العدد الثامن والخمسون من جريدة المسار – تشرين الثاني ٢٠٢١

  • الافتتاحية: مراجعة لأداء المعارضة السورية.
  • تقع المهمة على اليسار من أجل الحل – لقاء صحيفة بيرغون مع نادر عازر.
  • التمدد الروسي في الشرق الاوسط.
  • القوى الطبقية: الانتقال الديمقراطي والانتفاضات العربية – جيمي اليسون.
  • حرب الجوع يمكن أن تكون مخيفة مثل حرب المدافع – داني ماكي.
  • التناقض الرئيسي في الواقع السوري المعاش.
  • بعض النقاط حول آفاق العمل القومي.
  • جدول مقارنة بين تركيا وإيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي.
  • من زوايا الذاكرة (١٦) – الدكتور جون نسطه.

الافتتاحية: مراجعة لأداء المعارضة السورية

 

في عام 1980، عندما طرحت المعارضة السورية بشقيها الإسلامي والديموقراطي برنامجيها، كان ذلك بدلالة «الذات» وليس بدلالة «الآخر». كذلك عندما قام الشق الديموقراطي من المعارضة (التجمع الوطني الديموقراطي) في عام 1989، بتغيير البرنامج من «التغيير» نزولاً إلى «الإصلاح»، فقد كان هذا أيضاً من خلال دلالة «الذات» وممكناتها. لم يعد الأمر كذلك في مرحلة «العهد الجديد» إثر وفاة الرئيس حافظ الأسد في 10 حزيران 2000، حيث بدأ نهجٌ، مازال يسود أغلب المعارضة السورية (الظاهرة الاجتماعية تصبح ظاهرة عندما تأخذ أكثر من النصف من الحالة الاجتماعية المعنية)، يتمّ فيه بناء السياسة بدلالة «الآخر»، لتتحرّك الذات وتبني تصوراتها وبرنامجها من خلاله. أول ما بدأ هذا عند «التجمع الوطني الديمقراطي» ــ ما عدا رياض الترك ــ وعند «جماعة الإخوان المسلمين» و«لجان إحياء المجتمع المدني» لمّا بنوا سياستهم على أساس «وجود تيار إصلاحي في القصر الرئاسي ضد التيار المحافظ الموجود عند الحرس القديم»..

وحين خاب رجاؤهم من «الآخر» ضمن السلطة السورية، اتجه معظم هؤلاء ــ ما عدا «حزب الاتحاد الاشتراكي» والمعارضون في «الحزب الشيوعي ــ المكتب السياسي» ــ إلى «نهج الاستعانة بالخارج»، وبناء السياسة بدلالة «الآخر» (رأوه عند الأميركي المحتل لبغداد في 9 نيسان 2003)، للاستعانة به لإحداث تغيير داخلي سوري على غرار ما فعلت المعارضة العراقية ضد صدام حسين، بسيناريو عسكري أم بغيره. كان الملفت سقوط رياض الترك في نزعة بناء السياسة بدلالة «الآخر الأميركي» وتزعّمه لهذه النزعة السورية الجديدة.

كان تكوين «إعلان دمشق» (16 تشرين أول 2005) في هذا الاتجاه، نتيجة اجتماع النزعتين المذكورتين وتسيّدهما في صفوف المعارضة السورية، التي تشجّعت بعد ما جرى في بغداد (9 نيسان 2003) وبيروت (14 آذار 2005). عندما خاب رجاء هؤلاء في تكرار التجربتين البغدادية والبيروتية في دمشق بحكم الاتجاه الأميركي إلى «تغيير سياسات النظام السوري وليس تغييره»، استمروا على تلك النزعتين، وهو ما ظهر في بيان «الأمانة العامة لإعلان دمشق» (5 أيلول 2008) بخصوص زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى دمشق، وفي مقابلة رياض الترك مع وكالة «رويترز» (31 أيار 2009)، حين ظهرت مراهنات على أن انفتاح ساركوزي ونظيره الأميركي باراك أوباما على السلطة السورية ستكون له انعكاسات إيجابية على الداخل السوري من حيث تخفيف القمع عند السلطة.

بعد فاصل قصير، استمر بين ما حصل في درعا يوم 18 آذار 2011 وبين أيلول 2011، كان هناك عودة إلى بناء السياسة عند كل المعارضين السوريين بدلالة «الذات» الذي رأوه في «الحراك» وفي البعد عن «الاستعانة بالخارج» بحكم قوة الداخل المتحرك في الشارع ضد السلطة، وبعد فشل ذلك الحراك الداخلي في إحداث تغيير داخلي ــ كما حصل في تونس (14 كانون الثاني 2011 والقاهرة 11 شباط 2011) ــ رأينا عودة قوية عند أغلب المعارضين، ما عدا «هيئة التنسيق الوطنية»، نحو بناء السياسة بدلالة «الآخر» ونحو «نزعة الاستعانة بالخارج»، وقد كانتا نزعة واحدة بحكم أن هذا «الآخر» كان هو «الخارج الأميركي ــ التركي».

منذ خريف 2011، أُضيفت نزعة جديدة إلى المعارضة السورية وهي عدم قراءة ميزان القوى كأساس في بناء السياسة، بوصف الأخيرة «عملية إدارة للممكنات». وقد ساعد اجتماع «الرهان على الخارج» مع «العنف المعارض المنظمّ البادئ في خريف 2011» على طغيان «نزعة إرادوية» على «نزعة إدارة الممكنات». وكان دخول المنشقّين عن المؤسسة العسكرية ــ وهم الجدد على العمل السياسي ــ و«معارضي ربع الساعة الأخير» وخاصة من المثقفين والإعلاميين و«المنشقين المدنيين عن النظام من أصحاب المناصب السابقة» ــ الذين يستخدمون التطرف المعارض لنظامهم السابق كغسّالة لغسل أوساخهم الماضية ــ بمثابة عوامل إضافية ساعدت على هزيمة «نزعة إدارة الممكنات» في المعارضة السورية. يضاف إلى هذا، ارتباط معارضين سوريين كثر بدول كبرى أو إقليمية رأت أن نشوب النزاع السوري يخدم أجنداتها الخاصة ــ كل تلك الدول كانت قريبة من السلطة السورية (تركيا 2004، قطر 2006، فرنسا 2008، الولايات المتحدة 2009) ــ ما جعلهم منساقين وراء لعبة أكبر منهم، تمنعهم من الرؤية أو لا تسمح لهم بالتعبير عن ما يروه إن كان مخالفاً لإرادة مشغليهم. 

كان هناك عامل إضافي ساعد على عدم القبض على الوقائع وانكفاء «نزعة إدارة الممكنات»، وهو وجود رؤوس في المعارضة هي بعيدة زمنياً لعقود عن التربة السورية، ما جعلها خارج الوقائع أو لا تستطيع مسكها معرفيّاً.

كل العوامل المذكورة، قادت المعارضين إلى غربة عن الوقائع الداخلية والخارجية، فهم لم يدركوا، ما عدا «هيئة التنسيق»، أن تشكل الحلف الأميركي ــ الأوروبي ــ التركي ــ الخليجي في «الصراع على سوريا وفي سوريا» منذ خريف 2011، قد أدى إلى تشكل استعصاء سوري ناتج عن تشكل حلف مضاد روسي ــ إيراني، أُضيف إلى الاستعصاء الداخلي المتشكل بحكم وجود انقسام الداخل السوري إلى أثلاث متساوية: موالاة ــ معارضة ــ تردد، منذ أحداث درعا 18 آذار 2011، وهو ما منع تكرار تجربة الرئيس المصري حسني مبارك في دمشق خلال ربيع وصيف 2011. 

كذلك، لم يدركوا عبر موسكو (7 أيار 2013) يومَ اتّفق وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف حول الأزمة السورية، بأنّ هناك انعطافة كبرى بحكم تلزيم المسألة إلى موسكو من قبل واشنطن، بكل ما يعنيه ذلك من انتهاء التلزيم الأميركي لتركيا منذ خريف 2011، وأن هذا يعني أن مضمرات «بيان جنيف 1» (30 حزيران 2012) ستكون لصالح بقاء الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية وليس رحيله. تأكّد هذا الاتجاه الأميركي ــ الروسي في الاتفاق حول تسليم الأسلحة الكيميائية السورية، بين كيري ولافروف (14 أيلول 2013) وكان من متضمنّاته الكبرى، التي ضمّنت بعد ثلاثة عشر يوماً في القرار الدولي رقم 2118، الذي بُني على ذلك الاتفاق وجعل «بيان جنيف1» ضمن متضمنات قرارات الأمم المتحدة.

عندما انعقد مؤتمر «جنيف 2» (2014) ــ وفقاً للقرار 2118 ــ كان من الواضح أن مندوبي «الائتلاف الوطني» مثل من يذهب إلى الحج في مكة في شهر صفر وليس في ذي الحجة. وفي مؤتمر «جنيف 3» (2016) أصبحوا ــ ومعهم العسكريون والمنشقون المدنيون ومنهم رئيس وزراء سابق للنظام (رياض حجاب) ــ واعين ومدركين لذلك الاتجاه الأميركي ــ الروسي، ولكنهم يحاولون عرقلته عبر إفشال المفاوضات (علق رياض حجاب المفاوضات من طرف واحد في نيسان 2016) ثم عبر «عملية الراموسة» في تموز وآب 2016، التي تهدف ــ عبر فرض وقائع عسكرية مضادة جديدة واقية ــ إلى إفشال «جنيف 3» أو منع حلول مفروضة من موسكو وواشنطن، شبيهة بما جرى في «اتفاق دايتون» الخاص بالبوسنة عام 1995.

في السياسة هناك أربع نماذج للسياسيين، الأول: يملك الحدس لاتجاه الرياح السياسية القادمة، والثاني: يدرك الوقائع السياسية أثناء وقوعها، والثالث: يدرك الوقائع السياسية بعد وقوعها، أما الرابع: لا يدرك الوقائع السياسية حتى بعد وقوعها وجريانها في مجراها. أحسن الموجودين في «الائتلاف» وفي «منشقي النظام السوري» هم من الزمرة الثالثة، والغالبية العظمى من الزمرة الرابعة، بينما ليس هناك أحد على الأرجح، سوى رياض الترك، من الزمرة الثانية، وربما هو من الأولى ولكن تمنعه «نزعته الثأرية من السلطة السورية بسبب السجن» من التسليم أمام قوة الوقائع وبناء السياسة بوصفها «إدارة للممكنات». 

مثال رياض الترك، يدلّ على مرض مستشرٍ عند المعارضين السوريين يقارب السرطان، حيث تقودهم «النزعة الثأرية» المستشرية عند غالبية السجناء المعارضين وعند منشقي النظام وعند الكثير من المتألمين من مظالم السلطة السورية، إلى نزعة بناء السياسة عبر «التعاكس مع النظام»، فهم عند كل نقطة نقاش يقولون «هذا يفيد النظام» أو«هذا يقوله النظام». هم ليسوا معارضين للنظام بل متعاكسين معه، وهم هنا بشكل أو بآخر يبنون السياسة بدلالة «الآخر» ولكن عبر التعاكس معه، غير مدركين أنهم يتوجّهون وفق سيره عبر «بوصلة مقلوبة»، وهو ما يجعل النظام السوري بمثابة «المرشد التعاكسي لهم».

هذا الاتجاه موجود أيضاً عند موالين حاليين للنظام، وعند معارضين سابقين للنظام أصبحوا موالين أو قريبين منه في مرحلة ما بعد درعا 18 آذار 2011، عندما يقودهم «الرهاب من الإسلاميين» إلى بناء السياسة عبر الاقتراب والتحالف مع كل من يتواجه مع الإسلاميين وبغض النظر عن موقع هذا المتجابه. ويمكن أن يقودنا الحديث عن إدراك اتجاه الرياح السياسية إلى مثلين: «حزب الاتحاد الديموقراطي» (pyd) الذي أدرك بعد القرار «2170» (15 آب 2014) بأن التركيز الأميركي في سوريا وعراق ما بعد «موصل 10 حزيران 2014» قد أصبح على «داعش»، لذلك أراد الصعود عبر هذا «الأسنسور»، وهو ما نجح في ذلك عبر «طوابق» عين العرب وتل أبيض ومنبج، متجهاً لتحقيق مشروعه الكرديّ الخاص بوصل الشريط الممتد من المالكية إلى عفرين، إما من أجل كيان منفصل أو من أجل جعل القامشلي مقابل دمشق بمثل وضعية أربيل مقابل بغداد ما بعد 9 نيسان 2003.

مقابل هذا الذكاء الكردي توجد حالة معاكسة، ففي هدنة 27 شباط 2016، منعت موسكو سقوط شرق حلب من أيدي المعارضة المسلحة لصالح السلطة وحلفائها، وهو ما كانت تقوله الوقائع العسكرية. وكان طلب موسكو هو أن تقوم المعارضة المسلحة الموجودة في «الهيئة العليا للمفاوضات» بفك ارتباطها مع «جبهة النصرة»، وبدلاً من القيام بذلك، بدؤوا في آذار هجوماً مشتركاً مع «النصرة» جنوب حلب، في أول خرق نوعي لاتفاق الهدنة. 

ولمّا عيل صبر موسكو من ذلك، قامت بدعم قواتها الجوية بقطع طريق الكاستيلو يوم 17 تموز، مستغلّة تداعيات محاولة الانقلاب التركي والاتفاق الأميركي ــ الروسي قبل يومين. وعوضاً عن فهم التصرف الروسي قامت المعارضة المسلّحة بالاصطفاف وراء زعيم «النصرة» ــ بعد تغيير قميصه من دون جسمه ــ وهاجموا الراموسة في عملية جعلت كل المعارضين العسكريين الموجودين في «الهيئة العليا للمفاوضات» ضمن كيان عسكري واحد مع «النصرة» تحت اسم «جيش الفتح»، وجعلت أبو محمد الجولاني (زعيم النصرة) في وضعية «أقوى شخصية معارضة سورية عسكرية»، في وقت ما زالت مفاعيل القرار 2170، الذي يضع «النصرة» و«داعش» ضمن لائحة الإرهاب الدولية، قائمة وهو ما أكد عليه اتفاق موسكو (5 تموز 2016) بين كيري ولافروف.

الآن هناك تسويغ عند معارضين لفشلهم، بأن “الثورة قد انحرفت أو اختطفت منهم من قبل الاسلاميين”مع العلم بأن كل هؤلاء كانوا متحالفين مع الإسلاميين. من جهة أخرى لا يدرك هؤلاء وبعضهم أكاديميين بأن الثورات لا تنحرف بل أمامها مسارين إما النجاح أو الفشل، وبأنه لا يوجد ثورة دامت أكثر من عشر سنوات، بل إن أطول الثورات عمراً كانت ثورة البرلمان الانكليزي عام 1642 واستغرقت سبع سنوات، فيما الثورة الفرنسية فشلت مع إعدام روبسبيير عام 1794 بعد خمس سنوات. ما حصل في سورية منذ 18 آذار 2011 سواء سميناه “ثورة” أو “انتفاضة” قد فشل في تحقيق أهدافه.

على المعارضة السورية الآن أن تضع استراتيجية ما بعد الفشل.


تقع المهمة على اليسار من أجل الحل

 

جريدة “بيرغون “التركية

الصحفيّة زيلان أكاي

أجرت الصحيفة التركية بيرغون لقاء مع نادر عازر، عضو الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، ونشر اللقاء بتاريخ ٧ تشرين الأول ٢٠٢١، أدناه نسخة مترجمة من اللقاء.

رابط اللقاء باللغة التركية

بينما كان التطور الأكثر أهمية فيما يتعلق بسوريا في الأيام الأخيرة هو أزمة إدلب، أصبحت حكومة دمشق مرئية مرة أخرى على الساحة الدولية. بعد مرور المحادثات التي أجراها دبلوماسيون سوريون في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عززت المحادثات الرسمية الأولى مع الأردن ومصر منذ 10 سنوات قبضة إدارة دمشق. بينما يراكم الرئيس السوري بشار الأسد السلطة مرة أخرى في الميدان وعلى الطاولة بدعم من روسيا وإيران، تراجع الأحزاب الشيوعية في البلاد أيضاً مواقفها السياسية الحالية. 

الحزب الذي انشق عن الحزب الشيوعي السوري الذي تأسس عام 1924، وأصبح المكتب السياسي الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) عام 1972.

نادر عازر، عضو الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، هو أيضاً أحد أعضاء الحزب الذين يعيشون في الخارج. تحدثنا مع عازر المقيم في السويد، عن آخر الأوضاع في سوريا، وموقف حزبه، وتطورات خط دمشق – أنقرة، ومستقبل اليسار في البلاد. كما يتابع عازر العلاقات التركية السورية عن كثب ويقول: “إذا أمكن رسم طريق بين تركيا وسوريا، فلن يكون تحت حكم حزب العدالة والتنمية في تركيا في المستقبل القريب”.

تأثر حزب العدالة والتنمية بالحركات المسلحة والإسلامية

وقال عازر إن تدخل جميع الدول، بما في ذلك تركيا، في الشؤون الداخلية لسوريا “غير مقبول”، وقال “نحن في الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) ضد كل التدخلات الخارجية في سوريا. كل الدول التي تتدخل في شؤوننا الداخلية لها مصالحها الخاصة. قد يتفقون أو لا يتفقون على قضية معينة، لكن هذا لا يخدم الشعب السوري”. 

وعن أوضاع الولايات المتحدة في البلاد، قال عازر: “إن الولايات المتحدة تريد الضغط على تركيا من خلال حزب الاتحاد الديموقراطي، وجر روسيا إلى المستنقع السوري. إضافة إلى ذلك، تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً على إيران للحد من نفوذها الإقليمي، ولضمان أمن إسرائيل ،وما يسمونه محاربة داعش، وعلق على مزاعم عقد اجتماع في العاصمة بغداد على النحو التالي: “أي مفاوضات بين تركيا وسوريا ذات طبيعة أمنية لا يمكن أن تؤدي إلى حل سياسي. إن الحكومة التركية تعمل أيضاً من أجل مصالحها الخاصة. كما أن فراغ القوة العربية أدى إلى صعود قوى إقليمية مجاورة مثل إيران وتركيا وإثيوبيا، وامتد إلى التلاعب بالشؤون الداخلية للدول العربية من خلال الطوائف الدينية. لقد أثرت تركيا على الأحزاب الإسلامية والحركات المسلحة في سوريا”.

أرادت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الاحتفاظ بها بعيداً عن إدلب

وحول إدلب التي تعد آخر جبهة نشطة للحرب في البلاد، قال عازر، إن “مستقبل إدلب مرتبط بمستقبل الحل السوري ككل، لذا فهو مهم” وأن تركيا والولايات المتحدة وأوروبا. دول تحاول إبقاء إدلب خارج سيطرة الحكومة السورية. وتجمع آلاف المقاتلين من مختلف الجماعات العسكرية في إدلب لكنهم خضعوا لسيطرة هيئة تحرير الشام، وهي تنظيم سلفي جهادي. بينما يريد النظام السوري، بدعم من روسيا وإيران، استعادة سيطرته على جمع أنحاء البلاد، تريد تركيا والولايات المتحدة وأوروبا إبعاد إدلب عن سيطرة النظام السوري والضغط عليه ومنع أزمة لاجئين جديدة.

تعتبر الأزمة الاقتصادية في سوريا، والتي تؤثر بشكل كبير على المواطنين، من أهم القضايا. وقال عازر “إن المساعدة الاقتصادية التي تقدمها إيران وروسيا للنظام السوري غير كافية بالطبع. كما أن الحل ليس اقتصادياً بل سياسياً. ومن الصعب جداً، وربما مستحيل، تحسين الاقتصاد السوري دون حل سياسي”، في إشارة إلى لمحادثات جنيف التي عقدت في يونيو 2012 كحل  من خلال (بيان جنيف1). 

وقال عازر: “إن مفتاح التغيير هو بيان جنيف 1. يجب تقديم الدستور للاستفتاء وإجراء الانتخابات حسب الدستور الجديد، ويجب فتح المجال أمام كل التعبيرات الفكرية-السياسية لكي تنتظم في العملية الديمقراطية”. وقال: “لا توجد طريقة أخرى لعملية التغيير الديمقراطي ولا توجد طريقة أخرى لتجاوز الأزمة السورية”.

وتابع عازر الذي يرى الأطراف في حرب السنوات العشر في البلاد على أنهم “أطراف لا تستطيع هزيمة بعضها البعض”، على النحو التالي: “السوريون منقسمون إلى ثلاثة تخوم: موالاة ومعارضة وتردد، وكانت هذه التخوم الثلاثة عابرة للطوائف والأديان وإن كان غالبية كاسحة من الطوائف الإسلامية غير السنية مع السلطة وكذلك عند المسيحيين، فيما يلاحظ أن هناك انقساماً واضحاً منذ بداية الأزمة وعلى أسس اقتصادية-اجتماعية-ثقافية-سياسية، بين السنة العرب السوريين يجعلهم يصطفون في مواقع مختلفة في الموالاة والمعارضة والتردد. لم يستطع النظام السوري والمعارضة المسلحة أن يهزم أحدهما الآخر، ولم يتوصلا إلى حل. تسبب ذلك في أزمة سورية عامة استغلت من قبل دول المنطقة، والقوى الدولية لتتحول الى أزمة محلية وإقليمية ودولية تتطلب حلاً على نفس المستوى”.

ركز على المذهب العقائدي وتوحدوا

وأشار إلى أن الماركسيين يجب أن يستفيدوا أكثر من غيرهم من تراجع الخط الإسلامي السياسي مع انهيار الإخوان المسلمين في مصر ودول المنطقة، قال عازر: “التركيز على العلمانية التي تمثل حياد الدولة تجاه الأديان والطوائف والمعتقدات السياسية. ومن الضروري التأكيد على لامركزية إدارية واسعة ورفض الفيدرالية”. 

وأضاف عازر قائلاً إن على الماركسيين السوريين أن يعملوا معاً: “هناك مؤشرات كثيرة على وجود موجة يسارية جديدة في العالم العربي. هذه الموجة واضحة في سوريا ومصر وتونس وخاصة بين الشباب. يجب على الماركسيين السوريين القيام بذلك. من أجل الحل، نحن كحزب نعمل على ثلاثة خطوط، الأول هو الخط الوطني العام حيث نتلاقى فيه مع الأحزاب الوطنية الأخرى، والثاني هو اليساري العام حيث نتلاقى فيه مع قوى يسارية عروبية وكردية وماركسية، والثالث نبحث فيه عن طرق لتوحيد الماركسيين في قيادة سياسية مركزية مع بقاء تنظيماتهم كمدخل الى التوحد في حزب يجمعهم في تنظيم واحد وبرنامج سياسي واحد”.


التمدد الروسي في الشرق الاوسط

 

للشرق الأوسط أهمية تاريخية واستراتيجية بالنسبة لروسيا، حيث كانت تاريخيا الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي قوة حاضرة ونشطة في المنطقة ولهما صراعات مستمرة مع الامبراطوريات القائمة ، كالامبراطورية العثمانية والفارسية والبريطانية والفرنسية، وخلال الحرب الباردة كان الاتحاد  السوفيتي فيها ندا قويا للولايات المتحدة الأمريكية.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي من أواخر القرن الماضي أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية مهيمنة   على المنطقة وقوة ضاربة عالميا  وفقدت حينها روسيا قدرتها على أخذ أي دور فيها بسبب ضعفها رغم وقوع  أزمات كبرى عصفت بالمنطقة، كحرب الخليج الأولى والثانية وانفجارات ما سمي بالربيع العربي أو عند قصف ليبيا وسقوط نظام القذافي.

استطاع الرئيس الروسي (بوتن) بعد  أنهيار العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة بسبب الأزمة الأوكرانية من عام ٢٠١٤ أن يرسم مسارا جديدا في السياسة الخارجية الروسية ، حيث انتهز فرصة تدخله في الأزمة السورية عام ٢٠١٥ ليجعل منه بداية للتمدد الروسي في الشرق الاوسط ،هذا وقد  تزامن التدخل الروسي في سوريا مع انزياح الولايات المتحدة الأمريكية  من المنطقة، لذلك  كان في حسابات القادة الروس أن هذا التدخل لن يؤدي إلى أي تصادم مع الولايات المتحدة الأمريكية أن  لن يمس المصالح الرئيسية الأمريكية فيها وكون اهتمام هذه الأخيرة  الرئيسي أصبح نحو مواجهة النمو الاقتصادي الصيني المتسارع والذي يمكن أن يشكل لها تحديا  في زعامة العالم أن لم يتم اعاقته ، ومن جهة أخرى كانت ترى القيادة الروسية أن التدخل في سورية لن يكون مكلفا لا من حيث الخسائر لجنودها ، باعتبار ان من هم موجودون على الأرض هم من المرتزقة وليس جنود روس ، إضافة إلى أنهم وجدوا أن نجاح التدخل في سورية يمكن توظيفه  لمواجهة أزماتهم الداخلية وأن يساعدهم على الإستمرار في السلطة ، هذا اضافة أنه من الممكن أن يجعلوا منه نجاحا استراتيجياً طموحا في التمدد في الشرق الأوسط ، وكان لهم ذلك، فبفضله تمكنت موسكو أن تدخل على أزمات المنطقة وخارجها  وأن تكون طرفا في أدارة أزماتها كما هو حاصل في أفغانستان وايران والقوقاز وليبيا. 

فبعد أن  استطاعت حصلت على قواعد عسكرية في سورية وتوقيع الكثير من العقود الاقتصادية فيها  نجدها دخلت في شراكة مع إيران وان تنسيق مع إسرائيل في أدارة الأزمة السورية أن تعالج العديد من التحديات الاقليمية ذات صلة بالتنازع أو التنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية ، كما استطاعت من خلال علاقات الشراكة مع ايران في الأزمة السورية عبر جولات أستانا أو من خلال أزمة ايران حول المفاعل النووي والعقوبات المطبقة عليها، كما استطاعت أن تتمدد في دول الخليج العربي الخاضعة للهيمنة الأمريكية وأن تبرم العديد من الاتفاقات الاقتصادية وعقود الأسلحة معها وأن تصبح محاورا في أغلب قضاياها ، كما وأصبحت أيضاً لاعباً فاعلاً في الصراع اليمني ، وأن تدخل على الصراع  الدائر في ليبيا عبر مساعدتها لقوات حفتر بالأسلحة والطائرات المتطورة وهي تحاول من وراء هذا أن تمتلك أوراق في أي حل سياسي فيها ليكون لها تأثير طويل الأجل على أنتاج البترول والغاز الليبي بالتالي أن يمتد هذا التأثير على أفريقيا وأوروبا.

كما استطاعت الدبلوماسية الروسية أن تبني علاقات قوية مع مصر، فوقعت معها عدة صفقات لبيع أسلحة متطورة وهي تسعى ليكون لها قاعدة عسكرية فيها وأن تبرم معها عقود لبناء أربعة مفاعلات نووية فيها ، كما تعتبر روسيا أكبر مورد للقمح لمصر وأن تنسق  معها في مواجهة انفجارات التغير الديمقراطي في دول الأزمات في الشرق الأوسط ، واستطاعت أيضا أن ترسم مساراً دولياً في الأزمة السوري عبر مسار أستانا لتتجاوز من خلاله بيان جنيف واحد لعام ٢٠١٢  والقرارات الدولية ذات الصلة ، كما استطاعت من عبر  إشراك تركيا في مسار أستانا الخاص بسوريا وابرام معها عقود بيع بصواريخ متطورة أن تعمق الخلاف الدائر بين تركيا من جهة والبيت الأبيض وحلف الناتو من جهة أخرى . 

لم يصل هذا التمدد الروسي في الشرق الاوسط أو في أفريقيا إلى درجة التحدي الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية على المستوى العالمي الا انه جعل من موسكو قوة إقليمية الى جانب كل من ايران وتركيا وبالتالي لم تصبح الولايات المتحدة الامريكية هي القوة الوحيدة المهيمنة على المنطقة ، حيث أنه مع الانسحاب الأمريكي منها ، أصبح الدور الرئيسي الأمريكي فيها منحصراً ودون منازع في المصالح الاستراتيجية الأساسية ، كمنع أنتشارالأسلحة النووية فيها أو مكافحة الإرهاب والاستقرارالإقليمي وعدم المساس بأمن إسرائيل وتأمين الطاقة من الغاز والبترول.

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أن مثل هذا التمدد الروسي في المنطقة قد يشكل لها إرباك في مصالحها الأساسية أو بعض التعقيد مع وحلفاؤها في المنطقة ، الا أنه لا يمكن أن يتحول في المستقبل المنظورالى عامل تهديد لمصالحها أو  إلى تحدي استراتيجي لها أو لحليفتها أسرائيل ، كما تنظر ادارة البيت الأبيض على أن هذا القدر من  التموضع الروسي في المنطقة  ليس أمرا لا يطاق بالوقت الحالي لأن القدرات الروسية محدود ه لتحل محل الهيمنة الأمريكية كقوة خارجية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها عاجزة بسياستها الانتهازية مع دول المنطقة الضعيفة من أن تنشئ  فيها نظام إقليمي مرتبط بها يتصف بالديمومة ويؤمن مصالحها المتعارضة مع المصالح الأمريكية ، لذلك هي تحاول رفع مكانة روسيا كدولة كبرى في معالجة بعض أزمات المنطقة أو تعطيها دورا خاصا أحيانا أو أن تتشاور معها لاحتواء التباين أو التحديات بينهما في حل  أزمات المنطقة ، كما حدث في الأزمة السورية ، أو في منحها دورا في ابعاد ايران عن المنطقة،  وهي تسعى من جهة أخرى وفق تلك  الدبلوماسية  إلى احتواء روسيا أو عزله أي تقارب مع الصين أو دق أسفين بينهما لأن أي تقارب بين الروس والصين سيؤثر على سياسة البيت الأبيض في المنافسة مع الصين عالمياً وبالتالي نرى أن صناع القرار الأمريكي يراقبون باستمرار إستراتيجية الروس  بالشرق الأوسط حتى يمنعوا أن يصبح هذا التمدد في المنطقة طويل الأجل ، لأن أي تموضع من هذا النوع سيمنح روسيا قوة أضافية قد يساعدها على التحالف مع الصين . 

يدرك بوتن ومن معه من قادة  الكرملين ، أن رسيا هي حالياً أقل ثراءً وأقل قوة و ديناميكية من الولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي نجدهم يتفادوا أن يصطدموا مع البيت الأبيض في اية قضية تزعزع  أو تؤثر على استراتيجية تلك الأخيرة ومصالحها الدولية  وانما هي تسعى من أجل تعزيز قدراتها  الى توجيه سياستها الخارجية مع الدول الفاشل أو الدول التي تعيش أزمات  في الشرق الأوسط و التي قل اهتمام البيت الأبيض فيها أو انسحبت منها ، لذلك يثور تساؤل حول مستقبل الدور الروسي في المنطقة ومصير تحالفاتها خلال السنوات القادمة وهل هي تحالفات صلبة وثباته،  وهل يمكن أن تستعيد دورها كقوة عظمى بعد سنوات من التهميش من انهيار الاتحاد السوفيتي ، وهل يمكن لها أن تحقق تحالفاً مع الصين رغم الخلافات والتباينات بينهما ، لإقامة نظام دولي متعدد الأقطاب يخدم مصالحهم المشتركة ويواجهة القوة الأمريكية وحلفاؤها ،  أم أنها ستبقى حريصة على استخدام دبلوماسيتها النفعية لأحل تضييق الخلافات مع البيت الأبيض لتعزيز مكاسبها التي حققتها في منطقة الشرق الأوسط.


القوى الطبقية: الانتقال الديمقراطي والانتفاضات العربية

 

جيمي اليسون

اعداد وترجمة: رامز باكير 

تتدخل هذه المقالة في النقاش المفتوح و المستمر حول الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي أعقاب انتفاضات عام ٢٠١١ ، وخاصة بخصوص معالجة الفشل المُتصور لهذه الانتفاضات في تحقيق “الانتقال” إلى النماذج الديمقراطية الليبرالية. وذلك استناداً إلى أساليب علم الاجتماع التاريخي المقارن المستخدم في التحليلات الأساسية للتحول الديمقراطي والدكتاتورية في أوروبا وآسيا والامريكتين ، و تسعى هذه المقالة أيضاً إلى شرح مختلف مسارات دول الانتفاضة العربية من حيث عدة عوامل هيكلية، ألا وهي: توازن القوى الطبقية ؛  الاستقلال النسبي للدولة ؛ والسياق الجغرافي-السياسي. ، و تقدم المقالة مقارنة تجريبية لحالات مصر وتونس وسوريا كنقاط مرحلية من سلسلة متواصلة من النتائج بعد الانتفاضة العربية. وتُوجه هذه المقالة انتقادات لغياب التحليل الطبقي في نظرية التحول الديمقراطي السائدة ، وتفترض بدلاً من ذلك دوراً مهماً لحركات العمال في جلب العناصر الأساسية للديمقراطية الليبرالية. ومن الواضح أن المقارنة التجريبية تدعم هذه الفرضية. ففي تونس الدولة التي كانت فيها الحركة العمالية هي الأقوى و الأكثر استقلالية في بلدان ”الربيع“ ، تم التوصل فيها إلى تسوية ، بينما سوريا التي كانت فيها الحركة العمالية الأضعف والأقل استقلالية، انزلقت فيها البلاد إلى الثورة المضادة والحرب الأهلية. و بقية حالة مصر بين هذين القطبين.

إن التصورات السائدة عن الانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي في أواخر عام ٢٠١٠ وأوائل عام ٢٠١١ يتلخص في أنها فشلت في إحداث التحول الذي طال انتظاره إلى الديمقراطية الليبرالية في المنطقة. لقد تحولت مسألة ما إذا كان “الربيع العربي” المزعوم ينقلب على مفاهيم الحكمة السائدة عن الشرق الأوسط والتي تقول “لماذا حقق الربيع العربي هذا القدر المتواضع من المكتسبات ؟“(١).  إن طرح المسألة بهذه الطريقة يعيد دراسة السياسة المقارنة في العالم العربي إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الانتفاضات: نقاش يُتناوبُ فيه بين البحث عن علامات باهتة عن “التحول الديمقراطي” من جهة ، ومحاولة فهم بنية سلطوية تبدو مرنةٌ ومراوغة جداً من جهة أخرى.(٢)  ويشدد منظري التحول الديمقراطي في هذه المناقشة الطويلة الأمد على التفسيرات الثقافية السياسية لفشل التحول الديمقراطي ، مثل الطابع السلطاني و السلطوي لأنظمة ما قبل الانتفاضة ، ودور الدين في الحياة العامة (٣) أو انعدام الثقة  المتأصل في الميراث الاستبدادي في ثقافة المجتمع الذي أعاق عملية الانتقال عن طريق التفاوض. (٤)

في هذا المقال المطول يناقش جيمي اليسون، الدكتور والمحاضر والباحث في قسم السياسة والعلاقات العامة لجامعة ويستمنستر ، أنه على الرغم من امكانية إثبات أن الثورات العربية  قد فشلت  – وهو استنتاج ضعيف بالنظر إلى العمق التاريخي لهذه الأحداث – فقد تغافل هؤلاء المنظرون عن الانماط التكرارية عن حالات سابقة من “التحول الديمقراطي“. كما وثق «Rueschemeyer»  و  «Stephens and Stephens» (٥) ”مركزية الطبقة العاملة“  في تحقبق كسب الحد الأدنى من ضمانات الحقوق المدنية والحكومة التمثيلية المنتخبة بشكل عادل ، والتي يعتبرها منظرو التحول جوهر الديمقراطية. على حد تعبير «Andrea Teti» ، “نقطة النهاية التصنيفية لإطار عمل الديمقراطية – الديمقراطية الليبرالية“ (٦). إن التعامل مع الثورات العربية باعتبارها أحداثاً سرية يمكن بعدها التفاوض بنجاح على “الانتقال” إلى هذا التنوع من الديمقراطية بين النخب ، يجعل من البنية المؤسسية لهذه العملية وتوقيتها العامل الأكثر أهمية: مما يؤدي إلى استبعاد عامل الاقتصاد السياسي للقواعد الاجتماعية للجهات الفاعلة، وجعله عاملاً ثانوياً. كل هذه التحليلات نراها حاضرة في اعمال منظري التحول الديمقراطي (٧). ويؤدي هذا التركيز في التحليل إلى فرضيات الانقسام بين “الليبراليين العلمانيين” أو “الديمقراطيين العلمانيين” والإسلاميين (الذين تكون مؤهلاتهم الديمقراطية محل تساؤل دائم) على حساب أي انقسام آخر في المجتمعات المعنية ، إلى الحد الذي يختفي فيه مفهوم الطبقة والاقتصاد السياسي من التحليل حرفياً. ومن ثم فإن النهج الانتقالي يفقد الطبقة العاملة دورها ، والرابط القوي بين قوة الحركات العمالية وكسب الحد الأدنى من الحقوق الديمقراطية في المنطقة.

و بالاعتماد على إطار عمل (Rueschemeyer et al.’s Capitalist Development and Democracy) ، و بالاعتماد بالمقارنة بين مصر وسوريا وتونس على الاسس الثلاث “مجموعات القوى – توازن القوى الطبقية ، ودرجة استقلالية الدولة“، وتوضيح الظروف الجيوسياسية ، لهذا الارتباط(9.) تماشياً مع علم الاجتماع التاريخي لظواهر الدولة وتأثيرها على التحول الديمقراطي، يسعى جيمي اليسون من خلال هذه المقارنة  إلى إثبات أن جزءًا كبيرًا من التباين في الديناميات والنتائج للانتفاضات العربية، يكون في تناسب تام مع درجة حشد وتنظيم ووعي العمال ومشاركتهم في الثورات. 

 

تنقسم هذه المقالة إلى ثلاثة أجزاء. أولاٍ ، يقدم الكاتب من خلالها انتقاداً لغياب دور الطبقات الشعبية في نظرية التحول الديمقراطي. وثانياً ، أعرض الخطوط العريضة البديلة التي طرحها Rueschemeyer وآخرين على هذه الأسس للنهج ، وأسلوبهم في مقارنة مجموعات القوى الخاصة بكل من القوى الطبقية ، واستقلال الدولة ، والعلاقات الجيوسياسية. وفي الجزء الثالث والأخير ، أقدم سرداً مقارناً للثورات،  التونسية والمصرية والسورية ، مما يدل على أن الحالات التي تتمتع بأعلى درجة من التنظيم المستقل للطبقة العاملة قد حققت أكبر قدر من الإنجاز فيما يتعلق بالانتخابات النيابية والحريات الدستورية ، وإن كان ذلك مع خطر مشاركة  “الدولة العميقة” الأكثر وضوحاً في الحالة المصرية.

 

نظرية الانتقال الديمقراطي: « نقد»

إذا كانت الدول العربية واقعة في خضم مرحلة تحول انتقالي، فشلت أم لم تفشل، إلى اي نقطة نهاية هم ماضون في هذا التغيير عن الحالة السابقة؟ يلاحظ في دراسات وتحليلات «التحول الديمقراطي» أو الدمقرطة آنها تتشارك نقاط اساسية مشتركة ”نفس النواة؛ فيما بينها-هي اساساً لبرالية، كالانفتاح على الأسواق حرة ؛ ديمقراطية على الطراز اليورو أمريكي (١٠). والديمقراطية في هذا السياق تعني الاقتراع العام، والذي يتم من على أساسه انتخاب النخب الحاكمة ، يتم تقييد سلطة هذه النخب من الناحية النظرية من حيث ما يمكنها القيام به (حرية تكوين الجمعيات ؛ حرية التعبير ؛ وما إلى ذلك) والمجال المتاح ، ولكن دون تدخل ظاهري في علاقات القوة التنفيذية للاقتصاد على سبيل المثال.

إن هذه النتائج التي يتوصلون اليها منظري «الانتقال الديمقراطي» تكون نابعة من جدل النخب القديمة والحديثة بهدف انتاج مؤسسات جديدة على الطراز المذكور «الديمقراطية اليورو أمريكية»: مثالاً على ذلك الإضرابات التي تعكس استياء اقتصادي وسخط اجتماعي، والتي حتى ولو شكلت متغيراً حاسماً، تبقى ديقة وتحت سيطرة النخب الفاعلة، مما يشكل تهديداً لعملية التحول ذاتها، فعلى سبيل المثال، تنظر تحليلات التحول الديمقراطي في مصر تحول الطاقة الشعبية بعيداً عن حالة ”الانتفاضة الجماهيرية“، بل وكأنها حملات انتخابية. ثم يتحول المتغير المركزي بالنسبة لهؤلاء المنظرين إلى عملية تفاوض، بحيث يعمل المتشددون في النظام والمعارضة على تهميش بعضيهما. (١٣) وينطبق هذا تماماً على القضايا العربية. فيرى منظرو التحول الديمقراطي أن جذور فشل مصر في الظهور كديمقراطية ليبرالية تكمن في الميراث الاستبدادي لكل الأطراف الفاعلة: مثال ذلك ما إذا كان ذلك في ظل عدم كفاية اعتدال جماعة الإخوان المسلمين في مصر،  بالمقارنة مع حركة النهضة التونسية. (١٤)؛ وعدم شفافية المجلس الأعلى للقوات المسلحة والحفاظ على صلاحياته فيما يتعلق بأجزاء كبيرة من الدولة والاقتصاد. (١٥) وفي سوريا، تُرجع ”ستيبان“ و ”لينز“ وحشية استجابة الدولة لما تصفه بكلماتها ”الطابع السلطاني“ للنواة الحاكمة، والتي تحكم من خلال زرع مخاوف ”عقلانية“ من العواقب الجذرية لسقوط النظام في سياق الانقسام الطائفي (١٦). غياب الثقة بين الاطراف الفاعلة، وغياب دور دولة المؤسسات ، ودور القضاء والعملية الانتخابية بشكلها الصحيح، كل هذه العوامل وغيرها تشرح فشل تحقيق الديمقراطية الليبرالية المحدودة، والتي من المفترض انها كانت المطالب الاساسية التي شكلت حركات الاحتجاج (١٧).

ولكن ماهي العواقب أو التداعيات التي تنطوي عليها تحليلات و سرديات منظري التحول الديمقراطي عن الانتفاضات العربية؟

يزعم ”كارو“ وآخرون أن أغلب الدول ”الانتقالية“ لم تكن في طريقها إلى الديمقراطية (١٨)، حيث كانت تحتل مركزاً متوسطاً من حيث «التعددية» أو الاستقلالية والهيمنة على القرار السياسي. (١٩) كانت مراحل الديمقراطية غائبة في اغلب الحالات، ففي الكثير من الاحيان تكون الانتخابات ممارسة ضحلة وميكانيكية، مجرد موروث ثقافي-اقتصادي-مؤسساتي. من بين معظم أوجه الضعف في الدولة، كانت لهذه الأعراف والموروثات أهمية بالغة وحيوية (٢٠).  وعلى الرغم من القدر العظيم من الحساسية اتجاه هشاشة العملية الانتقالية ”المفترضة“ التي يبديها منظرو التحول الديمقراطي، إلى انهم ما زالوا يميلون إلى تقليص واختزال الجهات الفاعلة إلى ثالوث (النظام القديم، الاسلاميين، و الليبراليين العلمانيين)، بافتراض ان الطرف الثالث «العلمانيين الليبراليين» يشار إليه ضمناً أنه ممثل الطبقة الوسطى بتوجهه الغربي ،وأنه يشكل نواة الانتفاضة. ويُرجعون تفسير ”الحصاد المتواضع للانتفاضات العربية“ إلى انعدام التسامح المتبادل أو لافتقار بناء موقف ديمقراطي ليبرالي لبناء الثقة بين الجهات الفاعلة الثلاثة في العملية الانتقالية(٢١). 

ما هو مطلوب هو توجيه رؤية نقدية على مستوى اعمق: عن فهم الاطراف الفاعلة الحقيقية وراء الانتفاضة وخصوصاً مع غياب الدور الاجتماعي التاريخي لهذه الاطراف. فضلاً عن ذلك، فإن الأدلة التجريبية تميل إلى معارضة اهمال الطبقات الشعبية في النموذج الوارد اعلاه. ومن الصعب تعقب أو قياس الحجج والتحليلات التي يسوقها منظرو التحول الديمقراطي  فيما يتعلق بالفئات الطبقية لهذه المجتمعات، بل و يكاد ان يكون نادر الذكر في نصوصهم. فمثلاً، يلاحظ ورود كلمة ”اسلاميين“ اثناعشر مرة في مقال ”ألفريد ستيبان“ حول تونس، وكلمة ”العلمانية“ سبع مرات، بينما ترد كلمة ”الاتحاد العمالي“ أو ”النقابة العمالية“ مرة واحدة، رغم الدول الرئيسي التي لعبته هذه الاتحادات والمنظمات في اسقاط نظام بن علي (٢٢).

وفي عدد خاص من جريدة «The Journal of Democracy» ٢٠١٣، بشأن النتائج المتواضعة التي حققتها الانتفاضات العربية، كان هناك غياب تام للعامل الطبقي، ولم يشار لهذا العمل بتاتاً، إلا في افتراض أن المحتجين كانوا يمثلون ”الطبقة المتوسطة العلمانية“. إن الانقسامات الاجتماعية الوحيدة التي تظهر باستمرار في تحليلات متبنوا نظريات التحول الديمقراطي للانتفاضات العربية تتعلق بالهوية الدينية، سواء كانت تتعلق بالانتمائات الطائفية، أو بما يتعلق بدرجة مراعات المصاد التشريعية الدينية في النظام السياسي، أو الدور الذي يخصص لها. وهذا المنظور لاديناميكيات أو العوامل المحركة الفعلية للانتفاضة فحسب، بل و يتجاهل وسائل و أدوات في علم الاجتماع التاريخي كان من الممكن استخدامها على نحوٍ مثمر لفهمٍ أوسع لنتائج الانتفاضات العربية. 

علم الاجتماع التاريخي لـ«التحول الديمقراطي» ودور الحركة العمالية:

من الممكن علاج العيوب الموجودة في نهج وتحليلات منظرو التحول الديمقراطي من خلال الاستعانة بمنظور آو بتقليد مختلف في دراسة الديمقراطية. مثال أعمال «جويلير مو أوديل» (٢٣)، أو حتى بالعودة إلى دراسة «بارينغتون مور» (١٩٦٦)، الذي قدم دراسة رائدة عن الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية. إن نهج الاقتصاد السياسي في التحليل والتعامل مع ظهور أنماط الانظمة الحاكمة يحتاج إلى نظرة أطول و أوسع، نظرةً تربط بين مخاوف التحول الديمقراطي، وعلم الاجتماع التاريخي و الدولة. ولا بد أيضاً من الاشارة باهمية إلى مجموعة أعمال أُخرى، مثال أعمال: «جيرف فورغينغ» و «روشمايير» عن تطور الرأسمالية والديمقراطية (١٩٩٢)، حيث تؤكد هذه الأعمال على دور الحركات العمالية و اليسار السياسي في المكاسب الاساسية للحقوق الديمقراطية التي تم تحقيقها (٢٤). وفي حين أن «روشمايير» و آخرون يتبنون بشكلٍ خاص نفس تعاريف الديمقراطية ”الإجرائية“ والليبرالية ”الرسمية“ التي يستخدمها منظرو التحول الديمقراطي (٢٥)، إلى أن تحليلاتهم تأتي سعياً لفم استمرارية و نتائج نضام الحكم التععدي ”Poloyarchy“ (٢٦). وهم ينتقدون اساليب الإنتقال مع التركيز على راهنية العملية بدلاً من التركيز التطورات الطويلة الأمد لعلاقات القوى الفاعلة الكامنة ورائها (٢٧). وبدلاً من ذلك هم يقدمون الحجج والتحليلات بأن الديمقراطية نتيجة لتوازن القوى والتحالفات الطبقية. ويعتمدون بشكلٍ خاص على ثلاث مجموعات والتي تشكل اهمية مركزية في التحليل: التوازن بين القوى الطبقية والتحالفات الطبقية؛ الاستقلال النسبي للدولة و المجتمع المدني؛ علاقات القوى العابرة للحدود الوطنية (٢٨).  ولقد وجدت الابحاث المقارنة ”cross-case comparision“ بين التنمية الرأسمالية والديمقراطية النتائج التالية: 

كانت الطبقة العاملة الحضرية القوة الاكثر تماسكاً و دعماً في الدفع نحو الديمقراطية، باستثناء الحالات التي تمكن فيها زعيم استبدادي يتمتع بشخصية كاريزمية من دمج هذه الطبقة. وقد تطابق هذا الاستنتاج مع توقعات «روشمايير»، نظراً لان أفراد الطبقة العاملة تسعى إلى دمج الطبقات الدنيا التي نتمون الها اساساً من خلال العملية الديمقراطية (٢٩). لذلك فان استقلال تنظيمات الطبقة العاملة كان عاملاً رئيسياً في نجاح ظهور الاصلاحات الديمقراطية. طبقة الملّاك العليا هي الطبقة الاكثر تماسكاً في معادا{ الديمقراطية، خوفاً من خسارة مستودعات العمالة الرخيصة. 

وكان التحالف بين الملّاك والبورجوازيين الذي وجد في الديمقراطية تهديداً لمصالحهم أكبر القوى المناهضة للديمقراطية (٣٠). ولقد لعبت الطبقة المتوسطة ”بمعنى المهنيين العاملين بأجر، وأصحاب المتاجر وغيرهم“ دوراً غامضاً. حيث كانوا داعمين لضمهم ولكن مترددين في الوقت ذاته من منح أو توسيع مجال الحريات والحقوق السياسية لهؤلاء الادنى طبقةً منهم. حيث كانو بمثابة العلف للتحالفات والاحزاب، سواء من الطبقة العاملة أو الطبقة العليا (٣١). وكان الفلاحون المعتالون، أو صغار الفلاحين يشكلون عامل من عوامل التعبئة للديمقراطية، بينما كان العمال الزراعيون يميلون إلى التحالف مع العمال الحضريين (٣٢). وهناك مجموعتين من العوامل الأخرى لهما صلة بتحليل حركة القوي والتحالفات الطبقية، وهما عاملين مترابطين « الاستقلال النسبي للدولة و المجتمع المدني؛ علاقات القوى العابرة للحدود الوطنية». ويجد «روشمايير» آخرون بان الاعتماد الجغرافي السياسي و الاقتصادي له أثر سلبي على تصور الديمقراطية،  ويرجع ذلك جزئياً إلى التأثير المباشر الذي يلعبه التدخل الأجنبي، والمساعدة على تعزيز القوة القمعية للجيش وما إلى ذلك، وبسبب أنماط التنمية الاقتصادية الناتجة عن ذلك والتي تعوق نشوء وتنظيم حركات عملية قوية وفاعلة (٣٣). وفيما يتعلق باستقلال جهاز الدولة، كلما زادت هذه الاستقلالية كلما شكلت عامل ضغط على المجتمع المدني، وخاصةً الحركات العمالية، والتي يعد وجودها ومدى قدراتها عاملاً ضرورياً لتحقيق مكاسب ديمقراطية. وتبقى الدولة التي لا تتمتع بالقدر الكافي من الاستقلالية بالحكم تحت سيطرة عناصر معادية للديمقراطية إلى حد كبير . خصوصاً من ملاك الأراضي والبورجوازية العليا (٣٤). وجد «رويشماير» عبر مقارنتهم التاريخية أن الترابط بين التنمية الرأسمالية والديمقراطية لا يرجع إلى الرأسمالية في حد ذاتها – ناهيك عن إرث البرجوازية البطولية – بل يرجع إلى النضال داخل الرأسمالية: حيث تنتج التنمية الرأسمالية طبقة عاملة متمكنة ، حيث تصبح هذه القوة القوة الأكثر تأييداً للديمقراطية ، بينما تُضعف هذه التنمية القوى المناهضة للديمقراطية كطبقة كبار ملاك الأراضي (٣٥). وبخصوص العالم العربي ، يجد  «رويشماير» وآخرون أن خصائص التطور المتأخر أو غير المتكافئ والمكتمل هي عوامل لها تأثير جوهري، فالطبقات العاملة في جنوب الكوكب ”كقاعدة عامة“ تكون أصغر حجماً وأقل تنظيماً وأقل تمييزاً عن تلك الموجودة في النواة الرأسمالية (٣٦). حيث أن هذا التحليل يعد مناسب بشكل خاص في تناول الدول العربية و التي لا تشبه اقتصاداتها اقتصادات الاقتصادات الأوروبية الكلاسيكية. وكما يبين «رويشماير» و«ستيفينز» والتحليل الوارد أدناه يؤيده ، بإن الطبيعة التفاضلية وغير المتكافئة للتنمية الرأسمالية هي العامل الاساسي الذي يترتب عليه النتائج المختلفة للعمليات الانتقالية. ولا تزال هذه التنمية رأسمالية ، وإن كانت متفاوتة ومتضافرة. و تفتقر معظم الدول العربية إلى الطبقات العاملة الكبيرة والمتماسكة كتلك التي أنتجت حركات عمالية أوروبية وأحزاب ديمقراطية اجتماعية ولكنها تعتمد جميعها على مزيج من: استخراج الموارد ( لخدمة اقتصاد الرأسمالية العالمي) ؛ بيع السلع أو الخدمات التي ينتجها الموظفون المجانيين (سواء من قبل الدولة أو من قبل الشركات الخاصة) ؛  أو  المدفوعات والدعم من الدول الراعية من الدول الرأسمالية. وهذه الاختلافات في طبيعة التطور الرأسمالي وعواقبها على تكوين الطبقات هي العوامل الاهم التي يحاول «رويشماير» الاشارة اليها.

[ في البلدان النامية المتأخرة ، يكون الحجم النسبي للطبقة العاملة الحضرية  أصغر بسبب التفاوت في التنمية ، وبسبب ما يترتب وفق ذلك  من نمو أقوى في القطاع الثالث… [معنى] أن تصبح التحالفات الطبقية عبر الحدود ذات أهمية حاسمة في تقدم العملية الديمقراطية (٣٧). ]

ومع ذلك ، و عند التركيز على التحليل الطبقي، ألا يفتقر نهج «رويشماير» إلي ديناميات أُخرى خاصة بالساحة السياسية ؟ وفي الدول العربية على وجه الخصوص، ألا تبدوا الهويات والأيديولوجيات المتقاطعة ”العابرة للطبقات“  أكبر أهميةً : ألا يهمل التحليل الطبقي هذه الهويات والأيديولوجيات ؟ النقطة الأولى التي تجدر الإشارة إليها هي أن كل تحليلات منظرو التحول الديمقراطي تقريباً لديها تحليل طبقي مشوه وغير مكتمل للانتفاضات العربية:  كتحديد الانتفاضات واختزالها بكيان يسمى “الطبقة الوسطى الغربية العلمانية” ، أو ما يسمونه ”الشباب العربي“ ، والانحياز في التحليلات الى رؤية الصراع من خلال التيارات الاديلوجية دون التحليلات الطبقية ”التيارات الاسلامية“. 

وثانيا ، يتعين على المرء أن يميز بين مستويات التحليل: بين الساحة السياسية ، والتفاعلات والأحداث المشروطة بها ، وبين العلاقات الاجتماعية التي تستند إليها تلك التفاعلات. إن عدم التجانس الطائفي في سوريا ، والذي ربما يشكل التحدي الأصعب للتحليل الطبقي ، لا يشكل سمة طبيعية وراثية: بل هو من ضمن مجموعة عوامل مبنية اجتماعياً ”بناء اجتماعي“  يتم إنتاجها وإعادة استنساخها من خلال الوصول إلى الدولة والاقتصاد السياسي. وهذا لا يعني أن تحديد الهوية الطائفية ليس عاملاً هاماً في السياسة السورية ، بل إن هناك عوامل وابعاد اقتصادية سياسية أساسية لهذا العامل.

 قد يكون من المفيد التمييز دائماً بين: ١-الهيكل الطبقي القائم على عمليات الانتاج والذي يكون مضبوطاً ومعدلاً بحسب انماط التنقل والتفاعل، ٢-افكار ومواقف أفراد الطبقة، ٣ـ تحديد الأهداف الجماعية و مدى السعي إلى تحقيقها من خلال العمل المنظم بالنيابة عن الطبقة. 

كيف إذا يساعد هذا النهج في الإجابة سؤال لماذا كان نتاج حصاد الربيع العربي بهذا التواضع ؟ 

 

حيث لا يمكن الاجابة على هذا السؤال إلى من خلال الاخذ بعين الاعتبار العوامل الثلاثة المترابطة والمتداخلة بين توازن القوى الطبقية والتحالفات الطبقية ؛ درجة وجود دولة الدولة ، أو النظام في أغلب الأحيان ، والاستقلال الذاتي في إطار وجود اقتصاد سياسي أوسع نطاقاً ”تراكم رأس المال“ ، وتداخل المنافسات والمصالح الجغرافية السياسية الإقليمية والعالمية.

«تم ارسال المقال الاصلي من قبل الباحث الأُستاذ جيمي اليسون في قسم السياسة والعلاقات الدولية في جامعة ويستمينستر في لندن»، المقال كاملاً تم نشره في ٢٥ آذار ٢٠١٥ من قبل مركز «Taylor and Francis» المتخصص بنشر أبحاث ومقالات أكاديمية 

المراجع:

  1. Brownlee et al., “Why the Modest Harvest?” 29.
  2. See Schlumberger, “Opening Old Bottles in Search of New Wine”; Salame, Democ-

racy Without Democrats; Valbjorn, “Upgrading Post-democratization Studies”; Cavatorta, “The Convergence of Governance”; Cavatorta and Pace, “The Arab Uprisings in Theoretical Perspective.”

  1. Stepan and Linz, “Democratization Theory,” 15, 20 – 1.
  2. O’Donnell and Schmitter, Transitions from Authoritarian Rule, 16.
  3. Rueschemeyer et al., Capitalist Development and Democracy.
  4. Teti, “Beyond Lies the Wub,” 15.
  5. Such as O’Donnell, Bureaucratic Authoritarianism: Argentina.
  6. Brownlee et al., “Why the Modest Harvest?” 29 – 31.
  7. Rueschemeyer et al., Capitalist Development and Democracy, 5 – 7.
  8. Linz and Stepan, Problems of Democratic Transition, 2 – 7; Przeworski, Democracy and the Market, 9–12.
  9. Przeworski, Democracy and the Market, 167 – 70.
  10. Brown, “Egypt’s Failed Transition,” 52.
  11. O’Donnell and Schmitter, Transitions from Authoritarian Rule, 16 – 7.
  12. Landolt and Kubicek, “Opportunities and Constraints,” 8.
  13. Brown, “Egypt’s Failed Transition,” 51.
  14. Stepan and Linz, “Democratization Theory and the Arab Spring,” 28.
  15. Ibid., 21.
  16. Carrothers, “The End of the Transition Paradigm,” 5 – 7.
  17. Ibid., 10 – 12.
  18. Ibid., 16.
  19. See especially Brown, “Egypt’s Failed Transition,” 45 – 56; Landolt and Kubicek,

“Opportunities

and Constraints,” 12 – 6; Stepan and Linz, “Democratization

Theory,” 23–7.

  1. Stepan, “Tunisia’s Transition and the Twin Tolerations,” passim.
  2. O’Donnell, Bureaucratic Authoritarianism: Argentina.
  3. See also Therborn, “The Rule of Capital.”
  4. Rueschemeyer et al., Capitalist Development and Democracy, 10.
  5. Ibid.
  6. Ibid., 7 – 8.
  7. Ibid., 6–8, 75–6.
  8. Ibid., 58 – 9.
  9. Ibid.
  10. Ibid., 8.
  11. Ibid.
  12. Ibid., 72.
  13. Ibid., 65 – 6.

Democratization 311

  1. Ibid., 7.
  2. Ibid., 76 – 7.
  3. Ibid., 59.
  4. Ibid., 53.

حرب الجوع يمكن أن تكون مخيفة مثل حرب المدافع

 

داني ماكي – معهد الشرق الأوسط في واشنطن

15\3\2021

http://www.mei.edu

مع اقتراب حلول الذكرى السنوية العاشرة للأزمة السورية، لا يصح وصف العواقب الاقتصادية الناجمة عن الحرب بأنها أقل من كارثية. من المرجح أنّ عدمَ الاستقرار والتضخم الاقتصادي سيظلان مشكلتين رئيسيتين على مدى السنوات العشر القادمة -وربما بعد ذلك بكثير -لكنهما أوجدا حالياً مستوى جديداً من البؤس في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. 

لقد دخل الاقتصاد السوري مرحلته الأكثر هشاشة حتى الآن، ولا تزال آفاق الانتعاش الجاد أملاً بعيد المنال، ذلك أنّ وزنَ التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد يفوق وزن العلاجات الهزيلة المتوافرة بكثير. إنّ سعر صرف الليرة السورية ارتفع إلى ما يقدر بـ 4250 ليرة للدولار الأمريكي -أي أكثر من ثمانين ضعفًا عن سعر ما قبل الحرب البالغ 50 ليرة سورية للدولار. 

تجد حكومةُ النظام في دمشق نفسها، عند مواجهة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، تعاني من ضائقة مالية متزايدة، معتمدةً على دعم حليفتيها إيران وروسيا للبقاء واقفة على قدميها. 

أدى مزيج رهيب من سوء الإدارة الاقتصادية، والعقوبات الدولية، وقطاع الصناعي مُدَمّر على أثر الحرب، والاضطرابات في لبنان المجاور، إلى انخفاض قيمة الليرة السورية، الأمر الذي زاد من السخط الاجتماعي داخل البلاد وهزالة قيمة الرواتب. اجتماع المشاكل المذكورة أعلاه زادَ من سوء الأزمة الاقتصادية الحادّة مسبقاً.

لا يُظهر تقلبُ العملة سمات التلاشي 

الارتفاع السريع في معدل التضخم خلال شهري شباط (فبراير) ومارس (آذار) لم يمنح السوريين فرصة تنفس على الصعيد اقتصادية. يزداد الوضع سوءاً يوماً بعد يوم، حيث يستيقظ بعض السوريين في الصباح ليجدوا أن رواتبهم الضئيلة أصلاً قد تقلصت بنسبة 10٪ أخرى بين عشية وضحاها. 

يبلغ متوسط راتب الحكومة في سوريا 50 ألف ليرة سورية شهريًا، لكن في ظل المناخ الاقتصادي الحالي، فإن المبلغ هذا لا يكاد يكفي لشراء وجبة واحدة في مطعم أو شراء بقالة تكفي لبضعة أيام.  يقع السوريون، وسط ارتفاع الأسعار وتزايد تكاليف المعيشة، أمام هجمات الأزمة الاقتصادية، ولا يبدو أنّ فرجاً يلوح بالأفق. 

لم يتردد الممثل الشهير غسان مسعود -الذي اشتهر بلعب دور الحاكم المسلم صلاح الدين في فيلم ريدلي سكوت عام 2005 “kingdom of heaven” -عند مناقشة الوضع في سوريا التي يسيطر عليها النظام. وأشار بإحباط: “لا تدفعوا للمواطن راتباً شهرياً قدره 50 ألف ليرة سورية، حيث يحتاج 800 ألف ليرة سورية ليعيش بكرامة، ثم تطالبوا بمواقف سياسية مُشبَعة بالوطنية والشعارات”. ويتابع مسعود “أنا نباتي، ومع ذلك لا أقبل عدم قدرة المواطن على استهلاك اللحوم لأن الكيلوغرام الواحد يكلف 20 ألف ليرة سورية. حرب الجوع والفقر والاقتصاد تخيفني أكثر من حرب المدافع “. بالنسبة لفرد بمكانة مسعود، الحاظي بالاحترام والمحايد سياسيًا بشكل عام، فإن الخوض في مثل هذه الأمور أمر غير شائع، الأمر الذي يعكس الحالة المزرية للاقتصاد في سوريا، حيث تبتعد المجاعة من كونها مشكلة نظرية ولتقترب أكثر من كونها مشكلة حقيقية. 

زاد عدد الأشخاص، الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في غضون عام واحد، بمقدار 4.5 مليون، مع تقدير الدراسات أن 12.4 مليون شخص -أو ما يقارب 60 في المائة من السكان السوريين -يعانون الآن من انعدام الأمن الغذائي. 

تراجعت قيمة الليرة السورية لدرجة أنّ بعض السوريين قاموا بتحميل صور على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر عربات اليد النقدية اللازمة لإجراء عملية شراء كبيرة، مثل شراء سيارة أو منزل. إلا أنّ معظم السوريين يرى حتى المشتريات الصغيرة بعيدة المنال بشكل متزايد: يمكن أن يكلف الذهاب إلى القهوة راتب نصف شهر، كما سيؤدي الارتفاع الأخير في الأسعار إلى وصول كيلوغرام لحم الضأن إلى 29000 ليرة سورية -رفاهية لا يمكن تحقيقها عند أولئك الذين يكافحون لتغطية نفقاتهم. إنّ تكلفة المواد اليومية الغير المحتملة، في بلد كان يعتبر في يوم من الأيام “سلة خبز” المنطقة المحيطة، يعكس شدة الأزمة. 

لقد سئم السوريون في مناطق سيطرة النظام من السياسة والشعارات والعقوبات، خاصة الآن بعد أن أصبحت الأمور بذات الصعوبة التي كانت عليها خلال أسوأ سنوات الحرب. في حين اتسمت السنوات الأولى من الصراع بالعنف والقتال من أجل البقاء على قيد الحياة. فإن الوضع اليوم يتميز بالمحافظ الفارغة والجوع والكفاح من أجل البقاء بأي وسيلة ضرورية. كما يتزايد الاستياء الشعبي، حيث أشار أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن “مقدار الاكتئاب والطاقة السلبية يملأ أجواء البلاد بشكل لا يوصف.” 

على نفس المنوال، نصح الكاتب مكسيم منصور أخوتَه المواطنين ساخراً بتوخي الحذر عند التعامل مع الإشاعات بالعملة الأجنبية: “يجب أن تتوقف عن الاستماع إلى الشائعات المنتشرة من الخارج.  لدينا ما يكفي من الشائعات المحلية، لذلك في هذا الصدد يجب أن تدعم المنتج الوطني [الشائعات]”. جاء تعليقه في الحين الذي يلتصق فيه السوريون بشاشاتهم وهم يشاهدون انهيار الليرة، إلّا أنّ الشعور مشترك على نطاق أوسع. اليومَ أصبحت طوابير الانتظار من أجل الغاز والخبز جزءاً من الحياة اليومية، كما يُعتَبر البنزين رفاهية، من حيث السعر والوفرة، بحسب الأسبوع. 

جادل المراسل السوري نجود يوسف بأن مشاكل البلاد الرئيسية ترجع إلى نقص وفرة الكهرباء اللازمة للصناعات التي لا تزال تعمل رغم الحرب: “الكهرباء أُم جميع المشاكل في سوريا.  لا كهرباء ولا صناعة ولا إنتاج. يؤدي ذلك إلى عدم القدرة على توفير المواد وانعدام  الصادرات، الأمر للذي بدوره يستنزف الليرة”.  يعاني معظم السوريين في المناطق السكنية من انقطاع التيار الكهربائي لمدة لا تقل عن 12 ساعة يومياً، كما يمكن أن يستمر انقطاع التيار الكهربائي في المناطق النائية والضواحي لفترة أطول. 

خلقت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في مناطق سوريا التي تسيطر عليها الحكومة سلسلة من المشاكل الإضافية، حيث أدى نقص فرص العمل إلى زيادة المشاعر السلبية. 

قدمت حالتان حديثتا العهد أمثلةً قوية على الاستياء المتزايد. الأولى قضية خريج جامعي شاب اسمه علاء، من مدينة الديوانية بدمشق، ارتدى ثياب تخرجه أثناء عمله في تلميع الأحذية في شوارع العاصمة. أما الثانية تخص حسين شماس، مصور موهوب يبلغ من العمر 18 عامًا ويعيش في دمشق. بسيب ضغوط الحياة اليومية لقصور الفرص، إضافةً إلى التنمّر والسخريات التي تعرّض لها بسبب مظهره، انتحر الشاب بشكل مأساوي. نالَت القصّتان حيّزهما من الانتشار بشكل داخل سوريا، خاصة وأن جودة الحياة مستمرة التدهور.

الإجراءات المتّخذة الغير فعّالة 

بدأت الأزمة الاقتصادية الأخيرة في سوريا في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، خلال الفترة الزمنية نفسها تقريباً التي بدأت فيها حركة الاحتجاج والاضطرابات في لبنان. بل و جادل الرئيس بشار الأسد بأن المدخرات المقيدة في البنوك اللبنانية هي السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية. أشار أيضاً إلى أن قيمة الودائع السورية، العالقة في البنوك اللبنانية و الممنوع سحبها بضوابط رأس المال، تتراوح ما بين 20 مليار دولار و 42 مليار دولار. 

في حين أن الضائقة المالية في لبنان أضرت بما تبقى من الاقتصاد السوري وأدت إلى الانخفاض الحالي في قيمة العملة، كان لسوء إدارة الاقتصاد المحلي، الاستغلالية و الانتهازية لتحقيق الربح، اضافةً الى العقوبات الدولية تأثير أكبر بشكل عام.  خلقت هذه العوامل تفاوتًا كبيرًا بين الطبقة الحاكمة الصغيرة من النخبة و بقية السكان، الذين يتعين عليهم العيش في الواقع، تحمل الصعوبات المالية القاسية والمتفاقمة باستمرار. 

على سبيل المثال، ندّدَت إحدى أكبر صفحات الفيسبوك مكافحةً للفساد في البلاد بالبيع الجائر للعقارات في المزادات المزورة، و ما فيها من مؤامرات، بين محامين و سياسيين و أحد أعضاء غرفة تجارة دمشق سامر دبس، أباحَت شراء بعض العقارات بأسعار منخفضة للغاية لتحقيق مكاسب كانت شخصية او للأصدقاء و العائلة. أثارت مثل هذه المخططات سخطاً متزايداً حتى بين صفوف المجتمعات الموالية للحكومة و المؤيدة لها. 

بينما تلعب العقوبات الدولية دوراً كبيراً في تقييد التدفقات الاقتصادية والقدرة الشرائية، إلا أنها لا تتجاوز كونَها عامل مساهم في الأزمة الحالية، و لا يمكن اعتبارُها محركاً رئيسياً لانخفاض قيمة الليرة. إذ تخضع سوريا لعقوبات شديدة منذ بدء الصراع، و مع ذلك، كان تأثيرها خلال أسوأ فترات القتال أقل حدة بكثير. 

إلا أنّ وسيلةَ الحكومة الرئيسية في مواجهة التضخم، مع كل ما سبق، انحصر على تضييق الحصار الامني على تجار الدولار الغير شرعيين.  على سبيل المثال، اعتقلت إدارة الأمن الجنائي ثلاثة أشخاص بتهمة “التعامل بعملة غير الليرة السورية” وضبطت المبالغ المالية الكبيرة التي كانت بحوزتهم. مثل هذه الإجراءات يمكن أن توقف مؤقتاً ارتفاع التضخم، إلا أنها لا تشكل حلاً عملياً على المدى الطويل. و على نفس المنوال، أعلن بيان صدر في منتصف شباط (فبراير) عن مصرف سوريا المركزي (CBS) عن مجموعة من الإجراءات المنسقة الجديدة للتدخل في سوق الصرف الأجنبي من خلال توقيف أي شخص يتعامل بالدولار. تم اعتقال عشرات الأفراد و مصادرة أموالهم في دمشق و حماة و حلب، على رغم من أنّ التعامل بالدولار أصبح ضرورياً لمن يحتاج إلى صفقة متوسطة أو كبيرة. 

اتفق وزير المالية و البنك المركزي في أواخر شباط على إنشاء آلية لتقديم قروض لذوي الدخل المحدود لمساعدتهم على مواجهة الأزمة الاقتصادية. إلّا أنها تطلّبَت شروطاً مستعصية، كالكثير من الضمانات، كما كانت المبالغ المعنية صغيرة جداً بحيث تم إنفاقها بسرعة. و أعرب الناشط السوري أمجد بدران عن شكوكه في الفكرة في منشور على فيسبوك: “القرض يدفع مليون ليرة سورية وهذا لا يساعد في شيء.  بل هي أزمة للموظف. إذا سحبها، تصير تلك المليون حاجةَ الأسرة في غضون شهر، فكيف من المتوقع ان يستمر الموظفُ بدفع أقساطِه على مدى السنوات؟ 

الآن، مع استمرار الازمة، تعيش امكانيات و سُبُل ايقاف تدهور الليرة في المستقبل. إن قدرة الحكومة على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة مقيدة بشدة بسبب ضغوط مواردها المالية. قيمة ميزانيتها المتوقعة لعام 2021 2.9 مليار دولار فقط، مع انخفاض حاد عن عام 2020، الذي بلغت فيه 9 مليارات دولار.  ويرجع ذلك جزئيًا إلى الانخفاض الهائل في قيمة العملة خلال العام الماضي، مما يشير إلى أنّ براعم الانتعاش الاقتصادي لم تصل الى مرحلة النمو بعد. 

وفقًا لمنظمة وورلد فيجن، تقدر التكلفة الاقتصادية للنزاع في سوريا بعد 10 سنوات بأكثر من 1.2 تريليون دولار. حتى لو انتهت الحرب اليوم، ستستمر تكلفتها في التراكم لتصل إلى 1.7 تريليون دولار إضافية من أموال اليوم حتى عام 2035.

اعتماد زائد الحد على الحلفاء؟ 

ازداد الدعم والمشاركة الاقتصادية الإيرانية بشكل ثابت منذ بداية أزمة أكتوبر 2019 في سوريا. توقيت هذه المساعدة مدروس واستراتيجي، إذ تم اعتماده لتسليط الضوء على انتشار إيران المتزايد في سوريا مع تفاقم المشاكل الاقتصادية في البلاد. تقدر قيمة الإنفاق الاقتصادي الإجمالي لإيران في سوريا بحوالي 20-30 مليار دولار ، وفقًا لحشمت الله فلاحت بيشة، عضو البرلمان الإيراني و الرئيس السابق لهيئة الأمن القومي والسياسة الخارجية. 

أحد أمثلة التدخل الإيراني المتزايد هو إنشاء مركز إيراني جديد للابتكار والتكنولوجيا في دمشق.  و من خلال المركز الذي افتتح في شباط، ستمد إيران خطًا تصل تكلفته إلى 10 ملايين دولار لدعم استيراد التكنولوجيا إلى سوريا، لا سيما في المجال الطبي. 

كما أعلنت طهران عن إطلاق خط ملاحي مباشر من مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران إلى اللاذقية في فبراير. تم تعيين سفن الشحن لنقل البضائع مرة واحدة شهرياً، بدءًا من مارس، و سيتم زيادة العدد ذاك إلى مرتين شهرياً إذا كان هناك طلب كافٍ. 

تعزيزاً للعلاقة التجارية بشكل أكبر، عُقد مؤتمر سوري إيراني مشترك في طهران، سعى إلى إلغاء التعرفة الجمركية (٤%) على صادرات إيران إلى سوريا. ترأس المؤتمر رئيس منظمة ترويج التجارة الإيرانية (TPO) حميد زادبوم و رئيس غرفة التجارة الإيرانية السورية المشتركة كيفان كاشفي.  وقال الكاشفي أنّ قد تم طرح خطة لإزالة جميع القيود الحالية على الصادرات إلى سوريا.  وفقًا للمدير العام لمكتب TPO للدول العربية والأفريقية، فرزاد بيلتان، هناك قدرة على زيادة محتملة بقيمة 1.5 مليار دولار في التجارة بين البلدين. 

وعدت إيران بمساعدة الأسد في تعويض أثرَي قانون قيصر و الأزمة الاقتصادية، و قد اوفَتْ بوعدِها، على الأقل بطريقة محدودة. في منتصف شباط، زار علي أصغر خاجي، كبير مساعدي وزير الخارجية الإيراني، دمشق لبحث سبل تقديم دعم إضافي. 

مع ذلك، فإن هذه الفورة المتزايدة من النشاط لم تقودها إيران وحدها، فلروسيا أيضًا مصلحة راسخة في منع الانهيار الاقتصادي في سوريا. على الرغم من أن مساعدتها حتى الآن تُعتَبر ضئيلة للغاية، إلا أن موسكو، من خلال توفير كميات قليلة من النفط و القمح، تساهم بالكاد بإرساء بعض الاستقرار. 

أشار سفير سوريا في روسيا، رياض حداد، إلى إمكانية مساعدة موسكو لإعادة الإعمار، مؤكداً أن الشركات الروسية بدأت بالفعل مشاريع إعادة إعمار “ستنعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي العام في سوريا”.  وأضاف في مقابلة مع صحيفة الوطن الموالية للحكومة أن الواردات الضرورية من روسيا مثل النفط والقمح، الأساسية لتلبية احتياجات نسبة كبيرة من السكان، ستستمر في الوصول لشهري آذار و نيسان، كما هو مقرر. 

يمكن تفهُّم اعتماد النظام المفرط على روسيا وإيران، نظراً إلى الوضع الاقتصادي السيء، و لكن في النهاية ستكون هناك حاجة إلى المزيد من الخطوات الاستباقية لوقف الانهيار الاقتصادي، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وتخفيف الاعتماد المستمر على طهران وموسكو. مهما كانت طيلة هذه التحالفات، فإن هذا الاعتماد سيؤدي حتماً إلى ارتفاع التكاليف في المستقبل.

ماذا بعد؟ 

تتراكم المشاكل الاقتصادية في سوريا منذ سنوات، ولكن مع استمرار تدهور العملة السورية، تنحصر القدرات على ايقاف تراجع الليرة السورية و دعم الاقتصاد المنهك مع مرور كل يوم.

مع استمرار الاقتصاد في دوامة الانحدار و عدم ظهور أي بوادر للتراجع عن مسيره الحالي، إضافة الى حالة الجمود التي اصابَت الموقف الدولي من سوريا، سيستمر الوضع في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في التدهور، مما لا يلبث ان يشدّد على أنّ حرب الجوع قد تملك من الرعب ما تملكه حرب المدافع.

داني ماكي صحفي يغطي الصراع السوري.  لديه ماجستير.  في سياسات الشرق الأوسط من جامعة SOAS ، ومتخصص في العلاقات السورية مع روسيا وإيران.  وجهات النظر المعروضة في هذه المقالة هي خاصة به.

تاريخ النشر

15\3\2021

Middle east institute

Mei.edu


التناقض الرئيسي في الواقع السوري المعاش

 

السياسة تعبر في مدلولاتها عن الجذور الأساسية لأي إتجاه فكري ، وفي الواقع تتحدد السياسة وفق هذا الإطار الفكري ، وهذا الإطار الفكري يعبر عن فئة اقتصادية ومصالحها الرئيسية ، ومن هنا يتضح أن في السياسة هناك مستويات من التناقضات بحكم اختلاف المصالح الطبقية بين تركيبات المجتمع ، وأحيانا تلعب الثقافة المحلية دورها في تحديد آفاق الصراع السياسي وإتجاهاته ، وتلعب دور المغذي لإتجاه سياسي معين وتعبئة القوى الاجتماعية في صالحه .

لننتقل من الإطار الفكري لتحديد السياسة إلى الواقع السوري المعاش ، فقد إتضح من خلال الأزمة السورية أن هناك مراهنة على الخارج الإقليمي والدولي في حسم صراع داخلي ، وهذا ما تأكده المعطيات والإستقطابات السياسية ، فممنوع من خلال السياسة الدولية تجاه سوريا أن تنتصر السلطة وأن تنتصر المعارضة المسلحة ، وهنا سنضع المعارضة الديمقراطية السلمية في خط ثالث آخر ، فقد جلبت الأزمة السورية نتيجة الإستعصاء التوازني الداخلي تدخلات واحتلالات خارجيين ، وجلبت التدخل الروسي في دعم السلطة السورية ، وجلبت المعارضة المسلحة الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وخبراء بريطانيين وفرنسيين وإضافة لذلك قد تلقت دعماً من قبل بعض الأطراف العربية ، ووفق ماو تسي تونغ فأن هناك مهام تطرح نفسها تضع بها بعض الصراعات الاستراتيجية في الثانويات في إطار تحالف مرحلي لإنجاز هدف محدد ، وهذا ما أشار إليه الشهيد مهدي عامل في نظريته حول تمرحل التاريخ ، لكن أين ما يسمى التناقض الرئيسي والثانوي في تحددات السياسة السورية ؟

لا شك أن الحزب الشيوعي بشكل عام في مرجعيته الماركسية ، قد نشأ دفاعاً عن مصالح الطبقة العاملة بالدرجة الأولى ، لكنه في بعض الأحيان وهذا ما يؤكده البيان الشيوعي في تحديده لسياسات الشيوعيين في مجتمعات لم تدخل في المرحلة الديمقراطية البرجوازية في الإنتاج والسياسة والثقافة ، يتم وضع بعض القضايا الإستراتيجية في إطار ثانوي في سبيل تحقيق هدف مرحلي معين له إنعكاس على مستقبل الصراع الإستراتيجي ، ومن هنا يتضح من خلال الإحتلالات الخارجية والتدخلات الدولية والإقليمية في رفع مستوى الصراع بين المعارضة المسلحة والسلطة السورية وتحديد آفاقه المستقبلية وإنعكاساته على الإتفاقيات الدولية والملفات الإقليمية ، أن سوريا قد عادت لمربع التحرر الوطني ، والتناقض الذي يفرض نفسه الآن هو إنجاز أوسع تحالف وطني لإنجاز الحل السياسي وفق القرارات الدولية وإنسحاب كافة الجيوش الأجنبية من سوريا وإنسحاب كافة القواعد العسكرية الأجنبية إلى بلدانها ، ولذلك فأن التناقض الإستراتيجي بين الشيوعيين السوريين وبين الطبقة البرجوازية وحلفائها يجب وضعه في إطار ثانوي في سبيل الحفاظ على البلاد من التقسيم والإحتلال الخارجي ، هذان الذان يشكلان مهمة وطنية من الدرجة الأولى التي يجب على كل المهام الأخرى أن تنصهر في بوتقته ، وهذا ما يؤدي بنا إلى الوصول لإستننتاج أن الصراع الحالي هو صراع وطني لإنجاز التحرر الوطني بانعكاسه على مستقبل الصراع الإستراتيجي بين الحزب الشيوعي والطبقة البرجوازية .

فالذي يجمع كافة القوى الوطنية هو إنجاز بند التحرر الوطني بسبب إنعكاسه على التناقضات الإستراتيجية الأخرى ، فيتضح من خلال هذا التحليل أن الدفاع عن مصالح الطبقة  العاملة مرحليا ليس تكتيكاً صحيحاً بسبب إحتمالية تعرض بلدنا للتقسيم وبسبب الإحتلالات الخارجية والتدخلات الدولية والإقليمية في مسار الأزمة السورية ، فإذا ، أن مهمة التحرر الوطني هي التناقض الرئيسي الذي يفرض ذاته ، وأن قضية التحرر الاجتماعي هو في وضعية التناقض الثانوي مرحلياً ويجب عدم وضعه في إطار المهمات الراهنة مرحلياً  ، وببساطة ، هل يمكننا أن نحرض العمال على التمرد على الرأسمال في بلد لم يدخل بعد في المرحلة الديمقراطية ،ويتعرض لإحتلال وتدخل خارجيين في شؤونه ، ومحكوم بشروط دولية لتحقيق سياسات داخلية وإقليمية لدفع البلد داخل صراعات إقليمية ودولية ، ليكون جندياً في مشاريع خارجية تدمر قوى مجتمعه الذاتية وتجلب الخراب والدمار له ولغيره .

فالآن ، نحن بأمس الحاجة في وضع التحالفات لجذب كافة القوى الوطنية على إنجاز التحرر الوطني الكامل لبلادنا بعيداً عن أي تجاذبات إقليمية ودولية، لإسترداد القرار الوطني المستقل  بعيدأً عن وضع بلدنا في إطار جنود إمبريالي السياسة الدولية ، فهذا هو الهدف الذي يجب أن نسعى إليه ونناضل من أجله مرحليا في سبيل الحفاظ على البلاد وتاريخها العريق لإمتلاك القرار الوطني المستقل ورده إلى قرار شعب هذا البلد الذي عاشوا فيه أجداده سنين طويلة في رحابه وتنفسوا من هواءه وشربوا من مائه وذاقوا فيه الويلات ولم يتركوه ويرحلون عنه.


بعض النقاط حول آفاق العمل القومي

 

يمكن القول أن الحالة العربية المتأزمة والصراعات القطرية داخل الأمة العربية تشابه إلى حد التطابق حالة أوروبا الغربية قبل الثورة الصناعية والنظام الليبرالي ، ويمكن القول هنا في هذا السياق أن الأغنياء أو ما يسموا اصطلاحا البرجوازية العربية ليس لديها ذالك الطموح كالذي حملته البرجوازية الغربية لتحقيق الدولة القومية ، وليس فقط ليس لديها الطموح بل أيضا يمكن القول أنها جبانة إلى حد كبير وتخاف من المواجهة والتقدم للأمام ، لذلك يلاحظ الدعاية المحافظة السائدة في الأقطار العربية لتبرير القطرية السياسية التي ستتحول ( كل قطر عربي ) بفعل التغيرات الداخلية إلى أمة قومية في إطار عمل القوى الغربية لتجزيء المجزأ وهذا ما يسمى تقومن القطرية ، وهذا إذا لم تأخذنا الصراعات الداخلية إلى الدويلات الطائفية والمذهبية ، وهنا لا يمكن وضع الضغط الدولي لمنع نشوء دولة قومية عربية في الثانويات بل يلعب دوراً مهما في تدمير الإمكانات الذاتية للمجتمعات العربية والدول العربية، وذلك يظهر في الإيديولوجيا التي يصدرها للمجتمعات العربية التي تساهم بشكل كبير في بناء بؤر توتر داخل المجتمعات العربية، وهذا يضاف إليه محاولة تكبيل الدول العربية القطرية بقروض سخية من جهة ومن جهة أخرى وضع شروط لتقديم هذه القروض والتي لا تخدم القضية القومية ، وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى مخاوف الدول الأوروبية من فتوحات عربية عكسية تتجه إلى أوروبا كما عملت الدولة الأموية عندما وصل إمتدادها لقلب أوروبا وما رافقه من ويلات وتأخر وتخلف وجهل وإستعباد إنعكس على الأوروبيين في مناطق سيطرتها  ، فالمراحل التي مرت بها أوروبا حتى وصلت  للدولة القومية تشابه ظروف الدول العربية القطرية في تطورها المراحلي نحو الدولة القومية الواحدة ، والمقصود بالتشابه هو الحركة الجماهيرية العربية ،لكن مع غياب تلك الطبقة البرجوزية التي في حال وجودها قد ينقل العرب من حال إلى حال أفضل بكثير .

تلعب الإستراتيجية الدولية تجاه الشرق العربي دوراً في تخريب المجتمعات العربية ، وذلك في التأسيس لبؤر توتر داخل الشرق العربي ، إن كان على مستوى الدول القطرية أو على مستوى تشجيع فئات داخل المجتمعات العربية على التدمير الذاتي للمجتمعات ، وهذه البؤر مدعومة من قبل الغرب الإمبريالي ويحاول وضعها في سياق مخططاته الرامية لتمزيق المجتمعات العربية بأياد عربية تخريبية  ، و الغرب الإمبريالي يتقصد في إستراتيجيته السياسية والإقتصادية في تشجيع أي إختلاف في الظروف الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية بين البلدان العربية ، وهذا يمكن إرجاعه إلى مخاوف أن تتطابق الظروف بين المجتمعات العربية مما قد يؤدي إلى التأسيس للدولة القومية ،  .

تلعب عدم وجود إيديولوجيا قومية واحدة ( عكس حال أوروبا الغربية أثناء تكون الأمة القومية ) وتعدد تياراتها من برجوازي وصولاً للماركسي دوراً كبيراً في تفريق القوى فيما بينها ، بسبب الإختلاف في نظرة كل منها للسلطة ، وهذا يمكن حله عن طريق الإجماع القومي على رؤية حول النقاط المشتركة بين حال المجتمعات العربية وصولا إلى تكوين برنامج قومي ذا أبعاد قومية متجذرة لإنهاض الأمة العربية من تفاقم حالتها السياسية وصولاً إلى تجزيء المجزأ ، كمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرحته الإدارة الأمريكية في إستراتيجتها لإعادة صياعة المنطقة ودولها وفق رؤيتها ومتطلبات حماية ذاتها .

لذلك وبناءاً على ماسبق ، يمكننا القول أن تعدد المرجعيات الفكرية للفكرة القومية قد أضاع على العرب في القرن العشرين فرصة النهوض الوحدوي ، وإذا ما استمر الوضع على ماهو الآن فيمكننا القول أن التخلف الاجتماعي والتراجع السياسي في الوعي المعرفي والقومي قد يطيح فيما تبقى من دول عربية ، ويقسم هذه الدول لدويلات طائفية ، فالعرب أمام عقبة كأداء هي الغرب الإمبريالي والطبقات الحاكمة التابعة في المشرق العربي ، حيث أضحت جامعة الدول العربية ( على الرغم من أنه يجب أن يكون اسمها الجامعة العربية وليس الدول العربية كتفضيل الاتجاه الوحدوي على الاتجاه القطري ، والعكس أضحى فعليا في الواقع السياسي ) بلا قرار ووزن سياسي تجاه القضية الفلسطينية أو اتجاه الخلافات العربية العربية أو في حال التصدي لمشروع أجنبي ، فلهذا يجب على كل القوى القومية الديمقراطية أن يكون لديها البعد الإستراتيجي في رؤيتها السياسية لواقع الشعب العربي ، لتتفق على المشترك وتؤجل الخلافات إلى حين تشييد البناء القومي الكامل ، وإلا فوضع الشعب العربي سيزداد سوءاً وتبعية وتخلف وسيكون محط أنظار متاجري المخدرات ، مما سينعكس على فئة الشباب العربي في تحطم معنوياته ومشاعره القومية ، ليصبح لا شيء أمام عجلة تقدم نهب الغرب الإمبريالي لبلاده واستباحتها له .

 

طبيعي من خلال مسار الحركة القومية التقليدية، الناصرية منها والبعثية ، أن تفشل في تحقيق المشروع القومي ، وهذا يعود بالدرجة الأولى لتذبذب قيادات هذه الأحزاب عند وصولها للسلطة ، فحاولت أن تبني قاعدة اجتماعية اقتصادية لها في البنية الاجتماعية ، لحمايتها في حال إهتزاز البنية الاجتماعية بفعل حركات جماهيرية أو تقلبات إقليمية من الإنهيار الكامل ، وهذا يمكن إرجاعه إلى خطأ الحركة القومية التقليدية في عدم تحديدها للقوى الاجتماعية التي لها مصلحة في المشروع القومي ، وهذا ما انعكس من خلال إنقلاب قيادات هذه الأحزاب على المشروع القومي ، بسببب عدم تحديدها لبنيتها الاجتماعية التي ترتكز لها ، مما سمح لقوى البرجوازية الصغيرة من السيطرة على هذه الأحزاب واستلامهم السلطة ، ورضوخهم نتيجة طبيعة البرجوازية الصغيرة للمصالح الدولية والإقليمية ، مما حال بين هذه القوى والمشروع القومي الديمقراطي .فالأزمة التي كانت تعانيها حركة التحرر القومي سابقاً والآن هو أزمة قيادة طبقية بالدرجة الأولى ، والحل في الوضوح الفكري والأساس الطبقي التي تستند لها هذه الأحزاب القومية  ، وتحديد القوى الاجتماعية التي ترجع لها بنية هذه الاحزاب ، المستفيدة من طرح المشروع القومي والعمل من أجل بلورته عملياً .

لذلك وبالإيجاز ، يمكن إلى حد كبير الإستبشار  بالحركة الداخلية للمجتمعات العربية ، لتتحول الإرادة من تغيير قطري إلى تشييد الدولة القومية الواحدة ، لأن حالها الآن كما حصل في أوروبا إلى حد ما مع إختلاف المكان والزمان ، وذلك في طريقهم لتوحيد الأمة  ، لكن تظل المرحلة التطورية التي نعيشها ، سيتمخض عنها نتيجة عالية المستوى قد تصل إذا توافرت القوى القومية البرجوازية بالدرجة الأولى نحو دولة قومية واحدة .

التعويل لا يمكن على تقارب الظروف بين المجتمعات العربية ، بل أيضاً على العامل الذاتي الذي إذا ما إتفق على برنامج ورؤية سياسية وسقف مجمع عليه كافة القوى التي لها مصلحة في التأسيس للدولة القومية ، سيؤدي لتغيير نوعي في موازين القوى بين القطريين المحافظين  وحلفائهم وبين القوى العروبية التقدمية ، مما سيؤدي إذا توافرت القيادة الطموحة والمحنكة لدولة قومية في المشرق العربي  حتى لو كان الكيان الصهيوني موجوداً.


جدول مقارنة بين تركيا وإيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي

 

 

تركيا

إيران

دولة الاحتلال الإسرائيلي

المساحة

٧٨٣ ألف كيلومتر مربع

١,٦ مليون كيلومتر مربع

٢٠ ألف كيلومتر مربع

متوسط العمر المتوقع (منظمة الصحة العالمية عام ٢٠١٩)

٧٨,٦ سنة

٧٧,٣ سنة

٨٢,٦ سنة

عدد السكّان (٢٠٢٠)

٨٣,٦ مليون نسمة

٨٣,١ مليون نسمة

٩,٤ مليون نسمة

الناتج المحلي الإجمالي (صندوق النقد الدولي ٢٠٢١)

٧٩٤ مليار دولار

٦٨٣ مليار دولار

٤٤٧ مليار دولار

معدّل النمو الاقتصادي (تباين الناتج المحلي ٢٠١٩)

٠,٩٪

لا يوجد

٣,٥٪

القدرة الشرائية للفرد وفق الناتج المحلي الإجمالي (صندوق النقد الدولي)

٣٢ ألف دولار

١٣ ألف دولار

٤٢ ألف دولار

نسبة البطالة (٢٠١٩)

١٣,٧٪

١٠,٦٪

٣,٨٪

مؤشر السعادة العالمي (تقرير الأمم المتحدة ٢٠٢١)

المرتبة ٧٨

المرتبة ٧٧

المرتبة ١١

احتياطي النقد الأجنبي (٢٠٢١)

١٢٢ مليار دولار

٨٦ مليار دولار

٢٠٧ مليار دولار

نسبة الدين الخارجي من الناتج المحلي الإجمالي

٦٣٪ (٢٠١٩)

٢٪ (٢٠١٦)

٣٣٪ (٢٠١٧)

قيمة الصادرات (٢٠١٩)

١٨٢ مليار دولار

٩٣ مليار دولار

٥٩ مليار دولار

نسبة الصادرات من الناتج المحلي الإجمالي (٢٠١٩)

٣٢,٧٪

٢٥,٩٪

٢٩,٣٪

قيمة الواردات (٢٠١٩)

٢١٩ مليار دولار

٢٧,٣ مليار دولار

٧٦ مليار دولار

الحصة السوقية من صادرات السلاح في العالم (بين ٢٠١٦ – ٢٠٢٠)

٠,٧٪

لا يوجد

٣٪

عدد الجامعات من أفضل ٢٠٠ في العالم (وفق تصنيف QS)

لا يوجد

لا يوجد

١

مؤشر الابتكار العالمي

المرتبة ٥٨

لا يوجد

المرتبة ٣٨

مؤشر الأمن السيبراني الوطني (وفق NCSI)

المرتبة ٥٣ (٥٥ نقطة من ١٠٠)

المرتبة ١٢٧ (١٤ نقطة من ١٠٠)

المرتبة ٣٥ (٦٥ نقطة من ١٠٠)

مستوى التطور الرقمي (وفق NCSI)

المرتبة ٦٣ (٥٦ نقطة من ١٠٠)

المرتبة ٨٠ (٥٠ نقطة من ١٠٠)

المرتبة ٢٣ (٧٤ نقطة من ١٠٠)

براءات الاختراع الممنوحة (٢٠٢٠)

٢٠٦٣

٣٦٦٠

٤٦٦٨

عدد الشركات من أكبر ٥٠٠ في العالم (من حيث الإيرادات ٢٠٢١)

١

لا يوجد

لا يوجد

 

من زوايا الذاكرة (١٦)

الدكتور جون نسطه

 

عملي اليومي في قسم العمليات الجراحية، وهو عبارة عن كوردور طويل يحتوي على عشرة غرف عمليات موزعة على الطرفين يميناً ويساراً، بالإضافة إلى غرفة استراحة واسعة، وعملي يستمر من الساعة الثامنة صباحاً حتى الساعة الثانية ظهراً.

برهان بيك العابد كان يوزع أطباء التخدير على غرف العمليات، وكانت نسبة النساء لا بأس بها، أذكر منهن الطبيبة السيدة نظيرة عز الدين، وسيدة من آل طيفور، والسيدة فريال المالح.

برهان بيك قال لي في أول يوم عمل: فعلتها مو هيك؟ دخلتَ إلى المشفى رغم قولي لك بأن الأمر مستحيل بالنسبة لك، لكنني سعيد بانتصارك هذا.

من خلال نقاشاتي في غرفة الاستراحة، تبين لجميع الزملاء بأنني شيوعي العقيدة، وصار اسمي الطبيب الأحمر، ويدعوني بذلك الاسم.

كان رئيس قسم الجراحة العامة في تلك الأيام طبيب يدعى مظهر بيك المهايني. رجل يتسيّد المكان كالديك المنفوش الريش، عالي الصوت، يأمر وينهى، مهاب، لا أحد مستعد لمخالفته.

دخلت مرة لغرفة عمليات لتخدير مريض مصاب بكسر في عظم الفخذ، ومظهر بيك كان الجراح. أجرى العملية وفي ختامها مباشرة كنت قد جعلت المريض صاحياً، وطلبت منه أن يقول شكراً للدكتور المهايني، وفعلاً قالها، فتعجب من هذا ولم يصدق أذنيه، وقال لي: كيف تفعل ذلك؟ المريض عندنا يبقى ساعات وأحيانا يوماً كاملاً قبل أن يصحو ويستطيع الكلام؟ قلت له التخدير الحديث يمكنه ذلك باستعمال أدوية جديدة، موجودة، ولكن لا يتقن أطباؤكم استعمالها.

خرج مظهر بيك من الغرفة وصاح بأعلى صوته منادياً زميله الجراح لطفي اللبابيدي: لطفي بيك لطفي بيك، هذا الطبيب الأحمر يصنع العجائب، في المستقبل سوف أعين أطباء من ألمانيا الشرقية.

وفي حادثة أخرى مع مظهر بيك، جرت أيضاً في غرفة العمليات، وكان يساعده طبيب لطيف جداً، التفت إليّ وقال جان بيك، المريض ينزف في إشارة منه أن أتدبر الأمر، وأطلب من الممرضة إحضار أكياس دم لأنقلها للمريض، وهذا طبعاً من مهمات طبيب التخدير. التفتُّ لهذا الطبيب، ومظهر بيك يسمع، قائلاً ماذا قلت؟ جان بيك؟ ما هذه الإهانة؟ نادني باسمي، أو بدكتور. هل تعرف ماذا تعني كلمة بيك. إنها رتبة عسكرية في الجيش الإنكشاري التركي، وتعني قائد المائة، صمت برهان المهايني، ولم يعلق بكلمة واحدة، مع تعجب الجميع الموجودون في الغرفة من أطباء وممرضين وممرضات.

من وقتها صار اسم مظهر بيك، قائد المية. جاء قائد المية، وذهب قائد المية. وهكذا جعلت من كلمة بيك مسخرة واستهزاء بين كل من يعمل في غرف العمليات.

من خلال عملي تعرفت هناك على عدد كبير من الأطباء منهم محمد الشامي، جراح بطن بارع، مسيطر على ساحة عمله كامل السيطرة، والدكتور فيصل الصباغ، جراح الأمراض العصبية، صاحب النكتة اللاذعة، والملاحظة السريعة، واللسان الطويل، الذي لا يفلت من جلده أحد، رغم ضعف إمكانياته الطبية العملية.والدكتور عبد الحي عباس، جراح الأنف والأذن والحنجرة صاحب اليد الذهبية، شديدة المهارة. لم أتعرف بكامل حياتي المهنية، على جراح أفضل منه، أو يشبهه.

كان الزميل عبد الحي عباس، من أبناء حمص أيضا، إسلامي التوجه، متنور، مطلع على الفلسفة الأوروبية والألمانية خاصة، ولهذا كنا نتناقش سوية، وأثناء إجراء العمليات أحيانا، بأمور العالم ومصائر البشرية ومستقبلها القريب والبعيد. ونشأت بيننا علاقة صداقة متينة. وهو يعيش الآن في الولايات المتحدة الأميركية، وكتب منذ فترة قصيرة مقالا هاماً، فيه زهد بالعالم المادي وثرواته الزائلة، يحاول فيه أيضا أن يثبت وجود الله، ومن خلال عرض وجهات نظر اهم الفلاسفة والمفكرين العالميين.

وهناك تعرفت أيضا عن قرب بالدكتور سامي القباني، جراح القلب والأوعية الدموية، الذي كان أيضا صاحب تأملات فلسفية وثقافة واسعة، ونشأت أيضا بيننا علاقة فكرية مميزة. ومن بعدها علاقة طبية متينة، حين عرف بأنني طبيب تخدير وعناية مشددة خريج برلين. صار يعتمد على كلياً حين يريد أن يقوم بعملية قلبية، طبعا ليست عملية قلب مفتوح، لان تجهيزات المشفى لا تسمح بذلك. من المؤسف أن أذكر وجود أجهزة متعددة حديثة للتخدير وللتنفس الاصطناعي، جاءت كهدايا من السويد، ولم يكن أحدأ من أطباء المشفى يعرف أن يشغلها أو يستعملها. ولم يكن هناك استعمال لغرفة العناية المشددة الواسعة قبل مجيئي.

أخبرت الدكتور سامي بوجود هذه الأجهزة وبوجود غرفة العناية المشددة. فصار يسألني إن كنت موجود في العمل في اليوم الفلاني، لأنه يرغب بإجراء عملية قلبية، وإلا سيؤجلها. كان يعلم بان مريضه سيموت إذا لم يتوفر طبيب يرعاه في العناية المشددة. لم يكن أحد من أطباء التخدير مستعد للبقاء بعد الساعة الثانية ظهرا في المشفى، ورعاية مريض بعد العملية، ولأنهم أيضا لم يكونوا يعرفون استعمال المنفسة، وأساليب العمل الطبي في العناية المشددة.

المشكلة الأساسية كانت ولا تزال تتلخص بعدم وجود قانون تفرغ للأطباء يمنعهم من العمل في عيادات خاصة، والعمل في المشافي الخاصة، بعد الدوام الرسمي في المشافي التابعة لوزارة الصحة أو وزارة التعليم العالي.

لذلك كنت ترى وصول أغلب المختصين من الأطباء يصلون إلى المشفى الرسمي حوالي الساعة العاشرة وينصرفون مسرعين حوالي الواحدة ظهراً، إلى معالجة مرضاهم في عياداتهم الخاصة أو إلى المشافي الخاصة. المصالح الخاصة هي التي تفرض نفسها على سلوك البشر، متجاوزة دروس الأخلاق والوعظ الديني.

كانت زوجتي تعمل في قسم الأمراض الباطنية، وتعالج مرضاها من الصباح الباكر حتى المساء، ماعدا فرصة غداء قصيرة، وكانت تكتب القصص المرضية وخطط التشخيص والعلاج إلخ. باللغة العربية الفصحى، مستدعية تعجب الممرضين والممرضات، وإعجابهم بانكبابها على العمل.

بعد فترة جاءني أكثر من زميل لها، يطلبون مني الحديث معها بأن العمل في سوريا غير العمل في ألمانيا، وأنها بانكبابها على العمل لساعات طويلة يسبب حرجا بالنسبةِ لهم.

في مشفى المواساة هذا تعرفت أيضا على عدد من الأطباء المتدربين، وكنت من مندهشاً من مستواهم العلمي والعملي المتقدم جداً، والذي يتفوق على مستوى الأطباء الألمان علمياً وعملياً، ونشأت بيني وبين بعضهم علاقة صداقة مستمرة إلى يومنا هذا، أذكر هنا على سبيل المثال وليس الحصر، الدكتور فيصل العلوني، الذي أصبح مديراً لإدارة الصحة في محافظة الرقة، وأيضا سفيراً في دولة تونس لسنوات طويلة.

كان فيصل إنسانا رقيقاً، هادئاً، لطيفاً، متأنياً، عطوفاً، يحترم الآخرين من الجياد خلقاً وعملاً، كان يبدو عليه صفة التأمل، وتبين لي بانه مهتم بقضايا الفلسفة والفكر إسلامي التوجه معجب بأفكار مالك بن نبي، ومن هنا كانت تجري بيننا مناقشات وحوارات مستمرة، امتدت صداقتنا الرجولية إلى زوجتي أيضاً، التي كانت تحترمه وتقدره. لابل إن صداقتنا استطالت وتوارثت إلى أولادنا، فابنتي منى وابنه عمر أصبحا صديقين حميمين، وخصوصاً لان منى ساعدته بالقدوم إلى ألمانيا والاهتمام به وبصديقه ورد الجعبري، على كل الأصعدة.

ولا أنسى أيضاً علاقة الصداقة آلتي نشأت بيني وبين طبيب لامع آخر يدعى موسى الكردي، الذي كان يعمل، بقصد الاختصاص، في قسم التوليد وأمراض النساء في جامعة دمشق. كان شاباَ حيويا، نشطا، ذكيا بارعا، جراحا لم أر في حياتي المهنية كلها، مثله. في عمليات القيصرية أن يفتح بطن المريضة، ويخرج الطفل الوليد بأقل من ثمان دقائق. وينهي العملية خلال 20 دقيقة. أصبح أيضا أستاذاً في جامعة كمبردج البريطانية فيما بعد، ويعالج مريضاته في عيادة خاصة في لندن أيضا. ويعمل الآن في دبي، بعد أن مارس الطب في دمشق قبل انتفاضة الشعب السوري البطولية. وذاع صيته في أنحاء سوريا كلها.

وكان أيضا إنسانا نبيلا، كريم اليد، وفياً، محباً، شهماً.

مضى عام على عملنا في مشفى المواساة، وانتهت مدة العقد، التي لا تمدد إلّا بمرسوم من رئيس الجمهورية. تقدمت بطلب التمديد مع موافقة إدارة المشفى. ومضى شهران ولم يصدر المرسوم، ونحن نعمل بدون راتب. طلبت مقابلة مع وزير التعليم العالي، الدكتور شاكر الفحام، الذي كان يعمل سابقاً أستاذاً للأدب العربي في مدينة حمص. شرحت وضعي وإنني انتظر منذ شهرين صدور المرسوم، وراتبي متوقف، أجابني: إن يتفهم وضعي، ولكن الرئيس مشغول بأمور أخرى أكثر أهمية، وإنه سيحاول قدر جهده، تسريع العملية. انتظرت شهراً آخراً، ثم ذهبت إلى الوزارة، وكانت تقع بحي الروضة، وطلبت مقابلته، وكنت مشحوناً غضباً واستياءاً، لأنني استنزفت كل إمكانياتي المادية. وانا رجل لم استدن بحياتي وإلى الآن قرشا واحداً من أحد.

خاطبت الوزير فحّام بلهجة ونبرة عالية، وقلت ما هذه الدولة التي يعمل فيها طبيب موظف بدون راتب لمدة ثلاثة أشهر. وأنت وزير مهمل غير مهتم بأحد، ولا يهمك مصائر البشر، تتمتع بالرخاء والبحبوحة وراحة البال، على حسابي وحساب غيري من خدام الدولة. لم أتح له وقتاً للإجابة، مسترسلا بهجومي الشخصي عليه، عندها ضغط على زر، فدخل الحاجب وطلب منه الوزير مخاطبة شرطي الوزارة بالقدوم فوراً، الذي حضر مسرعاً. وطلب منه الوزير اعتقالي فوراً ووضع القيد المعدني في معصمي.

قلت له صارخاً: لي الفخر أن اعتقل بدولة البعث، لأنني أطالب بحقوقي المهضومة.

وقال الوزير للشرطي: اعتقله بتهمة الإساءة للوزير خلال عمله. خلال هبوطنا على الدرج، شاهدني مقيداً الأديب المثقف اليساري شحادة الخوري، الذي قام على الفور بالاتصال مع رفاقي الحزبيين، وبأهلي في حمص وأعلمهم بأمر اعتقالي. قام ابن عمتي البعثي، صديق الوزير شاكر الفحام، ورفيقه، رفعت أبو خاطر، بالاتصال به معاتباً بصدد اعتقالي وبأنني ابن خاله. المهم بعد عدة اتصالات معه، أمر بالإفراج عني.


 

لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا