العدد الرابع والثلاثون من جريدة المسار – تشرين الثاني ٢٠١٩

  • بيان من الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) حول الحراك اللبناني.
  • الافتتاحية: لا يوجد بديل عن العروبة كلاصق وطني في سوريا.
  • خريطة اجتماعية سياسية اقتصادية للاحتجاجات في سورية – محمد سيد رصاص.
  • اللجنة الدستورية السورية: ممر إجباري بعد رهانات فاشلة – نادر عازر.
  • اللجنة الدستورية بين المخاوف المحقة… والفعل المتاح – بسام سفر.
  • روزنامة لأبرز أحداث الغزو التركي للشمال الشرقي السوري المسماة بـ “نبع السلام”.
  • النظام العالمي الجديد – محمد أسعد.
  • سلسلة قادة الأحزاب الشيوعية العربية: كمال عبد الحليم.

بيان من الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) حول الحراك اللبناني

شهدت الساحة اللبنانية منذ السابع عشر من تشرين الأول ٢٠١٩ سلسلة من التحرُّكات والاعتصامات المستمرِّة، احتجاجاً على الوضع الاقتصادي في لبنان، والذي كانت آخر إجراءاته الملموسة إقرار المزيد من الضرائب على اللبنانيين، ممَّا يزيد من إفقار الفئات الوسطى والطبقات الفقيرة. هذا أمر أدَّى إلى توحُّد غالبية الشعب اللبناني خلف مطالبها الاقتصادية في عبور للإصطفافات الطائفية. شملت هذه التحرُّكات كل المناطق اللبنانية من الشمال إلى الجنوب، بمشاركة مختلف فئات الشعب اللبناني الوسطى وطبقاته الفقيرة، لنشهد حراكاً يتجاوز كل الإصطفافات الطائفية والمناطقية، في وعي بأنَّ الطائفية السياسة هي قناع لمصالح فئة فاسدة متسلِّطة، حيث يتوحَّد الحراك اللبناني حول مطالب اقتصادية–اجتماعية، رافضاً السياسات التي تؤدَّي إلى الإفقار والاستغلال الممنهج للشعب، ممَّا يؤكِّد أنِّ أساس كل صراع هو طبقي، وإن أخذت الصراعات أشكالاً مختلفة أخرى.

هذا الحراك الذي لم يشهد لبنان مثيلاً له من قبل، من حيث العدد وتجاوز الإصطفافات الطائفية، ومن حيث سلاح السلمية، الذي هو أقوى خصائص هذا الحراك اللبناني، والذي هو أيضاً وأساساً السد المانع أمام المتربِّصين به، من تحقيق أهدافهم في تخريبه وحرفه عن مساره، أظهر ارتباك السلطة اللبنانية وعجزها عن الارتقاء إلى مستوى الحدث، لتلبية ما يطالب به المحتجون من تغيير في  بنية وآليات السلطة.

يعدٌّ هذا الحراك اللبناني امتداداً للربيع العربي، الذي بدأت موجته الأولى عام ٢٠١١ في تونس ،التي أجرت انتخاباتها الرئاسية الثانية  والبرلمانية الثالثة مؤخراً، وصولاً إلى الثورات الأخيرة في الجزائر والسودان والعراق، والتي تؤكِّد على أنَّ الشعب العربي أصبح مدركاً  للحاجة إلى الانتفاض في وجه الإستبداد السياسي وآليات الفساد، بعد أن انكسرت حواجز الخوف واحداً تلو الآخر، وهنا يجب التذكير بأنَّ شعارات الحراك اللبناني هي امتداد لشعارات الحراك السلمي السوري في عام ٢٠١١، وهي شعارات تدعم نضال الشعب السوري من أجل التحرُّر من  الإستبداد السياسي الذي هو منبع الفساد في سوريا.

وإنَّنا في الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) نؤيِّد هذا الحراك الشعبي اللبناني ضد المنظومة الطائفية السلطوية الفاسدة، مثل ما نؤيِّد كل انتفاضات الشعب العربي في وجه الاستبداد والفساد من أجل تحقيق المطالب بالحرية والعدالة.

دمشق – ٢٦ تشرين الأول ٢٠١٩ الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)


الافتتاحية:

لا يوجد بديل عن العروبة كلاصق وطني في سوريا

بعد ضياع فلسطين، عام 1948، انتعش الاتجاه القومي العروبي، بفرعيه البعثي والناصري. وبعد وصول الفرعين إلى السلطة في القاهرة ودمشق وبغداد، كانت هزيمة حرب حزيران 1967 إيذاناً بفشل المشروعين في ما يخصُّ «تحرير فلسطين» و «الوحدة العربية»، ثمَّ كانت نتائج «التنمية والتحديث» فاشلة في البلدان الثلاثة ،وفي مرحلة «ما بعد بغداد 9 نيسان 2003» و «ما بعد الربيع العربي» ظهرت الوحدة القطرية في البلدان الثلاثة هشَّة ومزعزعة.كان انحسار التَّيار العروبي منذ السبعينيات مرفقاً بانتعاش تيَّار الإسلام السياسي، ثمَّ بدأت عملية انحسار الإسلاميين وتيارهم إثر سقوط حكم «الإخوان المسلمين» في مصر بعد سنة أولى حكم بين 30 يونيو 2012 و3 يوليو 2013، ليكون عند الإسلاميين ما كانه سقوط الكرملين السوفياتي أواخر عام 1991 على الحركة الشيوعية العالمية، حيث تبع زلزال سقوط مرسي توابع في طرابلس الغرب وتونس وصنعاء، وفي المعارضة السورية تم اضعاف نفوذ الإسلاميين.
الآن هناك فراغ فكري ــ سياسي في الساحة العربية، يصاحبه انفجار للبنى الداخلية في بلدان عديدة. أيضاً، جميع التيارات الفكرية ــ السياسية الرئيسية: العروبيون، الإسلاميون، الليبراليون، الماركسيون متساوون في الفشل، ولو أنّ الماركسيين لم يجربوا الحكم سوى في عدن ومارسوا «الحكم الخلفي» من وراء ستارة عبد الكريم قاسم في العراق 14 تموز 1958 ــ 8 شباط 1963.

لم ينجح العروبيون في إنشاء بناء فكري ــ سياسي يطوِّر أو يتجاوز ميشال عفلق أو النتاج الناصري الفكري الموجود في «فلسفة الثورة» و«الميثاق»، ولم يستطع الإسلاميون تجاوز حسن البنا وسيد قطب، ولم يقدِّم الماركسيون حتى الآن مراجعة تتجاوز «الماركسية السوفياتية»، فيما كانت «الليبرالية الجديدة» التي نشأت عربياً مع غزو العراق من قبل الأميركان عام 2003، وكان معظم طاقمها الفكري ــ السياسي من  سقط متاع الشيوعيين والماركسيين السابقين، مرتبطاً بواشنطن مثلما كان الليبرالي القديم مصطفى النحاس زعيم حزب «الوفد» مرتبطاً بلندن التي أجبرت دباباتها المقتحمة لقصر عابدين يوم 4 فبراير 1942 الملك فاروق على تعيينه رئيساً للوزراء المصري.

لم ينبثق حتَّى الآن تيَّار فكري ــ سياسي ينافس هذه التَّيارات الأربعة التي سادت الساحة الفكرية السياسية العربية منذ العشرينيات.ويبدو في المدى المنظور لا يوجد جنين لذلك ،وكان لافتاً للنظر أنَّ الدعوات التي أطلقت في ربع القرن الماضي في مرحلة «ما بعد السوفيات» لأحزاب بلا أيديولوجيات، تقوم على البرنامج السياسي فقط، أو تنظيمات سياسية متعدِّدة الألوان الأيديولوجية وذات برنامج سياسي واحد قد فشلت جميعها، سواء في مصر أو سوريا أو لبنان.

الآن مع انفجار البنى الداخلية، هناك انتعاش لأفكار فئوية سياسية، عند إثنيات مثل الأكراد في العراق وسوريا واستغلال من قبلهم لأوضاع انفجارية داخلية في البلدين لتحقيق الأجندات الكردية، وعند طوائف مثل سُنًّة العراق لتعديل صيغة عراق «ما بعد صدام حسين أيضاً. 

تطرح الآن، ولو بشكل خجول، في العراق وسوريا، صيغ لـ«ديموقراطية توافقية» تقوم على تقاسم الكعكة بين «المكونات» على طراز ما تمّ بين بشارة الخوري ورياض الصلح في صيغة لبنان عام 1943 التي انفجرت في 13 نيسان 1975، ثم عدلت ولم يثبت نجاحها أيضاً بربع القرن الماضي الذي أعقب «اتفاق الطائف”.

من الواضح في ظل هذا الوضع الراهن أنَّ صيغة «الدولة الوطنية» التي انبنت على رابط العروبة في العراق (80% من السكان عرب و18% أكراد وفي سوريا (90% عرب، وفق «روزنامة العالم 2010»، طبعة نيويورك، ص 842)، هي في مرحلة مراجعة.

العروبيون، وهم ليسوا فقط في البلدين بعثيون وناصريون، بل هناك عروبيون ماركسيون وليبراليون وإسلاميون، في وضع دفاعي أمام الفئويين من أنصار «دولة المكونات»، وأمام الطائفيون، وأمام المد السياسي للنزعة الإثنية الكردية.

يبدو أيضاً في البلدين أنَّ «النزعة العراقوية» و«النزعة السورية»، سواء الآتية من أنطون سعادة أو غيره، لن تفضي إلى أكثر من الصيغة اللبنانية لعام 1943 يتم فيها «تقاسم الجبنة» وفق تعبير الرئيس اللبناني الأسبق فؤاد شهاب، كما أنَّ البلدين لا يملكان رابطاً وطنياً خاصاً يقود إلى لحمة متينة مثلما هي مصر تاريخياً.لم تنجح الصيغة اللبنانية، ومحاولات تقليدها الخجولة المستترة في عراق ما بعد صدام حسين كانت فاشلة أيضاً.

تدلُّ الكثير من المؤشِّرات، ومنها مسار عراق ما بعد 9 نيسان 2003، على أنَّه ليس هناك من خرائط جديدة موضوعة دولياً للمنطقة، وليس هناك إقليمياً سوى إسرائيل التي تريد تغيير الخرائط باتجاه إنشاء دول على نموذجها، وقد أصبحت تل أبيب في مرحلة ما بعد الحرب الباردة في وضعية تناقص الأهمية عند الغرب الأميركي-الأوروبي، ولم تعد ذلك المخفر الغربي المتقدم الناجح كما كانت في حروب 1956 و 1967 و 1982 الإسلام أثبت كرابطة جمعية أنه فاشل في تجربة الدولة العثمانية وفي باكستان، وفي ثلث القرن الماضي تحلُّل إلى طوائف وكان تقسيمياً للمجتمعات والأفراد في المنطقة الممتدة من كابول إلى بيروت ومن اسطنبول إلى عدن.

لا يقوم بلد على رابط وظيفي، بل على هوية ثقافية حضارية تعطي وطنيته لوناً خاصاً، وهذا موجود حتى في مجتمعات مهاجرين مثل الولايات المتحدة حيث الهوية الأنكلوـساكسونية هي اللاصق الوطني منذ عام 1776، ولو قام ذلك المجتمع رغماً وضد سلطة لندن.

في بلدان مثل روسيا (الروس 80%) وإيران (الفرس 51% والآذريون 24%) تجتمع القومية مع الدين في تشكيل الهوية الثقافية الحضارية للبلد، وفي تركيا (الأتراك 80%) حاول أتاتورك إقامة الهوية الثقافية الحضارية من خلال جمع النزعة القومية التركية مع التغريب وفشل، فيما يحاول أردوغان منذ 2002 جمع القومية التركية مع الإسلام في رابطة مرنة وربما يحاول قريباً جمع أوجلان معه في رابطة «ما» كما كان الأكراد في الزمن العثماني، وكما هو مسعود برزاني تحت الجناح التركي، فيما جلال الطالباني لم يخرج من تحت الخيمة الإيرانية منذ الثمانينيات.

عند العرب، الهوية الثقافية الحضارية تقوم على تمازج «ما» بين العروبة والإسلام، مثل العلاقة التي هي بين القومية الروسية والأرثوذكسية، وهو شيء لم تستطع أن تهزه التجربة الشيوعية السوفياتية أو تتجاوزه، أو العلاقة بين القومية الصربية والأرثوذكسية، أو القومية الكرواتية والكاثوليكية.هذا رابط ثقافي ــ حضاري يولد إحساساً بهوية «ما»، اضطَّر ستالين الجورجي في عام 1941 أمام تقدُّم هتلر باتجاه موسكو ليقول في خطاب بذكرى ثورة أوكتوبر، وعند ضريح لينين: «فلتلهمكم في هذه الحرب صور الرجولة التي كان يتحلَّى بها أسلافنا العظام: ألكسندر نييفسكي، ألكسندر سوفوروف، وميخائيل كوتوزوف…» (إسحق دويتشر: «ستالين»، ص 488، دار الطليعة، بيروت1972) .

لا يوجد رابطة جامعة ــ منقذة في هذه البقعة الجغرافية التي اسمها «الهلال الخصيب»، الممتدَّة بين البصرة واللاذقية ،والتي هي من أكثر البقع الجغرافية توليداً للحضارات والأفكار خلال السبعة آلاف سنة الماضية، غير”العروبة”، ولا يوجد لاصق وطني آخر لا «النزعة العراقوية» ولا «السورية» ولا “النزعة المشرقية”.

من خلال دمشق وبغداد أخذ الإسلام بعده العالمي وليس من أي مكان آخر، والعروبة ولدت هنا قبل ومع عالمية الإسلام، وعندما ماتت دولة «الجامعة الإسلامية» مع العثمانيين لم يكن للعرب سوى العروبة.
أثبتت تجربة ما بعد عام 1918 أنَّ العروبة هي الرابطة الجمعية الأقوى، العابرة للأديان والطوائف والمناطقية الجهوية، وهي يمكن (ويجب) أن تكون غير شوفينية بخلاف التجارب السابقة، وأن تصبح المظلة للإثنيات الأخرى، رغم فشل الناصرية وحزب البعث في تحقيق مهمات تحرير فلسطين والوحدة العربية والتنمية والتحديث وبناء داخلي متين، بالقياس إلى «الوطنية المحلية» التي لا يمكن أن تتجاوز «دولة المكونات» التي ستكون «اتحاداً لمتوزعي الجبنة» أو«فيدرالية طوائف وإثنيات»، أو الإسلام الذي أثبتت التجربة أَّنَّه عندما يتحوَّل إلى «إسلام سياسي»، فإنَّه لا يستطيع أن يكون «إسلاماً عاماً»، بل «سنية سياسية» أو «شيعية سياسية».


خريطة اجتماعية سياسية اقتصادية للاحتجاجات في سورية

محمد سيد رصاص

جريدة “الحياة” 31 تموز 2011 – 4 آب 2011 موقع “الحوار المتمدن”

هناك أحداث مفصلية في التاريخ السوري لحقبة ما بعد 8 آذار (مارس) 1963، تدلُّ على أن المعارضة لنظام حزب البعث كانت تنبع من بيئات اجتماعية مدينية: حوادث حماة في نيسان (أبريل) 1964، التي قادتها «جماعة الإخوان المسلمين» و«حركة الاشتراكيين العرب» بقيادة أكرم الحوراني – حوادث “يوم المولد النبوي» في نيسان 1973 في حماة واللاذقية احتجاجاً على دستور 1973، حيث شارك «لإخوان» وتنظيم «الاتحاد الاشتراكي» بزعامة محمد الجراح في قيادة الاحتجاجات التي وصلت لمستوى إضراب عام في حماة. ثم جاءت أحداث حزيران (يونيو) 1979 وشباط (فبراير) 1982 لتظهر مراكز اجتماعية مدينية «حلب – حماة – اللاذقية» استند إليها «الإخوان المسلمون»، مع استثناء ملفت تمثّل في بلدات وريف محافظة ادلب التي قدمت أكبر نسبة سجناء لـ «الإخوان» في تلك الأحداث التي حسم تجّار دمشق مسارها في آذار 1980 لمصلحة السلطة. 

في أحداث 1979-1982 كانت الذخيرة البشرية لـ «الإخوان» تأتي من فئات وسطى متعلمة في أحياء تقليدية «الكلاسة وباب الحديد والجميلية والفيض في حلب- الحاضر والكيلانية بحماة – الصليبة ومشروع الصليبة والطابيات والعوينة في اللاذقية» كانت متضررة من المسار الاقتصادي – الاجتماعي الذي منذ 8 آذار 1963، وبعضها، مثل حلب واللاذقية، كان قاعدة الاستناد الاجتماعية التي ارتكز عليها الناصريون في صدامهم مع البعثيين إثر انفكاك مشاركتهم في السلطة منذ 18 تموز (يوليو) 1963 الذي شهد محاولة انقلاب العقيد جاسم علوان المدعومة من القاهرة. خلال تلك الأحداث استند نظام الرئيس حافظ الأسد إلى الريف والمدن والبلدات الصغيرة وإلى تجار دمشق، في ظل غطاء دولي امتدَّ من موسكو إلى واشنطن مروراً بلندن وباريس وإلى دعم الرياض، فيما كان «الإخوان» يستندون إلى بغداد وإلى حد «ما» إلى الملك حسين، وكان الوضع الاقتصادي قوياً ومستقراً. 

ملامح اقتصادية

في حركة الاحتجاجات (البادئة في درعا)، التي شهدتها سورية منذ 18 آذار2011، هناك صورة جديدة: سكون احتجاجي في حلب، ومثيل له في مدينة دمشق عدا شيئاً من الحركة الاحتجاجية في حي تقليدي «الميدان»، مع حركة احتجاجية قوية في حي مثل برزة، كان حتى السبعينات هو مجموعة بساتين يتوسطها مزارعون في حي صغير، قبل أن يأتي قاطنون أتوا في شكل رئيسي من ريف حوران. 

في بلدات محافظة ريف دمشق الصورة مختلفة: حركة احتجاجية قوية في بلدات دوما وحرستا والتل، مع سكون في بلدات يبرود ودير عطية والنبك، مع احتجاجات أخذت منحى صاخباً في منطقة الغوطة الشرقية «سقبا والمليحة»، حيث أضيف الى تدهوُّر الزراعة تضرُّر صناعة المفروشات، وهي حرفة تقليدية هناك منذ مئات السنوات، نتيجة منافسة المستوردات التركية في السنوات الأخيرة. في مدينة درعا، وفي حوران بريفها وبلداتها، هناك احتجاجات شاملة لا توازيها كصورة سوى محافظة ادلب، حيث يبدو أنَّ تدهوُّر الزراعة وضعف الاستثمار الحكومي يؤدِّيان إلى هجرات من درعا وحوران نحو دمشق، كذلك من محافظة ادلب نحو مدينة اللاذقية حيث يشكِّل الآتون من هناك، (يسمون في اللاذقية بـ «الشريقية»)، ما يفوق ربع سكان المدينة، وهم العصب الاجتماعي لحركة الاحتجاج في تلك المدينة الساحلية من خلال أحياء «بستان الصيداوي والسكنتوري والرمل الجنوبي». وأصبح مركز حركة الاحتجاجات ضد نظام البعث لأول مرة في اللاذقية في تلك الأحياء التي هي أقرب الى العشوائيات، ولم يعد في حي الصليبة، كما كان الأمر في تموز 1963 ونيسان 1973 وأيلول (سبتمبر)1979.

في مدينة حمص الصورة مختلفة، حيث يجتمع حي، هو (باب عمرو)، كان حتى الثمانينات ضيعة ببساتين على أطراف المدينة، مع أحياء تقليدية مثل «باب السباع والخالدية»، لكي تُشِّكل المركز الاجتماعي للاحتجاجات، مع صورة جديدة تقدِّمها حمص حيث ظهر في الأحداث أنَّ فئاتها الوسطى وشريحة كبرى من تجارها دخلت في خط الاحتجاجات، وهو شيء لا يلمس في اللاذقية مثلاً، فيما يمكن ملاحظته في حماة 2011، كما يمكن ملاحظة توحَّد بلدات تلبيسة والرستن مع حمص وحماة في تشكيل مراكز للحركة الاحتجاجية، وهو ما يمكن ملاحظته أيضاً في مركز محافظة دير الزور وبلداتها «البوكمال والميادين»، الأمر الذي يشبه وضع محافظتي درعا وادلب، حيث تعاني هذه المحافظات الثلاث من تدهوُّر الزراعة وضعف الاستثمارات الحكومية، فيما يمكن القول :إنَّ محافظة الحسكة، التي تعيش وضعاً اقتصادياً وخدماتياً مشابهاً لهذه المحافظات الثلاث، قد أدَّى تنوعها القومي، وحساسيات أحداث آذار 2004، إلى أن يكون مركز الاحتجاجات في القامشلي ورأس العين وعامودا، حيث غالبية سكانية كردية وليس في مدينة الحسكة ذات الخليط العربي والكردي، وحيث يوجد الكثير من المسيحيين، وبالذات من السريان، أظهروا في أحداث 2011، مثل باقي مسيحيي سورية، تأييداً قوياً للسلطة القائمة. 

في سورية 2011 ثلاث محافظات هادئة بشكل ملحوظ: طرطوس، والسويداء، والرقة حيث الزراعة ما زالت محافظة على مردودها عند سد الفرات. في حلب يمكن تفسير الهدوء الاحتجاجي مثل الرقة وعزوه إلى الاقتصاد، فيما يمكن قول العكس عن مدينة حمص، التي تحوَّلت كل الطرق الرئيسية السورية، بين الساحل ودمشق وبين الأخيرة وحلب ومن المنطقة الشرقية ودمشق، عن المرور في وسطها ،لأوتوسترادات خارج حمص أو بعيداً عنها، فيما كانت حتى أواسط الثمانينات تمر في داخل المدينة وتنعش أسواقها، وهو ما زادت مفاعيله السلبية مع تمييزات في الوظائف لغير صالح أبناء مدينة حمص فيما كان عمل المحافظة في السنوات الأخيرة غاية في الفساد. 

طبقات الأكثرية السنية

بشكل عام، يمكن القول: إنَّ هناك حركة احتجاجية سورية تستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة من الطائفة السُنية، ولكن، في الأرياف والبلدات الصغيرة وفي بعض المدن، مثل درعا وحمص وحماة ودير الزور، مع تأييد ملحوظ للسلطة بين تجار وصناعيي وأغنياء السُنة، وتردُّد كبير بين فئات وسطى سُنية، يمكن تلمٌّسه بقوَّة في دمشق وحلب واللاذقية، بخلاف حمص وحماة: في سورية 2011 ظهر أنَّ الطائفة الوحيدة التي كانت مقسومة على أساس طبقي، أي اقتصادي- اجتماعي، وبالتالي سياسي، كانت هي الطائفة السٌنية (75 في المئة من مجموع السكان)، وهي لم تتصرَّف كطائفة، فيما كانت الأقليات «علويون – مسيحيون – دروز – اسماعيليون – شيعة اثنا عشرية» موحَّدة ككتل صلبة مع النظام، مع استثناءات هي أقرب إلى الحالات الفردية، وهو ما ينطبق على الأكراد «7-9 في المئة من السكان وهم سٌنة» الذين ظهروا كأقلية وحيدة وقفت في المعارضة، كجسم اجتماعي، وأيضاً ككتلة موحَّدة صلبة، مع مؤشِّرات أظهرتها مدينة السلمية، إلى أنَّ هناك انقساماً سياسياً يجعل الطائفة الاسماعيلية في وضعية عدم التماهي بين الطائفة والميل السياسي. 

وأكثر ما يلفت النظر في سورية 2011، «والمجتمعات عندما تحصل فيها زلازل تظهر فيها أيضاً حالة باطن التربة» هو ذلك التماهي الكبير الذي ظهر بين الطائفة، والدين، والإثنية، وبين الميل أو الموقف السياسي عند غالبية كاسحة في تلك الطائفة أو الدين أوالإثنية، في الموقف من أحداث عام 2011، مع تسجيل الاستثناء الكبير الذي مثّله السنّة العرب حيث انقسموا وتوزعوا على أساس طبقي «اقتصادي- اجتماعي» بين المعارضة والموالاة للسلطة، مع نسبة كبيرة من المترددين. هذا التماهي لم يكن بهذه القوة في أحداث 1979-1982 حيث أعطت الطائفة العلوية، وعلى رغم محاولات «الإخوان المسلمين» لجعل الصراع آنذاك طائفياً من خلال اغتيالات على الهوية، صورة عن انقسام قوي اجتماعياً بين السلطة والمعارضة.

بين السلطة السورية وبشير الجميل

كما كان مسيحيو سورية مقسمين آنذاك بين السلطة السورية والشيخ بشير الجميِل (زعيم ميليشيا الكتائب اللبنانية في تلك المرحلة)، وكذلك دروز سورية الذين كان آنذاك لـ «بعث العراق» استقطابات كبيرة بينهم، ولا يعرف ما اذا كانت هذه الحالة السورية تعبيراً عن أعراض مرض موقت في جسم اجتمــاعي لـــم يــسأل في عام 1955 عن طائفة رئيس الوزراء فارس الخوري، وكان سُنّة سورية هم القاعدة الاجتماعية التي استند إليها الفريق حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970 عندما حسم الصراع ضد اللواء صلاح جديد؟… 

الأمر الثاني الذي يلفت الانتباه، هو اتجاه الجسم الاجتماعي المعارض، الذي يتحرَّك بدوافع اقتصادية – اجتماعية – ثقافية، إلى أنَّ يعطي لحراكه مساراً سياسياً، وليس مطلبياً، منطلقاً من اعتبار أنَّ باب البيت هو السياسة وأنَّ غرفه هي «الاقتصاد» و «الاجتماع» و «الإدارة» و «القانون» و «الحياة الفردية»، وبالتالي فإنَّ السياسة هي المفتاح والباب إلى كل تلك الغرف، وهذا أمر مثير للملاحظة والدرس عند مجتمع كان في حالة صمت عن السياسة لتسعة وعشرين عاماً ثم كسر صمته بدءاً من يوم 18 آذار 2011. 

ليبرالية إعلان دمشق

افتقدت الحياة السياسية السورية، منذ 8 آذار 1963، وجود تيار ليبرالي، مقتصرة على ثلاثة تيارات: عروبي قومي (بعث – ناصريون – حركة القوميين العرب)، إسلامي وماركسي. وكانت ملاحظة أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق نايف بلوز صحيحة ، حين طرح في آذار 1978 «مشروع موضوعات المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي» الذي تضمَّن أول طرح لقوة سياسية سورية يتبنى الديموقراطية منذ 1958 بدلاً من «الديموقراطية الشعبية» أو «الديموقراطية الثورية»، بأنَّ هناك بذرة لليبرالية في «الموضوعات» إن لم يتم إنشاء تزاوج فكري- نظري بين الماركسية والديموقراطية، الشيء الذي هو مفتقد عند الماركسيين منذ لينين وثورته البلشفية، مع استثناء أنطونيو غرامشي. 

وفعلاً فإنَّ قيام الاتجاه الليبرالي السوري، من جديد، في العقد الأول من القرن الجديد، اعتمد على الآليات الفكرية لتحولات الكثير من الماركسيين نحو الليبرالية في مرحلة ما بعد انهيار الدولة السوفياتية، ولم يأخذ قوامه كتيار فكري – سياسي إلَّا مع نشوء «حزب الشعب الديموقراطي» في نيسان 2005 معتمداً على تحوُّلات قسم كبير من أعضاء «الحزب الشيوعي- المكتب السياسي» بعيداً عن الماركسية باتجاه الليبرالية، وهو ما لم يستطع أن ينجح فيه الصناعي المعارض رياض سيف من خلال طرحه في نهاية كانون الثاني 2001 برنامج «حركة السلم الاجتماعي»، ولا رجال أعمال ارتبطوا بالسلطة وأرادوا المزاوجة بين «الضابط» و«رجل الأعمال» كما فعل الجنرال بينوشيه في تشيلي منذ انقلابه على سلفادور ألليندي في 11 أيلول 1973. 

تبلور التيار الليبرالي في ربيع 2005 هو الذي قاد إلى «إعلان دمشق» في 16 تشرين الأول (أكتوبر) 2005، الذي ضم طيفاً معارضاً عريضاً امتد من «حزب الشعب» و«الإخوان المسلمين» إلى «الأحزاب الكردية» وصولاً إلى ناصريي «حزب الاتحاد الاشتراكي» وحتى «حزب العمل الشيوعي»، وأيضاً رجل أعمال مثل رياض سيف الذي وقّع على وثيقة «الإعلان» من السجن، وغالبية مثقفي «لجان احياء المجتمع المدني»: كان «إعلان دمشق» معتمداً، في طرحه «التغييري» وليس «الإصلاحي»، على تداعيات سورية كان يراهن على حصولها في دمشق بعد أن وصلت رياح بغداد 9 نيسان 2003 إلى بيروت 14 آذار 2005. وعملياً كان الصراع في «الإعلان»، على مدى سنتين، متمحوراً حول الموقف من المراهنة على «العامل الأميركي»، وهو الذي قاد إلى إسقاط معارضي هذه المراهنة من مرشحي «الاتحاد الاشتراكي» و «حزب العمل الشيوعي» إلى «هيئة الأمانة العامة لإعلان دمشق» في جلسة «المجلس الوطني للإعلان» في 1 كانون الأول (ديسمبر) 2007، مما وضع البذور لانشقاق جسم المعارضة السورية إلى شقين، وهو ما جرت المحاولة من خلاله وعبره، بين كانون الثاني 2008 وتموز 2010، لبلورة «خط ثالث»، بين خطي السلطة و «الإعلان»، ثم فشلت بعد عشرات الاجتماعات بين «الاتحاد الاشتراكي» و «تجمع اليسار الماركسي- تيم» وأحزاب كردية، وشخصيات ومثقفين مستقلين. 

خريطة المعارضة

بعد نشوب الحراك السوري الحالي بدءاً من 18 آذار 2011، جرت محاولة لتشكيل ائتلاف عريض للمعارضة السورية، يضم «إعلان دمشق» و «التجمع الوطني الديموقراطي» و « تجمع اليسار الماركسي- تيم» و «الحركة الوطنية الكردية:11 حزباً»، وقد وضعت وثيقة في 9 أيار (مايو) لتكون محور نقاشات مؤتمر عام لممثلي هذه الكتل الأربع مع حضور خمسة وثلاثين شخصية مستقلة، وقد وجهت الدعوات، وكاد اللقاء يحصل، إلى أن ظهر خلال أسابيع ثلاثة من حزيران (يونيو) بأن انشقاق المعارضة السورية، الظاهر منذ نهاية 2007 حول طيف واسع من القضايا، لا يمكن رتقه، وهو ما أدَّى في السبت 25 حزيران لانعقاد اللقاء بمن حضر وانبثق منه قيام «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديموقراطي» التي وقَّع على وثيقتها التأسيسية أربعة أحزاب من «التجمع الوطني الديموقراطي» وأحزاب «تيم» الخمسة  وخمسَة أحزاب كردية ومثقفون ماركسيون، وليبراليون يرفضون المراهنة على «العامل الخارجي»، مع ممثلي مدرسة الشيخ جودت سعيد الإسلامية الاعتدالية. بالمجمل يمكن القول: إنَّ أحزاب «هيئة التنسيق» تمثّل اليسارات الثلاثة: العروبية القومية، والماركسية، والكردية (حزب عبد الله أوجلان في سورية: «حزب الاتحاد الديموقراطي: PYD»، و «حزب يكيتي» و «الحزب اليساري الكردي» ويسار «البارتي» الممثل في حزبين) مع ليبراليين وطنيين وإسلاميين معتدلين. في مقابل هذه الضفة هناك ضفة مقابلة ربما تجتمع من خلال دعوة وجهت في 16 تموز الجاري لـ «مؤتمر الإنقاذ» في إسطنبول وفي ضاحية القابون الدمشقية (لم تنعقد) وكان واضحاً في إسطنبول حضور ثلاثة يمينات: إسلامي، ليبرالي، وكردي (محسوب بأحزابه على كل من البرزاني والطالباني)، وهي لا تقبل بأقل من «إسقاط فوري» للنظام و «بكل السبل» ولو كان أحدها «السيناريو الليبي”. 

الجديد في سورية 2011 هو «تنسيقيات الحراك»، وليست واضحة خرائطها الفكرية السياسية، وإن كان يمكن لمس مسحة إسلامية غير واضحة القوام على بعضها، ولكن يمكن القول، بناء على تجربتي تونس ومصر، إنَّ الحركة العفوية للشارع المنتفض والثائر لا تستطيع بعد التغيير أن تقفز على (أو تقدم بديلاً) التيارات السياسية القائمة ولا على معظم حركاتها وأحزابها. 

يلاحظ، هنا، وعلى رغم وجود «الإخوان المسلمين» الرجراج في «إعلان دمشق» منذ تحالفهم عام 2006 مع نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام ثم فكهم هذا التحالف في 2009، أنهم يحاولون من خلال الأحداث السورية 2011 (التي أثبتوا خلالها قوتهم السياسية الكبيرة من خلال ركائزهم الاجتماعية-الثقافية بعد سحق تنظيمهم أمنياً خلال أحداث 1979-1982) المحافظة على مسافة بهذا الشكل أو ذاك من الجميع: من «حزب الشعب» و «الإعلان»، ومن «هيئة التنسيق»، وحتى من السلطة التي يقال أَّنَّ هناك محاولات لتقاربات بينها وبين «الإخوان» عبر وساطة تركية للوصول إلى صيغة ربما تكون طبعة سورية لما هو قائم الآن في القاهرة بين «المجلس العسكري» و«الإخوان» تحت المظلة الأميركية، والذي يشبه ما هو قائم بين العسكر الأتراك وحزب أردوغان وأيضاً في رعاية واشنطن. 

في المقابل، لم تحصل انزياحات، في سورية ما بعد 18 آذار 2011، عند حلفاء السلطة في «الجبهة الوطنية التقدُّمية»، تشبه ما حصل من ابتعادات شهدناها أثناء الأحداث التونسية عند «حزب التجديد» بعيداً عن سلطة بن علي، وعند حزبي «التجمع» و «الوفد» خلال ثمانية عشر يوماً ما بعد ثورة 25 يناير ضد حسني مبارك، وهذا ينطبق أيضاً على الموالين للسلطة في «اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين» بقيادة الدكتور قدري جميل وفي الجناح الذي هو خارج «الجبهة الوطنية التقدمية» وفي  «الحزب السوري القومي الاجتماعي» الذي يرأسه الدكتور علي الشيخ حيدر. في صورة مماثلة، لم تفرز السلطة السورية، خلال أربعة أشهر من الأحداث، تياراً «إصلاحياً» واضح المعالم والقوام في الطرح، أو الأشخاص، بعيداً عن خطابها التقليدي، على رغم محاولة بعض السلطة تقديم لغة جديدة وإظهار “انفتاح واعتراف” غامض الملامح بوجود معارضة سورية.

من الواضح، الآن وبعد أربعة أشهر من الحراك السوري، أنَّ دمشق تعيش مرحلة انتقالية بعيداً عن 48 عاماً من مرحلة ما بعد 8 آذار 1963: هل يمكن القول إن حراكات القوى السياسية السورية خلال مرحلة ما بعد 18 آذار 2011، واصطفافاتها وتباعداتها وتلاقياتها، هي صورة عن مرحلة ما بعد اكتمال مرحلة الانتقال، أم أن هذا كله مرحلي وظرفي؟


اللجنة الدستورية السورية: ممر إجباري بعد رهانات فاشلة

نادر عازر

مع انطلاق أعمال اللجنة الدستورية السورية في ٣٠ تشرين الأول ٢٠١٩، سال الكثير من الحبر وضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بنقاشات محتدمة ومعارك افتراضية، هيمن عليها أطراف تهاجم العملية برمّتها وتخوِّن المشاركين، تبعتها موجة متشائمة سادت في الجو العام. لكن هل كانت هذه اللجنة ستكون من الأساس بهذا الشكل، وفي جنيف، لولا الرهانات الفاشلة للأطراف الداعية للعنف عند السلطة والمعارضة؟

لم يكتفِ الراغبون بالحسم العسكري، بتخوين المخالفين بالرأي وحتىَّ جميع المشاركين باللجنة الدستورية، بل ألقوا اللوم، في حالة المعارضة، على ضعف ارتهان المعارضة المسلحة، وأنَّ تبعيتهم لم تكن بما يكفي، وأنَّ تعدُّد ولاءاتهم ومصالحهم الشخصية، أضاعت فرص أسموها بالتاريخية بين عامي ٢٠١٢ و ٢٠١٥، لإسقاط السلطة بقوِّة الخارج العسكرية. وفي حالة الموالاة ألقي اللوم على أن عمليات السحق والتدمير، والاستعانة بالخارج أيضاً، لم تكن بما يكفي لنسف الطرف المعارض عن بكرة أبيه، وكل ما يحيط به من مدنيين ومرافق ومستشفيات ومدارس.

بالنسبة للمعارضة السلمية السورية، كان يبدو بديهياً، أن لجوء العديد من أطراف الأزمة  في السلطة والمعارضة إلى العنف وحمل السلاح والحل العسكري، سيجبرها على الاستعانة بالخارج الإقليمي والدولي لحسم المعركة لصالحها، وأنَّ ذلك سيفلت قرارهم من أيديهم، ويجعلهم ألعوبة للغير، ويرهن كل تحركاتهم وخياراتهم بضوء أخضر ممن حماهم ورعاهم.

ذلك أدَّى إلى فتح أبواب البلاد على مصراعيها لهيمنة القوى الخارجية ،وتحكُّمها بكل شيء، تقريباً، وفرضها شروطها لحماية مكتسباتها ومصالحها، واستثمار الحرب السورية في تجربة أسلحتها وخوض معاركها الهجينة وانتقاماتها، واستخدامها في دعاياتها الانتخابية الداخلية، وأخذ حصة، تمكِّنها من الاستفادة من إعادة الإعمار وما يرافقه في مرحلة ما بعد الحل السياسي.

وسط هذه الأقلمة والتدويل للأزمة السورية، باتت توافقات القوى الدولية المتدخِّلة شرطاً إلزامياً قبل انطلاق العملية السياسية برعايتها، التي أصبحت الطريق الوحيد لحل الأزمة. هذا ما فرض على الأطراف المؤيِّدة للعنف إلى الانصياع، وتغيير صيغة الحل من عسكري إلى سياسي.

اللجنة الدستورية السورية ليست حلّاً مُنزَلاً ولا نتيجتها محسومة، ولا يعلم أحد متى وكيف ستنتهي، وقد تكون ناجحة أو غير ناجحة. لكن كواقع، فإن هذا هو المتوفر من خيارات يمكن سياسياً العمل على إدارتها، على أساس القرارات الدولية المتعلقة  للخروج بأفضل نتيجة ممكنة، بعد أن أوصلتنا رهانات العنف إلى هنا، وحشرتنا، كمعارضة سلمية، في زاوية التفاوض برعاية دولية، بدل أن تكون سورية-سورية من البداية.

الآن، لا يوجد طريق آخر متوفر لتجاوز الأزمة السورية ولعملية التغيير الديمقراطي. عدا ذلك ستدخل البلاد في مرحلة مجهولة لا أحد يعلم إلى أين ستؤدي.

إنَّ جلوس ممثل المعارضة والحكومة السورية (أو الوفد المدعوم منها كما أسماه النظام السوري مؤخراً، وهي صفة تخالف نص اتفاق اعلان ولادة اللجنة الدستورية الذي أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة في ٢٣ أيلول ٢٠١٩ بوصفه ناتجاً عن “اتفاق بين الحكومة السورية وهيئة المفاوضات السورية”) على نفس الطاولة لا يفصلهما سوى المبعوث الأممي، ويقابلهم كل أعضاء اللجنة الدستورية تحت سقف واحد، هي خطوة، لا يمكن التهليل لها ولا تقديسها، لكنها غير مسبوقة نحو الأمام.

على الأغلب، سيكون طريق الحل السوري طويلاً وشاقاً، وسيأخذ معه وقتاً وجهداً وحتى دماءً بريئة ريثما تستقر البلاد وتقف على قدميها من جديد.

بالنسبة لنا كماركسيين متموضعين في المعارضة السلمية الوطنية، فإنَّ مهماتنا المطلوبة وخياراتنا الاستراتيجية كما يراها الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) يجب أن تكون، الآن وأيضاً في مرحلة ما بعد انجاز التسوية السياسية، مرتكزة على مكافحة هيمنة القوى الإقليمية والدولية واخراج كافة القوات العسكرية النظامية وغير النظامية غير السورية من سوريا والغاء كافة الاتفاقات المتعلقة باعطاء بعضها قواعد عسكرية، والعمل على مهام وطنية وديمقراطية واقتصادية واجتماعية وتحديثية، وأن تكون تحالفاتنا وتلاقياتنا ،وكذلك افتراقاتنا، مع الآخرين وفقاً لهذه المهام.

الذي زاد من شلال الدماء والمآسي والدمار في سوريا هو ارتهان أطراف العنف في السلطة والمعارضة للخارج، لكنه أدى بعد فشل هذه الأطراف في النهاية إلى اعترافها، متأخرة جداً، بأنَّ الحل سياسي وليس عسكري، وهذا ما كنا ننادي به كمعارضة سلمية منذ العام ٢٠١١.


اللجنة الدستورية بين المخاوف المحقة… والفعل المتاح

بسام سفر

11 تشرين الثاني 2019

بعد ما يقارب التسع سنوات منذ مظاهرات شهر آذار 2011, حتى الآن تلتقي المعارضة السورية بتلويناتها المعروفة في هيئة التفاوض السورية, والنظام السوري بوفده المدعوم من الحكومة السورية, والثلث الثالث المشكل من فريق المبعوث الدولي للأمم المتحدة غير بيدرسون في قاعة واحدة بمبنى الأمم المتحدة في جنيف في جولة أولى تحت عنوان (صياغة أو صناعة) دستور ( سوري-سوري) برعاية أممية ودعم من الدول الراعية.

اعتراضات

هذا الفعل أثار موجات اعتراضية من المعارضة والموالاة, فالمعارضة التي على يسار فريقها المفاوض (بغض النظر عن كيفية تشكيل هذه المعارضة), فالوفد الآن يمثل كل من هو معارض للنظام، ويخاف على أهداف ومبادئ الثورة التي دفعت أكثر من نصف الشعب السوري للمطالبة بحقوقه, بينما الموالاة التي دفعت (أبنائها وشبابها) للحفاظ على النظام القائم، وكرسي الحكم بعد المزيد من التدخلات (حزب الله, إيران, روسيا), والاحتلالات التركية والأمريكية, والإسرائيلي كلاعب من تحت الطاولة, وأحياناً من فوقها (الاجتماع الثلاثي التنسيقي في القدس المحتلة الأمريكي, الروسي, الإسرائيلي).

والثلث الثالث( المجتمع المدني) الذي أصرت الأمم المتحدة على وجوده على الطاولة كفريق يمثل السوريين غير الممثلين عند النظام والمعارضة, وفي تشكيل (فريق لجنة الصياغة المصغرة وجد أن ثمانية أقرب للموالاة وسبعة أقرب للمعارضة).

المعارضة والنظام

جاءت اجتماعات اللجنة الدستورية العامة والمصغَّرة, بعد تعنُّت النظام السوري أكثر من ثماني سنوات، وعدم اعترافه بالمعارضة كحالة سياسية، حيث ما يزال النظام يطلق عليها تسمية (إرهابيين, داعشيين), ورغم كل هذا الوصف مجبر هذا النظام إلى الجلوس مقابل هؤلاء لصياغة دستور لسوريا المستقبل، بعد أن تفَّرد أكثر من خمسين عاماً من صياغته دستوراً للحفاظ على كرسي الحكم.

إنَّ الوضعية الجديدة بعيده عن تأثير دمشق وحكامها، من خلال التأثير الاستعراضي لفعل القوة العسكرية العارية سواءً من (النظام, أو حزب الله, أو الإيراني, أو الروسي) فهذا النظام الإنكاري لكل ما هو معارض أصبحت المعارضة مثله في التمثيل السياسي الدستوري للمرحلة القادمة في سوريا الغد (وأصبح الإنكار كما في حالة الوفد المدعوم من الحكومة) لا يحل شيئاً, فالرئاسة المشتركة للجنة الدستورية من قبل المعارضة والنظام هي فعل للتناوب على رئاسة الجلسات, وحق الاعتراض من خلال (نقاط النظام) متساوي بالفعل بين وفد النظام, والمعارضة, والمجتمع المدني.

إذاً أصبحت الوفود الثلاث أمام بعض في قاعة واحدة للوصول إلى اختراق دستوري قد لا يسعد السوريين المؤطرين في الأطراف الثلاثة, لكنه يسعد كل السوريين لأنه وضع القضية السورية على سكَّة الحل السياسي من بوابة اللجنة الدستورية, وربما الانتقال من ساحات الحرب في الأرض السورية إلى ساحات الفعل الدستوري والسياسي في جنيف, لكن تبقى إدلب المصنَّفة في خانته (الإرهاب) هي الجرح السوري النازف دماً, وكذلك استمرار عملية (نبع السلام) التركية على وقع الاجتماعات الأولى للجنة الدستورية.

مستويات الفعل

يمكن تصنيف وتقسيم الفعل الذي جرى في الجولة الأولى إلى ثلاث مستويات:

المستوى الأول: فعل الإعلان الذي جرى بوجود كافة وسائل الإعلام حيث الإعلان والإشهار عن ولادة اللجنة في الجلسة الافتتاحية التي قادها غير بيدرسون, وألقى الدكتور أحمد الكزبري كلمته, وكذلك فعل هادي البحرة, وبذلك كانت عملية الولادة القصرية لحمل استمر ما يقارب تسع سنوات.

المستوى الثاني: هو جلسات اليوم الثاني والثالث حيث جرى فعل (تعريفي لأعضاء اللجنة “150”، وإلقاء كلمات لمن يرغب منهم عبر سؤال واضح ماذا تريد من الدستور السوري الجديد؟!)، لهذا وجدنا توزيع ما يقارب (90) مداخلة من أعضاء الدستورية موزعة بين (نظام، معارضة، مجتمع مدني)، وختمت هذه الجلسات مساء (الجمعة 1 /11/2019).

المستوى الثالث: هي اجتماعات لجنة الصياغة أو ما يطلق عليها ”المصغّرة”, التي بدأت نهار (الاثنين 4/11/ وانتهت مساء الجمعة 8/11/2019). ودارت النقاشات في هذه الاجتماعات حول آليات العمل في اللجنة والقواعد الإجرائية لعمل اللجنة. وبهذا يمكن القول أن الفعل التأسيس للجنة وآليات عملها قد أصبحت شبه منجزة.

وبعد أن عادت الوفود إلى مقارها, والأعضاء إلى بيوتهم يبقى السؤال مفتوحاً هل ستعود هذه الوفود إلى مدينة جنيف في(25/11/2019) لجولة جديدة من فعل صياغة الدستور؟ أم سنجد المزيد من المعوقات والممانعات من خارج قواعد الفعل الجديد في إطار عمل اللجنة الدستورية؟ ويستمر الضغط الأممي, والدولي لجعل استمرارية عمل اللجنة فعلاً قائماً بعيداً عن الرغبات التعطيلية.

إنَّ استمرارية العملية الدستورية والسياسية هو فعل مفتاحي للمعارضة والفعل الأممي لجر النظام إلى الفعل السياسي والدستوري، لذلك يجب التحضير الجيد لاستمرارية هذا الفعل، وتكتيك الخطاب المهادن في يوم الافتتاح, والإقلاع عنه في بقية الجلسات التعريفية, إذ أن رغبت العضو فدوى محمود (عضو في كتلة المجتمع المدني) الحديث عن المعتقلين السياسيين والمخطوفين والمغيبين قسرياً, أخذ بعض أعضاء الوفد المدعوم من الحكومة السورية نقاط نظام لمنع الست فدوى من إتمام كلمتها، من خلال الشغب عليها, تدخَّلت السيدة أليس مفرج والسيدة ديمه موسى وبقية وفد المعارضة بالصراخ لمنح السيدة محمود حقها في إتمام كلمتها، التي تطالب بإطلاق سراح المعتقلين, والكشف عن مصير المفقودين, وهنا يبدو دور السيدة ميس كريدي من وفد النظام معيقاً حتى داخل الوفد ذاته, إذ تلعب دوراً قيادياً عبر”الهيلمة بدون تفويض واضح” لعب دور المنسق, ويبدو أنَّ عدم الحوار المباشر بين وفد النظام والمعارضة يتيح تكتيكات صغيرة للوصول إلى قواسم مشتركة بطريقة غير مباشرة.

خطوة جديدة

يثير الكثيرون المواقف الاعتراضية على فعل وفد المعارضة, لكن قرار هيئة المفاوضات التي سلّم رئيسها نصر الحريري المندوب الأممي مذكرة جديدة تدعو فيها إلى العمل على مسار جديد هو ملف الانتقال السياسي, إذ أن القرار 2254 يدعو للعمل على المسارات بشكل متوازي، فالفعل الجديد لهيئة التفاوض يحاول إرسال رسائل تطمينية إلى أنَّ الانتقال من الفعل الدستوري إلى الفعل السياسي المطلوب لإيجاد تسوية سياسية برعاية أممية هو هدف الهيئة التفاوضية.

رغم كل ذلك يصعب جداً الركون إلى الأهداف والنوايا، فالشعب السوري والمعارضة السورية أمام نظام طالما سوّف وماطل وكذب حتى في درجات الحرارة، كما ذكر الراحل ممدوح عدوان, كيف يتعامل في المحطات القادمة من فعل اللجنة الدستورية؟!. هل سيستمر في المماطلة والتعطيل والتعنُّت؟!, أم أنَّ حليفه الروس سيكون حاضراً في منع وإحباط محاولات النظام الاستمرار في الإنكار ما حدث ويحدث في سوريا؟!

إنَّ المطلوب من وفد المعارضة السوري يتم العمل عليه, هل تستطيع المعارضة خارج الوفد تقديم دعماً واضحاً لها، فاللجنة الدستورية هي الأولى من نوعها في تاريخ المعارك السياسية مع النظام السوري, لأن ذلك يوضح للرأي العام العالمي والأممي أن المعارضة السياسية بكافة فئاتها وصنوفها تعمل لبناء السلام ونبذ خطاب الكراهية والطائفية الذي يبثه النظام عند وفده المفاوض, والموالاة, فالقضية السورية تحتاج إلى دعم وتكتيكات مباشرة وغير مباشرة، لمحاولة إنجاح عمل اللجنة الدستورية للانتقال إلى مستويات أخرى من الفعل السياسي التفاوضي المباشر.

بسام سفر

كاتب صحفي سياسي وناشط سياسي، عضو المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق الوطنية للتغيير الوطني الديمقراطي.


روزنامة لأبرز أحداث الغزو التركي للشمال الشرقي السوري المسماة بـ “نبع السلام”

إعداد هيئة التحرير

في 9 (تشرين الأول) أكتوبر، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدء عملية عسكرية جديدة ضد وحدات حماية الشعب الكردية، التي وصفها بـ”الإرهابيين”.ويهدف إلى إقامة “منطقة آمنة” ،من أجل “فسح المجال أمام عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم”.وتتعرَّض المناطق الحدودية وخصوصاً تل أبيض ورأس العين، لقصف من الطيران والمدفعية التركيين.وأعلنت أنقرة مساء، أنَّ العسكريين الأتراك بدعم من فصائل سورية معارضة متحالفة مع أنقرة دخلت سوريا، لتبدأ بذلك المرحلة البرية من الهجوم.اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنَّ العملية التركية “فكرة سيئة”، معرباً عن أمله في أن يتصرَّف نظيره التركي بطريقة “عقلانية” و”إنسانية” قدر الإمكان.لكن انسحاب القوات الأميركية المنتشرة في الشمال السوري، قرب الحدود مع تركيا قبل يومين من ذلك، هو ما أتاح لأنقرة حرية التحرك.

أثارت العملية التركية تنديداً دولياً، إذ عبّرت دول عدة، وخصوصاً الأوروبية منها، عن قلقها إزاء مصير المدنيين والعديد من الجهاديين المعتقلين لدى الأكراد الذين يمكن أن يفروا.وهدّد أردوغان في اليوم التالي، بفتح أبواب أوروبا أمام ملايين اللاجئين في تركيا، رداً على الانتقادات.في 11 أكتوبر كثّفت القوات التركية عمليات القصف. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأنَّ قوَّات سوريا الديمقراطية، التي تشكِّل وحدات حماية الشعب عمودها الفقري، تخوض معارك من أجل وقف تقدُّمها.أعلنت سلطات الإدارة الذاتية الكردية ،َّأن خمسة جهاديين من تنظيم داعش فرَّوا من سجن قرب القامشلي بعد الغارات التركية.وهناك نحو 12 ألف مقاتل من تنظيم داعش معتقلون في السجون الكردية، بينهم سوريون وعراقيون، لكن 2500 إلى 3 آلاف أجنبي يتحدَّرون من 54 دولة بحسب مصادر كردية.

وبحسب البنتاغون فإنَّ قوَّات أميركية تعرَّضت لنيران من مواقع تركية قرب عين العرب-  كوباني، لكن أنقرة نفت استهدافهم.في 12 أكتوبر دعت قوات سوريا الديمقراطية واشنطن إلى إغلاق “المجال الجوي أمام الطيران التركي” متَّهمة الأميركيين بـ “التخلَّي عنها” عبر سحب قواتهم من الحدود ،وتحدَّثت عن “طعنة في الخلف”.في 13 أكتوبر أعلنت الإدارة الذاتية الكردية فرار نحو 800 من أفراد عائلات مقاتلي داعش من مخيم النازحين في عين عيسى.أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأن َّالقوَّات التركية والمقاتلين السوريين المتحالفين معها سيطروا على تل أبيض، أكبر مدينة تتم السيطرة عليها منذ بدء الهجوم.وقالت أنقرة إنَّها سيطرت على محور طرق مهم “عبر توغلها 30 إلى 35 كلم في العمق” السوري.

وكانت القوات التركية والمقاتلون السوريون المتحالفون معها يسيطرون حتى ذلك الحين على نحو 120 كلم بدءاً بتل أبيض وصولاً إلى غرب رأس العين.

أعلن البنتاغون، أنَّ الرئيس ترمب أمر “بانسحاب القوات الأميركية” من شمال سوريا، متحدِّثاً عن نحو ألف جندي.

أكَّد الأكراد أنَّهم توصَّلوا إلى اتفاق مع دمشق، لانتشار الجيش السوري قرب الحدود التركية.في 14 أكتوبر أرسلت دمشق قوَّات إلى الشمال في محاولة لإبطاء تقدُّم الهجوم التركي.اتَّهمت اأنقرة القوات الكردية بأنها أطلقت عمداً سراح عناصر من تنظيم داعش، كانت تحتجزهم في شمال شرقي سوريا.وأعلن مسؤول أميركي رفض الكشف عن اسمه: أنَّ حوالى ألف جندي أميركي ينتشرون في شمال سوريا، تلقُّوا أوامر بمغادرة البلاد.شدَّد ترمب لهجته حيال تركيا ودعاها إلى وقف عمليتها العسكرية.ليلاً أطلقت قوات سوريا الديموقراطية هجوماً مضاداً واسع النطاق ضد القوات التركية ،والفصائل المقاتلة السورية المتحالفة معها قرب رأس العين، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

في 15 أكتوبر سيطرت القوات السورية على مدينة منبج، وفق ما أعلنت موسكو، فيما تقوم قوات روسية بدوريات في المنطقة، بهدف تجنُّب حصول مواجهة بين القوَّات السورية والتركية. وأكَّد التحالف الدولي لمكافحة الجهاديين الذي تقوده واشنطن مغادرة المدينة.لكن تركيا قالت: إنَّ الهجوم سيتواصل إلى أن “يحقِّق أهدافه”.وأعلن مسؤول أميركي كبير: أنَّ: الولايات المتحدة “لم تلحظ في هذه المرحلة عمليات فرار كبرى” لمعتقلين من تنظيم داعش.

تصريحات الولايات المتحدة الأميركية حول عملية “نبع السلام” بالتسلسل الزمني:

أصدر البيت الأبيض يوم 6 أكتوبر بيانًا يعلن: الانسحاب من شمال سوريا بعد أن تحدَّث ترامب مع أردوغان هاتفيًا،وأفاد بأنَّ أنقرة ستمضى قدمًا في عمليتها العسكرية، وأنَّ القوَّات الأمريكية لن تدعم تلك العملية أو تشارك فيها.

وفى اليوم التالى، الموافق 7 أكتوبر، ردَّ ترامب على انتقادات حزبه قائلاً: “تركيا وأوروبا وسوريا وإيران والعراق وروسيا والأكراد سوف يضطَّرون الآن للتعامل مع الوضع”، مهددًا بتدمير ومحو الاقتصاد التركي.

وخرج ترامب صباح يوم 8 أكتوبر وقال: إنِّ “تركيا حليف قوى لواشنطن وحلف شمال الأطلسى، ولكننا لن نتخلَّى عن الأكراد، وهم أشخاص مميزون”.. وفى عصر ذات اليوم أكد: وزير الخارجية الأمريكى، مايك بومبيو، أن “الولايات المتحدة الأمريكية لم تمنح تركيا الضوء الأخضر”.

أما فى 9 أكتوبر، أعلن: ترامب أنَّ بلاده لا تؤيد الاعتداء التركى على شمال سوريا، وأنَّ الهجوم التركى ضد المقاتلين الأكراد يُعد “فكرة سيئة”، ولكن فى صباح اليوم التالى أخبر الرئيس الأمريكى المراسلين: أنَّ إدارته أدَّت مهمتها فى سوريا، ولديها ثلاثة خيارات تجاه الأزمة: إرسال الآلاف من القوَّات لتأمين المنطقة، أو فرض عقوبات اقتصادية على تركيا، أو التوسُّط فى صفقة بين الأتراك والأكراد، مرجحًا استخدام الخيار الثالث.

وشهد عصر ذات اليوم، رفض الرئيس الأمريكى مشروع قرار فى مجلس الأمن الدولى لإدانة عملية “نبع السلام”. وفى 11 أكتوبر أعلن الجمهوريون فى مجلس النواب الأمريكي: أنَّهم سيطرحون قرار عقوبات على تركيا ردًا على هجومها على قوات سوريا الديمقراطية بشمال سوريا. ورد ترامب مساء اليوم ذاته قائلاً: “نرفض عمليات القتل التى تقوم بها تركيا فى سوريا وسنوقع عقوبات على أنقرة إذا اضطررنا”.

وفى 12 أكتوبر، تقدَّم نوَّاب أمريكيون بمشروع قرار للكونجرس لمعارضة قرار ترامب إفساح الطريق أمام تركيا لمهاجمة المقاتلين الأكراد، ودعا مشروع القرار تركيا إلى الوقف الفورى لتحركها العسكرى فى شمال شرق سوريا، كما دعا واشنطن للوقوف مع الأكراد السوريين المتضررين من العنف.. فيما تلقت القوات الأمريكية فى 13 أكتوبر أمرًا بمغادرة شمال سوريا، فى ظل الهجوم العسكرى التركى على المنطقة التى يقطنها الغالبية من الأكراد.

وشهد عصر يوم 14 أكتوبر تهديد أمين عام حلف شمال الأطلسى “ناتو”، ينس ستولتنبرج، بفرض حالة عزل كاملة على تركيا داخل الحلف، بسبب عدوانها العسكرى الذى تشنهُّ فى شمال شرق سوريا. أمَّا فى المساء فقد أعلن الرئيس الأمريكي: أنَّ وزارة التجارة الأمريكية ستوقف مفاوضاتها بشأن صفقات تتجاوز 100 مليار دولار مع تركيا.

أردوغان – ترامب:

وفى ظهر 15 أكتوبر، قال مارك إسبر، وزير الدفاع الأمريكي: إنَّ العدوان التركى فى شمال شرقى سوريا أدَّى إلى إطلاق سراح العديد من معتقلى داعش الخطرين، علاوة على سقوط قتلى وجرحى على قدر واسع النطاق. فيما أعلن مسؤول أمريكى فى مساء ذات اليوم: أنَّ طائرات عسكرية أمريكية قامت بـ”استعراض للقوة” فى سوريا، بعد أن اقتربت قوات مدعومة من تركيا من منطقة تواجد جنود أميركيين خلال الهجوم التركى فى شمال شرق سوريا.

ورفض الرئيس التركى ظهر يوم 16 أكتوبر إجراء أى مباحثات مع الأكراد السوريين، مؤكدًا مواصلة العملية العسكرية وإقامة ما يسمى “المنطقة الآمنة” داخل سوريا. ولكن فى منتصف الليل بعث ترامب رسالة إلى أردوغان يطالبه فيها بالتوصُّل إلى اتفاق مع الأكراد، وتحاشى قيام واشنطن بتدمير اقتصاد بلاده، كتب فيها: “سينظر إليك التاريخ إلى الأبد وكأنك الشيطان إذا لم تحدث أشياء طيبة، لا تكن رجلاً قاسيًا، لا تكن أحمق!”.

يوم 17 أكتوبر، شهد تأكيد نائب الرئيس الأمريكى، مايك بنس، أنَّه تمَّ الاتفاق مع تركيا على وقف إطلاق النار فى سوريا، وإيجاد حل للمنطقة الآمنة، وأوضح أنَّ واشنطن وأنقرة اتفقنا أيضًا على حماية السجون فى شمال سوريا، وعلى مواجهة “داعش”. 

وفى مساء ذات اليوم.. أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدى،:الاستعداد للالتزام بوقف إطلاق النار الذى تَّم التوصُّل إليه بين أمريكا وتركيا، مضيفًا، فى رسالة لشبكة “سى.إن.إن”: أنَّ قوَّات سوريا الديمقراطية ستقوم بكل ما يلزم لتحقيق وقف إطلاق النار”.

واختتمت تصريحات المسؤولين الأمريكيين، يوم 18 أكتوبر، بوصف نانسى بيلوسى، رئيسة مجلس النواب الأمريكى، اتفاق الولايات المتحدة وتركيا لوقف هجوم أنقرة فى شمال شرق سوريا بأنَّه “عار”. وقالت :إنَّ الاتفاق يقوِّض بشكل خطير مصداقية السياسة الخارجية الأمريكية، ويبعث برسالة خطيرة لحلفائنا وأعدائنا على حد سواءَّ بأنهَّ لا يمكن الوثوق فى كلامنا، لافتة إلى أنَّ أردوغان لم يتخلَّ عن شىء ولكن ترامب قدم له كل شىء.

تصريحات روسيا وتركيا حول عملية (نبع السلام):

أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: أنَّ تركيا وافقت على تمديد الهدنة، التي كان مقرَّرا لها أن تنتهي مساء الثلاثاء (22 تشرين الأول/ أكتوبر 2019)، 150 ساعة أخرى، أو أكثر من ستة أيام، وذلك بعد مفاوضات استغرقت ست ساعات بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان.وأضاف لافروف :أنَّ الهدنة الجديدة ستبدأ حيز التنفيذ يوم الأربعاء، وأنَّه  سيتم نشر الشرطة العسكرية الروسية وقوات حرس الحدود السورية على الجانب السوري من الحدود مع تركيا، خارج منطقة العمليات العسكرية التركية، اعتبارا من ظهر الأربعاء (وليس منتصف الليل).

من جانبه قال الرئيس التركي أردوغان: إنَّ تركيا وروسيا اتفقتا على انسحاب وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا إلى ما بعد 30 كيلومترا من الحدود التركية ،ومغادرة بلدتي تل رفعت ومنبج. وأضاف أردوغان: أنَّ القوات التركية والروسية ستقومان بدوريات مشتركة في شمال سوريا في نطاق عشرة كيلومترات من الحدود، مضيفا أنَّ البلدين سيعملان من أجل تأمين عودة اللاجئين السوريين الموجودين حاليا في تركيا.

وكان أردوغان يتحدَّث في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساء الثلاثاء، في أعقاب محادثات مطوَّلة بينهما، في منتجع سوتشي على البحر الأسود. وفي المقابل دعا الرئيس بوتين إلى إجراء حوار بين تركيا والنظام السوري، لحل الصراع الدائر في شمال البلاد. وقال بوتين: إنَّه لا يمكن تحقيق الاستقرار في سوريا إلاَّ عند ضمان السلامة الإقليمية للبلاد. وطالب بانسحاب القوات الأجنبية الموجودة في سوريا دون إذن من الحكومة في دمشق، ولفت إلى أنَّه توصَّل خلال المفاوضات مع أردوغان إلى اتفاقات، من شأنها أن تحل مصير منطقة الشمال في سوريا.وكان بوتين أعلن في مستهل لقائه بأردوغان في وقت مبكر من بعد ظهر اليوم: أنَّ المحادثات ستكون طويلة وشاقة “فالوضع في المنطقة ليس سهلا، ونحن جميعا نتفهم هذا”. 

وأعلن الكرملين قبل لقاء الرئيسين: أنَّهما سيدرسان مقترح وزيرة الدفاع الألمانية أنغريت كرامب-كارنباور، الداعي إلى إنشاء منطقة حماية دولية في شمال سوريا على الحدود مع تركيا. ونقلت وكالة أنباء (إنترفاكس) الروسية عن ديمتري بيسكوف، المتحدِّث باسم الكرملين قوله :إنَّ المقترح مبادرة جديدة، لكن ليس هناك موقف منها بعد.

وتوصَّل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، بتاريخ 2019-10-22 إلى اتفاق جديد بخصوص الأزمة السورية ،وعملية “نبع السلام” العسكرية، التي أطلقتها تركيا ضد الأكراد في شمال سوريا. 

وفيما يلي نص الإعلان:

“1 – كلا الجانبين أكَّدا على التزامهما بالحفاظ على الوحدة الإقليمية والسياسية لسوريا وعلى حماية الأمن الوطني لتركيا.

2 – أكَّدا الرئيسان التصميم على محاربة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره وتعطيل المشاريع الانفصالية في الأراضي السورية.

3 – سيتم في هذا الإطار الحفاظ على الوضع الراهن في منطقة عملية نبع السلام الحالية، التي تغطي  المنطقة بين تل أبيض ورأس العين بعمق 32 كم.

4 – كلا الطرفين أكَّدا مجددا على أهمية اتفاقية أضنة، وستسهل روسيا تنفيذ هذه الاتفاقية في ظل الظروف الحالية.

5 – اعتبارا من الساعة الـ12:00 ظهرا يوم 23 أكتوبر 2019، الشرطة العسكرية الروسية وحرس الحدود السوري سيدخلان إلى الجانب السوري من الحدود السورية التركية، خارج منطقة عملية نبع السلام، بغية تسهيل إخراج عناصر “ي ب ك” وأسلحتهم حتى عمق 30 كم من الحدود السورية التركية، وينبغي الانتهاء من ذلك خلال 150 ساعة.في تلك اللحظة، سيبدأ تسيير دوريات تركية وروسية مشتركة غرب وشرق منطقة عملية “نبع السلام” بعمق 10 كم، باستثناء مدينة القامشلي.

6 – سيتم إخراج جميع عناصر “ي ب ك” وأسلحتهم من منبج وتل رفعت.

7 – كلا الجانبين سيتخذان الإجراءات اللازمة لمنع تسلل عناصر إرهابية.

8 – سيتم إطلاق جهود مشتركة لتسهيل العودة الطواعية والآمنة للاجئين.

9 – سيتم تشكيل آلية مشتركة للرصد والتحقُّق لمراقبة وتنسيق تنفيذ هذه المذكرة.

10 –  سيواصل الجانبان العمل على إيجاد حل سياسي دائم للنزاع السوري في إطار آلية أستانا، وسيدعمان نشاط اللجنة الدستورية.

المصدر: الأناضول”

في سياق متصل، قال لافروف في تصريحات يوم 2 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري: إنَّ “الأميركيين وبهدف تأسيس دولة مصطنعة شرق الفرات، يعتمدون على الأكراد،لأنَّ واشنطن وجدت فيهم الجزء الأكثر ولاء لها بين ممثلي المجتمع السوري الذين يعيشون في تلك المنطقة”، وكان لافتا حرص روسيا على تقديم نفسها “حليفا موثوقاً” لأنقرة حتى اللحظة الأخيرة. وحين أطلق إردوغان تصريحات غاضبة على خلفية مماطلة الأميركيين في التعاون لإقامة “المنطقة الآمنة”، بموجب اتفاق أعلن عنه الجانبان في في 7 أغسطس/آب الماضي، أبدت موسكو تفهُّما للموقف التركي. وفي تعليقه على تصريحات أردوغان بهذا الصدد، اتَّهم وزير الخارجية الروسي، خلال مشاركته مطلع أوكتوبر في منتدى “فالداي”، الولايات المتحدة بأنَّها “لم تأخذ المخاوف الأمنية التركية المشروعة بالحسبان في موقفها الأولي”، وعبر من جانب آخر عن تفهمه لموقف الرئيس التركي، الذي أكد على حقه بالتصرف إن فشل التعاون مع الأميركيين.


النظام العالمي الجديد

محمد أسعد

تتكوَّن أطراف النظام العالمي بمفهومه المجازي، من دول مستقلة ذات سيادة، تقع على عاتقها مجتمعة مسؤولية توفير الأمن والاستقرار العالميين وتحتويه، وإنَّ النظام العالمي لا يظهر فجأة أو مصادفة دون مقدمات ،وإنَّما هو ثمرة لجمة من التفاعلات الاقتصادية والسياسية التي تمليها ظروف الزمن، وفي ضوء المتغيِّرات، أعطى بعض الباحثين للنظام العالمي الجديد مفهوما قيمي متفائلا،ً بوصفه يحقق الأمن والاستقرار، بينما اكتفى بعضهم بالبحث عن الفوارق الجوهرية بين قديم وحديث النظام العالمي الجديد، دون أن يحدِّد موقفاً من هذا النظام، ومع شيوع مفهوم النظام العالمي الجديد في الأدبيات السياسية والاقتصادية، تعدَّدت الآراء وتباينت مواقف الباحثين من مفهوم هذا النظام وجوهره.

ثمَّ تبنَّت الولايات المتحدة الأميركية إثر حرب الخليج الثانية 2أغسطس 1990_28فبراير 1991 ،مقولة النظام العالمي الجديد، الذي أعطته مضامين جديدة، ترتكز على المبادئ (( السامية))، الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، بقوله: إنَّ النظام العالمي الجديد لا يعني تنازلاً عن سيادتنا الوطنية أو تخلينا عن مصالحنا، إنَّه ينمُّ عن مسؤولية أملتها نجاحاتنا، وهو يعبر عن وسائل جديدة للعمل مع الأمم الأخرى من أجل ردع العدوان، وتحقيق الاستقرار والازدهار، وفوق كل شيء تحقيق السلام، إنَّه ينمُّ عن التطلُّع لعالم يقوم على التزام مشترك بين الأمم كبراها وصغراها، بمجموعة من المبادئ، التي يجب أن تستند عليها علاقاتنا ومنها: التسوية السلمية للمنازعات والتضامن في وجه العدوان وتخفيف ترسانة الأسلحة ومراقبتها.

ومن عوامل نشوء النظام العالمي الجديد تفكُّك الاتحاد السوفييتي إلى دول مستقلة، انتهت بهذا الحدث الحرب الباردة بين القوتين الأعظم بمعناها التقليدي، وحلَّ محلَّها الوفاق، بصورة اتفاق يحدُّ من سباق التسلُّح، فاختلَّ التوازن الدولي لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، بما يخدم مصلحتها أولاً، يضاف إلى السبب الأهم في نشأة النظام العالمي الجديد: تنامي دور التكتلات الاقتصادية الإقليمية، والتي هي ظاهرة إحلال الشراكة محل الصراع، والوفاق محل المواجهة، بين دول تجمعها قواسم مشتركة وترتبط بشبكة معقدة من علاقات التعاون الاقتصادي، والتبادل التجاري والمالي، وقد شكَّلت معاهدة “ماستريخت” في قيام مشروع الاتحاد الأوربي 1992 نموذجا لمثل هذه التكتلات. ويضاف إلى ذلك إخفاق معظم دول الجنوب في تحقيق مشاريع التنمية الاقتصادية الطموحة، وتراجعت عن معظم الانجازات الاقتصادية والاجتماعية التي حقَّقتها في العقود السابقة من خلال دمجها في منظومة الرأسمال العالمية ، وتفاقمت مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية وبرزت على السطح تحدِّيات كبيرة تعيق تطوُّرها، مثل تحدِّي الهوية والاندماج القومي، فضلا عن توتُّر الصراعات ذات الطابع القومي والعرقي والاثني، ممَّا أسهم في تهميش دورها في النظام العالمي الجديد. ومن آخر الأسباب الثورة المعلوماتية التي أحدث تبدلُّات جوهرية في مفاهيم السيادة و الحدود الإقليمية.

ويأخذنا الحديث للتوغُّل أكثر، والتطرُّق على بنية النظام العالمي الجديد، الذي يملي بالضرورة ترتيب دور ومكان كل من الأطراف المكونة لهذا النظام، بغية وضع العلاقات الدولية في مسارها المرغوب، ويعوِّل فريق من الباحثين، أهمية كبيرة على عنصر القدرة، في توجيه العلاقات الدولية، والقوة بأبعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهناك من الباحثين، من يعطي القوة العسكرية ،الدور المقرِّر في صياغة النظام العالمي الجديد، والدولة المؤهَّلة للعب هذا الدور، هي الولايات المتحدة الأمريكية، في حين يعتقد البعض إنَّ القوَّة الاقتصادية هي التي تقرِّر مصير النظام العالمي الجديد، وأيضاً الولايات المتحدة الأمريكية ،هنا تتربَّع على عرش الاقتصاد العالمي، وفي المحصِّلة يرى بعض الباحثين، أنَّ الولايات المتحدة غير مؤهَّلة بمفردها لان تؤدي هذا الدور، الذي يتطلَّب التفاعل بين عدة قوى اقتصادية في العالم، من أجل السيطرة على مجمل التفاعلات الدولية، إذ يتعذَّر أن تتوافر جميع العناصر القوة في دولة واحدة، بينما يرى بعض الباحثين بأن هيكل النظام بمعزل عن العوامل الداخلية، التي توجه السياسة الخارجية للدول لها قوة لتوجيه العلاقات الدولية والتحكم بمسارها، وفي هذا المنحى توقَّع الباحثون ثلاث احتمالات لقيادة النظام العالمي الجديد: الاحتمال الأول وهو سيطرة قطب واحد متمثِّل بالولايات المتحدة الأمريكية، أما الاحتمال الثاني الثنائية القطبية وهما قطب الولايات المتحدة الأمريكية وقطب الصين والاتحاد الأوربي، أما الاحتمال الثالث وهو التعددية القطبية وينطلق ذلك من الصيرورة التاريخية وما يتمخّض عن التطوُّر مستقبلاً في إطار النظرة الكلية للمتغيِّرات السياسية والاقتصادية التي ستطرأ على النظام الدولي، وحتى لو سيطر القطب الواحد الأمريكي فلا بد ولو بعد حين من التعددية القطبية. 

ويجب علينا التطرُّق إلى خصائص النظام العالمي الجديد، فبعد تفرُّد الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على العالم، أخذت تسعى لإعادة صياغة العالم وفق المقياس الأمريكي، والتي تعدُّ نفسها اليوم مسؤولة عن العالم بأسره، وترى أنَّ من حقَّها السيطرة عليه وتسخيره في خدمة مصالحها، فهي تعيش حالة “عقد التفوُّق الأمريكي” على بقية الدول، وكل دولة تخرج عن طوع الولايات المتحدة تكون موضع شك وربما تتهم بالإرهاب والمساس بحقوق الإنسان، وتأخذ على عاتقها غدارة الأزمات الدولية و الإقليمية، وفي هذا المنحى يرى “كراي ثامر” بأن عالم اليوم هو عالم غير متعدِّد الأقطاب بل عالم القطب الواحد، فالولايات المتحدة تتمتَّع بالقدرة التي تمكنها من القيام بدور حاسم في أي صراع تختار أن تشارك فيه، وبإمكانها الاعتماد على قوتها الاقتصادية والعسكرية، أن ترسي قواعد النظام العالمي، كذلك صرَّح بعض المسؤولين الأمريكيين بأن الولايات المتحدة تقع تحت مسؤولية المحافظة على الاستقرار الدولي وقيادة التحرك الدولي نحو تحقيق الديموقراطية، على الرَّغم من أنَّ الولايات المتحدة، غير قادرة على التأثير في جميع التفاعلات الدولية، ورؤية الولايات المتحدة للنظام العالمي تتسم بعدم الوضوح.

لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطابه أمام الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة. يبدو أنه سار في طريق لا عودة فيه نهجه إلغاء هذا النظام ودور أميركا ك[شرطي] للعالم وتبنى شعار ( أميركا أولا)  يومها، 25 سبتمبر/ أيلول 2018. 

في خطابه، هاجم العولمة، والمنظمات والمعاهدات الدولية مثل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية والاتفاق النووي الإيراني، وجميعها أعلنت إدارته إما الانسحاب منها أو فرض عقوبات عليها.وسلط الضوء على تعهده “بوضع السيادة فوق الحوكمة العالمية”.ودافع عن قراراته الدبلوماسية المثيرة للجدل.انتقد إيران وفنزويلا وألمانيا وبلدانا أخرى. وتفاخر بالعقوبات الأمريكية على الخصوم. 

ومن المرجح أن تستمر الأحادية القطبية في الوقت الراهن، لأن روسيا وبرغم من عودة سطوتها إقليمياً، إلا إنها لم تستعيد السطوة العالمية، بسبب ضعف اقتصادها، أما الصين، فيصفها بعض الباحثون بالفقاعة الاقتصادية ،لان هناك سيطرة غربية كبيرة على معظم المصانع والحركة الاقتصادية فيها.


سلسلة قادة الأحزاب الشيوعية العربية: كمال عبد الحليم

مواليد محافظة الدقهلية عام 1926. تخرج من كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1947. شاعر طليعي، وصاحب ديوان “إصرار” ونشيد “دع سمائي”. يقول كبار النقاد “إن شعره يضع حداً فاصلاً بين عصرين”. ويتم تدريس هذا الشعر بالجامعات المصرية بهذه الصفة. 

ولا يقتصر الأمر على ثورية شعر كمال عبد الحليم وإنما يتعلق أيضاً بما أحدثه في الشعر العربي المعاصر.. هكذا قال النقاد بدءاً من محمد مندور.. وعلى سبيل المثال قال الشاعر محمد الفيتوري في المقدمة التي كتبها لأعمال كمال عبد الحليم الشعرية الكاملة الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2008 ما يلي: “هو الذي أعطى القصيدة العربية المعاصرة جوهرها الحقيقي”… وهو الذي “وضع بذرة الفكر السياسي الواعي في الشعر المعاصر”.

كان خليل هو الاسم الحركي لكمال عبد الحليم.. وفي بداية خمسينات القرن العشرين كان عضواً بالمكتب السياسي لمنظمة “الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني” وتسمى اختصاراً “حدتو” والتي تأسست عام 1947. وهي منظمة شيوعية وضعت جدول أعمال الحركة الوطنية في أربعينات القرن العشرين وقامت بتنفيذ الكثير من بنوده. كما شاركت في التحضير لثورة 23 يوليو 1952 وفي تنفيذها. 

تولى كمال عبد الحليم منذ عام 1950 مسؤولية الدعاية والعمل الجماهيري بالمنظمة. وتفرغ معه في هذا النشاط ستة من أعضاء اللجنة المركزية. وقد كان لأعضاء مكتب الأدباء والفنانين التابع لحدتو الدور الرئيسي في إحداث النهضة الثقافية التي شهدتها مصر منذ 1950. وقد تولى كمال عبد الحليم مسؤولية هذا المكتب الذي ضم كبار المبدعين المصريين في مجالات الشعر والقصة والرواية والسينما الروائية والتسجيلية والفن التشكيلي والصحافة، وكان بين هؤلاء  صلاح جاهين، صلاح حافظ، عبد الرحمن الخميسي، عبد الرحمن الشرقاوي. وقد أسهم ما أبدعه هؤلاء في تشكيل ثقافة مصر الوطنية الحديثة وفي تكوين الوعي والوجدان العام. 

انضم كمال عبد الحليم أيضاً إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الموحد (حدتو) الذي تأسس عام 1955 نتيجة الوحدة بين حدتو ومنظمات صغيرة. كما كان عضواً باللجنة الثلاثية الدائمة بالحزب الشيوعي المصري الذي توحد في 8 يناير 1958 ممثلاً لتيار حدتو. وكانت تلك اللجنة أعلى هيئة قيادية في ذلك الحزب الذي تأسس نتيجة الوحدة بين حدتو وحزبين آخرين، وكان معه في تلك اللجنة الثلاثية أبو سيف يوسف ممثلاً لحزب العمال والفلاحين وفؤاد مرسي ممثلا للحزب الشيوعي “الراية”. 

وفي 1958 كتب كمال عبد الحليم تقريراً حول الأزمة التي مر بها الحزب وأدت إلى انقسامه في تموز 1958. وقد وقع معه التقرير شهدي عطية وآخرون. وقال كمال في ذلك التقرير: “إن حدتو تمثل التيار الثوري في الحركة الشيوعية المصرية. كما شدد على إن قادة حزبي العمال والفلاحون والراية يتبنون سياسة ستؤدي إلى تصفية الحزب تنظيمياً وسياسياً. وأوضح أنهم يتأرجحون بين التطرف اليساري واليمينية الذيلية، وأنهم يساومون الحكومة للاشتراك في الحكم”. 

كان كمال عبد الحليم  ضمن قيادة “الحزب الشيوعي المصري- حدتو” الذي واصل في منتصف 1958 النشاط بهذا الاسم تعبيراً عن استمرار التوجه الفكري – السياسي لحدتو. وكان ذلك في أعقاب انهيار وحدة حزب 8 يناير 1958. اعتقل في الحملة التي شنت على الشيوعيين المصريين بدءاً من  يوم رأس سنة 1959وظل في السجن حتى أيار 1964. 

وفي بداية الستينات انتخبه مؤتمر حدتو ضمن قيادة من من ستة أشخاص فقط. وبعد الإفراج عن الشيوعيين في أيار 1964 أصبح كمال عبد الحليم المسؤول السياسي لحدتو بعد أن انتخبه المؤتمر الذي انعقد في شهر سبتمبر من ذلك العام. وفي 14 مارس 1965 ترأس المؤتمر الذي أعلن إسقاط العضوية. وكان هو الذي كتب تقرير مؤتمر سبتمبر 1964 وتقرير مؤتمر مارس 1965. ودعا التقريران إلى تكوين حزب واحد يضم حدتو وحزب عبد الناصر السري الذي كان يسمى “طليعة الاشتراكيين” طبقا لشروط محددة. وقد كانت شروط حدتو للوحدة مع تنظيم “طليعة الاشتراكيين”:

أولاً- أن يتخلى عبد الناصر نهائياً عن سياسة معاداة الشيوعية.
ثانياً- أن يتبنى عبد الناصر الاشتراكية العلمية بمفهومها الماركسي.
ثالثاً- أن يتم إلغاء العزل السياسي المفروض على الشيوعيين.

وقد أدان ذلك المؤتمر الذين يدعون إلى حل الحزب، وأعلن أن الشيوعيين أعضاء “حدتو” يعتزون بتاريخهم ونضالهم ومعتقداتهم ويشكلون تياراً ثورياً. كما كلف المؤتمر كمال عبد الحليم بأن يكتب تقريراً عن المرحلة المقبلة.. وفي نهاية ذلك المؤتمر أعلن كمال من جانبه بوصفه المسؤول السياسي الذي انتخبه المؤتمر “إنهاء الشكل المستقل للتنظيم”. ولكنه شارك في نفس اليوم في تأسيس التيار “الثوري” لمواصلة النشاط الشيوعي.
كان إعلان إنهاء الشكل المستقل ثم تأسيس التيار الثوري عبارة عن مخرج من أزمة تاريخية. وكان من جانب آخر بمثابة إقراراً بنهاية المرحلة الثانية للحركة الشيوعية المصرية التي بدأت مع بداية أربعينات القرن العشرين. 

وكان من أبرز العوامل التي أفضت إلى نهاية تلك المرحلة أن كتلة من الشيوعيين هجروا الحركة الشيوعية وانضموا إلى تنظيم “طليعة الاشتراكيين” الذي أسسه جمال عبد الناصر سراً ودعا الشيوعيين للانضمام إليه. وكان من بين هؤلاء محمود أمين العالم وزكي مراد وفؤاد مرسي على سبيل المثال وليس الحصر. وينبغي التنويه هنا أن جميع قادة حزب العمال والفلاحين وحزب الراية الذين اتهمهم كمال عبد الحليم بالتأرجح بين اليسارية المتطرفة واليمينية الذيلية قد هجروا العمل الشيوعي في عام 1964 دون استثناء. وقد انضم بعضهم لحزب عبد الناصر. موقف جمال عبد الناصر من شروط حدتو:

تمثل موقف عبد الناصر من شروط حدتو فيما يلي: 

أولاً- تجاهل عبد الناصر الشرط الأول والثاني لحدتو. 

ثانياً- طلب عبد الناصر أن ينضم الشيوعيون بشكل فردي إلى تنظيمه “طليعة الاشتراكيين”. وهو ما رفضته حدتو وتمسكت بشروطها. لكن عدد من أعضائها تركها وانضم بشكل فردي إلى تنظيم عبد الناصر.

ثالثاً- استجاب عبد الناصر للشرط الثالث الذي وضعته حدتو. وهو الخاص بإلغاء العزل السياسي المفروض على الشيوعيين. فقد أصدر قراراً جمهورياً بإلغاء كافة الأحكام التي صدرت ضد الشيوعيين وكل ما ترتب على تلك الأحكام من آثار. وبذلك سقط العزل السياسي. كما سقطت المراقبة التي كانت تقضي بأن يلتزم كل الذين تمت محاكمتهم وصدرت ضدهم أحكام بالسجن بأن يلتزموا بالبقاء يومياً في مسكنهم وعدم مغادرته خلال فترة الليل، أي طوال الفترة التي تبدأ من غروب الشمس حتى شروقها في اليوم التالي. كما كان من المفترض أن تستمر هذه المراقبة يوميا لعدد من السنوات يماثل عدد السنوات التي قضاها الشخص مسجوناً، أي أن المراقبة تستمر خمس سنوات إذا كانت العقوبة التي صدرت ضده بالسجن مدتها خمس سنوات. 

بداية المرحلة الثالثة للحركة الشيوعية المصرية:

لم ينقطع النضال الشيوعي لحظة واحدة. ففي نفس يوم 14 مارس 1965 اجتمع كمال عبد الحليم وطاهر البدري ومحمد عباس فهمي وأحمد القصير وشكلوا “التيار الثوري” وواصلوا النشاط الشيوعي. وكان ذلك بداية المرحلة الثالثة الحركة الشيوعية المصرية. وكانت المرحلة الأولى قد بدأت في العشرينات والثانية في الأربعينات من القرن العشرين. 

وتعرض كمال عبد الحليم هو وزملاؤه للاضطهاد والاعتقال بدءاً من عام 1966 حتى عام 1971 ثم في السنوات اللاحقة 1973، 1975، 1977، 1980، 1981 و 1987. تحمل “التيار الثوري” عبء النضال الشيوعي. وكان عصب النضال الشيوعي خلال النصف الثاني من الستينات إلى أن عاد إلى النشاط في بداية السبعينات عدد من الذين هجروه ومعهم أبناء أجيال جديدة. وقد ازداد عدد العائدين بعد وفاة عبد الناصر. وكانت نسبة من الذين هجروا الحركة الشيوعية وانضموا إلى تنظيمه الطليعي أخذوا بعد عام 1967 يراجعون موقفهم، وفي نهاية الستينات عادوا للمشاركة في تنظيمات المرحلة الثالثة للحركة الشيوعية المصرية.

توفي كمال عبد الحليم في عام 2004.

من موقع الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي).


لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا

One thought on “العدد الرابع والثلاثون من جريدة المسار – تشرين الثاني ٢٠١٩

التعليقات مغلقة.