة الماركسية”، وكتاب الفلسفة الماركسية لهنري لوفيفر، ولروجيه غارودي قبل أن يرتد عن الماركسية مقبلاً على أموال القذافي والسعودية متخلصاً من فقره وعوزه في الحزب الشيوعي الفرنسي.

كان هذا يتطلب مني أن أسهر الليل بكامله وبالتالي عدم الذهاب الى المدرسة إلا قليلاً وفي اليوم الذي نكون فيه في قيادةٍ المنظمة الحزبية قد قررنا الخروج بمظاهرة بغض النظر عن المناسبة الآن كان كل طلاب المدرسة عند رؤيتي، يعلمون فوراً بأن اليوم وبعد فرصة الساعة العاشرة ستخرج مظاهرة من المدرسة.

وبالمناسبة كان أغلب أساتذة صفي مرتاحون لغيابي، لأنني، مع الأسف، ومن باب النقد الذاتي الآن، كنت طالباً مشاغبا ً معاكسا ً، صاحب نكات، مقاطعاً، يصعب عليهم تلاوة الدرس بوجودي. وكان هذا ينعكس على علاماتي المتدنية، مما دفع أهلي إلى قرار بأن يدخلوني الى مدرسة داخلية في دمشق لدراسة الصف التاسع وفيه شهادة الكفاءة (البروفيه) الهامة. أدخلوني إلى مدرسة الروم الكاثوليك في حارة الزيتون في حي القصاع في دمشق والمعروفة بالمدرسة البطريركية.

كان يرأس هذه المدرسةِ راهب اسمه الأب هبة والناظر فيها راهب اسمه ابونا صارجي، وهو رجل في أواخر الستينات من العمر، من القساة الحازمين، شديد العقوبة مهاب الجانب، عملية الصفع وشد الشعر تتم لأتفه مخالفات الطلاب عنده.

في هذه المدرسةِ يسود نظاماً حديدياً بكل معنى الكلمة وخصوصاً في القسم الداخلي. كان علينا النوم في مهاجع في وقت مبكر ومعين تطفئ الكهرباء به ونمنع من الكلام حتى الصباح، ويوقظنا جرس عالي لنذهب الى المغاسل بإشراف أحد الرهبان ثم الى اللباس بتواتر سريع والكلام به ممنوع ثم الى المذاكرة الصباحية ثم الى الدرس الديني المسيحي، وغير المسيحيين من الطلاب، لا يفرض عليهم حضوره، ومن ثم في طابور إلى المطعم لتناول الفطور على مقاعد وطاولات خشبية قرعاء، نظل واقفين فيها إلى أن يقرع الجرس، بعد الأكل مع الصمت يقرع الراهب جرساً يسمح بعده الكلام مع صلاة الشكر. ثم نخرج الى باحة المدرسةِ بطابور صامت ايضاً، وبعد فرصة ربع ساعة ندخل الى صفوف المدرسة مع الطلبة الخارجيين. في فرصة الغذاء كان يجري الأمر كما في الصباح، ونسيت أن أذكر بأن بدء الطعام يجري بعد قرع الجرس والانتهاء منه بعد الجرس، شبع الواحد منا أم لم يشبع.

في وجبة العشاء كان يجري أمر مميز، حيث يتلو أحد الطلاب، بعد الطعام، في كتاب بالصوت العالي من روائع الروايات الأدبية، مثل قصة مدينتين لتشارلز ديكنز أو من رواية البؤساء لفيكتور هوغو. وكان ذلك ذو فائدة كبيرة بالنسبةِ لنا.

من هذه المدرسة طردت مرات عديدة لأسباب سياسية ودينية وكنت اعود بنفس اليوم ببعض الحنكة والدهاء بالذهاب إلى البطرك محتجا بأن الرهبان يضطهدونني لاني من الطائفة الأرثوذكسية، مما يجعله يتدخل لمصلحتي طبعاً.

لم يكن يسمح لنا بمغادرة المدرسة إلا في يوم الأحد فقط، كنت استغله للذهاب بزيارة إلى ابن بلدي ورفيقي حنا عبود، الذي كان موظفا في وزارة المالية ويدرس الأدب العربي في الجامعة. هذا الرجل كان على ذكاء مذهل واجتهاد مضني. كان عندما أزوره منشغلا بالرسم الزيتي لصورة كارل ماركس، وعندما يرتاح يبدأ معي في القراءة من كتاب “رأس المال”، وبعدها يذاكر معي في دروسي المدرسية وخصوصا في مادة قواعد اللغة. لقد تعلمت منه الكثير الكثير مما يخدمني الى الآن.

حنا عبود يعتبر الآن من أهم نقاد الأدب وله أكثر من 32 كتاباً في التأليف وخمسين كتاباً مترجماً.

الخلاصة في هذه المدرسةِ نلت شهادة الكفاءة وعدت إلى حمص مجدداً. وعندما ذهبت في شهر أيلول الى مدير المدرسة الاستاذ ندرة اليازجي لتسجيل نفسي في الصف العاشر لم يصدقني بأنني نجحتَ في فحص الكفاءة، حتى اضطررت لإحضار الجريدة وفيها اسمي من الناجحين منطلقاً ومعتمداً في ذلك إلى نتائجي في الصف الثامن.

في هذه المدرسةِ نلت شهادة الكفاءة وتعلمت الانتظام والانضباط الزمني والنظام الحديدي ودقة المواعيد. ومن الأستاذ حنا عبود اللغة العربية الفصحى وأسلوب التفكير العلمي.

دخلت مدرستي القديمة مجدداً، وكأنني إنسان جديد طالب مجتهد منضبط مواظب على دروسه، ومن الأوائل في علاماته، وكان من أحب المواد إلى نفسي مادة التاريخ ومن أحب الأساتذة محمود السباعي، الذي كان يكلفني أحياناً بإلقاء الدروس أمام الطلاب بدلا عنه، نظرا لثقته العلمية بي.

وعلى النطاق السياسي وجدت المدرسة تعج بالطلاب الشيوعيين أولاً والبعثيين ثانياً. لم يكن للقوميين الاجتماعيين السوريين ولا للإخوان المسلمين أي تواجد.

كنا نخرج بتظاهرات حاشدة تنديداً بحلف بغداد وبمشروع النقطة الرابعة وتأييداً لعبد الناصر بعد قرار تأميم شركة قناة السويس.ونهتف من أجل إقامة الجبهة الوطنية، الأمر الذي يجعلنا نتعارك مع زملائنا البعثيين من أجله، فهم كانوا يعتبرونه شعاراً حزبياً شيوعياً بحتاً، في حين كنا نرى فيه شعاراً عاماً يدعوا إلى التحالف معهم ومع بقية الوطنيين الديمقراطيين، مما يدعوا للضحك الآن. كنا أيضاً نهتف خارج السرب أيضاً: “عاش الحزب الشيوعي عاش بقيادة خالد بكداش”، فيرد البعثيون: “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”.

كنت أقرأ جريدة الحزب الشيوعي، أي جريدة النور يومياَ، وعلى الأغلب الافتتاحية منها واقرأ جريدة الرأي العام لصاحبها احمد عسه ورئيس تحريرها التقدمي جبران كورية.

وكنت، في هذه الفترة قد انتسبت وصديقي المزمن وإلى اليوم عون جبور إلى ناد فني ثقافي موسيقي يدعى دار الألحان حيث كان أخي الأكبر مني سناً، فيليب نسطه عضواً فيه يعزف على آلة موسيقية حديثة اسمها الماندولين. كنا عون وأنا وفيما بعد زميلنا الشيوعي أيضا رامز غطاس نذهب يومياً مساءً الى هناك ونستمع الى البروفات الموسيقية والغنائية ونقوم بتدريبات مسرحية بإشراف الممثل والمخرج القدير الأستاذ محمود طليمات، اذ كنا نحن الثلاثة لا نتقن العزف، لذلك أصبحنا ممثلين.

هذا النادي ضم موسيقيين وملحنين مهمين جدا أذكر منهم عبد الحميد طرابلسي. وبالمناسبة هو شقيق عبد المجيد طرابلسي زعيم حركة الإخوان المسلمين في حمص (وزير الأوقاف بالثمانينيات)، والتاجر وعازف العود محمود الفاخوري وغيرهم. كنا نقيم حفلة فنية في كل شهر تقريباً تضم الموسيقى والغناء والمسرح.

وأذكر بأنني قمت بدور مهم في مسرحية البخلاء لفولتير وبدور هارون الرشيد بمسرحية أخرى، والذي أدى دور أبو النواس الممثل المبدع الخارق ماهر عيون السود. وفي العودة الى السياسة مرة أخرى كان من مميزات منظمتنا الحزبية في المدرسةِ أنها كانت منظمة خارقة للطوائف وتضم أعضاء من عائلات حمصية سنية مرموقة. أتاسي ودروبي وبني وموصلي وسباعي وكلاليب الخ ومن جملة رفاقي واصدقائي المقربين أذكر محمد حسان الأتاسي حفيد الرئيس هاشم الأتاسي لأنه ووالده قاضي محكمة الجنايات الأستاذ النزيه حسن الاتاسي، ونضال الاتاسي البعثي علنياً والشيوعي سرياً. وتمام الموصلي. ومن الأصدقاء صبيح وعادل وتوفيق الأتاسي.

وأحب أن أذكر حادثة مهمة تدل على وطنية ووفاء للحزب من قبل حسان الأتاسي أطال الله من عمره. حيث كنا مرة في زيارة أحد اصدقائنا ودخل علينا جار له، لا أود ذكر إسمه، يعمل مهربا بين بلغاريا وسوريا، له علاقات مشبوهة من أمرها، بمخابرات دولية. ولما سمع بوجود الرفيق حسان الأتاسي بيننا توجه اليه بالقول طمن والدتك بان شقيقها عدنان الأتاسي سيخرج قريبآ من السجن.

كان عدنان الاتاسي ابن هاشم الاتاسي محكوما عليه بالسجن المؤبد بحكم قضائي سوري لاشتراكه في مؤامرة ستون الشهيرة على ما أذكر عام 1957 التي دبرتها واشنطن. ظننا نحن بأن المذكور لا ينطق عن هوى، وإنما ربما هناك مؤامرة يخطط لها بالسر للقيام بالإطاحة بالنظام الوطني وإطلاق سراح عدنان الأتاسي ورفاقه. تداولنا بالأمر حسان وعون وانا وقررنا الذهاب إلى الرفيق واصل فيصل مسؤول منطقية الحزب في حمص وإحاطته علما بالموضوع. طلب واصل فيصل من الرفيق حسان الأتاسي أن يذهب بنفسه الى المدعو عبدو حكيم، جلاد الشيوعيين في عهد الوحدة وقاتل أول شهيد شيوعي خلالها الرفيق الشهيد سعيد الدروبي، واخباره بالقصة وعلمنا بعدها بأن المخابرات ألقت القبض على الرجل المشبوه المذكور سابقاً.

هذه الحادثة تدل على مدى وطنية وشيوعية حسان الأتاسي.

واذكر حادثة أخرى مهمة أخرى.

عندما علمنا بعودة الرفيق خالد بكداش من موسكو برفقة وزير الدفاع الأستاذ خالد العظم بعد توقيع معاهدات دفاع وأسلحة مع الاتحاد السوفياتي، قرر الحزب اقامة استقبال شعبي في مطار المزة. فتوجهت خمسة باصات من مدينة حمص ركابها كلهم شيوعيون واصدقاء لهم وكنت طبعاً من ضمنهم. وصلنا دمشق وكانت الجموع تغني: “هلهلت الشام وكالت (قالت) يا هلا بالزايرنا، ياهلا برفاك (برفاق) خالد والشيوعية أجمعينا”.

بعد أن وصلنا إلى وسط المدينةَ وفي نقطة تجمع معينة صعد إلى الباص الذي كنت متواجد به، الرفيق موريس صليبي وطلب منا العودة الى حمص فورا. ولما سألنا محتجين عن السبب، أجابنا بأن الحشود كبيرة جداً ولا ترغب قيادة الحزب بإخافة البرجوازية من تعاظم جماهيريته.

رجعنا فعلا مكسورو الخاطر حزانى.

في طريق العودة كنا ننشد أناشيد وطنية وشيوعية. ومن ضمنها نشيد من كلمات وتلحين الأستاذ عبد الحميد الطرابلسي والذي مطلعه، بمناسبة حرب العدوان الثلاثي على مصر:

اعصفي يا مصر ريحاً صرصراً يوم القتال ودعي الأهرام تنشق سيوفا وعوالي

كانت مرحلة الأعوام 1954-1958 من أروع مراحل عمري السياسية. وكانت سوريا واحة من واحات الديموقراطية، وبلد يشع على آسيا وأفريقيا والعالم الثالث.

ازدهرت الصحافة وانتعشت حريات النقابات وتأسست الجمعيات والنوادي ومنظمات المجتمع المدني المختلفة وازدهر النشاط البرلماني وصدرت العديد من القوانين التقدمية. ولا زلت الى اليوم أقول: “أحلم بالعودة الى ذلك الزمان الجميل”.


لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا