الحزب الشيوعي السوداني (1946 – 1971)

الحزب الشيوعي السوداني (1946 – 1971)

محمد سيد رصاص

                                  (دراسة منشورة في المجلد الأول لكتاب “الأحزاب والحركات اليسارية في الوطن العربي” الصادر عن المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق 2003، ص ص 458- 506.الدراسة كتبت في عام 2002)

لتحميل الدراسة بصيغة بي دي إف اضغط هنا

ظروف النشأة:

ليس السودان وحدة جغرافية واحدة، بالأصل جغرافياً، بل حصلت وحدته عبر الخارج، أولاً من قبل مصر محمد علي الذي اشتغل لحساب الأتراك في عام 1821، واستطاع الامتداد إلى الجنوب في عام 1839، طامحاً لتجنيد العبيد وبالذهب للتحكم بمنابع النيل، وثانياً عبر الحكم الثنائي البريطاني – المصري بين عامي 1899 و 1956.

إن ما تشكل تاريخياً من مكونات سياسية في السودان الحالي، قبل عام 1821، كان قائماً على المكونات القبلية-المناطقية: من مملكة (الفونج-العبدلاب:1504-1821)، وهي تتألف من القبائل العربية التي أسقطت آخر معاقل المسيحية النوبية (=مملكة علوة)، لتقيم سلطة سياسية امتدت من الرصيرص جنوباً حتى الشلال الثالث في الشمال، إلى كردفان غرباً حتى بلاد البجا عند مرتفعات البحر الأحمر، إلى سلطنة (دارفور) (1650-1874) في الغرب، من القبائل الإفريقية المسلمة التي استعادت استقلالها في 1899، أي عقب الغزو البريطاني-المصري، لتفقده لصالح لندن والقاهرة في عام 1916 ،فيما نشأت في الجزء الجنوبي من جبال النوبة، عند كردفان، مملكة تقلى (التروج) في عام 1570، وسلطنة (المسبعات) في أواسط وشمال كردفان، ومن العرب الأخيرين الممتزجين مع السكان المحليين، لتكونا مسرحاً لاحتياجات (الفونج) و(الفور) طوال القرن الثامن عشر قبيل مجىء محمد علي في عام 1821.

كانت الصوفية (مثل الختمية التي جلبها من الحجاز محمد عثمان الميرغني، بعد أن أتى للسودان في عام 1835) والحركات الدينية مثل حركة المهدي، محمد أحمد بن عبد الله (مواليد شمال السودان عام 1844)، أداتين لتجاوز التبعثر القبلي، وللتوحد عبر حركات أخذت بعداً سياسياً دينياً، وخاصةً أن الأولى قد ارتبطت بالولاء لمركز الخلافة العثمانية وأداته المصرية، وما ولده الأخيران من اتجاه للمركزة في فترة حكمهما (1821-1883)، فيما اتجهت المهدية إلى إقامة دولة بسطت سيطرتها على السودان الشمالي والأوسط بين عامي 1885 – 1898، أخذت شكلاً ما فوق قبلي عبر شكلها الديني الذي أخذ طابعاً أو اتجاهاً توحيدياً ولو أن قاعدتها الاجتماعية لم تستطيع تجاوز حدود (الأنصار).

إن ما حصل من تجاذب بين المكونات السودانية، في ظل الحكم البريطاني المصري، لم يكن قبلياً، بل مناطقياً – طائفياً، بين (الختمية) التي تمركزت كطائفة بين القبائل العربية المقيمة بين أسوان شمالاً وشمال الخرطوم جنوباً وبين سواكن على البحر الأحمر شرقاً ومداخل منطقة كردفان غرباً، وطائفة (الأنصار) التي تمركزت قاعدتها الاجتماعية منذ أيام المهدي الكبير بين قبائل الغرب الإفريقية عند دارفور وما حصل من هجرات منهم إلى مناطق الجزيرة والنيل الأبيض والخرطوم لاحقاً، كما أن هذا التجاذب قد أخذ طابعاً سياسياً حديثاً بين “الختمية” المتطلعين لوحدة وادي النيل ولو اختلفوا حول شكل هذه الوحدة، “والأنصار” الذين نادوا، أمام المطامح المصرية لوضع السودان تحت حكم القاهرة ولو في ظل الهيمنة البريطانية، بـ(السودان للسودانيين) واتجهوا إلى موالاة بريطانيا منذ عام 1919.

اتجهت بريطانيا إلى إقامة بنية حديثة في السودان: من شبكة سكة الحديد، التي اكتملت عام 1928 بخطوط وصل طولها إلى (2050 ميلاً)، إلى مشروع الجزيرة الذي أصبح مستودعاً زراعياً لإنتاج القطن واكتمل في عام 1925، وصولاً إلى (كلية غردون)، التي افتتحها الجنرال كتشنر عام 1902، لتخريج الموظفين السودانيين، من المرتبة الصغرى والوسطى كاتجاه إلى سودنة الإدارة على حساب المصريين، مما اشتمل، أيضاً، على الاتجاه إلى تجنيد السودانيين ضباطاً وجنوداً، في الجيش المحلي المسيطر عليه من البريطانيين.

صحيح أن بريطانيا قد ترددت كثيراً حول اعتماد القبلية كمكون ضد الطائفتين، وهي التي لم تنسى تجربتها مع المهدية(1884-1899) و كانت عينها على الختمية التي تتطلع إلى المحيط العربي، إلا أنها بعد عام 1919، قد حسمت أمرها، وخاصة بعد اتجاه زعيم الأنصار ( عبد الرحمن المهدي) إلى وضع بيضه في سلة لندن التي قابلته بإعطائه الأفضلية في التعاقد مع الحكومة لمتطلبات خزان سنار وتوريد بواخر الحكومة، وأعطته قروضاً ليقوم ببدء الزراعة في جزيرة (أبا) وجعلته شريكاً في مشروع قوندال عام 1927، لزراعة القطن بمديرية النيل الأزرق، وقد ازداد ذلك بعد “ثورة 1924” التي قامت بها وحدات سودانية عسكرية، وساندها مثقفون من جمعية “اللواء الأبيض”، مما جعلها ترتاب  في مواليد البنى الحديثة التي أقامتها هي بيديها، وتزداد اعتماداً على القوى الطائفية، وخاصة بعد عودة المصريين إلى السودان بموجب اتفاقية 1936، مما أدى إلى تقوية الميرغني الذي لم يجد تناقضاً بين تطلعه إلى (وحدة وادي النيل) والتعامل مع لندن، في ظل التوافق البريطاني-  المصري بالنصف الثاني من الثلاثينيات.

إذا استثنينا الجنوب الذي فصل إدارياً عن باقي السودان بموجب (قانون المناطق المغلقة) البريطاني، عام 1922، فإن السياسة السودانية بعد عام 1925 تركزت في نقطة التفاعل بين “القوى التقليدية” (طوائف، قبائل، سكان محليين “النوبة”) و”القوى الحديثة” (طلاب، عمال، مثقفون، خريجون، ضباط، مزارعي الجزيرة) سواء أخذ هذا التفاعل شكلاً صراعياً أو تحالفياً من قبل الأحزاب والحركات أو الهيئات التي عبرت منذ ذلك الحين-وبهذا الحجم أو ذاك- عن شيء من مكونات إحدى هاتين البنيتين، إضافة إلى ملمح خاص طبع الحياة السياسية السودانية، وامتزج مع العامل السابق وتداخل معه الموقف تجاه أحد طرفي ثنائية (لندن – القاهرة)، حيث كان الموقف تجاه هذين المحورين محدداً للسياسات الداخلية السودانية وخاصة في الفترات التي لم يكن فيها توافق مصري-إنكليزي على شؤون السودان، مما شمل أغلب فترة الحكم الثنائي1899-1956 باستثناء فترة 1936-1946، وهذان الأمران أعطيا السياسة السودانية نكهة خاصة وجعلاها ذات ملمح متفرد ومعقد في تداخل العوامل المكونة للموقف السياسي عند الأحزاب والحركات المشكلة للحياة السياسية السودانية.

كان “مؤتمر الخريجين” في عام 1938، مثالاً كبيراً عن ذلك، هو وخليفته “الحزب الوطني الاتحادي” الذي تأسس في (تشرين الثاني عام 1953) كنتيجة لاتحاد الأحزاب الاتحادية التي سيطرت على غالبية “مؤتمر الخريجين” منذ عام 1944: فقد تحطما على صخرة عدم قدرتهما على التوفيق، أو إيجاد صيغة جامعة من حيث التركيبة الاجتماعية للحركة أو الحزب السياسيين، بين القوى “الحديثة” و”التقليدية” إضافة إلى عدم قدرتهما على أن يكونا تعبيراً حديثاً مستقلاً عن “التقليدية”، وقد بان ذلك بعد لقاء زعيمي الطائفتين (علي الميرغني) و(عبد الرحمن المهدي)، في (4/2/1955)، وما أدى إليه ذلك من انشقاق “الوطني الاتحادي” وسقوط حكومة زعيمه إسماعيل الأزهري في تموز 1956، فيما كانت عودة هذا الحزب للاتحاد مع المنشقين عنه، أي “حزب الشعب الديمقراطي” بقيادة الشيخ علي عبد الرحمن، تحت اسم “الحزب الاتحادي الديمقراطي” في (ك1، 1967)، تكريساً لسيطرة قيادة “الختمية” ممثلة في عائلة الميرغني على هذا الحزب، فيما لم يستطيع “حزب الأمة”، منذ إنشائه في شباط 1945، أن يخرج من تحت عباءة عائلة المهدي، وأن يعبر عن حدود اجتماعية متجاوزة لنطاق طائفة (الأنصار).

كان (الشيوعيون) و(الإسلاميون) المثالان الأبرز عن التعبيرات السياسية التمثيلية لـ”القوى الحديثة”، وقد شاركتهما في ذلك مجموعة “الضباط الأحرار” التي استولت على السلطة في أيار 1969، ولو أنها لم تستطع أن تحكم بمفردها بعد فك تحالفها مع الشيوعيين في عام 1970، إلا عبر استغلال الفراغ الذي نشأ عن ضرب قوى طائفة (الأنصار) في آذار 1970، مما اضطرها في النهاية إلى أن تصالح (الصادق المهدي) و(حسن الترابي) في عام 1977 من أجل تأمين قاعدة اجتماعية للحكم العسكري، حيث لم يكن بمقدور الضباط وحدهم تأمينها، وكان سقوط النميري في نيسان 1985 ناتجاً عن ابتعاد الصادق المهدي عنه في أيلول 1983، وحسن الترابي في شهر آذار 1985، وخاصة في ظل التمرد الجنوبي الذي بدأ في أيار 1983. وإذا أخذنا الصورة المعاكسة، حيث كانت “اتفاقية أديس أبابا” في آذار 1972، عاملاً كبيراً في إدامة حكم النميري، بما أمنته من استقرار في الجنوب، في وقت كان حكمه يعاني من حالة الفراغ في التمثيل الاجتماعي، بعد اصطدامه مع كل القوى السياسية الفاعلة (الأمة، الاتحادي، الإسلاميون، الشيوعيون) بين عامي 1970-1976، رغم كل الدعم الإقليمي الذي كان يتلقاه من القاهرة والرياض (الأخيرة بعد ضرب الشيوعيين في فترة ما بعد 22 يوليو 1971)، مما يفسر كثرة الاضطرابات والانقلابات التي شهدتها تلك الفترة في حياة السودان: حوادث جزيرة أبا في آذار 1970، محاولة انقلاب الشيوعيين في تموز 1971، محاولة انقلاب أيلول 1975، محاولة انقلاب “تموز 1976” التي قام بها تحالف (الأمة-الاتحادي-الإسلاميون) بدعم ومساندة من ليبيا.

نشأة الحزب الشيوعي السوداني (1946 – 1956):

في عام 1943، تلاقى زعيم طائفة الختمية السيد علي الميرغني (توفي عام 1968)، مع حركة “مؤتمر الخريجين” بعد تباعد طويل استمر منذ عام 1919، بين حركة المثقفين والزعماء التقليديين، وما ولده ذلك من محاولات بريطانية للعب على هذا التباعد والتناقض، وقد بان في الفترة اللاحقة وخاصة عندما سيطر (الأشقاء – الأحرار) على “مؤتمر الخريجين” في عام 1944، مدى ركون المثقفين في “الخريجين” إلى القاعدة الاجتماعية الجاهزة للختمية المؤيدة لوحدة (وادي النيل) وابتعادهم عن استقطاب الفئات الحديثة (عمال، طلاب، مزارعي مشروع الجزيرة…إلخ) وتأطيرها لكي تكون قاعدتهم الاجتماعية، بعيداً عن الأطر الجاهزة التي يمكن أن تقدمها هذه الطائفة أو القبيلة أو تلك، وبعبارة أخرى نأيهم بأنفسهم عن إيجاد جامع وطني عام يبلور البنى “التقليدية” و”الحديثة” في إطار حركة سياسية واحدة متوجهة ضد الأجنبي، كما جرى في حزب “المؤتمر” الهندي بزعامة غاندي ونهرو مثلاً.

قام الحزب الشيوعي السوداني على تلك الفئات الحديثة (عمال، طلاب، مزارعي مشروع الجزيرة، إضافة إلى النساء) المتروكة من قبل التعبيرات السياسية الأخرى، مما ولد فراغاً كان ملؤه من قبل الشيوعيين الأساس في عملية تحول الحزب الشيوعي السوداني إلى قوة رئيسية في الحياة السياسية للسودان، وخاصة بعد أن نجح الشيوعيون بتعزيز ذلك الاستناد الاجتماعي عبر استقطاب فئات مرموقة العدد من الخريجين كما بينت ذلك انتخابات 1965، ومن ضباط ومراتب الجيش كما بان ذلك بين عامي 1969 و1971.

نشأت النواة الشيوعية في جامعة القاهرة بين الطلبة السودانيين الدارسين هناك الذي استقطبتهم “الحركة المصرية للتحرر الوطني” (تأسست عام 1942 بزعامة هنري كورييل وهو شيوعي يهودي مصري من أصل إيطالي) والتي اندمجت في عام 1947 مع تنظيم “ايسكرا” (بزعامة هليل شوارتز) و”حركة تحرير الشعب” (بزعامة مارسيل إسرائيل) لتأسيس “الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني” (حدتو) التي أصبحت التنظيم الشيوعي المصري الرئيسي حتى عام 1952: دخل الطلبة السوادنيون في إطار (ح.م) وأصبح عبد الخالق محجوب (مواليد 1927، الطالب في كلية الحقوق بالقاهرة) عضواً في لجنتها المركزية، هو و(عبد الماجد بوحسبو)، ثم اهتم (كورييل) بتحويل القسم السوداني في تنظيمه إلى شكل مستقل لينشأ تنظيم “الحركة السودانية للتحرر الوطني” (حستو) في 16 آب 1946، عند عودة الطلبة السوادنيين الدارسين في القاهرة بإجازتهم الصيفية، وقد أصبح معظمهم من القادة اللاحقين للحزب الشيوعي السوداني (عبد الماجد بوحسبو، حسن الطاهر زروق، عوض عبد الرازق، عبد الخالق محجوب، عز الدين علي عامر، التيجاني الطيب…إلخ) ليتم انتخاب (عبد الوهاب زين العابدين عبد التام) مسؤولاً سياسياً لـ “حستو” حتى تم استبداله في آب 1947 بـ(عوض عبد الرازق).

بدأت “حستو” نشاطها وسط الطلاب وقد ظهر مدى نفوذها في تشرين الثاني 1946، عندما شارك طلاب (كلية غردون) في المظاهرة التي دعا لها “مؤتمر الخريجين” للتضامن مع الشعب المصري في فترة الهبّة ضد “معاهدة صدقي – بيفن” (26/10/1946) والتي اعترضتها مع البريطانيين جماعات (الأنصار) المجلوبة من الريف. قامت إدارة الكلية بإغلاق الكلية، حيث رد الطلاب على ذلك بتحشيد أنفسهم في اتحاد خاص شكل مع طلاب المدارس الثانوية ما سمي بـ”الاتحاد العام للطلاب السودانيين” في عام 1947، وتولى الرئاسة الشيوعي (محمد سعيد معروف) فيما كان السكرتير (حسين ونى) وهو أيضاً من “حستو”.

في صيف 1946 ظهر أول تنظيم للعمال وكانت نواته مؤلفة من عمال السكك الحديد في عطبرة، وهو “هيئة شؤون العمال” وكان قادتها من القياديين اللاحقين للشيوعيين السودانيين مثل (قاسم أمين، الشفيع أحمد الشيخ، إبراهيم زكريا، الجزولي سعيد) لتعترف بها الإدارة البريطانية بعد صراعات وإضرابات عديدة في عام 1947، إلى أن تم اكتمال ذلك مع إنشاء “الاتحاد العام لنقابات عمال السودان” في المؤتمر التأسيسي (تشرين الثاني عام 1950)، وفي المؤتمر الأول للاتحاد (كانون الأول عام 1951)، الذي تم فيه انتخاب (محمد السيد سلام) رئيساً له و(الشفيع أحمد الشيخ) سكرتيراً للاتحاد.

فيما قادت الشيوعيات التأسيس والسيطرة على “الاتحاد النسائي السوداني” في عام 1948، من أمثال نفيسة أحمد الأمين، فاطمة أحمد إبراهيم، والذي لوحظ أن معظم قياداته والمنتسبات إليه كانت من أسر مرموقة ومعروفة، بينما تولى الشيوعي (الأمين محمد الأمين) رئاسة “اتحاد مزارعي الجزيرة” منذ تأسيسه في الشهر الأول من عام 1954، وهم من الفلاحين (ملاك الحواشات) والعمال الزراعيين حيث أن مزارعي الجزيرة هم من الملاك تحت نظام الاستئجار الدائم وتنتقل ملكيتهم بالتوريث، فيما العمال الزراعيون من المستخدمين للقيام بأعمال الحرث والحصاد.

إن الحزبين الشيوعيين في العراق والسودان، هما الوحيدان اللذان وجدا مرتكزات اجتماعية محددة، بخلاف باقي الشيوعيين العرب: ساعد على ذلك عدم قدرة “مؤتمر الخريجين”، وخليفته الحزب الوطني الاتحادي، أو حزب الأمة، على تجاوز البنى التقليدية، أو تمثيلهم للبنى الحديثة أو لجزء من مكوناتها، فيما لم تستطع الأحزاب أو الحركات، ذات الاتجاه القومي العربي، أن تتجذر بقوة في التربة السودانية. أما في العراق فإن الحزب الشيوعي لم يجد منافساً بين العمال، فيما أدى ضرب الاتجاه القومي، بعد هزيمة حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، إلى جعل وسطي الطلبة والمثقفين في حالة فراغ استطاع الحزب الشيوعي أن يملأه، بينما أدت استعادة التيار القومي لقوته عبر البعث والقوميين العرب منذ عام 1961، عندما دخل نظام قاسم في حالة فراغ بعد فقدانه لتحالفه مع الشيوعيين والأكراد من بعد خصومته ومذابحه ضد القوميين في عام 1959، إلى بداية دخول الحزب الشيوعي العراقي في طور الضعف. ويمكن للحالة السورية أن توضح أكثر عندما شكل حزب “البعث”، ذو الجذور القوية بين الطلبة والمثقفين والفلاحين إضافة إلى الجيش، حالة سياسية قوية في الخمسينات لم يستطع الحزب الشيوعي السوري، حتى في فترة مده بين عامي 1956-1958، أن يجاريها في التجذر الاجتماعي، هذا إذا لم يكن الوضع بدقة قائماً على أن قوة الأول تفسر ضعف الثاني إن أردنا استخدام عبارة أدقّ وأوضح، وخاصة أن الطبقة العاملة في بلاد لم يتجذر فيها التصنيع مثل البلدان العربية لا تستطيع لوحدها أن تشكل رافعة لحزب سياسي كما كان حال الحزب الشيوعي الفرنسي مثلاً، مع العلم أن الحزب الشيوعي السوري لم يستطع طوال تاريخه أن يكون قوياً بين العمال ولم تتجاوز نسبتهم في صفوفه حتى في فترات قوته، مثل فترة 1967-1972 نسبة 13% كما كان الحال في أيام المؤتمر الثالث للحزب (حزيران 1969).

أتت قوة الحزب الشيوعي السوداني من خلال سيطرته على التنظيمات الفئوية الحديثة ومن عملية تحويل الأخيرة إلى أداة لتغلغل الحزب في الوسط الاجتماعي المعني، أو إلى وسيلة لممارسة الضغط السياسي بهذا الشكل أو ذاك، والملفت للنظر أن قيادات الشيوعيين السودانيين، الذين لم يتجاوزوا معظمهم عمراً يتجاوز الخامسة وعشرين في النصف الثاني من عقد الأربعينيات، قد وجدوا أنفسهم مسيطرين على أدوات اجتماعية ضخمة وعريضة مما جعلهم يملكون نفوذاً سياسياً-اجتماعياً كانت تتخلله نقص الخبرة والثقافة وضعف التكوين السياسي، وإن ترافق ذلك مع إدخالهم لأول مرة في تاريخ السودان السياسي لآليات الحزب السياسي من هيكلية تنظيمية مراتبية، إلى استخدام الطباعة الحزبية كوسيلة للانتشار وتوزيع النفوذ، إلى المنشور مما كان مفتقداً عند الأحزاب السودانية الأخرى التي ظهرت معظمها بالتزامن معه في الفترة الفاصلة بين 1940-1945.

ما يلفت النظر أن الحزب الشيوعي السوداني الذي وجد الكثير من امتداده الاجتماعي في إطار طائفة الختمية، وبالذات وسط مدينة عطبرة معقل عمال السكك الحديد وورشاتها أو في مناطق أم درمان وشمال الخرطوم، قد وجد نفسه خارج دائرة أطروحات “وحدة وادي النيل”، وإن كان ذلك لم يتم بدون صراعات ضد (عوض عبد الرازق) السكرتير السياسي لـ”حستو” (منذ آب 1947) الذي كان مؤيداً لتلك الطروحات وميالاً للتعاون مع الأحزاب الاتحادية (الأشقاء-الأحرار) إلى حد قبوله بأن يكون الحزب الشيوعي “الجناح اليساري في حزب البرجوازية”(1) (على تعبير عبد الخالق محجوب أمام المؤتمر التداولي للحزب في آب 1970) الأمر الذي أدى إلى تهميشه منذ شباط 1948، وصولاً إلى إبعاده في المؤتمر الثاني لـ”حستو” عام 1951 (انعقد المؤتمر الأول في تشرين الأول 1950) عن السكرتارية وتولي (عبد الخالق محجوب) مكانه، كما أن (عبد الرازق) الذي كان ميالاً إلى شكل تنظيمي مرن وليس إلى الشكل المغلق الحديدي للتنظيم وفقاً لمعايير لينين في “ما العمل؟”، قد وجد نفسه معزولاً وسط الحزب الذي كان ما يزال يتلقى تأثيرات الشيوعيين المصريين وعبرهم الحركة الشيوعية العالمية التي مالت بعد بداية الحرب الباردة عام 1947 إلى التصلب اليساري (مثل أجواء 1928-1935 في الكومنترن) مما أدى إلى مواقف متشنجة تجاه ظواهر مثل (غاندي) و(نهرو) أو الحركة القومية العربية (كما يظهر من تقرير خالد بكداش في عام 1951) الأمر الذي ترافق مع صدام ستالين مع (تيتو) في عام 1948 واتجاهه إلى تصفية أية ظواهر للاستقلالية المحلية أو القومية عند أحزاب أوروبة الشقية (إبعاد غومولكا في بولونيا، إعدام راجيك في المجر عام 1949، ومن ثم إعدام سكرتير الحزب التشيكوسلوفاكي سلانسكي في عام 1952).

رفعت “حستو” شعارات “الكفاح المشترك للشعبين المصري والسوداني ضد الاستعمار” و”حق تقرير المصير للشعب السوداني” مما جعلها في الضفة الأخرى عن “الاتحاديين”، ومع حزب “الأمة” الذي نادى بانفصال السودان عن مصر: هل كان ذلك ناتجاً عن (عداوة الكار)، أو عن المنافسة على نفس الوسط وما كان يولده من عداوات وحساسيات كبرى، كما حصل بين البعث والشيوعيين في العراق؟.

صحيح أن الوسط كان هو المحيط الاجتماعي لـ(الختمية) إلا أن المثقفين في “مؤتمر الخريجين”، الذين كانوا في “الأشقاء” و”الأحرار”، وتحولوا إلى القاعدة الطائفية التقليدية، قد أداروا ظهرهم للنزعة النقابية وللعمال وتحولوا إلى الجهاز السياسي ومن ثم الجسم البرلماني لقيادة طائفة (الختمية) وأصبح وضعهم الاجتماعي أقرب إلى البرجوازية ولو عبر الجسم الوظيفي أو التعليمي أو الأكاديمي، من دون أن يكون ذلك عبر التجارة أو الصناعة مما جعل صدامهم وتباعدهم حتمياً مع الشيوعيين الذين استقطبوا الوسط العمالي وعبره النقابات ولو أن الشيوعيين قد ظل حرصهم قائماً على عدم الصدام مع البيئة الطائفية أو مع المعتقد الصوفي للختمية، الشيء الذي جعل الأمر يتحول إلى شكل سياسي غير عقائدي من الصدام وليأخذ  شكلين من الحساسية الحزبية ومن الاصطفاف في جبهتين مضادتين تجاه موضوع “وحدة وادي النيل” إضافة إلى شكل نقابي جعل الانتماء الطبقي فارزاً لنفسه ضمن جسم وسط تقليدي طائفي عن بقية الطائفة ولو أن ذلك لم يصل عند شيوعيي النقابات أو الموالين لهم إلى الصدام مع تقاليد وعقائد الطائفة المعنية أو الانشغال بهذا الموضوع.

على خلفية الصراع ضد “الاتحاديين” يمكن فهم عملية إبعاد عوض عبد الرازق وكذلك من أيّده مثل كامل محجوب –عضو المكتب السياسي لـ”حستو” وعثمان وتى- مسؤول الدعاية، وعبد الماجد بو حسبو الذي تحول إلى قيادي في “الوطني الاتحادي” بالستينيات، وقد كان توجه هؤلاء هو الانخراط في إطار جبهة عريضة مع “الاتحاديين” ضد البريطانيين وضد حزب الأمة والقوى القبلية الموالية للبريطانيين، الأمر الذي ترافق عندهم مع نزوع إلى الابتعاد عن التنظيم المغلق، لصالح تنظيم مفتوح غير حديدي، ومع اتجاه سياسي يرى نفسه أكثر في صفوف اتجاه “وحدة وادي النيل” إضافة إلى ابتعادهم عن العصبوية الحزبية التي تتجه إلى الاستقطاب التنظيمي والسياسي ضد أطراف منافسة على نفس الوسط، مما يجعلها من أجل تحقيق ذلك تتجه إلى برامج مفارقة توضع ليكون هدفها الأساسي تحقيق الأمر المذكور.

في فترة 1949-1950، عاد “عبد الخالق محجوب، التيجاني بابكر الطيب (أدب انكليزي)، عز الدين علي عامر (طب)” بعد أن تخرجوا من جامعة القاهرة ليشكلوا مركز الثقل الجديد الذي رجح الكفة في ابتعاد “حستو” وتنائيها عن الأحزاب الاتحادية، وقد شكل الثلاثة لولب قيادة الحزب الشيوعي السوداني، في الخمسينات والستينات، إضافة إلى (الشفيع الشيخ) و(المحامي أحمد سليمان)، فيما بانت سياسة الشيوعيين، بعد مؤتمر “حستو” الثاني في عام 1951، باتجاه الابتعاد عن “الاتحاديين” الذين فاز حزبهم الموحد الجديد “الوطني الاتحادي” في انتخابات شهري (ت2-ك1 1953) بـ(51 على 98 مقعداً)، والأمة (22) فيما أخذت “حستو” مقعداً واحداً عبر نائبها (حسن الطاهر زروق) الذي فاز في أحد دوائر الخريجين الخمسة واعتبر ممثلاً لـ”الجبهة المعادية للاستعمار” التي أعلنت رسمياً في (8/1/1954) والتي ضمت إضافة إلى “حستو” “اتحاد نقابات العمال” وشخصيات مستقلة، مما تحول إلى منبر علني انتقل من خلاله الشيوعيون من العمل السري إلى العلني وخاصة عبر صحيفة “الميدان” التي أصبحت ناطقة باسم الجبهة.

منذ اتفاقية القاهرة في شباط 1953، أقرت مصر باتجاه السودان نحو الانفصال، ليتكرس ذلك مع اتفاقية الجلاء عن القناة في 19/10/1954 بين القاهرة ولندن، مما أدى إلى جعل فوز “الحزب الوطني الاتحادي” في انتخابات 1953، من دون أي مدلول عملي على صعيد شعار “وحدة وادي النيل” ،إلا إن ذلك لم يحل دون أن تأخذ مفاعيل الاستقطابات القديمة مداها في عملية فرز الساحة السياسية السودانية، حيث وجد السودان نفسه في يوم 29/1/1955 وعشية الاستقلال في يوم 1/1/1956 أمام مشهد ملفت للنظر عندما تشكلت “الجبهة الاستقلالية” التي تألفت من “الأمة” و”الجبهة المعادية للاستعمار” والحزب الجمهوري الاشتراكي (ذي التركيب القبلي) وحزب الاستقلال الجمهوري (المنشق عن الوطني الاتحادي) لتشكيل استقطاب مضاد لحزب الأكثرية البرلمانية، أي “الوطني الاتحادي”، الذي بدأ يواجه قبل أسابيع من يوم الاستقلال عقب لقاء زعيمي الختمية والأنصار، خطر التفكك والانقسام، ليتكرس ذلك في حزيران 1956 مع قيام “حزب الشعب الديمقراطي” المغطى بعباءة الميرغني، مما أدى إلى سقوط وزارة رئيس الوزراء (إسماعيل الأزهري) زعيم “الوطني الاتحادي” في الشهر التالي وقيام ائتلاف “الأمة” و”الشعب الديمقراطي”، وما عناه ذلك من إمساك زعيما الطائفتين الكبيرتين بدفتي السياسة السودانية عقب ستة أشهر من الاستقلال.

الشيوعيون السودانيون (1956 – 1964):

في مذكرة رفعتهاالجبهة المعادية للاستعمار”، التي كانت “حستو” تشكل ركيزتها الأساسية إلى مجلس الوزراء السوداني في شهر تشرين الأول 1954، احتجت فيها على “مسلك الحكومة في الأشهر الأخيرة نحو الحريات العامة…

أولاً – حوكم في (الأبيض) قبل فترة أعضاء “الجبهة المعادية للاستعمار” و”الإخوان المسلمون” لأنهم أرادوا الوقوف مع الشعب المصري ومساندته في الكفاح لطرد الاستعمار ولإبعاد حكومة عسكرية غير شرعية.

ثانياً – منع طلبة كلية الخرطوم الجامعية من القيام بموكب ضد اتفاقية “جمال-هيد” المصرية – البريطانية، وفرّق موكب الإخوان المسلمين سابقاً في الخرطوم بالقوة”(2).

لم يجد الشيوعيون السودانيون خلال عام 1954، أنفسهم في حالة نشاز ضمن حالات الشيوعيين العرب وخاصة في مصر، الذين وقفوا من بعد “أزمة مارس” 1954 بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر، مع نجيب وتحالفوا مع “الإخوان” وبقايا “الوفد” ضد عبد الناصر، بل أن سياق سياسة “حستو” العام قد وضعها في الضفة الأخرى بمواجهة “الاتحاديين” الموالين لمصر فيما وجدت نفسها في سياق من التطابق السياسي العام مع حزب “الأمة” المعادي لمصر ومع “الحزب الجمهوري الاشتراكي” المكون من رجال القبائل والذي أنشأته الإدارة البريطانية، ليأتي عام 1954 وتجد نفسها في تحالف مع كل هؤلاء إضافة إلى “الإخوان المسلمين” الداخلين في صدام مع عبد الناصر في القاهرة.

في عام 1955، تغير المشهد الإقليمي عند اقتراب عبد الناصر من السوفيات، بعد صفقة الأسلحة التشيكية في أيلول، وبداية ابتعاده عن المعسكر الغربي: صحيح أن الشيوعيين السودانيين لم يكونوا على علاقة رسمية مع السوفيات قبل عام 1958، إلا أنهم لم يكونوا بعيدين عن التأثر بتلك التحولات وخاصة بعد انسحابهم من “الجبهة الاستقلالية” في 6/9/1955 في ظل أجواء التقارب بين رأسي الطائفتين الكبيرتين، مما جعل الحاجة لهم نافلة عند حزب الأمة، وبعد أن دخل “الحزب الوطني الاتحادي” في أزمة إثر سحب السيد علي الميرغني تغطيته للحزب في خريف 1955، الأمر الذي أدى إلى تغير المشهد الذي جعل الشيوعيين السودانيين، طوال السنوات الأولى من عمرهم، يتجهون إلى تصويب الجزء الرئيسي من نيرانهم على “الاتحاديين” الذين اعتبرهم الشيوعيون عائقاً رئيسياً يجب إزالته من طريقهم من أجل الترقي التنظيمي والسياسي، ولم يقفوا طويلاً في سبيل تحقيق ذلك أمام الطرق التي قادتهم للتحالف مع قوى موالية للبريطانيين، مثل حزب “الأمة” أو ذات طبيعة تقليدية متخلفة مثل حزب القبائل “الجمهوري الاشتراكي”.

بعد شهر واحد على استقلال السودان، عقدت “حستو” مؤتمرها الثالث في شباط 1956، والذي تقرر فيه تحويلها إلى “الحزب الشيوعي السوداني” وانتخب عبد الخالق محجوب أميناً عاماً للحزب. أطلق المؤتمر شعار “اجعلوا من الحزب الشيوعي قوة اجتماعية كبرى”، وأصدر برنامجاً من 49 صفحة بعنوان “سبيل السودان نحو تعزيز الاستقلال والديمقراطية والسلم”، وقد طرح البرنامج مطالب أوسع من “حماية الحريات الديمقراطية” إلى توفير “مساحة أرحب لنشاط المنظمات الديمقراطية وإشراكها بشكل أفضل في شؤون الحكم” ملمحاً إلى ضرورة إشراك المنظمات النقابية (العمال، المزارعون) في الحكم، والتي كان يسيطر على قيادتها أعضاء شيوعيون قياديون: الشفيع الشيخ-عضو المكتب السياسي، الأمين محمد الأمين-عضو اللجنة المركزية، داعياً-أي البرنامج- إلى رفع مستوى معيشة الناس كـ”أساس متين للنظام البرلماني الديمقراطي”.

ما يلفت النظر، إنه عند طرح الثقة في حكومة الأزهري يوم 10/11/1955، قام نائب “ج.م.أ” حسن الطاهر زروق بتقديم طرح برر فيه امتناعه عن التصويت، يدعو إلى “توحيد الأمة بكافة أحزابها وطوائفها حول مصالح محددة للشعب”، فيما قدم بيان “ج.م.إ” مطلب تشكيل حكومة “تمثل جميع مصالح الطبقات”(3)، مما عبر عن ميل الشيوعيين إلى تمثيل أنفسهم في الحكومة عبر التنظيمات النقابية القوية التي كانوا يسيطرون عليها، ولما لم يحصل ذلك أيضاً عبر حكومة أزهري الائتلافية في شباط 1956، تم تصعيد الضغط على الحكومة عبر مزارعي الجزيرة في أواخر شباط 1956، في منطقة مشروع (جودة) الزراعي، مما أدى إلى مجابهتها مع الجيش، اعتقل فيها المئات ومن بينهم (حسن الطاهر زروق) و(الأمين محمد الأمين) فيما قتل (190 مزارعاً) بالاختناق في إحدى حجرات مباني الجيش في مدينة (كوستي).

في أيار 1956 قدّم عبد الخالق محجوب، في ظرف بدا فيه واضحاً تفكك “الوطني الاتحادي” وتداعي حكومته وبداية صعود “الأمة” المتحالف مع رأس (الختمية) للسلطة، وهو الموالي للمعسكر الغربي، فيما مصر قد وجهت شراعها باتجاه السوفيات بعيداً عن الغرب- طرحاً جديداً أثناء خطاب له في عطبرة دعا فيه إلى “تكوين” جبهة وطنية من (الوطني الاتحادي) والختمية والجبهة المعادية للاستعمار والشيوعيين والعناصر المختلقة وذلك من أجل الاستقلال ومقاومة الأحلاف ” كما ندد بالخلاف” بين الختمية وقيادة الوطني الاتحادي ووصفه بأنه صراع من أجل السلطة ولا يخدم غرضاً وطنياً وفيه تفتيت للقوى التي حاربت (الاستعمار)”(4).

كان الأوان قد فات على ذلك الطرح، حيث بدا واضحاً أن انقسام “الوطني الاتحادي” قد نضج، الشيء الذي حصل في 28 حزيران، وما أدى إليه ذلك من سقوط حكومة الأزهري وتأليف “الأمة” للحكومة مع حزب الختمية “الشعب الديمقراطي” في 5 تموز 1956، إلا أن ما يلفت النظر هو السنارة التي ألقاها (محجوب) إلى “الوطني الاتحادي” مما يتناقض مع عقد كامل من العداء، وتحويل جهد الشيوعيين إلى تشكيل جبهة عريضة ضد “الأمة” الموالي للغرب والمتجه إلى ملاقاة مشاريعه، وهو ما يفسر تركيز محجوب على “مقاومة الأحلاف” مما يتناقض أيضاً مع عقد كامل من اللقاء مع “الأمة” الذي تتوج بتحالف “الجبهة الاستقلالية” في عام 1955، الشيء الذي لا يمكن تفسيره بدون المشهد الإقليمي – الدولي الذي بدأ يتشكل بين القاهرة وموسكو وبدون إحساس الشيوعيين بالخطر السياسي الذي يمثله اتجاه رأسا الطائفتين الكبيرتين إلى التحكم بالمشهد السوداني عبر حزبيهما الخاصين، أي “الأمة” و”الشعب الديمقراطي” الذي انشق عن “الاتحادي” بالشهر التالي آخذاً معه (21 نائباً)، من كتلة “الاتحادي” البرلمانية البالغة (51 نائباً) بالأصل، والتي انشق عنها أيضاً في 2/1/1955 ثلاثة نواب ألفوا كتلة “حزب الاستقلال الجمهوري”، أيدهم (الميرغني) ضد (الأزهري).

في يوم 26 تموز 1956 قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم “شركة قناة السويس”، ليتأسس مشهد إقليمي – دولي كان أحد فصوله الكبرى “حرب السويس” التي بدأت في أواخر (ت1 1956)، مما أدى إلى نشوء وضع كالسابق في فترة ما قبل استقلال السودان، عندما كانت التناقضات الثنائية المصرية – البريطانية تجد منعكساتها المحلية على أرض السودان، وخاصة مع اتجاه حكومة (عبد الله خليل) من حزب الأمة، إلى التقارب المباشر مع بريطانيا، أو منذ عام 1957 مع أميركا التي أصبحت زعيمة العالم الغربي في فترة “ما بعد السويس”، مما أدى إلى بروز الاحتكاكات مع حزب الختمية الحليف في الوزارة “الشعب الديمقراطي”، وهو الذي لم يستطع أن يضع وراءه التطلع التاريخي للختمية إلى شمال وادي النيل.

أكد الشيخ علي عبد الرحمن،زعيم “حزب الشعب الديمقراطي”، رغبته في الوقوف إلى جانب مصر ضد “حلف بغداد” وضد البريطانيين، مؤيداً مصر في موقفها ضد لندن أثناء “أزمة السويس”، إلا أنه لم يستطع أن يحمل رئيس الوزراء عبد الله خليل الذي كان عيناه موزعتين بين بغداد ولندن، على تبني ذلك كسياسة رسمية، إذ لم يكن قد نسي بعد تاريخ تناقضات “الأنصار” مع القاهرة، وقد أحس أن الخطورة لم تعد مقتصرة على تجاذبات محلية تولدها سياسات القاهرة، وإنما امتد ذلك إلى استقطابها للجو الإقليمي عبر مجابهاتها الدولية مع لندن، وتحالفاتها الدولية الجديدة مع موسكو، مما جعله يشعر بضرورة مد اليد السودانية ضد القاهرة إلى أبعاد تصل إلى نوري السعيد شرقاً وإلى أنطوني إيدن غرباً، وإلى “مشروع أيزنهاور” (كانون الثاني 1957) لاحقاً.

يقول أبو القاسم حاج حمد: “لأول مرة يثلج الشيوعيون الصدر في حر الخرطوم القائظ”(5)، حيث اتجهوا لعزل “حزب الأمة” عبر تكوين “تجمع وطني” يضم (الحزب الوطني الاتحادي، حزب الشعب الديمقراطي، الجبهة المعادية للاستعمار، الجنوبيين) لتحقيق أهداف “قيام حلف ثنائي مع مصر، وتحرير الاقتصاد السوداني من قبضة الاحتكار الاستعماري، وخلق صلات تجارية مع البلدان الاشتراكية”(6)، إلا أن تناقضات “ش.د” و”و.إ” قد منعت تحقيق ذلك، وكان اتجاههما إلى التصادم المباشر على خلفية الانقسام الطري قد قاد الشيخ علي عبد الرحمن إلى تغليب العوامل المحلية على عواطفه الإقليمية القومية، مما جعله في النهاية مرتمياً في أحضان (عبد الله خليل) الذي دخل وإياه انتخابات (شباط – آذار 1958) متحالفين، ليفوز الأمة بـ(63) و”ش.د” بـ(27) و”و.إ” بـ(45) فيما ذهب (37 مقعداً) للجنوبيين. ولكن إثارة (خليل) لقضية “حلايب” وموضوع “تقسيم مياه النيل” قد أدى إلى إنشاء وضع من التكتل العريض ضده (وخاصة مع اتجاهه إلى قبول “المعونة الأميركية” المعروضة عبر إطار “مشروع أيزنهاور”)، امتد من الشيوعيين والوطني الاتحادي إلى الكثير من قواعد “ش.د” مما أدى إلى خلخلة الكتلة البرلمانية للأخير، التي انقسمت يوم التصويت (3/7/1958) على “المعونة الأمريكية” بين موافق وممتنع ومعارض، وقد أدى الاستقطاب الداخلي المحمول على أبعاد إقليمية (مع القاهرة وضدها) ودولية (بين موسكو وواشنطن)، إلى امتداد مجابهات (خليل) إلى “الاتحاد العام لنقابات العمال” الذي يحظى فيه الشيوعيون بنفوذ قوي، حيث طرحت الحكومة عدم شرعيته مما أدى إلى اضطراب عام شاركت فيه 98% من نقابات العمال في يوم 21/10/1958، وتضامن المزارعون وصغار التجار معهم، وكذلك اتحاد جامعة الخرطوم، مما أدى إلى شل البلاد، لتتكون “الجبهة الوطنية” في يوم 28/10/1958 على خلفية ذلك، وضمت “و.إ” والشيوعيين واتحادي العمال والطلاب وبعض الأحزاب الجنوبية، الشيء الذي أنشأ مشهداً سياسياً دفع “ش.د” للانسحاب من الحكومة ولتشكيل كتلة برلمانية جديدة أصبحت قادرة على سحب الثقة من حكومة “حزب الأمة” مما اضطر رئيسها عبد الله خليل في يوم 17/11/1958 ،المقرر لعقد جلسة البرلمان، لتسليم الحكم إلى الجنرال إبراهيم عبود قائد الجيش الذي قام بتعطيل الدستور وحل البرلمان والأحزاب (ما عدا الإخوان المسلمين الذي عوملوا كجمعية دينية وليس كحزب سياسي) ووقف الصحف وتعطيل النقابات والاتحادات وإعلان حالة الطوارئ.

أيد السيد عبد الرحمن المهدي الانقلاب بحماس، فيما صاغ السيد الميرغني بيانه التأييدي بحذر متحفظ، وصمت الأزهري تاركاً أمين الحزب “الوطني الاتحادي” خضر حمد أمين يعبر عن تهنئته لعبود، بينما قالت جريدة “الإخوان المسلمين” في أول ديسمبر 1958: “إن البداية التي سارت عليها الحكومة في تصحيح الأوضاع الفاسدة تدعو للاطمئنان”. تفرّد الحزب الشيوعي في معارضة انقلاب “عبود” صباح اليوم التالي له، عبر بيان يحمل توقيع المكتب السياسي للحزب تحت عنوان “17 نوفمبر انقلاب رجعي” موضحاً أسباب الانقلاب في “أن انهيار النظام الرجعي المتمثل في حكومة عبد الله خليل يعني ضربة قاصمة لمصالح الاستعماريين في البلاد وفتح الباب لتحولات ديمقراطية واسعة فأصبح من غير الممكن حكم البلاد بواسطة نظام برلماني”(7)، وقد تركزت الاعتقالات بداية الانقلاب بين الشيوعيين النقابيين (الشفيع الشيخ)، أو بين الناشطين في مجال الحريات والنقابات المهنية (د. عز الدين علي عامر) من دون القادة السياسيين للحزب مثل: عبدالخالق محجوب أو أحمد سليمان.

في 9/3/1959 تم إبعاد رجل “الأنصار” القوي في “المجلس العسكري الأعلى” اللواء أحمد عبد الوهاب، بعد حركة عسكرية قادها قواد المنطقتين الشمالية والشرقية العسكريتين، وفي 24/3/1959 توفي زعيم الأنصار (السيد عبد الرحمن المهدي) وخلفه ابنه (الصديق) الذي لم يكن بالأصل ميالاً إلى تولي العسكر للسلطة، وقد أدى ميلان ميزان القوى في المجلس العسكري، بعد إبعاد الموالين لحزب الأمة، إلى تقارب “عبود” مع عبد الناصر، حيث وقعت اتفاقية اقتسام مياه النيل في 8/11/1959، مما أتبعه عبود بالانفتاح على “عدم الانحياز” و”المعسكر الشرقي”، وقد بان أثناء زيارة عبد الناصر للخرطوم (15-25/11/1960) مدى الشوط الذي قطعته الختمية في عملية الولاء للنظام العسكري، وتبادلها المواقع مع “الأنصار” بالقياس إلى عامين سابقين.

بعد أربعة أيام من مغادرة عبد الناصر للخرطوم وقع قادة “الأمة” عبد الله خليل وإسماعيل الأزهري من “و.إ” وأحمد سليمان ممثل قيادة الحزب الشيوعي مذكرة حملت على النظام العسكري، داعية إلى جعل الجيش “بعيداً عن التيارات السياسية….(ولـ) تولي هيئة قومية انتقالية…تضع الأسس الواضحة للديمقراطية في السودان على ضوء تجارب الماضي…ورفع حالة الطوارئ…وضمان حرية الصحافة”(8)، فيما قام “الختمية” بتقديم مذكرة مضادة مؤيدة لـ”عبود” في 9/12/1960، لتؤدي التجاذبات والتجاذبات المضادة إلى اعتقال قادة “الجبهة الوطنية المتحدة” في 11/7/1961، وترحيلهم إلى مدينة (جوبا) بالجنوب (عبد الله خليل – محمد أحمد محجوب “الأمة”، إسماعيل الأزهري “و.إ”، عبد الخالق محجوب – أحمد سليمان “الشيوعي”).

في أواخر آب 1961، صاغ الشيوعيون استراتيجية جديدة لإسقاط الحكم العسكري تحت شعار “الإضراب السياسي العام” داعين للانتظام الشعبي في إطار “الجبهة الوطنية الديمقراطية” التي تضم الهيئات والنقابات والأحزاب السياسية. قابلت الأحزاب السياسية هذه الاستراتيجية الشيوعية باللامبالاة، فيما ولدّت خلافات في الحزب مع “منظمة الجزيرة” في النيل الأزرق التي برز فيها إرهاص لاتجاه ماوي في ذروة الخلاف الصيني السوفياتي البادئ في حزيران 1960، دعا إلى “الكفاح المسلح” وتزعم هذا الاتجاه، الذي انشق عن الحزب في آب 1964، كل من (أحمد الشامي، يوسف عبد المجيد، علي عمر، أحمد جبريل).

في 8/10/1961 توفي (الصديق المهدي) وخلفه أخوه (الهادي) في زعامة الأنصار، واتجه إمام الأنصار الجديد إلى مهادنة “عبود” الذي أعلن عن تشكيل “لجنة قومية لوضع دستور جديد” وقام بإطلاق المعتقلين في (جوبا) أواخر كانون الثاني 1962، وقد بان طوال عام 1962 مقدار التباعد الذي أصبح يفصل بين “الأمة” و”الشيوعيين” وخاصة تجاه “الإضراب العام” على ضوء الاقتراب المتزايد للأولين من عبود مما أدى إلى قرار الشيوعيين بالانسحاب من الجبهة في كانون الثاني عام 1963 مراهنين على تشكيل “جبهة وطنية ديمقراطية” بدلاً من تجمع المعارضة المعروف بجبهة الأحزاب وقيادتها منفردين بالاعتماد على أن “شعار الإضراب السياسي العام الذي وضعه الحزب الشيوعي في صيف 1961، يجد فهماً وتقبلاً من الأوساط الشعبية المتقدمة…(وأن) الإضراب السياسي العام هو طريق الخلاص، وقوات الإضراب هي العمال والمزارعون والطلاب والمثقفين، ولذلك أصبح لزاماً على الحزب توفير كل وقته وجهده للعمل وسط هذه القوى حتى تصل الحركة الشعبية إلى مرحلة التنفيذ الشامل للإضراب”(9)، مما عبر عن تزايد إدراك الشيوعيين لمدى قوتهم، وعن مراهنتهم على قدرتهم منفردين على إسقاط عبود من دون الأحزاب الأخرى وخاصة مع توضيح الحزب في البيان المذكور للفرق “بين تجمع أحزاب المعارضة والجبهة الوطنية الديمقراطية التي هي جيش متحد من القوى الثورية: العمال والمزارعون والطلاب والمثقفون الثوريون”(10).

في اختبار للقوى جرى في صيف 1964 بين حكومة عبود والشيوعيين، بان مقدار قوة الأخيرين لما انتخب الشفيع الشيخ سكرتيراً عاماً مساعداً لاتحاد نقابات العمال، الذي أجبرت الحكومة على إعادة تشكيله تحت الضغط العمالي، من قبل (55 نقابة) من أصل (63 نقابة) هي مجموع النقابات المشكلة للاتحاد. والحقيقة أن الحزب الشيوعي إذا كان يفكر بإسقاط “إبراهيم عبود” لوحده عند انسحابه من “تجمع الأحزاب” في أوائل عام 1963، فإنه لم يستطع تحقيق ذلك، حيث سقط عبود في (تشرين الأول 1964) عبر “الجبهة الوطنية للهيئات” التي ضمت الطلاب والمحامين والقضاة والنساء والتجار والمزارعين واتحاد العمال، عندما كان للإخوان مقعد رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم (رغم أن الشيوعيين كان لهم الكتلة الأكبر في اتحاد الطلاب، إلا إن رفضهم التحالف مع غيرهم قد أدى إلى استلام الآخرين دفة الرئاسة والأكثرية) فيما كان “و.إ” يسيطر على نقابة المحامين وعلى الجسم القضائي، وكذلك على جسم أساتذة الجامعة، بينما يسيطر الشيوعيون على تنظيمات النساء والمزارعين والعمال، وقد بان في مظاهرات ومصادمات (21-28/10/1964) التي سقط بنتيجتها حكم “عبود” أن الأحزاب لم تأخذ فعالية وقوة عبر ذاتها، بل عبر سيطرتها على “الهيئات” و”النقابات”، الشيء الذي بينته حكومة “سر الختم خليفة” التي تشكلت يوم 30/10/1964، عندما أخذت “الهيئات” ثمانية مقاعد وزارية، من بينها الشيوعيان (الشفيع الشيخ) عن العمال و(الأمين محمد الأمين) عن المزارعين، فيما أخذت “الأحزاب” خمسة مقاعد، وزير واحد لكل من أحزاب (الأمة، الوطني، الاتحادي، الشعب، الإخوان، الشيوعيون)، و(الجنوبيون) ثلاثة حقائب وزارية.

الحزب الشيوعي السوداني

أكتوبر 1964 – مايو 1969:

سقطت حكومة الهيئات في شباط 1965، مما عبر عن عدم إمكانية حكم مجتمع تشكل “القوى التقليدية” غالبية جسمه الاجتماعي، من قبل “القوى الحديثة”، وقد بان ذلك بوضوح في انتخابات البرلمان (21 /4-8/ 5/ 1965) عندما نال “الأمة” 75/173 مقعداً، و”و.إ” (54 مقعداً) و”مؤتمر البجا” عشرة، والمستقلون (15 مقعداً)، بينما أخذ الشيوعيون (11 مقعداً) كلها في دوائر الخريجين البالغة خمسة عشر مقعداً، ونالت “جبهة الميثاق الإسلامي” التي يشكل الإخوان جسمها الرئيسي خمسة مقاعد منهم اثنان من الخريجين (نال حسن الترابي زعيم “الجبهة” أعلى الأصوات في دوائر الخريجين) فيما قاطع “حزب الشعب” الانتخابات رغم دخول ثلاثة من أعضائه البرلمان بصفة مستقلة، بينما لم تجري الانتخابات في الجنوب على مقاعده البالغة (60 مقعداً)، وقد أجرى الشيوعيون اختباراً للقوة في الانتخابات عندما رشح عبد الخالق محجوب ضد إسماعيل الأزهري في دائرة أم درمان الجنوبية، ليفوز الأخير بفارق اقتصر على ألف صوت.(11)

يقدم الشيوعي السوداني حسن عبد الله رقماً آخر هو (1061 صوتاً) للفارق بين الأزهري ومحجوب، وفي تحليله للنتائج العامة التي حصل عليها الشيوعيون يقول بأن الحزب الشيوعي قد حصل على (17.3%) من مجموع أصوات المقترعين، فيما حصل على (26.5%) من الأصوات في الخرطوم بالإضافة إلى إنه حصل على (21.1%) من مجموع الأصوات في (14 دائرة انتخابية) في المدن وكان له فيها مرشحين(12).

نزل الحزب بمرشحيه إلى (54 دائرة) في انتخابات 1965، خارج الدوائر الخريجين، ولم يستطع أن ينجح أيّ منهم، مما بيّن أن الحزب على الرغم من قوته بين الفئات الحديثة (عمال، طلاب، نساء، الخريجون، ومزارعي الجزيرة الذي يختلفون عن الفلاح التقليدي من حيث كونهم قد أتوا ثمرة لمشروع زراعي رأسمالي) لم يستطع أن يضاهي “القوى التقليدية” ذات الجذور الاجتماعية الأقوى والأوسع، أو أن يقف أمامها على قدم المساواة أو يقترب من قوتها، وقد بان أن تضخم قوة الحزب الشيوعي السوداني في الأشهر الثلاثة التي أعقبت إسقاط عبود، قد كانت ناتجة عن الدور الرئيسي الذي لعبته “القوى الحديثة” في إزاحة الحكم العسكري أكثر من كونها تعبيراً عن توازنات الجسم الاجتماعي، الشيء الذي سرعان ما تكفلت قوى “الأنصار” المجلوبة من الريف إلى الخرطوم بحله عبر توليد ضغط شارعي على “حكومة الهيئات” أدى إلى إبعاد وزيري العمال والمزارعين الشيوعيين من مجلس الوزراء، ومن بعد ذلك سقوطها في شباط 1965، لتتولى الأمور حكومة من الحزبين الكبيرين، ولتأتي الانتخابات مثبتة للوحة سياسية أتت حصيلة لما هو موجود في الجسم الاجتماعي.

كان وزن الحزب الشيوعي السوداني السياسي أكبر من وزنه المجتمعي الشارعي، وقد ساهمت ديناميكيته السياسية وآلته الدعائية وأساليبه التنظيمية، مما كان مفتقداً عند الأحزاب الأخرى ما عدا الإسلاميين، في إنشاء غلالة، بهذا القدر أو ذاك، استطاعت وسط الغبار السياسي حجب الهوة الكبيرة الفاصلة بين طرفي هذه الصورة.

لم تختر الأحزاب الأخرى أسلوب التحجيم السياسي الطبيعي، عبر المجابهات والمناورات الممكنة في اللعبة الديمقراطية، إضافة للمراهنة على استقطاب الشارع عبر برامج تساهم في انزياحات اجتماعية لصالح أحزاب محددة على حساب أحزاب أخرى، من أجل حل هذه المعادلة السياسية التي وجد السودان نفسه فيها خلال السنة الأولى من سقوط عبود، بل اختاروا طريقاً ملتوياً يحوي الكثير من الثغرات القانونية والدستورية، عندما استغلوا كلاماً تفوه به طالب أثناء ندوة بمعهد المعلمين تجاه (عائشة بنت أبي بكر) بعد أن ادعى أنه شيوعي، مما أدى إلى نشوب تظاهرات صاخبة عندما انطلقت من المساجد، الشيء الذي استغله الحزبان الكبيران والإسلاميون من أجل تمرير قرار يحل الحزب الشيوعي، وافقت عليه الجمعية التأسيسية “البرلمان” في 22/11/1965 بأغلبية 145، ومعارضة 25 عضواً وامتناع اثنين عن التصويت، وما أعقب ذلك من نزع عضوية النواب الشيوعيين من البرلمان في يوم 8/12/1965، الأمر الذي أيدت بطلانه المحكمة العليا (برئاسة القاضي بابكر عوض الله رئيس وزراء حكومة انقلاب النميري) في يوم 22/12/1966، الشيء الذي رفضه البرلمان، وتكرر نفس الشيء لدى قرار محكمة الاستئناف في 17/4/1967، مما دفع القاضي عوض الله إلى تقديم استقالته في أيام 1967.

كان عدم إدراك الشيوعيين للفارق بين الوزنين السياسي والاجتماعي، وخاصة في لحظة انتقالية، هو السبب وراء الأطروحات التي قدمها عبد الخالق محجوب في سلسلة مقالات في جريدة “الميدان” 7 – 12 – 15/ 3/ 1965، تحت عنوان “الثورة السودانية وأزمة الوسط”، اعتبر فيها أن قوى الدفع الشاملة للصراع السياسي في السودان، الآتي ضمن سياق عالمي، قد أدت عملياً إلى إلغاء دور قوى “الوسط” في الساحة السياسية السودانية، لصالح صراع بين اليمين واليسار، وبالتالي فإن المرحلة لم تعد ذات طابع “وطني ديمقراطي” بل هي “مرحلة اشتراكية ديمقراطية”، مما دفع الشيوعيين إلى تكرار سيناريو التركيز على “الوطني الاتحادي” في وقت كان واضحاً مدى صعود اليمين (=حزب الأمة)، مما أدى إلى تكتل عريض وجد الشيوعيون أنفسهم وحيدين بمواجهته، بعد أن ارتمى “و.إ” في أحضان “الأمة”، وتحول حسن الترابي إلى المنظر الأيديولوجي لهذا التحالف قبل أن يأخذ دور المنظّر الدستوري والقانوني في جلسات البرلمان المخصصة لموضوع حل الحزب الشيوعي.

لم يكن ذلك منسجماً مع التوجه السوفياتي للتلاقي مع “الديمقراطيين الثوريين” وما أدى إليه ذلك من نشوء أجواء أدت إلى حل الشيوعيين المصريين لحزبهم واندماجهم في “الاتحاد الاشتراكي” بعد الإفراج عنهم في أيار 1964، وما نشأ من أجواء مماثلة تجاه حكم عبد السلام عارف وخاصة عبر “تقرير آب1964” الذي أصدرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، كما أن ذلك لم يكن منسجماً مع تفهم عبد الخالق محجوب لعملية حل الشيوعيين المصريين لحزبهم الشي الذي أبداه في ندوة أم درمان، عندما قال: “والشيوعيون المصريون لم يروا قبل أعوام أن هناك تحولاً اشتراكياً في بلادهم. كانوا بمعزلّ ولكنني أعتقد حلّهم لحزبهم كان إجراء سليماً”(13).

صحيح أن “و.إ” لا يمكن اعتباره ضمن إطار ما نظّر له السوفيات تحت مقولة “الديمقراطية الثورية”، إلا أن الخصوصية السودانية كانت تجعل “و.إ” و”حزب الشعب”، وخاصة عبد اقترابهما من مصر وعبد الناصر، في موقع قريب من ذلك مما يتطلب تحييدهما بمواجهة اليمين، وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الاتجاه القومي العربي، سواء عبر “البعث” أو “القوميين العرب”، لم يجد له موقعاً ذي وزن في الساحة السياسية السودانية، ولا الاتجاهات اليسارية الأخرى من غير الشيوعيين.

أمام مأزق حل الحزب الشيوعي السوداني، بدأ عبد الخالق محجوب يتجه إلى اتجاهات قريبة من نظرائه المصريين أو العراقيين “عبر مشروعه المعروف والداعي إلى حل الحزب الشيوعي ودمجه مع الديمقراطيين الثوريين (في) داخل “الحزب الاشتراكي”، وأجازت اللجنة المركزية للحزب ذلك المشروع مع اعتراض قلة من أعضائها. وبدأت بعد ذلك عملية الدمج هذه على صعيد النشاط العملي. وفي صيف 1966 توجه عبد الخالق في زيارة إلى الاتحاد السوفياتي، وهناك قدّم الرفاق السوفيات نصيحة أخوية موضحين خطأ الاتجاه الرامي إلى تصفية الحزب”(14)، الشيء الذي دفع محجوب إلى التراجع عن مغامرة كانت ستؤدي إلى حل حزب عمره عشرون عاماً، ليندمج في حزب لم يولد بعد أو ليتلطى وراءه.

في عام 1967 ظهرت نبرة يسارية قوية، ولكن بروحية جديدة، في خطابات الشيوعيين السودانيين، مثل عمر مصطفى مكية – نائب في برلمان 1965، الذي أوضح في مقال تحت عنوان “الديمقراطية في إفريقيا”(15)، أن “النجاحات الجديدة المحرزة في مجالات التحولات الاجتماعية العميقة في الجمهورية العربية المتحدة وغينيا…تشهد على أن الديمقراطية لا في تعدد الأحزاب…بل في وجود قيادة ثورية تحرك الجماهير وتدفعها…وأنه لا يمكن توفر الحرية والنظام الديمقراطي في ظل الاستثمار…(وأن) قضية الديمقراطية…ترتبط ارتباطاً عضوياً دقيقاً بقضية التحولات الاجتماعية. بدون هذه الصلة تكون الديمقراطية جوفاء لا معنى لها”.

إن عمر مصطفى مكي رئيس تحرير مجلة “الشيوعي” النظرية للحزب، والذي أصبح عضواً في المكتب السياسي بعد المؤتمر الرابع (تشرين الأول 1967)، وأصبح في عامي 1969-1970 أحد قادة التيار المعارض لعبد الخالق محجوب مع معاوية إبراهيم وأحمد سليمان، يطرح هنا خطاً جديداً على الحزب الشيوعي السوداني، سيكون محوراً لصراعات ستهز الحزب في السنوات الأربع اللاحقة: ابتعاد عن نموذج الديمقراطية الليبرالية، التأكيد على أن “الديمقراطيين الثوريين” يمكن أن يقدموا تحولات اجتماعية تعطي “أفقاً اشتراكياً” كان الشيوعيون يظنون، سابقاً، أنه لا يمكن تحقيقه إلا عن طريقهم، كما أن الهجوم على تعدد الأحزاب ونفي الارتباط ما بين التعددية الحزبية وبين الديمقراطية، من قبل حزبٍ استخدمت الأغلبية البرلمانية ضده لحرمانه من الشرعية، وإسقاط عضوية نوابه المنتخبين، قد جعل الحزب يراهن على إمكانية تحقيق “التحولات الاجتماعي” عن طريق يماثل ما جرى في “الجمهورية العربية المتحدة” عندما قاد الضباط تلك التحولات، وهو ما أذن بدخول الحزب الشيوعي السوداني في بداية صراع مرير حول تلك القضايا، الشيء –أي الصراع- الذي حدد الموقف من انقلاب 1969، والانقسام الذي أعقبه حول الموقف من النظام الجديد، وصولاً إلى محاولة الانقلاب الشيوعي عليه في تموز 1971.

إن عبد الخالق محجوب الذي دخل البرلمان بعد ترشيحه للمرة الثالثة ضد أزهري، ومن ثم عام 1965 ضد أحمد زين العابدين في الدائرة نفسها، التي خلت بعد انتخاب الأزهري للرئاسة، وخسر بفارق (88 صوتاً) فقط، كان منذ البداية في الضفة الأخرى المواجهة لطروحات عمر مصطفى مكي، ومنذ ذلك التاريخ، بعيداً عن الطرح الانقلابي العسكري، مع قبول مرحلي طويل المدى بالديمقراطية البرلمانية، مازجاً ذلك كله بالحفاظ على كيانية الحزب الشيوعي واستقلاليته (ولو بعد تردد قصير في عامي 1965-1966 تجاه ذلك)، وإذا كان يفكر بـ “التحولات الاجتماعية” نحو أفق اشتراكي فإنه يحصر عملية قيادتها بالحزب الشيوعي وبطريق آخر هو غير الانقلاب العسكري، مثل “الإضراب السياسي العام” الذي طرح في مواجهة عبود على سبيل المثال لا الحصر، بحيث يكون ذلك فعلاً مجتمعياً وليس عملاً فوقياً تقوم به مجموعة من الضباط في فجر أحد الأيام، ولكن من دون أن يغفل عن عملية تغلغل الشيوعيين في القوات المسلحة، وعن عملية حصر صلة التنظيم العسكري بالأمين العام للحزب تحديداً.

بعبارة أخرى، إن الجيش الذي ظهر عبر إبراهيم عبود في عام 1958، بوصفه أداة وحليف لـ “القوى التقليدية” في وجه “الحديثة”، قد أصبح دوره مطروحاً للنقاش داخل حزب كانت له مساهمة رئيسية في إسقاط الحكم العسكري، بعد أن تشكل داخله تيار قوي أصبح يقف بوجه “النزعة البرلمانية”، إثر طرد الحزب من البرلمان، وخاصة أن الشيوعيين قد أصبح لهم عناصر في قيادة تنظيم “الضباط الأحرار” مثل بابكر النور وهاشم العطا، والذي بدأ يتوثب للقفز على السلطة من بعد تشكيله في عام 1965 عقب فترة قصيرة من سقوط عبود عام 1964، وقد تغذى ذلك التيار من ميول “الضباط الأحرار” في معاداة الأحزاب التقليدية، بما أظهروه من ميول يسارية واضحة.

إذا أردنا تقييماً دقيقاً لمؤتمر الحزب الرابع (تشرين الأول 1967) الذي كان متأرجحاً بين هذين التيارين خاصة على ضوء ما ظهر من خلافات عقب المؤتمر مباشرة، وخصوصاً في دورة المركزية (كانون الثاني 1968)، فليس صحيحاً ما قاله عبد الخالق محجوب في مقاله “وضع جديد، قضايا جديدة: المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني” المنشور في الطبعة الإنكليزية من مجلة “الوقت”(16) من أنه لم يكن في المؤتمر “صراع داخلي كما كان عليه الوضع قبيل المؤتمر الثاني، عندما كان الحزب يصارع من أجل تحقيق الوحدة في خضم نقاش عام بين اتجاهين متمايزين مما أدى في النهاية إلى الانشقاق” حيث عاد وأكد في تقريره أمام المؤتمر التداولي للحزب (آب 1970)(17) على “أن بعض الخلافات الفكرية الراهنة أو تياراً منها ترجع جذوره التاريخية إلى ما قبل 25 أيار 1969…فقد طرحنا القضايا المختلف عليها…في دورة اللجنة المركزية (كانون الثاني 1968)، ثم في حزيران من ذلك العام…وعلى اختلاف القضايا التي طرحت للمناقشة العامة، فإن الصراع تبلور حول استنتاج المؤتمر الرابع في ما يختص بالبرجوازية الوطنية السودانية-مواقعها وأقسامها المختلفة والصيغة السليمة التي يتخذها الحزب الشيوعي في الموقف حيالها”، الشيء الذي يوضح بأن المؤتمر كان يحوي داخله تفسيرين مختلفين بين أعضائه لتلك القضايا، إذا أخذنا بعين الاعتبار مقالة عمر مصطفى مكي المنشورة في “الوقت” أوائل عام 1967، والذي أصبح عضواً في المكتب السياسي للحزب عقب المؤتمر الرابع (تشرين الأول 1967)، كما أن مقولة “البرجوازية الوطنية” كانت مطاطة وعامة، وبدأ الاختلاف على تحديد ماهيتها بين عبد الخالق محجوب الذي مال للتحالف والتعاون في البرلمان (الذي انتخب إليه مجدداً في انتخابات نيسان 1968 الذي ألغيت فيه دوائر الخريجين) وخارجه، مع جناح الصادق المهدي في حزب “الأمة”، الذي انشق في تموز 1966 عن جناح عمه الهادي المهدي ومحمد أحمد محجوب، وبين عضو اللجنة المركزية أحمد سليمان (مسؤول الجهاز الأمني للحزب) الذي كان من ((من الرفاق الداعين للتحالف تحت نفوذ الأجنحة الإصلاحية في الحزب الاتحادي الديمقراطي (الناتج عن توحد “الوطني الاتحادي” و”الشعب الديمقراطي” في الشهر الأخير من عام 1967)))(18)، قبل أن يميل، منذ مقالاته في جريدة “الأيام” (5-6-8/12/1968) إلى تأييد الاعتراف بالقوات المسلحة “كقوة مؤثرة وكعامل فعال في حياة البلاد السياسية”(19)، وعدم وجوب النظر إلى الجيش من خلال تجربة حكومة عبود التي “لم تكن تمثل إلا طغمة كبار الضباط”(20)، وقد أتاح استنتاج المؤتمر الرابع الذي اعتبر “البرجوازية الوطنية – والتي هي طبقة باب العمل الثوري مفتوح أمامها- بوصفها لم تملك، بعد، تنظيماً سياسياً خاصاً بها”(21) المجال لتأويلات متضاربة حول طريقة الترجمة السياسية لهذا الاستنتاج، إن كان يمكن أن يشمل هذا الجناح أو ذاك من الأحزاب السياسية القائمة، أم أنه يتجاوز مجمل التركيبة الحزبية السودانية إلى خارجها، الشيء الذي من الطبيعي أن يؤدي إلى وجود تيار يؤول ذلك باتجاه القوات المسلحة، وخاصة على ضوء تجربة الحزب الشيوعي المريرة في البرلمان، وفي ظل تحكم الحزبين الكبيرين بالسلطة وما ولده ذلك من تجاذبات بينهما انعكست على الاستقرار السياسي والاجتماعي للسودان، إضافة إلى شعور قسم من الشيوعيين السودانيين بأن النظام البرلماني، الذي قام على أنقاض الحكم العسكري والذي ساهم الحزب الشيوعي مساهمة كبرى بإسقاطه، قد كان إطاراً عاماً ملائماً للقوى الأخرى من أجل تحجيم نفوذ الشيوعيين وتأثيراتهم، الشيء الذي تلاقى مع نزعة قوية كانت موجودة عند يساريي دول العالم النامي في الستينات، كانت في موقع التضاد مع “النزعة البرلمانية”.

ورغم ذلك كله، حوت وثيقة المؤتمر الرابع البرنامجية “الماركسية وقضايا الثورة السودانية” رجحاناً واضحاً لكن ليس حاسماً، لاتجاه عبد الخالق محجوب عندما تقول “إن القوى الثورية تمتلك إمكانية واسعة لتطوير نشاطها في ظل النظام الديمقراطي البرلماني الليبرالي، وهذا النظام تتقطع أوصاله يوماً بعد يوم على يد قوى اليمين فتصبح الحقوق الديمقراطية نفسها أداة في يد الحركة الثورية لتطوير نضالها ودعم مواقعها في البلاد”، كما أن الوثيقة بتأكيدها على أن “التباين بين المواقع الفكرية والجذور الاجتماعية لمختلف أقسام القوى الاشتراكية يفرض مستويات مختلفة من التنظيم” حيث كانت استباقاً نظرياً من محجوب تسلح به في صراعه اللاحق بين عامي 1969 – 1970، ضد الجناح المضاد في الحزب الذي أراد التعاون مع النميري، إضافة إلى أن تأكيد الوثيقة على أن المرحلة هي “وطنية ديمقراطية”، وليست “اشتراكية ديمقراطية” بعكس طرح محجوب في آذار 1965، داعيةً إلى “جبهة وطنية ديمقراطية”، قد عزز وتلاقى مع طروحات محجوب واتجاهه بعد صيف 1966، وبالذات عبر رفضها للعمل الانقلابي العسكري وتضادها مع ما أسمته بـ “الاتجاهات الانتهازية اليسارية التي تبشر بأنه لا مكان للنضال الجماهيري ولا أمل من ورائه وكل ما بقي للحركة الثورية هو أن تنكفئ على نفسها وأن تقوم بعمل مسلح”.

لقد كان واضحاً من خلال تركيب اللجنة المركزية الجديدة المنتخبة من المؤتمر الرابع (33 عضواً) رجحان الكفة لعبد الخالق محجوب دون الحسم، حيث دخل عمر مكي إلى المكتب السياسي مع بقائه رئيساً لتحرير المجلة “الشيوعي”، وأصبح أحمد سليمان في موقع قوي عبر تسلمه رئاسة “جهاز أمن الحزب”، وخلال سنوات 1969 – 1970 برزت كتلة معارضة لمحجوب في المركزية بلغت (12 عضواً)، وتبدى ذلك في تقرير سكرتارية اللجنة المركزية المنشور عام 1996 “وبما أن المؤتمر الرابع عجز عن حسم قضية القيادة، وتطبيق المعيار الثوري الموضوعي في تقييم أداء الكادر المرشح للجنة المركزية الجديدة، بما في ذلك مدى اقتناعه بتكتيكات الحزب…فقد ظل استنتاج المؤتمر الرابع مشلولاً أعرجاً، بلا قيادة موحدة الفكر والإرادة والنشاط لترجمته في واقع الممارسة”(22).

كان عام 1968 ميداناً لصراع في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني حول تلك القضايا، وقد انتقل هذا الصراع إلى الصحف في الشهر الأخير من العام مع مقالات أحمد سليمان في جريدة “الأيام”، وعبر رد عبد الخالق محجوب عليه في جريدة “أخبار الأسبوع” (16/1/1969) الذي اعتبر فيه أن “الحديث عن القوات المسلحة بوصفها الأمل الوحيد للإنقاذ (هو)…خطر ويتجاهل تجربة الشعب في بلادنا…إن الحديث عن أجهزة الدولة بوصفها قوة اجتماعية منفصلة عن بقية المجتمع ومن ثم اعتبارها شيئاً مميزاً عن الفئات والطبقات الاجتماعية التي جربت في السلطة وفشلت، غير سليم ومجاف للحقيقة…والقوات المسلحة لا تخرج عن إطار التحليل الطبقي وتتشكل في مستواها الأعلى وبالتجربة  لتكون جزءاً من النادي الذي سقط طريقه الاقتصادي وأصبح لا مفر من نظام سياسي جديد”(23).

في اجتماع المركزية (آذار 1969) اعترض الحزب على  فكرة الانقلاب العسكري التي طرحها بعض الضباط(24)، ثم عرض “بعض الضباط مرة أخرى على الحزب الشيوعي مشاركته في انقلاب عسكري، وحمل الدعوة (القاضي) بابكر عوض الله والرائد فاروق حمد لله، وهو العقل المفكر والمنسق لانقلاب 25 مايو، والتقيا مع عبد الخالق. فطرح الأمر على المكتب السياسي في اجتماعه في التاسع من مايو 1969، ورفض المكتب السياسي المشاركة”(25)، و”عندما نوقش موضوع الانقلاب في اجتماع الضباط الأحرار اعترض عليه غالبيتهم…فقرر الضباط القوميون القيام بالانقلاب منفردين لأنهم كانوا في مواقع مؤثرة في القوات المسلحة أساساً مثل الاستخبارات العسكرية والمظلات والمدرعات”، ويبدو أن خشية عبد الناصر الذي كانت له صلات مع “الضباط الأحرار”، من امتداد النفوذ السعودي الذي برز بعد هزيمة 1967 إلى السودان وطغيانه هناك، قد كانت سبباً في تعجيل انقلاب النميري صباح 25 مايو 1969، كي لا يتكرر سيناريو 17 نوفمبر 1958، الذي كاد أن يؤدي إلى وجود نظام معادٍ لمصر في الخرطوم لولا الحركة العسكرية التي قام بها ضباط موالون لمصر في آذار 1959، وأدت إلى إبعاد الموالين لحزب الأمة من المجلس العسكري الأعلى الحاكم في السودان، ولو أن هذا السيناريو كان سيؤدي إلى قيام حكم مدني في عام 1969، لا ييمم وجهه نحو القاهرة بل نحو السعودية والغرب، في ظرف كان فيه عبد الناصر في ذروة مواجهته للغرب بعد هزيمة حزيران، وفي وضع عربي سقط فيه حكم قريب منه في بغداد في تموز 1968 لصالح حزب البعث المنافس، وأصبحت فيه الموازين منذ مؤتمر قمة الخرطوم (آب 1967)، تميل أكثر وبشكل متزايد لصالح نفوذ سعودي متعاظم بدأت أولى ملامحه في اليمن أواخر عام 1967، عندما انسحبت القوات المصرية من هناك، فيما اختارت بريطانيا في خريف 1967، أن تسلم حكم الجنوب اليمني إلى “الجبهة القومية”،الماركسية الميول أوالتي تتجه للتمركس مثل معظم فروع حركة القوميين العرب بدءاً من عام1965، بدلاً من “جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل” الموالية للقاهرة.

الحزب الشيوعي السوداني والنميري:

من أوائل الإجراءات التي قام بها الحكم العسكري الجديد بعد انقلاب 25 مايو 1969، هو حل “جميع الأحزاب السياسية وأي تشكيل سياسي أو أي تنظيم يحتمل أن يستغل لأغراض سياسية”، ورغم أن هذا الإجراء يشمل بمفاعيله الحزب الشيوعي، إلا أن السلطة الجديدة قد غضت البصر عن استمراره في النشاط العلني. وأخذت في مجلس الوزراء المعلن يوم الانقلاب أربعة وزراء من الحزب الشيوعي (محجوب عثمان، جوزيف قرنق، فاروق أبو عيسى، موريس سدرة)، حيث كان الأولان عضوين في اللجنة المركزية، ولقد اعتبرت السلطة اشتراكهم بصفة شخصية لا حزبية، كما أنها لم تستشر الحزب قبل تعيينهم، فيما دخل الضابطان الشيوعيان بابكر النور وهاشم العطا في قوام “مجلس قيادة الثورة” الحاكم ذي الأعضاء العشرة.

في اجتماع اللجنة المركزية مساء يوم الانقلاب، قدم عبد الخالق محجوب اقتراحاً ينادي برفض الاشتراك بالوزارة وسحب الوزراء الأربعة، بحجة عدم أخذ موافقة الحزب المسبقة على اشتراكهم. صحيح أن المركزية لم تقبل ذلك الاقتراح، إلا أنها في بيانها الصادر عن الاجتماع اعتبرت أن “ما جرى صباح هذا اليوم انقلاب عسكري وليس عملاً شعبياً مسلحاً”(26)، ثم يضيف البيان محدداً طبيعة القائمين به بأنهم “قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية عن طريق قسمها المسلح”(27) وبأن طبيعة الانقلاب يعكسها “التكوين الطبقي لمجلس قيادة الثورة الذي باشر الانقلاب… وأن السلطة الجديدة تتشكل من فئة البرجوازية الصغيرة”(28) التي هي “فئة مهتزة وليس في استطاعتها السير بحركة الثورة الديمقراطية بطريقة متصلة، بل ستعرضها للآلام ولأضرار واسعة”(29)، ثم يشير البيان إلى إيجابيات مماحدث حدث من حيث أن “الانقلاب أدى إلى انتزاع السلطة من قوى الثورة المضادة… ومن المؤكد أن تتأثر (السلطة الجديدة) بالجو الديمقراطي العام وبالمطالب الثورية للجماهير”(30)، محذراً من أنه “ليس لها طريقاً آخر… (وأنها سوف) تلقى الفشل إذا ما حاولت أن تختط لنفسها طريقاً يعادي قوى الثورة السودانية”(31)،وقد وافقت المركزية “بالإجماع على تلك الوثيقة التي تقدم بها عبد الخالق، ولكنها رفضت بأغلبية ثلاثة وعشرين إلى سبعة أعضاء اقتراح عبد الخالق بعدم الاشتراك في حكومة”(32).

بعد أيام من ذلك قدم عبد الخالق محجوب أمام مؤتمر الأحزاب الشيوعية العالمية المنعقد في موسكو (5-17 حزيران 1969) رؤية أكثر اعتدالاً وأكثر اقتراباً من السلطة الجديدة عندما اعتبر أن ما حصل في 25 مايو 1969 هو ناتج عن قيام “مجموعة من الضباط الوطنيين والتقدميين، معبرة عن الأماني الشعبية، بانتزاع السلطة من يد الثورة المضادة ونقلها إلى طبقة من قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية.

بفضل هذه السلطة الجديدة فتح الطريق لنهوض الحركة الثورية التي كانت تجمع صفوفها لتصوغ الطريق البديل للطريق القديم في معالجة المشاكل المزمنة التي تواجه البلاد أي لتضع البلاد في طريق التطور غير الرأسمالي”(33)، لكنه بالمقابل يوجه تحذيراً للسلطة الجديدة التي أعلنت الحرب على جميع الأحزاب، بأن “مستقبل الثورة السودانية وهي تعيش مرحلتها الوطنية الديمقراطية وتنتقل من فترة إلى أخرى جديدة، يعتمد على مواصلة النشاط الثوري للحزب الشيوعي و كافة القوى الثورية لبناء الجبهة الوطنية الديمقراطية”، ومعتبراً أن ما حدث في 25 مايو “لم يتم بعد اكتمال تكوين الجبهة الديمقراطية أو بناء القسم الأساسي فيها، وإنما جاء أثناء السير نحو هذا الهدف فتوفرت شروط ملائمة لاستكمال بناء الجبهة تحت سلطة إحدى طبقاتها”، ثم عاد محجوب بعد أشهر قليلة من ذلك للتأكيد على أن الحزب الشيوعي السوداني هو “القوة الثورية المنظمة الوحيدة في البلد فيما القوى المنظمة الأخرى الموجودة هي ذات طابع رجعي”(34)، وبأن إعاقة “التواصل المباشر بين الشيوعيين والشعب سيؤدي إلى ميل كفة الميزان لصالح القوى الرجعية المنظمة”(35).

لقد كان طرح محجوب الأخير هو عودة إلى مقالاته في آذار 1965 عن “أزمة الوسط”، عندما اعتبر أن الحزب الشيوعي السوداني هو المعادل الموضوعي ل”اليسار”، والفرق أنه في ربيع 1965 كان في وضع هجومي بينما هو بخريف 1969 في وضع دفاعي يحاول حماية تنظيمه من سلطة لا تعترف به رغم أنها مازالت تتعامل معه، في وقت كان هذا التنظيم على حافة الانقسام هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا الطرح هو استمرار للممارسات القديمة التي ركّز من خلالها الشيوعيون السودانيون على “الوطني الاتحادي”، ومن بعده على أية ظواهر يسارية غير شيوعية يمكن أن تشكل منافساً لهم في ساحة اليسار التي أرادوا الاستئثار بها، إلا أن هذا الطرح، بالنهاية، يأتي من إحساس الحزب بالخطر من سلطة تطرح شعارات يسارية، وهي ذات اتجاه قومي غير شيوعي بغالبيتها، حيث تم طرحه من الأمين العام للحزب لإحساسه بالخطر من بداية استقطاب هذه السلطة لجناح مرموق القوة من حزبه، مما جعله يلّوح بأن لا “قوة يسارية منظمة” غيره، الشيء الذي عنى، بطريقة أو بأخرى، بأن طريق الصدام مع السلطة الجديدة قد أصبح حتمياً أمام الشيوعيين السودانيين، مادام أن “تقدمية” و”يسارية” السلطة الجديدة تقاسان عبر مسطرة موقفها من الحزب الشيوعي، أو بالأحرى الجناح المعارض لها منذ صبيحة الانقلاب.

كان أول بروز للخلافات حول تقييم النظام الراهن، والتي تعود بجذورها إلى عامين مضيا، من خلال مقالة معاوية إبراهيم في مجلة الحزب النظرية “الشيوعي” بالعدد 134 أيلول 1969، اعتبر فيها أن موقف اللجنة المركزية في يوم (25 مايو 1969) “يتميز بالسلبية ولا يساعد على وضوح الرؤية… فتحليل الانقلاب بأنه يمثل سلطة البرجوازية الصغيرة بدلاً من الديمقراطيين الثوريين تحليل سلبي، لأنه يشد الأنظار أولاً إلى قضايا التمايز بين الشيوعيين والديمقراطيين قبل قضايا التحالف”(36)، وينتهي إلى أن “دعم الانتصار الذي أطاح بقوى الثورة المضادة هو المهمة الأساسية أمام الحزب، وهذا يحتم أن يصبح التلاحم وليس التمايز هو الأساس”. لم تكن قوة الفريق المناوئ لمحجوب في الحزب قليلة، فقد كانوا يتحكمون بجريدة الحزب العلنية “أخبار الأسبوع”، وبمجلة الحزب النظرية “الشيوعي”، كما أن وزيراً من الوزراء الأربعة (فاروق أبو عيسى- الخارجية) كان يميل إليهم، فيما أصبح أحمد سليمان- سكرتيراً لوزير الداخلية فاروق حمد الله، بينما في التعديل الوزاري الذي جرى في تشرين الأول 1969، أصبح أحمد سليمان وزيراً للاقتصاد، ومعاوية إبراهيم وزيراً للعمل، وبقي أبو عيسى بالخارجية، واستبعد وزير الإعلام محجوب عثمان –الموالي لمحجوب- حيث أرسل سفيراً إلى أوغندا، فيما بقي وزير شؤون الجنوب (جوزيف قرنق) المتردد بين جناحي الحزب، بالإضافة إلى أن (مكي) كان يرأس (مكتب العلاقات الخارجية).

كان التعديل الوزاري مؤشراً إلى انحياز السلطة للجناح المناوئ لمحجوب، ومحاولة للتدخل واللعب على الصراع الحزبي الداخلي، في وقت رد مجلس قيادة الثورة على تصريحات رئيس الوزراء بابكر عوض الله أثناء زيارته لألمانيا الشرقية في (تشرين الأول 1969) اعتبر فيها “أن الثورة لا يمكن أن تستمر بدون دور الشيوعيين” مؤنبا ومنتقداً رئيس الوزراء ببيان عنيف اللهجة، وقد اعتبر المكتب السياسي للحزب أن “التعديل (بوصفه) جاء بعد هجوم مجلس قيادة الثورة على خطاب بابكر عوض الله… (فإنه) يحمل روح العداء للشيوعية”(37).

في الشهر الأول من عام 1970، أعلن النميري عن نيته تكوين “الاتحاد الاشتراكي” تنظيماً سياسياً وحيداً للبلد في 25 أيار اللاحق، وفي نيسان 1970 تم حل “اتحاد الشباب” و”الاتحاد النسائي” التنظيمان اللذان يتمتع بهما الحزب الشيوعي بنفوذ كبير، مما عنى اتجاهاً لتجاوز التركيبة السياسية القائمة ومن بينها الحزب الشيوعي، إضافة لمحاولة عزل الحزب عن المنظمات الاجتماعية. كان هدف السلطة من ذلك هو ترويض الحزب الشيوعي وإضعافه، وخاصة بعد نجاحها في اختيار وزراء شيوعيين معظمهم من الموالين لها ومن المعارضين لأغلبية قيادة الحزب.

بعد سحق السلطة لتمرد إمام الأنصار (الهادي المهدي) في جزيرة (أبا) بآذار 1970، قامت باعتقال عبد الخالق محجوب في 2/4/1970 ونفته إلى القاهرة في نفس الطائرة التي أقلت الصادق المهدي، في خطوة توضح اتجاه النميري بعد ضربه للأنصار والإخوان المسلمين المتحالفين معهم،إلى اضعاف الحزب الشيوعي وتركه بدون رأس لكي يستفرد مناوؤا محجوب به، الذي هدد أحدهم وهو أحمد سليمان، في الاجتماع الذي عقدته المركزية لمناقشة النفي “بعدم الالتزام بقرارات اللجنة المركزية إذا اتخذت من الحادث ذريعة للهجوم على السلطة”(38).

كان عبد الخالق محجوب مدركاً لذلك، كما تبين رسالته من المنفى إلى المركزية (17 نيسان 1970) متهماً أحمد سليمان بأنه “نصح مجلس الثورة بأن يصفوا الشيوعيين بطرد سكرتير الحزب من عمله القيادي أو نفيه من السودان” ومقترحاً توقيع “عقوبة الفصل مباشرة على الزميل أحمد سليمان”(39)، الذي لم تستجب له المركزية.

لم يتأخر رد الشيوعيين طويلاً، عندما سيروا مسيرة ضخمة، في احتفالات الذكرى الأولى للانقلاب في 25مايو1970 التي حضرها بجانب النميري كل من عبد الناصر والقذافي، واستعرضت الأعلام الحمراء أمام الرؤساء الثلاثة، مما شكل حرجاً بالغاً للنميري، وبيّن أن هناك من يتحدى سلطته في قلب الخرطوم مما أنذر وأعطى مؤشرات بأن الصدام آت لا محالة.

في شهر حزيران عاد عبد الخالق إلى الخرطوم بعد وساطة عبد الناصر، وبعد فترة قصيرة من الإقامة الجبرية رجع في الشهر التالي إلى حياته الطبيعية ليحضر “المؤتمر التداولي” للحزب في آب 1970، الذي مثل ذروة المجابهة مع مناوئيه في الحزب، ليخرج محجوب منتصراً من المؤتمر بأغلبية 69 صوتاً من أعضاء المؤتمر البالغين (98 عضواً)(40)، حيث أقر المؤتمر توجهاته نحو اعتبار (25 مايو) بوصفه تغييراً تم “في ظروف لم تكن فيها حركة الجماهير في حالة نهوض… التغيير في السلطة تم عن طريق العنف، وبواسطة مجموعات تقدمية في الجيش النظامي… السلطة الجديدة الناجمة عن هذا التغيير تقيم علاقات تحالف مع حركة الطبقة العاملة السودانية في مستوى بعينه”(41) ومعتبراً “أن نجاح العملية العسكرية من حيث قلبها للسلطة لا ينهض دليلاً على نضوج الأزمة الثوري”، في إشارة إلى (25 أيار 1969)، ومطالباً ب”تقنين الحرية السياسية للجماهير الثورية: من حقوق في التنظيم والتعبير وشرعية منظماتها الثورية وبينها الحزب الشيوعي السوداني” في إشارة واضحة إلى رفض “التنظيم الواحد” ولرفض حل تنظيمات الشباب والنساء.

في 21 أيلول 1970 أصدر الفريق المناوئ لمحجوب بياناً كان إشارة إلى انقسام الحزب، بعد أن وضح عجزهم عن السيطرة على مجمل الحزب وخاصة في فترة نيسان- آب 1970، بتوقيع (12 عضواً) في اللجنة المركزية (عمر مصطفى مكي، معاوية إبراهيم، أحمد سليمان، الأمين محمد الأمين، إبراهيم حاج عمر، الحاج عبد الرحمن، فاروق محمد إبراهيم، عبد القادر عباس، محمد إبراهيم عبدة، محاسن عبد العال، نعيمة بابكر، الطاهر عبد الباسط) تبعه بيان آخر أيده بتوقيع كوادر مثل (فاروق أبو عيسى) وسكرتيرا فرعي الحزب في (سنار) و(كوستي)، وكان من الواضح سيطرتهم على مكاتب الصحافة والعلاقات الخارجية التابعة للمركزية، وأن منطقة الجزيرة هي المنظمة الحزبية الوحيدة التي كان للمنقسمين أغلبية فيها(42).

اكتملت عناصر الصدام بين النميري والحزب الشيوعي السوداني، بعد فشله في السيطرة على الحزب عبر مناوئي محجوب، وقد كان الموقف من  “الاتحاد الثلاثي” (8/11/1970) بين مصر والسودان وليبيا الذي اتخذه الحزب(43)، وأيضاً ما أعقبه من موقف مناوئ للاتحاد أبداه ثلاثة من أعضاء مجلس قيادة الثورة (هاشم العطا، بابكر النور، فاروق حمد الله)، تعبيراً عن عناصر وحيثيات هذا الصدام، الشيء الذي أعقبه إقالة الضباط الثلاثة في (16/11) واعتقال محجوب، إلى أن وصلت الأمور إلى ذروتها في (11 شباط 1971) في خطاب النميري الذي أعقب منشورات ومظاهرات شيوعية أثناء زيارة الرئيس الزائيري جوزيف موبوتو، متهماً الشيوعيين “بممارسة أبشع أنواع التخريب والتصدي لمعارضة أي هدف نبيل وتوزيع المناشير المعادية ومحاولة تصوير الوضع في السودان أنه مختل… (وداعياً) إلى تحطيم كل سوداني ينتمي إلى الحزب الشيوعي”(44).

في 29 حزيران 1971 هرب عبد الخالق محجوب من معتقله في معسكر “الشجرة” العسكري، وقد تبين فيما بعد أن قائد الحرس الجمهوري (العقيد عثمان الحاج حسين أبو شيبه) هو الذي رتب ذلك، وأخفاه في بيته الواقع ضمن محيط القصر الجمهوري.

التقى الرائد هاشم العطا، وهو من الضباط المنضوين في التنظيم الشيوعي العسكري القائم منذ 1964 ،مع عبد الخالق بعد هربه، وطرح عليه فكرة الانقلاب مؤكداً “أن الوضع في الجيش سينفجر سواء تحركوا (العسكريون الشيوعيين) أو لم يتحركوا، كما أن الضباط الديمقراطيين لن يستمعوا لرأي الحزب بالتأجيل هذه المرة، خاصة وأن تنظيمات القوى اليمينية في الجيش تسير بسرعة نحو تنفيذ الانقلاب… (و) أكد أنهم كضباط شيوعيين يتحلون بالانضباط الحزبي والتقيد بموقف الحزب، لكن الظروف المحيطة بهم وعلاقاتهم بالضباط الديمقراطيين تفرض عليهم أن لا يتأخروا عن أي تحرك يبادر به الضباط الديمقراطيون الذين استمعوا أكثر من مرة لرأي الحزب وتقديراته”(45).

لتؤكد الوثيقة أن “اقتراح العسكريين بالانقلاب عندما عرضوه على عبد الخالق بعد هروبه من المعتقل أمر جديد، خارج مسار الحزب السياسي وبرنامج نشاطه وآفاق ذلك البرنامج… قضية جديدة تستوجب الدراسة والتقدير في الأمانة العامة والمكتب السياسي واللجنة المركزية”، فيما كان رد محجوب أن “تحفظاتهم وملاحظاتهم يجب أن تطرح على قيادة الحزب…

(و) اقترح أن الانقلاب يجب أن يطرح على اللجنة المركزية”.

لم يحصل ذلك، لكن محجوب الذي منع مشاركة الشيوعيين في انقلاب (25 مايو1969) وعندما شذ (العقيد أبو شيبه) “جرت محاسبته في الحزب على مشاركته تلك”(46) قد أخذ موقفاً آخر في تموز 1971، على الأقل من خلال عدم منعهم من القيام بذلك، أو من خلال عدم لجوئه إلى المكتب السياسي أو المركزية لتثنيتهم عن ذلك، تاركاً الأمور تأخذ مجراها دون أن يعطي موافقة ودون دفعه للأمور عبر عرضها على المركزية إلى مسار واضح “مع الانقلاب أم ضده”، وهو بالتأكيد من خلال خبرته وتجاربه كان يعرف بأن (العطا) و(أبو شيبه) والقائد الثاني لسلاح المدرعات (العقيد عبد المنعم محمد أحمد) سيمضون قدماً قي مشروعهم للإطاحة بنظام النميري(47).

بعد ظهر يوم 19 يوليو 1971 حصل الانقلاب العسكري، واعتقل النميري وأربعة من أعضاء مجلس قيادة الثورة، فيما كان وزير الدفاع خالد حسن عباس بالخارج، ولقد تمت السيطرة على الإذاعة والقصر الجمهوري والمرافق الحكومية بيسر وسهولة، ليعلن عن قيام مجلس جديد لقيادة الثورة تولى رئاسته الضابط الشيوعي بابكر النور فيما تولى هاشم العطا منصب نائب رئيس المجلس، ودخل إلى عضوية المجلس كل من الرائد محمد محجوب عثمان- شقيق عبد الخالق والرائد فاروق حمد الله والرائد محمد أحمد الريح الشيخ والرائد محمد أحمد الزين والنقيب معاوية عبد الحي(48)، وعين (العطا) قائداً عاماً للقوات المسلحة.

في اليوم نفسه أصدرت اللجنة المركزية للحزب بياناً بعنوان “ذهب الزبد جفاء”، وكان استهلاله “في هذا اليوم الأغر يفتح شعبنا صفحة جديدة في تاريخه وبخط فيها أبناءه البررة من الضباط وصف الضباط والجنود الثوريين الوطنيين مجداً جديداً”(49)، ومعتبراً أن “التغير الذي حدث يفتح الباب واسعاً لتحقيق الثورة الوطنية الديمقراطية”(50).

في اليوم التالي، ظهر عبد الخالق للعلن وقد طلب منه هاشم العطا بعد إذاعة البيان الأول أن “تصاغ أوامر جمهورية جديدة، فكلف عبد الخالق جوزيف قرنق بهذه المهمة”(51)، فيما سيرت نقابات العمال موكباً تأييدياً كبيراً في صباح الخميس 22 يوليو بينما كانت ليبيا تنزل الطائرة البريطانية التي كانت تقل المقدم بابكر النور والرائد حمد الله، لتتحرك بعد ذلك –عند الظهر من يوم22يوليو- القوات الموالية للنميري مدعومة بضباط من الكلية المصرية الحربية في جبل الأولياء (نقلها عبد الناصر للسودان إثر استلام النميري للحكم) حيث تمت إعادته للحكم، وأعدم عبد الخالق محجوب والشفيع الشيخ وجوزيف قرنق، في الأسبوع الذي أعقب فشل الانقلاب، إضافة إلى مجموعة من الضباط بينهم العقيدان أبو شيبه وعبد المنعم محمد أحمد، كما أعدم أعضاء مجلس قيادة الثورة “حركة 19 يوليو” ما عدا الرائد محمد محجوب عثمان الذي كان خارج البلاد عند وقوع الانقلاب في برلين الشرقية، وكان مقرراً أن يصل بطائرة من براغ يوم فشل الانقلاب(52).

خاتمة وتقييم:

لم يعد الحزب الشيوعي السوداني بعد تموز 1971، من الأحزاب السودانية الثلاثة الرئيسية، كما كان عليه الوضع بعد سقوط حكم “عبود” في عام 1964 وحتى محاولة انقلاب هاشم العطا، وقد بان ذلك في الفترة السابقة لإسقاط حكم النميري، عندما دخل الأخير في أزمته بين عامي 1983-1985، حيث لم يكن دور الشيوعيين رئيسياً في إسقاطه، عبر المظاهرات والإضرابات التي عمّت السودان في الأسبوع الأول من نيسان 1985. وتوضح ذلك أكثر في نيسان 1986 عندما أجريت انتخابات الجمعية التأسيسية” (274 مقعداً، فيما أجلت الانتخابات في 37 دائرة بالجنوب من أصل 68 دائرة)، حيث لم يستطيع الحزب الشيوعي أن ينال أكثر من ثلاثة مقاعد، واحد منها في الخرطوم حازه أمين عام الحزب (محمد إبراهيم نقد) بدعم من الحزب “الاتحادي الديمقراطي”، وواحد في دوائر الخريجين حازه (د.عز الدين علي عامر)، ومقعد ثالث في الجنوب، فيما وضح من الانتخابات أن الموقع الذي كان يحتله الشيوعيون كقوة سياسية حديثة في انتخابات 1965، ضمن دوائر “الخريجين” وفي دوائر العاصمة التي تشكل مظهر الحداثة المدينية للسودان، قد أخذته قوة حديثة أخرى هي “الجبهة القومية الإسلامية” بزعامة الترابي، عندما نالت (23 مقعداً) في دوائر الخريجين من أصل (28 مقعداً)، وفازت ب(20 مقعداً) من مقاعد العاصمة المثلثة الخرطوم البالغة (45 مقعداً)، في اختراق مهم استطاع من خلاله الترابي- رغـم سقوطه في الانتخابات المذكورة بدائرة جنوب الخرطوم، بعد أن اجتمع الجميع ضده على خلفية تحالفه السابق مع النميري- أن يضع نفسه على مقربة من قوة الصادق المهدي زعيم حزب “الأمة” ومحمد عثمان الميرغني راعي “الحزب الاتحادي الديمقراطي”، إلى أن استطاع أخيراً أن يطيح بالحكم المدني عبر التنظيم العسكري ل”الجبهة الإسلامية” في 30 حزيران 1989، وقد بان في السنوات الأربعة التي استغرقها الحكم المدني أن (محمد إبراهيم نقد) لم يستطع أن يحتل ولو جزءاً صغيراً من الموقع الذي كان عليه عبد الخالق محجوب بين أكتوبر 1964 ومايو 1969، رغم أن الشيوعيون قد أثبتوا في العمل السري ضد النميري، أنهم قادرون على الاستمرار التنظيمي (الشيء الذي تكرر في عهد عمر البشير) إلا أن فعالية الحزب المجتمعية ،في الحالتين، لم تواز أيضاً ما كان عليه الحزب في النضال السري ضد حكم “عبود”، والمؤشرات القادمة لا تقول بأن مكانة الشيوعيين السودانيين السياسية ستكون أفضل من برلمان 1986، ولا في الخريطة السياسية التي يمكن أن يفرزها الحكم المدني القادم، من حيث التأثير والفعالية السياسيتين اللتين يمكن أن يمارسهما الحزب المعني على حياة بلده السياسية.

من جهة أخرى فإن كثيراً من الظواهر التي شابت عمل الحزب الشيوعي السوداني بالأصل، مثل الحساسية الضدية التي كانت ضد “الوطني الاتحادي” في الخمسينيات والستينيات، قد تحولت إلى ظواهر سلبية بارزة تفاقمت في فترة ضعفه، مثل موقفه من “اتفاقية أديس أبابا” (آذار 1972) لحل مشكلة الجنوب، حيث أخذ موقف سلبي منها(53) رغم أنها تحوي الكثير مما طرحه الشيوعيون السودانيون، منذ نشوب التمرد الجنوب في آب 1955، في برامجهم لحل  أزمة الجنوب السوداني، كما أن من يراقب أدبيات الحزب بين عامي 1980-1985 يلاحظ تركيزاً بالغاً على الإسلاميين أكثر بكثير مما هو موجه ضد حليفهم النميري(54) والذي يعتبر فيه أن “حزب الأخوان المسلمين (قد أصبح) جهاز الأمن الرابع لدولة حكم الفرد، إلى جانب جهاز أمن الدولة، والمخابرات العسكرية وجهاز أمن رئاسة الجمهورية”، فيما لم ينبس الشيوعيون السودانيون ببنت شفة، في عقد التسعينات، تجاه علاقات حلفائهم في “التجمع” المعارض لحكم البشير، المترامية الأطراف مع واشنطن، ابتداءً من الميرغني ووصولاً إلى جون غارنغ.

هنا،لا تكون الجسور مفقودة بين المواقع السياسية في مجتمع “ما” إلا عندما يكون الأخير مفتقداً لعامل الوحدة المجتمعية الداخلية القوية، مما يولّد حساسيات ضدية تكون عاملاً رئيساً في تشكيل الموقف السياسي، كما يلاحظ، مثلاً الآن، بين “العلمانيين” و”الإسلاميين” في الجزائر، أو كما لوحظ سابقاً في العراق بعد عام 1959، بين الشيوعيين والقوميين.

كان هذا القانون الاجتماعي-السياسي حاكماً لتاريخ السودان، حيث لم تتكون التحالفات السياسية إلا عبر لاصق ضعيف سرعان ما كان يتساقط عند أي هزة سياسية، ولم يكن يجمع المتحالفين -وخاصة الحزبان الكبيران- أكثر من الميل إلى تقاسم الجبنة، أو منع الأحزاب والقوى الأخرى أن تكون فاعلة ومؤثرة. كما أن هذه التحالفات التي كانت تقوم بين الحزبين الكبيرين، أو بين “الأمة” و”ش.د” قد تمت بين كتلتين اجتماعيتين لم يؤثر على بنيتهما الداخلية-الذاتية حراك الحداثة أو يزحزحهما (أو يغير) كثيراً عن البنية الأصلية  التي واجهتا من خلالها صدمة الحداثة والاختراق الغربيين، وحتى عندما اخترق الترابي جزءاً من هذه “البنية التقليدية” في السبعينيات والثمانينيات، فإنه لم يشعر بقاعدة مجتمعية قوية تحت قدميه يستطيع من خلالها أن يتغلب برلمانياً على الحزبين الكبيرين، الشيء الذي دفعه للتفكير في الانقلاب العسكري عام 1989، ولأن لا يطمئن للنزعة البرلمانية، تماماُ كما حصل لقسم من الشيوعيين السودانيين بين عامي 1967-1969 إثر طرد نوابهم من البرلمان في عام 1965، وإذا كان ذلك لم يدفع عبد الخالق محجوب إلى هذا الاتجاه آنذاك، فإنه سرعان ما سقط في الحفرة بشهر تموز 1971، مما عبر عن أن الميول إلى اتجاه الانقلاب العسكري لا تنشأ إلا عند قوى تشعر بعجزها عن تكتيل أكثرية مجتمعية تستطيع إيصالها إلى غالبية البرلمان، الشيء الذي نشأ عند قوتين حديثتين، كانتا هما الأبرز في تاريخ السودان وهما الشيوعيون والإسلاميون، بعد اصطدامهما بالحائط الصلب المتمثل في الطائفتين الكبيرتين الواقفتين وراء حزبيهما، وبعد الشعور الذي تملكهما بأن “القوى الحديثة” ومن يمثلها سياسياً لا تستطيع أن تصل إلى غالبية برلمانية في مجتمع تشكل “القوى التقليدية” أغلبيته العددية، وأنها بالتالي لا يمكن أن تحكم إلا عبر طريقة “غير برلمانية”.

إن محجوب عملياً رغم تحبيذه للنزعة البرلمانية على الانقلابية العسكرية بين عامي 1967-1969، إلا أنه لم يحتج على حل البرلمان الذي كان عضواً فيه صباح انقلاب “25 مايو”، واعتبر في بيان المركزية  مساء الانقلاب أن الإيجابية الوحيدة لما حصل تتمثل في “انتزاع السلطة من قوى الثورة المضادة”، ولم يقل شيئاً عن حل الأحزاب، باستثناء حزبه الذي أراد أن يكون عماد “الجبهة الوطنية الديمقراطية” التي طرحها كشعار قابل للإنجاز، وأراد من خلال هذا الشعار  وضع العسكر تحت عباءته انطلاقاً من معادلته المقدمة في عام 1965، والتي كررها في عام 1969، بأن الحزب الشيوعي السوداني هو “المعادل الموضوعي” لليسار في السودان.

إذا قارنا بين الشيوعيين المصريين والسودانيين، فإننا نلاحظ أنه رغم ضعف الأولين، السياسي والتنظيمي بالقياس إلى حزب عبد الخالق محجوب، فإنهم كانوا أكثر إنتاجية من الناحية الفكرية والثقافية، وأكثر تأثيراً على هذين الصعيدين في حياة بلدهم من السودانيين، الشيء الذي هو ملاحظ على كل الأحزاب الشيوعية العربية القوية، مثل العراقي أو التي اقتربت من القوة في بعض مراحلها مثل السوري، حيث لم يكن ما قدمته فكرياً وثقافياً يوازي أو حتى يقترب من قوتها التنظيمية والسياسية.

لم يجمع عبد الخالق محجوب القوة الثقافية مع براعته التنظيمية، ولم يقرن الإنتاجية الفكرية مع حنكته السياسية، كما حصل في حالة حسن الترابي، إضافة إلى أن الحزب الشيوعي السوداني لم يفرز مثقفين طوال تاريخه كان لهم مكانة وطنية عامة تتجاوز إطارهم السياسي، مثل رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب (من حزب الأمة) أو أحمد خير( من الحزب الوطني الاتحادي) الذي تولى الخارجية في فترة حكم “عبود”.

يمكن عبر ذلك تفسير التقلبات الفكرية للشيوعيين السودانيين، وخاصة بين ربيع 1965 وصيف 1966، عندما مروا خلال فترة قصيرة من الزمن، بحالتين متعاقبتين من القوة والضعف، ويعود ذلك إلى أن القوة السريعة التي اكتسبتها “حستو” من الناحية التنظيمية والسياسية، خلال فترة قصيرة عبر سيطرتها على “الفئات الحديثة”، هي التي أدت إلى عدم الالتفات كثيراً إلى (الفكر)، وخاصة عند قيادة شابة وجدت أن قوتها التنظيمية-السياسية أكبر من طاقتها الثقافية-الفكرية، فيما كان ضعف الشيوعيين المصريين في التنظيم والسياسة هو الذي دفعهم إلى أحضان (الفكر) كمحاولة للتعويض ومن ثم تشكيل نقطة انطلاق تتيح الاستحواذ، لاحقاً، على المجالين الأولين.

تبقى تجربة الحزب الشيوعي السوداني من أخصب تجارب الأحزاب الشيوعية العربية، ليس فقط لأنه وصل إلى مدى من القوة السياسية والتنظيمية لم يصل إليها أي من أقرانه العرب،وإنما لأنه استطاع أن يمتلك تلك القوة والامتداد الاجتماعي في مجتمع ذي طابع تقليدي أساساً تركت قطاعاته الحديثة أو فئاته في حالة فراغ من القوى السياسية الأخرى، حيث كانت قوة الشيوعيين السودانيين ناتجة عن قدرتهم على ملء هذا الفراغ في فترتهم الأولى، ومن البراعة السياسية والتنظيمية التي استطاعوا عبرها تحويل الممكنات الاجتماعية، التي نتجت عن ذلك، إلى فعل حزبي تمكنوا خلاله أن يكونوا جزءاً رئيسياً من الخارطة السياسية لبلدهم طوال تلك الفترة، وإلى أن يتحولوا خلال 1964-1971 إلى حزب اقترب من حافة الحكم وكان قادراً على الوصول إليه، الشيء الذي أثبته في يوم (19 يوليو 1971) ولمدة ثلاث أيام، وعلى كل حال فإن  فقدانه السلطة  لم يكن فقط لأسباب تقنية، أو لأخطاء في الحذر والضبط والربط، بل كان ذلك ناتجاً أساساً عن أنه لا يملك القاعدة المجتمعية الكافية لذلك في مجتمع لا تشكل “القوى الحديثة” إلا قوة صغيرة فيه وإن كانت الأكثر ديناميكية، ولأن الفضاء الدولي (سوفيتياً وبالطبع غربياً) والإقليمي (مصر، السعودية، ليبيا) كانا في الضفة الأخرى من ذلك ضد انقلاب19يوليو1971، مما أدى بعد فشل “حركة 19 يوليو” لدخوله في طور من الضعف لم يقم منه بعد ثلاثة عقود من ذلك، وإذا كان سقوط “التجربة السوفياتية” قد ساهم في ذلك، مما انعكس على اليسار العربي كله، فإن الجذر الاجتماعي لضعف الشيوعيين السودانيين يعود إلى استطاعة الإسلاميين ملء الفراغ في “القوى الحديثة” الذي أحدثه ضعف الشيوعيين بعد عام 1971، تماماً كما حصل من الأخيرين تجاه الفراغ الذي وجدت “القوى الحديثة” نفسها فيه قبل ربع قرن، مما يفسر قوة الشيوعيين بين عامي 1946-1971.

****

الهوامش:

(1) فؤاد مطر: “الحزب الشيوعي السوداني: نحروه أم انتحر؟”، دار النهار، بيروت 1971، ص109.

(2) محمد أبو القاسم حاج حمد: “السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل”، دار الكلمة، ط1، بيروت 1980، ص 331، وجريدة “الميدان” الناطقة باسم “الجبهة”، العدد 12، 14/10/1954.

(3) حاج حمد، “المصدر السابق”، ص336 – 337. و”الميدان”، العددان 126 – 127، 14 – 17/11/1955.

(4) د. محمد سعيد القدال: “معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني”، دار الفارابي، ط1، بيروت 1999، ص93.

(5) حاج حمد، “المصدر السابق”، ص363.

(6) “المصدر نفسه”، ص363. و”الميدان”، العدد 206، 20/12/1965.

(7) د. القدال، “المصدر السابق”، ص106 – 107 – 108.

(8) حاج حمد، “المصدر السابق”، ص383.

(9) “المصدر نفسه”، ص387 – 388، يوجد نص بيان انسحاب الشيوعيين.

(10) “المصدر نفسه”، ص388.

(11) “المصدر نفسه”، ص413.

(12) حسن عبد الله: “السودان – معركة الديمقراطية لا تزال مستمرة”، مجلة “الوقت”، عدد شباط 1966، ص95.

(13) مطر، “المصدر السابق”، ص218.

(14) “المصدر نفسه”.

(15) مجلة “الوقت”، عدد كانون الثاني 1967، ص92-100.

(16) المسماة “قضايا السلم والاشتراكية”، عدد تموز 1968، ص34 – 37.

(17) مطر، “المصدر السابق”، ص99 – 147.

(18) “المصدر نفسه”، ص103. نص محجوب “تقرير إلى المؤتمر التداولي (آب 1970)”.

(19) “المصدر نفسه”، ص102.

(20) د. القدال، “المصدر السابق”، ص198.

(21) عبد الخالق محجوب: “قضايا السلم والاشتراكية”، عدد تموز 1968، ص35.

(22) د. القدال، “المصدر السابق”، ص182.

(23) مطر، “المصدر السابق”، ص102 – 103.

(24) د. القدال، “المصدر السابق”، ص212.

(25) “المصدر نفسه”، ص212.

(26) مطر، “المصدر السابق”، ص121.

(27) خليفة خوجلي: “انتحار الحزب الشيوعي السوداني”، دار علاء الدين، ط1، دمشق 1999، ص47.

(28) المصدر نفسه، ص45.

(29) “المصدر نفسه”، ص48. ومطر، المصدر السابق، ص121.

(30) د. القدال، “المصدر السابق”، ص217.

(31) “المصدر نفسه”.

(32) “المصدر نفسه”، ص218.

(33) “مؤتمر الأحزاب الشيوعية والعمالية (موسكو 1969): مجموعة الوثائق”، منشورات “السلم والاشتراكية”، براغ 1969، خطاب عبد الخالق محجوب، ص522.

(34) عبد الخالق محجوب: “السودان – ثورة 25 مايو”، الطبعة الإنكليزية من مجلة “الوقت”، المسماة “قضايا السلم والاشتراكية”، عدد تشرين الأول 1969، ص20.

(35) محجوب، “المصدر السابق”، ص20.

(36) د. القدال، “المصدر السابق”، ص220.

(37) “المصدر نفسه”، ص233.

(38) عبد المنعم الغزالي: “الشفيع أحمد الشيخ والحركة النقابية والوطنية السودانية”، دار الفارابي، ط1، بيروت 1972، ص99 – 102. نص الرسالة التي أرسلتها “المركزية” حول الموضوع، يوم 4/4/1970، والموجهة إلى “مجلس قيادة الثورة”، والتي تتحلى بكثير من الاعتدال المفاجئ تجاه السلطة. ود. القدال، “المصدر السابق”، ص237.

(39) كتاب “الثورة المضادة في السودان”، الذي أصدرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، دار ابن خلدون، ط1، بيروت، تموز 1973، ص110. (رسالة عبد الخالق) ومن الواضح في هذه الرسالة تركيز محجوب من خلال ما قدمه من اقتراح للمركزية بـ “إعادة النظر في الصيغة التي تم فيها إشراك الشيوعيين بمجلس الوزراء، وأن تحل صيغة التحالف محل الاشتراك (ص105 – 106)، على مجابهة خطر التحالف القائم بين السلطة والعناصر الحزبية القيادية المناوئة له، وخاصة على ضوء قرب موعد إعلان (التنظيم السياسي: الاتحاد الاشتراكي)، في 25 أيار اللاحق، التي دعت السلطة الشيوعيين للدخول إليه كأفراد، باعتبار أنها تعتبر الحزب الشيوعي محلولاً منذ صباح انقلاب النميري.

(40) مطر، “المصدر السابق”، ص243.

(41) المصدر نفسه، “المؤتمر التداولي وقراراته”، ص151 – 152.

(42) مطر، “المصدر السابق”، ص197 – 265. بيانات المنقسمين.

(43) “المصدر نفسه”، ص191 – 196.

(44) “المصدر نفسه”، ص30.

(45) خوجلي، “المصدر السابق”، ص54. وثيقة “تقييم 19 يوليو”، الصادرة عن سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني (كانون الثاني 1996).

(46) “المصدر نفسه”، ص56.

(47) من عرض قدمته جريدة “الحياة” للكتاب، عدد الأحد 6/12/1998، بعد ثلاثة عقود تقريباً على وقوع “انقلاب 19 يوليو1971” قدم الرائد محمد محجوب عثمان، أحد قادة التنظيم العسكري الشيوعي، شهادة مهمة على “19 يوليو” في كتابه “الجيش والسياسة في السودان – دراسة في حركة 19 يوليو 1971″، مركز الدراسات السودانية، القاهرة 1998 (90 صفحة)، يؤكد فيها أن موضوع الانقلاب قد طرح على المكتب السياسي للحزب بعد هرب عبد الخالق، إلا أن المكتب السياسي “لم يتخذ قراراً قاطعاً بقبول فكرة الانقلاب أو رفضها…(ولكنه أكد أنه) من حيث المبدأ يمكن قبول فكرة حركة تصحيحية، لكن يجب أن يخضع تحرك الضباط الشيوعيين لتقديرات اللجنة المركزية…(ومتسائلاً رداً على وثيقة المركزية عن “تقييم 19 يوليو”): هل من العدل…أن تنفي القيادة أي دور لها في حركة 19 يوليو 1971 وتلقي بالتبعية الكاملة على عاتق هاشم العطا ورفاقه بعد هزيمة الحركة العسكرية في 22 يوليو 1971؟!…”.

(48) جريدة “البعث”، دمشق، 21/7/1971.

(49) خوجلي، “المصدر السابق”، ص61 – 62.

(50) د. القدال، “المصدر السابق”، ص300.

(51) خوجلي، “المصدر السابق”، ص59. وثيقة “تقييم 19 يوليو”، ص65.

(52) “قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي السوري”، دار ابن خلدون، ط1، بيروت، أيلول 1972، ص174 – 175. في تعليق قدمته القيادة السوفياتية على الوضع في السودان، عبر وثيقة “الملاحظات السوفياتية” (أيار 1971) على “مشروع برنامج الحزب الشيوعي السوري”، والتي شارك في صياغتها قادة سوفيات نظريين وسياسيين مثل سوسلوف وبوناماريوف وبريماكوف، وصادق عليها المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي، نجد التالي: “الديمقراطية الثورية (الوطنية) مع تأييد الشيوعيين في الجيش وخارج الجيش، وصلت إلى الحكم وأزاحت الرجعية، وكان هذا نجاحاً كبيراً للديمقراطية وللحزب الشيوعي السوداني، وإن لم يكن الجميع في قيادة الحزب وقفوا موقفاً صحيحاً في هذه القضية…الدرس الثاني أنه بملء الأسف، ظهرت في صفوف الحزب عناصر ليست مرنة بالقدر الكافي، ولهذا فإن علاقات التعاون مع الديمقراطيين الوطنيين، مع السعي لعزل اليمينيين منهم عن طريق التعاون والصداقة مع العناصر اليسارية…هذه العلاقات خرقت، ولهذا فاليوم النظام والحزب الشيوعي السوداني يعيشان حالة أزمة عميقة…كان واجب الحزب الشيوعي السوداني أن يساعد النميري لا مقصراً عنه ولا مسرعاً عنه أو سابقاً له”. إن الاتحاد السوفياتي الذي أعلن تأييده لحركة “19 يوليو” في مجلة “الأزمنة الحديثة” (21 يوليو 1971)، واستنكر بعدها إعدام الشيوعيين السودانيين، قد كان بالأصل في الضفة الأخرى المواجهة لموقف عبد الخالق محجوب، وأقرب إلى موقف الكتلة المناوئة له في الحزب، مراعياً أن واقع صدام الشيوعيين مع النميري سيؤدي إلى غيوم كثيرة في سماء العلاقات السوفياتية – المصرية.

(53) “الثورة المضادة في السودان”، موقف اللجنة المركزية للحزب المتخذ في تموز 1972، ص81 – 94.

(54) انظر مثلاً: مقال جريدة “الميدان”، العدد 726، حزيران – تموز 1984، تحت عنوان “جهاز الأمن الرابع”. المنشور في مجلة “النهج”، العدد 7، شباط 1985، ص222 – 226.

—————————————————————–