روسيا الجريحة

محمد سيد رصاص

“نورث برس” 6 آذار 2022

هناك نصوص تفسر مرامي الفاعلين في الحدث السياسي ،مثل كراس “موضوعات نيسان” للينين الذي كان أقرب إلى نص سيناريو لثورة أكتوبر 1917 بعد ستة أشهر، وبحالة مماثلة يمكن ادراج نص خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 21 شباط 2022،أي قبل ثلاثة أيام من حدوث الغزو الروسي لأوكرانية، وفي هذا الإطار يمكن القول بأن هذا الخطاب لا يعطي فقط مرامي حدث 24 شباط 2022 أوحتى أسبابه بل يعطي صورة عن أيديولوجية وذهنية رجل يقوم الآن بهز العلاقات الدولية القائمة في فترة مابعد الحرب الباردة وربما يستطيع قلبها باتجاه عالم متعدد الأقطاب.

هنا،نجد في خطاب بوتين رؤية قومية روسية للمكان حيث يعتبر أن “الاتحاد السوفياتي عام 1922 قد أقيم فوق مكان كان اسمه الامبراطورية الروسية”، من دون أن يتطرق لما هي الماهية القومية عند قوميات وإثنيات متعددة كانت تعيش ضمن مكان الدولة الروسية التي تبلورت وتشكلت بين عامي 1547 و 1881 من تأسيسها مع إعلان ايفان الرهيب قيصراً وتحويلها لامبراطورية من قبل بطرس الأكبر في 1721وصولاً لعملية ضم أراضي لها كان آخرها تركمانستان في عام 1881 .في محل آخر من الخطاب يمكن أن نلمس عند بوتين رؤيته للقوميات والإثنيات الأخرى بأنها “روسية”عندما يقول ،وهنا يقصد الأوكران الذين أعيد انضمامهم للدولة الروسية عام 1654 بعد أن كانوا جزءاً من الدولة الروسية الأولى التي قامت في كييف عام 862 ومن ثم دمرها المغول بفترة 1237-1240،بأن “الناس الذين كانوا يعيشون في الجنوب الغربي من ما كان يدعى بالأرض الروسية كانوا يقولون عن أنفسهم بأنهم روس ومسيحيون أرثودكس ،وهذا قبل القرن السابع عشر وبعده”.

في محل آخر من الخطاب يتطرق بوتين إلى تأكيد روسية الساحلين الشماليين للبحر الأسود وبحر آزوف  من خلال قوله بأن “المنطقة المذكورة كان اسمها (روسيا الجديدة – نوفوروسيا) “في زمن حكم الامبراطورة كاترينا الثانية 1762-1796 وهي منطقة تم تشكيلها إدارياً بعد أن  نتجت عن الحرب التي ظفرت فيها روسيا بتلك الأراضي بعد هزيمة العثمانيين بما فيها شبه جزيرة القرم حيث تم آنذاك إنشاء مدن أوديسا وخيرسون وماريوبول واستوطن الروس فيها، فيما كانت القرم يسكنها المغول التتار .هنا،يصل بوتين إلى الذروة الدرامية في سرديته التاريخية عندما يعتبر بأن لينين عند إعلان قيام الاتحاد السوفياتي في 30 كانون الأول 1922 وعبر وجود جمهورية أوكرانيا السوفياتية فيه كان هو “صانع أوكرانية ومهندسها المعماري” في تأكيد ضمني من الرئيس الروسي على أن أوكرانيا هي دولة مصطنعة وأن هناك ثلاثة صانعين لها هم : 1- لينين عندما أعطاها ساحلي البحر الأسود وآزوف وإقليم الدونباس (لوهانسك ودونيتسك) وشرق وغرب نهر الدينيبر في “اقتطاع ما كان تاريخياً أرض روسية من دون سؤال الملايين عن ماذا يريدون”،2- ستالين من خلال اقتطاع  أجزاء من أراضي بولندا والمجر ورومانيا وضمها لأوكرانيا بعد معاهدة 1939 مع الألمان، 3- خروتشوف من خلال نقله لتبعية شبه جزيرة القرم من جمهورية روسيا السوفياتية إلى جمهورية أوكرانية السوفياتية في عام 1954.

يمكن هنا في الخطاب، تلمس شيء آخر من النزعة القومية عند بوتين عندما ينتقد إصرار لينين وضد رأي قوميسار القوميات ستالين على النموذج الكونفيدرالي للاتحاد السوفياتي وعلى تضمين دستوره التأسيسي “حق تقرير المصير بما فيه حق الجمهوريات السوفياتية  في الانفصال”، وأن هذا كان “لغماً “انفجر في عام 1991 وقاد لتفكك الاتحاد السوفياتي بعد أن قادت الأزمة الاقتصادية و”أزمة الاقتصاد الموجه في منتصف الثمانينيات لتقوية النزعة القومية المحلية”في عموم الاتحاد السوفياتي ،وهو يقول في خطابه بأن “مبادىء 1922 هي ذات طابع خيالي وغير واقعي وهي مدمرة لأي دولة”،ثم يقوم بمدح ستالين عندما جعل كل هذا حبراً على ورق من خلال انتهاج النموذج المركزي في تركيز السلطات بيد المركز في موسكو(نص الخطاب بترجمته الانكليزية في موقع الرئاسة الروسية:

www.en.kremlin.ru\events\president\transcripts)

هنا، يمكن القول بأنه كان هناك تصورات عدة عن  الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  صنعها وشكلها الآخرون عنه، مثل الشيوعيون الذين اعتبر الكثير منهم أنه “استمرار للينين” ما دام قد قال قبل سنوات بأن “انهيار الاتحاد السوفياتي كان كارثة”، وما دام قد لاحظ هؤلاء بأن الحزب الشيوعي الروسي يقوم بتأييد بوتين في سياسته نحو إعادة تقوية بلاده بطريق كان واضحاً بأنه سيقود إلى  مجابهة مع الغرب الأميركي- الأوروبي، فيما كان كثيرون وخاصة عند العرب يعتبروه “مقاوماً” أوصديقاً وحليفاً لما يسمى “معسكر المقاومة والممانعة” التي يمده هؤلاء من بكين إلى طهران وحتى كاراكاس، فيما هناك صورة ثالثة يمكن أن يخمنها المرء عندما تكون زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا ماري لوبين من أشد المعجبين بالرئيس الروسي،وصورة رابعة عندما تكون الكنيسة الأرثودكسية في موسكو،وهي حليفة الحكم القيصري والعدو الفكري للبلاشفة،من أشد الحلفاء المحليين للرئيس بوتين خلال فترة حكمه التي بدأت من رأس السنة في عام 2000.

في هذا الصدد،يمكن أن يجيب نص خطاب 21 شباط 2022 عن أين هو الموقع الأيديولوجي لبوتين،حيث نجده في موقع اليمين الروسي السلافي الأرثودكسي الذي كان ماقبل ثورة أوكتوبر1917، وهو يريد أن يعيد توحيد “الأرض الروسية”وليس ما كان يقوله شيوعيون عن أنه يريد “إحياء الاتحاد السوفياتي”. يمكن لسير معارك الحرب التي تجري الآن أن تجيب من حيث أن  تحركات الجيش الروسي تتركز في اقليم الدونباس وفي ساحلي البحر الأسود وبحر آزوف وفي مجرى نهر الدنيبر من الشمال عند كييف وحتى خيرسون  جنوباً ،ومن الواضح من مقابلة وزير الخارجية لافروف الأخيرة مع “الجزيرة” بأن موسكو لها مطالب جغرافية أبعد من الدونباس. في هذا الصدد فإن نقد بوتين للينين لا يجب أخذه من موقع سياسي بل من موقع أيديولوجي قومي روسي موجه ضد شخص أقام دولة أممية وليس قومية عبر أيديولوجية ماركسية كانت على تضاد مع النزعة السلافية – الارثودكسية وهما عنصرا القومية الروسية التي تنتمي لدولة 1547 التي قالت عن نفسها أنها “روما الثالثة”بعد سقوط “روما الثانية”، أي القسطنطينية بيد العثمانيين عام 1453، وسقوط “روما الأولى” عام 476 بيد البرابرة، ولا تنتمي لنزعة التغريب التي بدأت مع بطرس الأكبر 1682-1725 تلك النزعة لأوربة روسيا التي اعتبرت البلشفية ذروتها، وهنا يلاحظ كثرة استعمال كلمة (الغرب) عند الكثير من المسؤولين الروس وخاصة لافروف في طريقة تقول أنه هو (الآخر المضاد)، تماماً كما كان القوميون العروبيون يقصدون من استعمال تلك الكلمة .

بالنسبة للمحتوى السياسي لخطاب الرئيس بوتين فإن قوله بأن “حلف الأطلسي- الناتو لا يريد دولة كبيرة ومستقلة كروسيا بجواره” يعطي صورة  عن أن خوف الروس من تمدد الناتو نحو أوكرانية، الموضوعة كخطط منذ عام 2008، هي مخاوف وجودية تتعلق بأن ذلك التمدد هدفه برأيهم تمزيق وتفكيك الاتحاد الروسي كما جرى مع الاتحاد السوفياتي،وليس فقط هي مخاوف سياسية أو عسكرية.

كتكثيف: إذا جمعنا ماقاله  زعيم الكرملين عن أخطار تمدد الناتو شرقاً مع ماقاله تجاه لينين،فإن هناك على مايبدو احساس عند الرئيس فلاديمير بوتين   بأن عملية تكوين الاتحاد السوفياتي قد طمست القومية الروسية وأن عملية تفككه قد قلصت مساحة روسيا الجغرافية إلى حدود أقل من مساحتها التي كانت قبل ثلاثة قرون عندما أعلن بطرس الأكبر الامبراطورية في عام 1721 وجعلتها أضعف مما كانت عليه  عندما أصبحت  دولة  كبرى بعد هزيمة نابليون بونابرت  في غزوه لروسيا  عام 1812 وأقل كثيراً عما كانت عندما أصبحت دولة عظمى في عام1945في عالم من الثنائية القطبية الأميركية- السوفياتية. كل هذا وذاك يعني أن هناك جرحاً في الكبرياء القومية الروسية  يقوم بوتين بالتعبير عنه ، وأن روسيا الجريحة هي التي تتصرف ما تتصرفه الآن من أجل حماية نفسها من التفكك ومن أجل استعادة مكانتها أو شيء من  التي كانت لها في العلاقات الدولية،وأن ماجرى في يوم 24 شباط 2022 هو تعبير عن انفجار هذا الجرح.

من العدد ٦٢ من جريدة المسار