حوار المفاهيم: الديمقراطية، العلمانية، الدين (2-2)

حبيب حداد

الديمقراطية بإيجاز هي صيغة لنظام الحكم الذي كان خلاصة مسار تاريخي طويل لتجارب أنظمة الحكم التي تتالت على امتداد عملية التطور الإنساني.

الديمقراطية هي نظام الحكم الذي يكفل مواصلة التقدم والتطور السلمي التدريجي لمختلف المجتمعات التي أخذت بهذا الخيار، بعد أن مرت بتجارب أنظمة الاستبداد المختلفة: الملكية المطلقة، الأوتوقراطية، الفاشية، الدينية.

هناك أنواع عدة من الأنظمة التي اتخذت لنفسها تسمية الأنظمة الديمقراطية سواء على الصعيد العربي أم العالمي مثل: أنظمة الديمقراطية الشعبية أو الديمقراطية الاجتماعية لكن المفهوم المتفق عليه في علم الاجتماع السياسي هو أن النظام الديمقراطي يقوم على تكريس قيم الليبرالية السياسية والحقوق المدنية للفرد والمجتمع.

إذن النظام الديمقراطي يكرس قيم الحرية السياسية ومبدأ التسويات بين فئات وطبقات المجتمع، وهذا الوضع لا يتعارض مع نمط الاقتصاد الوطني الذي تقر صيغه ومجالاته مؤسسات الدولة فيكل مرحلة بما يتفق مع مصالح الشعب العمومية ٠

تتطور الأنظمة الديمقراطية بما يعزز مبادئ العدالة والكفاية والمساواة بين مختلف فئات الشعب، فهذا هو الأمر الطبيعي، لكن قد ينتكس مسار الأنظمة الديمقراطية، في الدول حديثة العهد بالاستقلال بسبب الثورات المضادة أو الانقلابات العسكرية كما كان الحال في العديد من بلدان العالم الثالث.

في ضوء التجربة التاريخية لمسار التحول الديمقراطي تواجه قوى التغيير في المجتمع دومًا بالسؤال الأساسي التالي وهو: ترى ما هو العامل الأساس في نجاح التحول الديمقراطي: أن تسود ثقافة وقيم الديمقراطية أولًا في أوساط المجتمع؟ أم أن قيام النظام الديمقراطي يمكن أن يتحقق إذا سبقت ثقافة النخبة المؤسسة واضطلعت هذه النخبة بمسؤولياتها بكل وعي وجدارة واقتدار؟

الديمقراطية اذن هي قبل كل شيء قيم ومبادئ تكفل مساواة جميع أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية. فالديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع بل هي روح عقد اجتماعي ومضمون مواد فوق دستورية. لا يجوز مطلقًا الانقلاب عليها لمن وصل إلى الحكم بذريعة الخيار الحر للأغلبية المقترعة.

الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة هي دولة المؤسسات الشرعية المنتخبة دولة المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات دون أي تمييز.

الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة دولة علمانية بمعنى ان الدولة في سياساتها تكون حيادية تجاه جميع الأديان والطوائف والعقائد والايديولوجيات والاثنيات التي تشكل نسيج مجتمعها المتكامل الموحد، فالدولة الديمقراطية لا دين رسميًا لها بينما المجتمع والفرد المواطن يمكن أن يكون متدينا او غير متدين. كما يمكن للمواطن أن يكون علمانيًا ومتدينا وبالأحرى ديمقراطيًا ومتدينا.

في الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة مفهوم الأكثرية والأقلية يعني الأكثرية والأقلية السياسية غير الثابتة أو المستقرة التي تتبدل بين الحين والآخر حسب ما تظهره صناديق الاستفتاء، ولا يعني حجم وأكثرية المجموعات القومية والثقافية والدينية والجهوية في المجتمع.

الفكر القومي العربي التقليدي كان يرى أن مشكلات المجتمع العربي ترجع أساسًا إلى الاستعمار والتجزئة ووقف موقفًا سلبيًا من المسألة الديمقراطية ، أما الفكر الماركسي التقليدي فرأى ان الطبقة العاملة وفي هذه المرحلة بالذات نتيجة وعيها لدورها هي المؤهلة والقادرة على تحرير المجتمعات العربية لذا تبنى خيار دكتاتورية البروليتاريا ، اما الإسلام السياسي بمختلف مدارسه فقد تبنى وما يزال الدعوة إلى دولة مدنية لا عسكرية على قاعدة الحاكمية وتطبيق الشريعة الإسلامية في مواجهة الكفر العالمي! أما الفئات الليبرالية المثقفة التي كانت أكثر وعيًا واستيعابًا لقيم وأفكار الديمقراطية الليبرالية فقد كانت متواضعة في حجمها فلم تتمكن من ان تضطلع بقيادة تيار التنوير الديمقراطي والحداثي بعد ان خذلت وحوربت من قبل التيارات الثلاثة.

لقد كان غياب الحياة الديمقراطية في المجتمع هو السبب الرئيس في انهيار الأنظمة الوطنية التي عرفتها بعض البلدان العربية. وخير دليل على ذلك انهيار النظامين الوطنيين التقدميين في كل من مصر وسورية، اللذين كانا يمثلان بحق طليعة حركة التحرر العربية، نهاية السبعينات نتيجة ارتداد التيار العسكري اليميني في داخل كل منهما.

وكانت الحصيلة أن الدولة القطرية العربية، مع الأسف، فشلت منذ ان أحرزت استقلالها الوطني في إنجاز الأهداف الرئيسية الثلاثة:

أولًا- حل المسألة الديمقراطية.

ثانيًا- حل المسألة الاجتماعية: التنمية المستدامة والتقدم والعدالة الاجتماعية.

ثالثًا- حل المسألة القومية: الوحدة، قضية فلسطين، الدفاع المشترك او الامن الاقليمي، مشروعات التكامل الاقتصادي والثقافي والسياسي.

وهكذا صار فشل هذه الانظمة التي كان يطلق عليها أنظمة تقدمية ووحدوية وعلمانية يعني لدى قطاعات واسعة من شعوبنا، الغارقة في حياة البؤس والحرمان والاضطهاد والاستبداد، فشل الهوية الوطنية العروبية وزيف وخداع العلمانية ووهم ولا واقعية الوحدة العربية! وهذه هي بلا شك أخطر مظاهر الأزمة أو المحنة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية اليوم.