من زوايا الذاكرة (٢٠)

الدكتور جون نسطه

من الذكريات النادرة التي لن أنساها مدى الحياة، إنني خرجت من البيت وفي جيبي خمسة ليرات سورية لا أملك غيرها فقد نضبت مدخراتي التي وفرتها من عملي السابق في المستشفى الإيطالي في مدينة حلب وبحكم عملي البعيد عن المنزل (طبيب مجند) في مستشفى المزة، اضطررت لإخذ سيارة أجرة لإيصالي إلى مشفى المزة العسكري.

دخلت إلى قسم التخدير وإذ بالعقيد الدكتور مصطفى سلاخو يسألني بلطف فيما إذا كنت اليوم مستعدا للعمل في قسم الأذن والأنف والحنجرة، دون أن يستخدم لغة الأمر ‚وهذا ما كان يميز هذا الإنسان المهذب اللطيف. فقلت له طبعا سأقوم بذلك. كان قسم الأذنية يقع في بناء آخر، فأخذت معي أحد المساعدين من صف الضباط، ممرض تخدير مختص وتوجهت إلى هناك. كان يعمل هناك طبيب أذنيه برتبة عقيد يدعى عبد الرحمن عفان، وهو يملك عيادة خاصة يعمل فيها بعد انتهاء الدوام في المستشفى العسكري.

وهذا الطبيب كان لا يتقن من الطب سوى عملية استئصال اللوزتين، حيث يطلب من المريض مبلغ مئة ليرة سورية فقط لقاء كل من الفحص الأولي واستئصال اللوزتين وزيارة المريض في بيته في المساء، هذا الأجر يعتبر منخفضا جدا مقارنة ببقية العيادات في تلك الحقبة لذلك كان يدعى بطبيب الفقراء. كان يقوم في كل يوم بعد الظهيرة بإجراء ما يقارب ثمانية إلى عشرة عمليات، وكان يساعده ممرض يعمل أيضا في المشفى العسكري يدعى محمد حمامة من حلب، شاب شديد الذكاء والنباهة، يملك طاقة مميزة وسرعة ودقة في العمل ويعطيه الطبيب عن كل عملية مبلغ خمسة ليرات، ويعطي طبيب التخدير مبلغ خمسة وعشرين ليرة على كل عملية.

وكما ذكرت في البداية خرجت من البيت ولم يكن معي سوى خمسة ليرات، ولم أكن أدرى كيف سأطعم زوجتي وولدي الصغار منى وفايز على الغداء. وبالمناسبة أروي لكم بأنني كنت شابا متعصبا جدا لمبادئي وأفكاري، فقد كنت قد نذرت على نفسي عدم الاستدانة وطلب أي مساعدة مادية من أحد، مهما كانت الظروف. وكانت عيادتي مجانية وغير مستعد للتنازل عن هذا المبدأ الذي وضعته اختيارياً بنفس الوقت.

خدرت أول مريض لعملية لوزات للدكتور عبد الرحمن عفان وثاني مريض وثالث ورابع الخ وكنت في كل مرة أقوم بالتخدير بطريقة حديثة وغير معروفة من قبل أطباء التخدير السوريين، تعلمتها في المانجا وتدعى بالألمانية 

Neuroleptic Analgesie.

وهي طريقة تعتمد على إزالة الألم وتثبيط الوعي دون إزالته بالمطلق عن طريق المخدرات الطيارة مثل الأيسر أو الهالوتان اوغيرهم. فكان المريض يستيقظ فور انتهاء العملية دون الشعور بالألم. وكان قادرا أيضا على الكلام مباشرة. 

لاحظ الدكتور عفان هذه الظاهرة وشد على كتفي قائلا كيف بعثك الله لي؟ أنت ستذهب في نهاية الدوام معي إلى عيادتي حيث ينتظرني عشرة مرضى.

كانت غرفة عملياته صغيرة تضم طاولة عمليات وبجانبها أريكة نوم لا غير.

يدخل المريض ويستلقي على طاولة العمليات وأباشر بقياس ضغطه وعد نبضه وسماع دقات قلبه خلال لحظات ثم أقوم بعمل نقل ملحي بسيط عن طريق احدى اوردته، وأبدأ بتخديره ويبدأ الدكتور عبد الرحمن بعملية استئصال اللوزتين بسرعة خيالية ثم نضع المريض على الأريكة، بينما يدخل المريض الذي بعده لأجراء العملية الثانية وقبل أن تنتهي العملية الثانية كان على المريض الأول مغادرة غرفة العمليات للذهاب إلى بيته مع مرافقه طبعا.

كنا في الساعة الواحدة نقوم بإجراء ثلاثة عمليات.

وخلال ثلاث ساعات ونصف أنهينا عشرة عمليات بالتمام والكمال. عند الانتهاء قام الدكتور عبد الرحمن بتقديم جزيل شكره وامتنانه لطريقتي الجديدة في التخدير والتي وفرت الكثير من الوقت في إيقاظ المريض، وقبضت منه مئتان وخمسون ليرة في ذلك اليوم مع الأخذ بعين الاعتبار أن راتبي في الشهر من قبل مستشفى المزة العسكري حوالي مئة وعشرين ليرة لا غير وأجرة منزلي ثلاثمئة وعشرون في الشهر. 

وفي نهاية ذلك اليوم عرجت على مطعم شهير في شارع العابد يقوم بشوي اللحوم وابتعت ما يكفي لطعامنا في البيت مرفوع الرأس.

وقبل أن أنهي هذه الحادثة، أقول عندما وقفت على رأس طاولة العمليات قرأت على الحائط المقابل ضمن برواز زجاجي أنيق أية قرآنية كريمة نصها التالي.

(ومن يتقي الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب)

فقلت في نفسي هذه الآية الكريمة أنزلها الله من أجلي. (أستغفر الله).

ولا أزال إلى اليوم أردد هذه الآية الكريمة.

حدث ذلك في بداية العام ١٩٧٤.

استمريت في العمل مع الدكتور عبد الرحمن عفان حتى سفري إلى ألمانيا، وكنت أقوم بتخدير بعض المرضى صباحا في مستشفى نعسان أغا، كما أذكر، رغم نسياني الاسم الصحيح.

وهكذا تطور دخلي الشهري إلى حوالي خمسة أو ستة آلاف ليرة، كنت أنفقها في دعوتي المستمرة لمعارفي وأصدقائي إلى المنزل أو المطاعم العامة، وأنفق بعض منها في مساعدة المرضى الفقراء بدفع ثمن الدواء الذي أقوم بوصفه لهم ولا يستطيعون دفع ثمنه.

أصبح لدي عدد كبير من الأصدقاء والمعارف من كل الاتجاهات السياسية.

وكان صديقي المقرب واليومي الدكتور سعد النابلسي، المثقف البعثي قديما والماركسي حديثا، يساعدني بالتعرف على العديد من القيادات البعثية السابقة والمعارضة لحافظ الأسد أمثال أبو نسرين، رئيس الشرطة العسكرية سابقا والعديد من الشخصيات الرئيسية السابقة أيضا والذين نسيت أسمائها.

وكان يساعده في ذلك شاب ذكي رقيق من الرقة كان يسكن معي في بيتي خلال كل فترة غياب زوجتي بقصد الدراسة في المانجا. وقد جمعتنا علاقة صداقة واحترام قوية وهو يعمل صحفيا في القيادة القومية لحزب البعث، حيث يدخل أروقة القيادة القطرية، وينقل لي أخبار القيادتين في تلك الفترة، وقد قام بتعريفي بأحد الشخصيات العراقية وهو عضو القيادة القومية عن القطر العراقي في سورية، والذي نسيت اسمه الأن أيضا، الذي زارني فيما بعد لأكثر من مناسبة.

سعد النابلسي عرفني على السفير اليمني في دمشق، وأصبحنا أصدقاء حميمين، وصار يبعث المرضى من موظفي وعمال سفارته إلى عيادتي للعلاج.

وكان يدعوني مع سعد النابلسي إلى بيته، وخلال احدى هذه الدعوات، رن هاتف منزله وبعد مكالمة ليست قصيرة، التفت إلينا السفير اليمني قائلا معي على الخط العقيد علي أبو اللحوم، وهو ضيف على حافظ الأسد، باعتباره أيضا من زعماء عشيرة عبس، وهو أي على أبواللحوم يصر على دعوتنا جميعا إلى بيته للعشاء معه فما رأيكم؟ تدارست الأمر مع سعد وقلنا للسفير موافقين، وهو بدوره أبلغ العقيد علي على موافقتنا، وتوجهنا فورا بسيارة السفير إلى منزل العقيد علي أبو اللحوم.

منزل يقع في المزة الغربية، واسع جدا، جلسنا في صالونه الكبير الذي على شكل حرف ال بالإنكليزية في القسم الصغير من الصالون، شربنا أعداد من كؤوس الويسكي مع الحديث الودي والترحيب، وكان الهدوء التام يسيطر على أجواء الصالون، ولم نسمع صوتا ولا حسا، وفجأة يدعونا العقيد علي أبو اللحوم إلى الطعام في الجزء الطويل من الصالون، وإذ نحن أمام طاولة طويلة جدا تتسع لحوالي أربعة وعشرين شخصا، وعليها صحون عديدة مليئة بكل أنواع اللحوم وبصحون معدنية كبيرة مليئة بالأرز. وقد أثار الأمر دهشتنا.

أولا لأننا لم نسمع أي صوت خلال إعداد هذه المائدة الضخمة من قبل أهل بيته ولم نسمع أي صوت يخبره بجهوزية الطعام، أكلنا حتى شبعنا، ورغبت بإعداد مقلب لصديقي سعد، عندما طلبت منه أن يسأل العقيد علي عن مصدر كلمة أبو اللحوم، اسم عائلته، وعند سؤاله قلت لسعد بصوت عالي هل أنت مصاب بالعمى ألا ترى هذه الكمية الهائلة من اللحوم على المائدة. عندها تبسم العقيد وقال بالفعل اكتسبنا الاسم لان موائدنا كانت عامرة باللحوم دائما.

في هذا العام أيضا أي ١٩٧٤جرى إعلامنا من قبل قيادة الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) عن مشروع القرض الوطني، وهو مشروع يسعى للحصول، من خلال التبرعات والاستدانات على مبلغ كبير يوظفه الحزب في مشروع صناعي أو تجاري، يدر على الحزب دخل ثابت يكفي لمزاولة نشاطه.

فقمت بالتبرع بمبلغ كبير وصل إلى خمسة عشرة ألف ليرة سورية وكذلك قام الرفيق بسام العبيسي بتقديم مبلغ خمسة وعشرين ألف ليرة.

كان عدد زواري ومرضاي، وأغلبهم من الفلسطينيين، قد بلغ أعدادا كبيرة وفي أغلب التي الأيام كانت زوجتي تدعوا الجميع لتناول الطعام ظهرا أو مساء.

وكنت أقوم بالعمل في مستوصف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مرتين بالأسبوع بعد الظهر، بناء على دعوتي من قبل قيادة حزبنا الشيوعي (المكتب السياسي).

سعد اوسعيد النابلسي صديقي الدائم رجل متزن ومثقف رصين، يقول لي أثناء انتعاشي وفرحي بزيادة أعضاء الحزب وأصدقائه، أنتم لا تزالون سوى مشروع حزب قد ينجح وقد لا ينجح. وعندما أتذكر إلى أين وصل حال (حزب الشعب الديمقراطي)، الذي أسسه رياض الترك في عام 2005، أستعيد كلماته بكل وضوح.

من العدد ٧١ من جريدة المسار