من زوايا الذاكرة (١٩)

الدكتور جون نسطة

عود على بدء

بعد انقطاع عن الكتابة، دام أشهراً عديدة بسبب مرض شديد أقعدني في مشافي برلين لفترات طويلة، أعود اليوم إلى الكتابة، بعد مناشدة الكثير من القراء لمتابعة زوايا من الذاكرة.

كنا توقفنا سابقاً عند تكليفي بالإشراف على دورة تدريب أطباء الأسنان علمياً وإدارياً على الإسعافات الأولية، حيث لم تكن المهمة التي كلفني بها الدكتور مصطفى سلّاخو سهلة وهينة، فتعليم أطباء أسنان مباديء الإنعاش الطبي وإسعاف المرضى وتحرير طرق التنفس وإجراء التنفس بواسطة الكمامة إلى التنبيب الرغاميّ، من الأمور المعقدة والصعبة طبياً.

ولأن المعرفة المهنية بكل فروعها تعتمد على أمرين، القاعدة النظرية، والتدريب العملي.

لذلك عكفت مدة أسبوعين على كتابة كرّاس مختصر أشرح وأوضح فيه المعارف النظرية مع بعض رسوماتها لهذا العلم الواسع.

كنت كل يوم أقوم بتدريس المواد النظرية لمدة ساعتين، ثم أرافق الأطباء المتدربين إلى غرف العمليات للتدريب العملي، وأريهم أحياناً مراحل تخدير المرضى المعقدة والصعبة.

برز من بينهم في سرعة اندماجهم ورغبتهم الواضحة في التعلم، بعض الأسماء، منهم الدكتور مازن علوش المتميز بذكائه وبقدرته على التقاط أدق اللحظات.

وبالتالي زاد اهتمامي به مقدماً الكثير من المعلومات خارج ساعات الدوام، وأصبحت أكلفه ببعض المهمات كزيارة المرضى قبل يوم من إجراء العمليات الجراحية، وفحصهم وتحضيرهم نفسياً لما ينتظرهم مع شرح الأخطار الممكنة.

ومع نهاية الدورة أصبح الدكتور مازن شبه طبيب تخدير من حيث المعارف والمهارات.

كانت عيادتي وعيادة زوجتي المجانية لكل المرضى فقيرهم وغنيهم ملحقة ببيتي الذي يقع في حي القصاع امتداد شارع بغداد القريب من المستشفى الفرنسي، مقابل كنيسة الصليب. كان البيت ذي الفرش المتواضع جداً، يضج بالزوار والضيوف من الرفاق والأصدقاء. وكان الرفاق رياض الترك وفايز الفواز ويوسف نمر ومحمد ديب الكردي وأبو فهد الحريري وغيرهم يترددون دوماً على البيت.

بعد فترة قصيرة من وجودي في دمشق، كلفت من قيادة الحزب بتشكيل مكتب يهتم بالعمل بين المثقفين ورعايتهم سياسياً. وكان من بين أعضاء هذا المكتب رفاق لهم علاقة بالعلم والثقافة منهم على ما أذكر الصيدلاني نقولا الزهر والمهندس بسام عبيسي، والاقتصادي فؤاد اللحام، والمعلوماتي مصطفى شاكر، وجورج نمر وغيرهم من الذين نسيت أسماءهم.

كنا نجتمع في بيتي أسبوعياً ونقوم بالتواصل مع المثقفين والشعراء أمثال ممدوح عدوان، علي كنعان، نزيه أبو عفش وعلي الجندي. وننظم بين الحين والآخر ندوات يتكلم فيها الرفيق رياض الترك، ويجيب على أسئلة الحضور. وكان حزبنا الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) يتمتع بشعبية كبيرة.

وكنا ننظم رحلات إلى غوطة دمشق ندعو إليها مثقفي دمشق، تتخللها نقاشات سياسية معمقة وأغان وطنية وطعام وشراب.

وفي احدى المرات نظمنا لقاءً ضم عدداً كبيراً من المثقفين والأساتذة الجامعيين في بيت زهير بغدادي، شقيق الشاعر شوقي بغدادي-كانت تلك الفترة بداية التواصل سرياً بين الحزب وبين الدكتور جمال الأتاسي، وحزب العمال الثوري-تكلم فيه الرفيق رياض الترك مطولاً شارحاً سياسة الحزب واعتراضاته على سياسة النظام الحاكم.

بعدها بدأ الحضور بطرح أسئلتهم، ومنهم صديقي العزيز الدكتور محمد سعيد النابلسي الأستاذ في كلية التجارة بجامعة دمشق رحمه الله. الذي سأله عن موقف الحزب اتجاه التحالفات مع الأحزاب الوطنية الديمقراطية المعارضة، فما كان من الرفيق رياض إلا أن التفّ حول السؤال وتكلم بموضوع آخر.

قبل أن ينفك اللقاء في الختام، أخذني الرفيق رياض على حدة، وسألني فيم إذا كان “عقلات صديقي الدكتور سعيد النابلسي بيخضوا” أي غير متوازن باللهجة الحمصية، مضيفاً أنه في هذه الحالة – أي موضوع التحالفات -لا يخبر أعضاء المكتب السياسي للحزب بذلك، فقلت: لماذا هذا الكلام؟ قال: كيف يسألني عن التحالفات؟

توقفتُ عند الجملة الأخيرة طويلاً مكتشفاً ميلهُ للتفرد بالقرار واستخفافه بالقيادة الجماعية.

طبعا أخبرت عدداً من أعضاء المكتب السياسي للحزب بما جرى، ومنهم يوسف نمر ونبيه جلاحج، لكنني اعتقد أن أحداً منهم لم يتجرأ على طرح الموضوع في اجتماعات المكتب السياسي. وبمناسبة ذكر اسم الرفيق نبيه جلاحج أبو نوار فإني أرغب بالتوقف عنده، وهو رفيق يتمتع بالذكاء والنباهة إضافة إلى تمتعه بأخلاق عالية وسلوك مستقيم يندر مثيله. ولم أتعرف بحياتي الحزبية الطولية على رفيق شيوعي يضاهيه ولا أزال أحتفظ له باحترام ومحبة خاصة.

كنت أخوض نقاشاٍ معمقاً مع الرفاق رياض وفايز الفواز. حول ضرورة التأني والحذر عند كتابة افتتاحيات جريدة “نضال الشعب” في مهاجمة النظام المستمرة، وبأن حزبنا غير مؤهل لخوض معركة مع النظام الاستبدادي، وبان آرائنا لم تصل إلى الجماهير، فكل ما نطبعه من الجريدة خمسة آلاف عدد فقط، فكان جوابهم بان الخط السياسي الصحيح هو الأساس، وكنت أقول لهم أن الأهم هو إيصال الخط السياسي إلى الناس، والتفاف الجماهير حوله، فانا أعمل بالقطاع الصحي ولست قادراً على تنظيم اعتصام أو إضراب في أي من المشافي التي أعمل بها.

كان الأستاذ ميشيل كيلو من الناس المقربين من قيادة الحزب وينشط أيضا بين المثقفين. وكثيراً ما كان يتضارب عمله مع عمل مكتبنا من حيث المواعيد والمناسبات. فدعوته لأن يدخل الحزب وينضم لعضوية المكتب المهتم بشؤون المثقفين. فأجابني أنه لا يرغب بذلك ويفضل البقاء خارج التنظيم حالياً، وبأن تروتسكي بقي خارج الحزب البلشفي حتى اندلاع ثورة أكتوبر العظمى، وبعدها أصبح وزيراً للخارجية ومن ثم قائداً الجيش الأحمر.

كان رياض الترك يكلفه أحيانا بكتابة افتتاحية الجريدة. وكان أحيانا يقربه منه كثيرا. وأحيانا يتقرب من أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق نايف بلوز.فيثير حسده وحنقه. كان ميشيل يرى بنايف منافسه وغريمه.

في هذه الفترة كنت على علاقة طيبة مع الرفيقين إبراهيم بكري ودانيال نعمة، وأيضا مع الرفيق ظهير عبد الصمد، الثلاثي أعضاء المكتب السياسي، وكانوا يحدثوني عن إهمالهم من قبل رياض الترك وفايز الفواز عند اتخاذ القرارات، حتى وصل الأمر حسب قولهم، إلى ارتفاع صوت الرفيقين بوجوههم دلالة على قلة احترام واضحة. ما جعل هذا الثلاثي يغادر الحزب وينضم إلى حزب خالد بكداش. ومن الأسباب الهامة التي دعتهم إلى هذا التصرف أيضاً أنهم فكروا بكبر السن ومن الذي سوف يؤمن لهم معاشاً تقاعدياً للعيش بكرامة. ومن الذي سيرعي شيخوختهم ويعالج أمراضهم. فلم يروا إلا الاتحاد السوفياتي مؤهلاً لذلك.

كانت عملية مغادرتهم خسارة كبرى للحزب الشيوعي (المكتب السياسي) والقيادة الجماعية فيه.

في هذه الفترة بدأتُ بتشجيع زوجتي على السفر لألمانيا الديمقراطية لإكمال دراسة الاختصاص والحصول على الشهادة، وقد امتثلت لذلك وسافرت مع ولدينا الصغيرين منى وفايز، وبدأتْ بالعمل رغم الصعوبات الجمة، وكانت زوجتي صاحبة إرادة حديدية متسلحة بعقل منظم.

كان يعمل معي في المستشفى العسكري بالمزة طبيب متدين متزمت من آل قويدر، وعندما سمع بسفر زوجتي لامني بل أنبني على فعلتي هذه، لأنه لا يجوز للمؤمن أن يبتعد عن زوجته لمدة طويلة.

فأجبته بأنني مدرك لهذا الموضوع، ورويت له قصة الخليفة عمر بن الخطاب أثناء الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام والعراق، عندما بدأ المقاتلون يطالبون بالحصول على الإجازات بشكل متواتر. لزيارة زوجاتهم في الحجاز والجزيرة العربية، فسأل ابنته حفصة (وهي احدى زوجات النبي محمد): كم تطيق الزوجة فراق زوجها؟ فقالت: ثلاثة أشهر. فأصبح يسمح للمقاتلين بالإجازة كل ثلاثة أشهر.

وقلت له أنا أيضا سوف أزور زوجتي وعائلتي في ألمانيا كل ثلاثة أشهر. وفعلا كنت أسافر كلّ ثلاثة أشهر إلى هناك رغم أنني كنت مجنداً إجبارياً، وأحتاج إلى موافقة القيادة العسكرية، لذلك حصلت على جواز سفر مدني بمساعدة أحد أصدقائي، وفي كل مرة كنت أحصل على تأشيرة سفر من السفارة الألمانية الشرقية وأسافر.

كانت السفارة الألمانية الشرقية على علم بنشاطي المكثف في الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) المتهم بمعاداة السوفييت ودول المعسكر الاشتراكي.

ذهبت في آخر المرات إلى السفارة للحصول على تأشيرة فامتنعوا عن ذلك، وقالوا نعطيك تأشيرة للذهاب إلى برلين الغربية مباشرة مروراً ببرلين الشرقية ترانزيت فقط. وافقت مجبراً وركبت الطائرة إلى هناك، ومن حسن حظي التقيت بنفس الطائرة بالسيدة زوجة محمد علي فرحة أمها للسيدة وصال فرحة زوجة خالد بكداش.

كنت قد تعرفت عليها أثناء عملي بمستشفى المواساة. حيث كنت أعالج ابنها لمدة شهر كامل، وكانت هي تزوره يومياً، وعند شفائه قالت لي أنا أملك طنجرة تتسع لخروف، وسوف أذبح خروفاً وأستضيفك في بيتي تعبيراً عن امتنانها لجهودي الطبية ولكني لم ألبِّ الدعوة.

وصلنا إلى مطار برلين الشرقية، وكان عليّ أن أغادر فوراً إلى برلين الغربية عن طريق مخرج خاص.

شاهدت أم عوض الفرحة ما حصل وكيف تم منعي من الدخول إلى برلين الشرقية، فجلست على أرض المطار، وأعلنت أنها سوف لن تغادر. إلا إذا سمحوا لي بالدخول أيضاً، كان ابنها عوض وابنته ريم وزوجها ينتظرونها بالخارج، وهي مصرة على عدم الخروج إلّا برفقتي. وبدأت الاتصالات بأعلى المسؤولين الألمان وإعلامهم بالموضوع الشائك هذا، ثم جاء الأمر بالسماح لي بدخول أراضي ألمانيا الشرقية وبرفقة أم عوض الوفية.

سافرت لبلدة زوجتي وبقيت هناك لمدة ثلاثة أسابيع، عدت إلى الوطن ووجدت الوضع أكثر توتراً بين الحزب والسلطة بعد موقفه الرافض عبر بيان علني لدخول الجيش السوري إلى لبنان في حزيران 1976، وضرب القوى التقدمية اللبنانية والفلسطينية في جبال عاليه وصوفر.

من العدد ٦٩ من جريدة المسار