شهداء الحركة الشيوعية العربية: يوسف سلمان يوسف (فهد)

ولد يوسف سلمان يوسف (فهد) في قرية برطلة في محافظة نينوى عام ١٩٠١ لعائلة مسيحية سريانية. انتقلت عائلته إلى البصرة، عند بلوغه السابعة، طلباً للعمل، وأدخل مدرسة السريان الابتدائية، وبعد تخرجه منها دخل مدرسة “الرجاء العالي” الأمريكية.

اضطر فهد، بعد سنتين، إلى ترك الدراسة بسبب الأوضاع الاقتصادية للعائلة، وفي عام ١٩١٦ اضطر للعمل في معمل صغير للثلج يعود لأخيه في الناصرية، وعاد ثانية إلى البصرة ليعمل كاتباً في إدارة توزيع الكهرباء في الميناء، وتعرف على أحوال العمال وظروفهم.

مطلع العشرينيات انتمى فهد إلى أول حزب وطني شعبي أسس في العراق “الحزب الوطني العراقي”، وأصبح مساعد رئيس فرع الحزب في مدينة الناصرية. فكان وهو يمزج النضال الوطني بالنضال الطبقي يحس بعدم فاعلية أساليب النضال السائدة آنذاك، فانكب على مطالعة الكتب المتوفرة مثل “البيان الشيوعي”، “ما العمل”، “الدولة والثورة”.

كان يجيد اللغات العربية والكلدانية والإنكليزية والروسية، مما مكنه من تتبع الأحداث الدولية عبر الصحافة الأجنبية.

آمن فهد بالنظرية الماركسية فوجد فيها السلاح لمقاومة الظلم والاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية. وفي غمرة كفاحه الوطني التقى بأمثاله من رواد الحركة الشيوعية في العراق، وأسس أولى الخلايا الشيوعية في البصرة والناصرية عام ١٩٢٩ بين صفوف العمال والفلاحين، وكانت أولى الخلايا الماركسية التي تربط النظرية بالعمل.

ومن أجل تطوير معارفه عن البلدان العربية قام بجولة في الكويت وسوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن عام ١٩٣٠، ونشر مقالاته عنها في جريدة “البلاد”.

قاد فهد الإضراب العام في الناصرية عام ١٩٣١، وفي مساء ١٣كانون الأول عام ١٩٣٢ أصدر أول بيان يحمل شعار المطرقة والمنجل و “يا عمال العالم اتحدوا” و “يعيش اتحاد جمهوريات عمال وفلاحي البلاد العربية”.

أسس فهد الحزب الشيوعي العراقي بتوحيد حلقات ماركسية عديدة في العراق في تنظيم مركزي، في ٣١ آذار ١٩٣٤ وانتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب.

في كانون الأول ١٩٣٤ أرسله الحزب إلى موسكو للدراسة في مدرسة “الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق” وأنهى دراسته بتفوق في سنتين بدل ثلاث سنوات. سافر فهد بعدها إلى فرنسا وبلجيكا للتدريب على النضال الثوري الشيوعي بين صفوف عمال المناجم.

حضر المؤتمر السابع للكومنترن في آب ١٩٣٥ كمراقب، حيث لم يكن الحزب الشيوعي العراقي عضواً بعد في الكومنترن، وعاد من الاتحاد السوفياتي في ٣٠ كانون الثاني عام ١٩٣٨، ليعيد بناء الحزب من جديد بعد أن تعرض لضربة قوية من قبل السلطات الحكومية.

خرج الحزب للجماهير ثانية كمنظمة سياسية للطبقة العاملة العراقية، في عام ١٩٣٩، وأصدر في تشرين الأول من العام نفسه منشوراً للشعب محدداً فيه مطالب الشعب، ومن بينها حقه في تأليف النقابات العمالية والأحزاب السياسية، ثم اصدر جريدة الحزب ” الشرارة ” في كانون الأول عام ١٩٤٠.

أصبح فهد عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي عام ١٩٤١ وأحد مسؤولي الجريدة الرسمية “الشرارة”.

في الأسبوع الأول من تشرين الثاني عام ١٩٤٢ سافر فهد إلى موسكو للمشاركة في اجتماع ممثلي الأحزاب الشيوعية، وفي منتصف نيسان ١٩٤٣ عاد للعراق واتجه بقوة نحو تعزيز قاعدة الحزب العمالية والعناية بوجه خاص بالكادر العمالي الذي اثبت تمسكه بخط الحزب، ثم استبدلت جريدة “الشرارة” بجريدة “القاعدة”.

في آذار عام ١٩٤٤ عقد الحزب كونفرانسه الأول (المجلس الحزبي العام) وقدم فيه فهد “الميثاق الوطني” الذي شَخَّص فيه الأهداف الوطنية لشعبنا، والتي ما زالت تحتفظ بحيويتها حتى الآن، ومنها:

١- النضال من أجل سيادة العراق الوطنية (استقلال حقيقي للبلاد).

٢- النضال لإيجاد حكومة تعمل لمصلحة الشعب.

٣- النضال من أجل نظام ديمقراطي تقدمي.

أصدر فهد كراس “حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية” في العام نفسه.

عُقد المؤتمر الوطني الأول، في آذار عام ١٩٤٥، وتم فيه تقديم التقرير التنظيمي والنظام الداخلي للحزب وسمي بذلك مؤتمر التنظيم، وتم أيضاً انتخاب لجنة مركزية انتَخَبَت بدورها فهد سكرتيراً عاماً للحزب.

في عام ١٩٤٥ وبفضل الجهود الكبيرة التي بذلها الحزب بقيادة فهد تم تأسيس “عصبة مكافحة الصهيونية” التي تميزت بدورٍ هام في النشاط السياسي العراقي آنذاك، وأصدرت جريدتها “العصبة”.

قاد فهد مباشرة أول معركة لجماهير الشعب في بغداد، حيث اندلعت في ٢٨ حزيران ١٩٤٦ مظاهرة صاخبة دشن من خلالها المناضلون الأوائل خوض المعارك الجسورة دفاعاً عن الحريات الديمقراطية في العراق واحتجاجاً على الأعمال الإجرامية في فلسطين وتأييد شعب مصر من أجل الجلاء.

حَوَّلَ فهد الحزب الشيوعي العراقي بين عامي ١٩٤١ – ١٩٤٧ إلى قوة سياسية متماسكة وفعالة، وبنى له قاعدة جماهيرية، وتعمقت جذوره وشهد نمواً قوياً، كما أصبح حزباً يتصدر نضالات الشعب، وجذب ما يقارب نصف شباب كافة الطبقات الاجتماعية إلى الأفكار الشيوعية.

وفي ليلة ١٨ كانون الثاني ١٩٤٧ تم اعتقاله ونقله إلى سجن أبي غريب العسكري، قبل أن تتم محاكمته في أيار ١٩٤٧ مع ٣٥ من رفاقه، حيث كانت محاكمته ملحمة رائعة للدفاع عن الشيوعية وعن الحزب الشيوعي العراقي وفضحاً لأعداء الشعب.

كانت مواقف فهد في السجن، التي كان يرسلها لقيادة الحزب، تركز على “استقلالية الحزب وعدم التدخل في شؤونه” وقد عارض قرار تقسيم فلسطين خلافاً لموقف الاتحاد السوفياتي، كما كانت علاقاته مع خالد بكداش متوترة.

صدر حكم الإعدام في فهد في ٢٤ حزيران ١٩٤٧ وتم تنفيذه الحكم في ١٤ شباط ١٩٤٩ بحضور وإشراف السفير البريطاني.

قبل اعتلاء فهد للمشنقة قال مقولته الشهيرة: “الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق، الشيوعية هي الحياة فكيف يمكنها أن تموت”.

بعد ثورة ١٤ تموز تم رد الاعتبار لفهد ورفاقه، واعتبروا من قبل الحكومة رسمياً “شهداء الشعب”.