من زوايا الذاكرة (١٢)

الدكتور جون نسطه

في صيف العام 1966، وبعد حركة الثالث والعشرين من شهر شباط، وانفراج الوضع السياسي والأمني بين حزبنا الشيوعي والبعث الحاكم، وتعيين أول وزير شيوعي في الوزارة الجديدة، هو المثقف سميح عطية، قررت السفر لوحدي إلى الوطن بعد غياب دام سبع سنوات، مليئة بالشوق لأحضان العائلة والأقارب والوطن، وبعد لوعة عذاب الغربة والتشرد. ساعدني في ذلك حصولي على بطاقة سفر مخفضة جداً بالقطار، كوني أحمل هوية انتساب إلى “اتحاد الطلاب العالمي”. وقمت بتجهيز عدة “ساندويشات” تكفيني طوال فترة السفر. مررت في الطريق على دول عديدة تشيكوسلوفاكيا، هنغاريا، يوغوسلافيا، اليونان، وتركيا، ثم بالباص إلى لواء اسكندرون السليب، الجميل الخصيب الأخضر، ثم إلى باب الهوى الحدودي مع سوريا، وجدت بانتظاري شقيقي لبيب، الذي كان لي بمثابة الأخ والأب والصديق، ومن هناك توجهنا إلى حمص العدية. دخلت إلى بيتنا وكان الوقت ليلاً، وإذا بي أشعر ببرودة وحزن وألم ينتابني من الأعماق، نظراً لافتقادي، عمود البيت وشمعته وضياءه، والدتي ووحبيتي، “أم أديب”، فانفجرت ببكاء ونحيب دام طيلة الليل. لم ينته إلّا بلقاء السيد الوالد وشقيقتي وصديقتي أنطوانيت وأشقائي في الصباح.

قضيت في حمص وقتاً ممتعاً، بلقاء الرفاق والأصدقاء والمحبين من الأقارب، وأذكر فرحي بلقاء أستاذي وصديقي ورفيقي حنّا عبود، صاحب الثقافة الواسعة والهوية الشيوعية واضحة المعالم.

لا أخفي أنني وإياه، رغم المودة الشديدة، خضنا نقاشات مريرة حول الصين وثورتها الثقافية العنيفة بقيادة الزعيم الصيني “الأوحد” ماوتسي تونغ، وكان من المتحمسين له.

في ذلك الحين كان شقيقي فيليب الذي يكبرني بإحدى عشر عاماً، قد رزق بطفل جميل جداً أسماه نزار، تعلّق بحبه بل بعبادته إلى درجة لا توصف، يحرص عليه بقلبه وعينيه، ولا يسمح لنا بالاقتراب منه إلّا من مسافة حرصاً على صحته من العدوى. أخي أبو نزار هذا رجل عطوف، محب، كريم، شهم، شجاع، قل مثيله في الرجال، جميل المحيا ذو خلق كريم، صاحبني إلى المطاعم والمنتزهات، وإلى المتاجر، مبتاعاً لي ما يلزم وما لا يلزم من الألبسة، الداخلية والمناشف، والقمصان والأحذية.

قبل انتهاء إجازتي بوقت قصير، توجهت إلى دائرة الهجرة والجوازات في حمص، للحصول على جواز سفر جديد بعد أن شارف جواز سفري على الانتهاء. وهناك بعد تقديم الطلب، اقترب مني شرطي وقال لي: أنت رهن الاعتقال، لان هناك مذكرة اعتقال بحقك. تفاجأت جداً، بهذا الموقف، وخصوصاً أني تجاوزت الحدود حين قدومي، دون أن يعترضني أحد. فقلت له، لا بل رجوته: أن يغضّ الطرف عني، ويعتبر نفسه لم يرني إلى الغد، لأني سوف أرجع إليه بالتأكيد للحصول على جواز السفر. فاقتنع الرجل عن طيب خاطر. 

ذهبت بعدها إلى صديق مقرب، جمعتني به صداقة حميمة رغم أننا لم نلتق وجها لوجه سابقاً، بل تعارفنا من خلال أصدقاء مشتركين، وفي مقدمتهم رفيقي وصديقي الشيوعي المخلص الدكتور شكر الله عبد المسيح. وكان أيضاً زميلاً لأخوي أديب ولبيب في المدرسة، هذا الشخص النبيل يدعى أديب السمين، رحمه الله، وكان يعمل مخلصاً جمركياً، وله صداقات مع رجال الجيش والمخابرات بحكم العمل والجيرة في المكاتب. صحبني فوراً إلى قبو أحد فروع الأمن، لم أعد اذكر اسمه ولا اسم رئيسه، الذي تكلم معه “السمين” على انفراد. قالوا لي في الفرع: سوف نسوي لك وضعك، ولكن عليك أن تكتب لنا تقريراً مبسطاً عن عائلتك ودراستك وسبب قدومك إلى الوطن.

كتبت دون أن أتعرض من بعيد أو قريب لقناعتي الفكرية والسياسية. كان أمراً روتينيا لا غير. وأعطوني ورقة تثبت تسوية وضعي. ثم ذهبت في اليوم التالي إلى دائرة الهجرة والجوازات، وحصلت على جواز سفر جديد، بعد أن قاموا بقص زوايا الجواز القديم، ولم أصدف الشرطي الذي ساعدني في الأمس.

لا بد أن أذكر أن قرار الاعتقال بحقي صدر أيام الوحدة مع مصر خلال مرحلة اعتقال وملاحقة الشيوعيين السوريين في بداية العام 1959.

وما يجب ذكره أيضاً أن المصنفات “والأضابير” الأمنية يحتفظ بها دوماً حتى مع زوال أنظمة وحلول أنظمة أخرى جديدة مكانها.

ومن الطريف أن أذكر أن تأشيرات الذهاب والإياب الممنوحة لي من خمسة دول، كانت مسجلة على جواز سفري القديم المنتهية صلاحيته، والمكتوب عليه باللغة الفرنسية أنه ملغى، بالإضافة إلى قص زواياه العليا والسفلى من قبل دائرة الهجرة والجوازات السورية، ولم يكن الوقت متوفراً لي للحصول على تأشيرات جديدة لخمسة بلدان من سفاراتهم في دمشق. لذلك غامرت بالسفر مستعملا جوازي القديم، وبالفعل مررت على حدود هذه البلدان كلها، دون أن ينتبه رجال الحدود إلى هذا الأمر.

وصلت إلى لايبزيغ متعباً بعد سفر خمسة أيام متواصلة بالقطار، ومع ذلك استقبلت زيارات رفاقي وأصحابي المهنئين بالوصول، والمستفسرين عن الأوضاع في سوريا. المهم أنني عدت لمتابعة الدراسة في السنة الأخيرة طب، وتحضيراً للفحص الحكومي الأخير الذي اجتزته بدرجة جيد.

في العام 1967 قبل الهزيمة على ما أذكر، حضر إلى ألمانيا الديمقراطية بزيارة رسمية وزير الزراعة والإصلاح الزراعي عبد الكريم الجندي. وكانت تربطني صداقة بشقيقه الدكتور فيصل الجندي، الذي كان يقيم في مدينة لايبزيغ أيضاً، وهو يحضّر للحصول على شهادة الدكتوراه في علم الصيدلة والمخابر الطبية. وكان من الطبيعي أن أذهب مع صديقي فيصل إلى الفندق الذي يقيم فيه شقيقه الوزير، الذي بدأ يحدثنا عن انطباعاته خلال تلك الزيارة التي تمثل له أول احتكاك بالحضارة الأوربية. كان عبد الكريم الجندي كتلة من الحماس والنشاط في سبيل تحقيق أهدافه الطبقية في مساندة العمال والفلاحين، لكنه كان رجلاً ضعيف الثقافة، وليس على معرفة بتطور العلوم وتطبيقاتها الحديثة.

حدّثنا مرة عن زيارته لإحدى المداجن، وقال: سألتُ مدير المدجنة عن نوعية تغذية الدجاج فقال لي: إنهم يراعون في العلف التوازن الغذائي، من نسب معينة من البروتين والسكريات والدهوّن والفيتامينات، وبعض المعادن مثل الفسفور وغيره. فاندهشت واستغربت. ثم أردف بالله عليكم، ماذا يأكل الدجاج في بلدنا سوريا! إنه يأكل من روث وفضلات الحيوانات، وسمّاها بالاسم الدارج، فعلى ماذا نحن منتفخون بذواتنا ونحن في مؤخرة العالم.

ثم أضاف إنه طلب مقابلة مع راعي أغنام، وأصر على طرح أسئلة مباشرة عليه، ودون تدخل أي وسيط، فكان له ذلك. قال: سألت الراعي، هل تعلمت الكتابة والقراءة؟ فضحك الراعي وأجابني: بأنه درس في المدرسة لغاية الصف العاشر، (وهذا أمرٌ إجباري لكل الطلاب في ألمانيا الديمقراطية)، ثم درسَ في مدرسة لإعداد الرعاة مدة ثلاثة أعوام. فسأله الوزير مستغربا ثلاثة أعوام! قال الراعي: نعم. فسأله الوزير: وماذا تتعلمون في هذه الفترة الطويلة؟ قال الراعي: نتعلم فصول السنة وأجواءها المناخية من مطر وبرق ورعد، إلى الحر والجفاف، بالإضافة إلى علوم التربة وخصائصها، كذلك أنواع النباتات الصالحة للرعي، وتجنب ما هو سام منها خصوصاً الفطور السامة، وأيضاً جز الصوف في أوقات محددة، وغيرها من المعارف والعلوم والخبرات. فقال: دهشت أي اندهاش، وكنت أعرف رعاة بلدنا من الجهلة والفقراء. وقد كنت في الشهر الماضي أوزع شهادات ملكية لفلاحي بعض القرى، حسب قانون الإصلاح الزراعي، فوصل الدور لأحد الفلاحين، الذي حاول تقبيل يدي، فقمت بصفعه على وجهه، وقلت له: نحن نوزع عليكم الأرض حتى تستعيدوا كرامتكم، وأنت تحاول تقبيل يدي مذلة وهوانا!

هكذا يتصرف عبد الكريم الجندي في حالة غضبه، يقوم بالضرب. وهو طبعاً تصرف خاطئ وجاهل أيضاً. كان رجلاً ثورياً من طراز “البغو”، دون معرفة بالنظرية الثورية، ومن أين له ذلك وهو خريج مدرسة عسكرية لا غير. وهو بطبعه غضوب شرس أحياناً كثيرة.

تجرأت على عادتي الدائمة، وسألته عن سبب علاقته السيئة مع الشيوعيين، فقال: هناك شيوعيون سيئون يأخذون أوامرهم من موسكو، وعلاقتهم بالوطن وشعبه مريبة، وهناك شيوعيون “أوادم” ووطنيون ومثقفون أجلُّهم وأحترمهم. ثم قال: في بداية الثورة “يقصد 8آذار” علمتُ عن اعتقال شيوعيٍ مستقيم ومثقف محترم، اسمه وصفي البني من مدينة حمص، فقمت بنفسي بالذهاب إلى سجن المزة العسكري في دمشق، وفتحت باب الزنزانة بنفسي وأطلقت سراحه، وأوصلته بسيارتي إلى بيته، معتذراً منه عن التعسف الذي تعرض له.

كان هذا عبد الكريم الجندي الذي عرفته لأيام قلائل، وكتبت عنه في مذكرات فقدتها في ذلك الوقت، بأنه إذا تعلم ودرس فقد يكون “أرنستو غيفارا سوريا”. كان هذا ما كتبته عنه وأنا شاب قليل التجربة، شديد الحماس، أميل إلى المبالغة والأحكام السريعة.

وبهذا الصدد، أتذكر في تلك المرحلة أنه كان يدرس بيننا عدد من أقارب قياديين في سلطة البعث، إضافة إلى الصديق فيصل الجندي، منهم المرحوم شمس الدين الأتاسي، شقيق المرحوم الرئيس نور الدين، وكان شخصاً متميزاً بالتواضع، واللطف والتهذيب، والانفتاح على الآخرين، بعيداً عن معاداة الشيوعية، بل على العكس من ذلك، كان يدرس الماركسية بجدية واضحة. ومنهم أيضا الصديق طارق الزعيّن، ابن أخ الدكتور يوسف الزعين، الطيب الذكر رئيس مجلس الوزراء، وقد درس طارق الطب وتخصص في الجراحة العصبية في برلين، وما زال يقيم فيها. ومنهم أيضاً الدكتور في الأدب الألماني من جامعة كارل ماركس في مدينة لايبزيغ، حسين عمران، شقيق العقيد علي عمران القيادي في الجيش السوري، والذي تجمعني به إلى الآن صداقة مميزة وعلاقة احترام متبادل ومودة، بعد خصام حاد، إثر حادثة يجب ذكرها في حضنها السياسي. في تلك الفترة من منتصف الستينات كان هناك تنظيمان للطلبة السوريين، واحد في الداخل ويدعى الاتحاد الوطني لطلبة سوريا، يسيطر عليه الحزب الحاكم، “البعث العربي الاشتراكي”، وآخر يدعى اتحاد الطلبة السوريين خارج الوطن، ويسيطر عليه الحزب الشيوعي السوري، وله فروع في جميع دول المعسكر الاشتراكي، بالإضافة إلى تنظيم طلابي في فرنسا، من وجوهه البارزين المرحوم الصديق الدكتور عصام الزعيم.

وكان الاتحاد الوطني لطلبة سوريا يضغط علينا ومن وراءه السلطة في دمشق باتجاه حل اتحاد الطلبة السوريين في الخارج وانضمامنا إليه. وفي احدى الاجتماعات للطلبة في لايبزيغ وكنت أترأسه، بدأ الطالب “حسين عمران” بإثارة الشغب والحديث بدون طلب الأذن بالكلام، فطلبت منه الخروج فوراً من القاعة، خاصة وأنه غير مدعو للحضور أصلاً. خرج غاضباً متوعداً، فتصديت له مرة أخرى. 

وبعد يومين تقابلنا في مطعم الطلاب، فتوجه إلى بالكلام قائلاً: أنا معجب بشجاعتك، أنت تعرف من أنا، ومع ذلك طلبت مني مغادرة القاعة، ولم يتجرأ أحد غيرك، أنا أحب الشجعان، ولذلك سوفَ أحرص على صداقتك، ثم دارت الأيام وأصبح حسين عمران سفير سوريا في برلين، عاصمة ألمانيا الموحدة، حيث أصبحتُ أعيش أيضا، وذلك حوالي العام 2000، فعادت العلاقة لسابق عهدها، وكثيراً ما زارني في بيتي. وكنت أصارحه برأي المعارض وبأسبابه طبعاً، وكان يقول أنا أتفق معك، ولكن دعونا نتح فرصة لهذا الرئيس الشاب، يقصد “بشار”، الذي يرغب بالإصلاح، وسوف يغير الأوضاع بالتأكيد. “لكن يقين صديقي لم يكن في مكانه”. 

بالعودة إلى لايبزيغ، كنا عدداً من طلاب الطب الشيوعيين، على أبواب التخرج ولم ننه فحوصاتنا بعد، عندما اندلعت حرب حزيران ذات الأيام الستة، فكان طلب قيادة الحزب أن نستعد للسفر قريباً جداً إلى دمشق للمساعدة الطبية بالحرب وإسعاف المصابين من الجنود والضباط، وكان هناك تململ من بعضنا، خوفاً من انقطاع الدراسة، وقد شارفت على الانتهاء، وإذا عدنا فسيحتاج الأمر إلى انتظار عام كامل حتى الامتحانات المقبلة، وهي امتحانات دولةٍ. لكن قبل أن نسافر، جاء خبر من القيادة، أن لا داعي لحضوركم، نظراً لعدم وجود إصابات تذكر. وبالفعل علمنا فيما بعد أن الجيش السوري لم يقاتل في الجولان أصلا، وأنه تلقى أوامر بالانسحاب من هناك، دون قتال، وبشكل انفرادي وفوضوي.

في شهر تشرين الأول من العام 1967 تخرجت طبيباً من جامعة كارل ماركس في مدينة لايبزيغ، وكانت قيادة الحزب الشيوعي في دمشق قد أصدرت قراراً يقضي بالعودة الفورية إلى الوطن لكل الخريجين، ولكنها عادت عنه بعد أن علمت أن خريجي الطب في ألمانيا لا يمتلكون أي خبرة عملية بعد إنهاء دراستهم النظرية، وسمحت لنا بالعمل سنة واحدة بعد التخرج. كنت أرغب بمغادرة مدينة لايبزيغ لأنني لم أكن منسجماً مع أهلها من السكسون، المنغلقين على أنفسهم، ولدى الكثير منهم نزعة تكبّر وعدم ترحيب بالأجانب، بل التوجس منهم، وهذا الموقف لا يزال مستمراً إلى يومنا هذا، فحزب المبادرة لألمانيا في أقصى اليمين المتشدد، يحصل على نسبة عالية من أصوات الناخبين، رغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً على الوحدة الألمانية، وأكثر حوادث الاعتداء على الأجانب، والتحرش بهم وإهانتهم تجري هناك. لذلك قررت التوجه إلى برلين عاصمة ألمانيا الديموقراطية للعمل هناك. 

فغالبية سكان برلين منفتحين على الآخر، ينزعون إلى المرح والنكتة والطرب، حصلت على عقد عمل لمدة سنة مع معهد التخدير والعناية المشددة في أكبر مشافي برلين، الذي يحتوي على سبعة وعشرين سريراً للعناية المشددة، وبذلك يكون أكبر قسم في أوروبا كلها. والمشفى موزع على أقسام في كل مجالات الطب، ويبلغ عدد أسرته الإجمالي سبعة آلاف سرير، بدأت العمل في بداية العام 1968.

وكان يعمل معي بهذا المشفى في ذات الوقت المرحوم الدكتور سلطان أبا زيد، والطبيب الفلسطيني يعقوب زيادين، في قسم جراحة الأنف والأذن والحنجرة، والذي أصبح فيما بعد أميناً عاماً للحزب الشيوعي الفلسطيني.

وفي برلين انضممت إلى فرقة الحزب هناك، وكانت تضم عدداً من الرفاق أذكر منهم الرفيق توفيق رضا، الذي ما يزال على قيد الحياة، وكان يدرس الاقتصاد، وهو شاب رقيق جداً، كريم مضياف وطيب إلى أبعد الحدود، والرفيق مصطفى شاكر، وكان يدرس الاقتصاد أيضاً، وهو صاحب قلب ذهبي، محب وفي كريم، والرفيق نومي حيدو، وكان أصغرنا عمراً، جاء ليتعلم مهنة تتعلق بالآلات الزراعية، ونتيجة لاجتهاده تخرج مهندساً لتصميم هذه الآلات، وهو أيضا شاب جميل المحيا والخلق والطباع، كريم اليد، عفيف اللسان، صديق دائم إلى اليوم، يعيش ويعمل بالسويد، وكان معنا الرفيق معتصم بالي درس الاقتصاد أيضاً، والرفيق ماهر خيارة المتوفى في ليبيا في ظروف غامضة، والرفيق شوقي كدّو من دير الزور، يعمل حالياً في المملكة العربية السعودية، على درجة كبيرة من النجاح، ودرس الاقتصاد والمحاسبة.

كنا على درجة عالية من الانسجام نلتقي نهاية كل أسبوع، في أماكن سهر لطيفة في برلين وفي بيوتنا كذلك، على طعام عربي من صنع أيدينا.

ومن ضمن مجموعتنا البرلينية في ذلك الوقت، شخصية علمية وسياسية، يعِد دكتوراه في الاقتصاد السياسي، يدعى محمد سعيد النابلسي من مدينة جبلة الساحلية، تعرفت إليه أولاً في لايبزيغ، حيث قدم في العام 1963 لدراسة اللغة الألمانية. وأشير هنا “أن جميع القادمين لألمانيا الديموقراطية بقصد التحصيل الجامعي، كانوا من طلاب معهد اللغة في لايبزيغ”،

كنا نناديه، كما كان يرغب، باسم سعد. وسعد هذا كان قبل “انقلاب 8 آذار”، بعثياً من سكان دمشق، وخريج القاهرة بالعلوم الاقتصادية. بعد الانقلاب مباشرة عيّن مدير إدارة “الريجي” باللاذقية، وهو منصب مهم جداً بالمحافظة في حينه، تعرض فيه الرشاوى بأرقام كبيرة، ولكنه لم يتورط بهذه المفاسد وحافظ على شرفه وكرامته، وشارك في أول مؤتمر للحزب بعد الانقلاب، شريكا مع كتلة اليساريين أمثال نبيل الشويري، وياسين الحافظ، الذين كتبوا المنطلقات السياسية لحزب البعث العربي الاشتراكي. وتعرف أكثر على الفكر الماركسي وأصبح من أنصاره، بعدها مباشرة جاء إلى لايبزيغ تحضيراً للحصول على الدكتوراه. 

منذ أيام لايبزيغ نشأت بيننا علاقة صداقة، ندر مثيلها، دامت 57 سنة، إلى حين وفاته قبل عامين. سعد ترك حزب البعث رسمياً في ألمانيا وأصبح صديقا لحزبنا، وهو رجل خلوق ومهذب جداً، وقارئ نهم، حصل على شهادته وعاد إلى دمشق مدرسا في جامعتها، وكان في فترة تواجده في اللاذقية على علاقة طيبة مع حافظ الأسد. ومن الطريف أن أذكر الحادثة التالية، التي برهنت على تعاليه عن المناصب وعدم التخلي عن القناعات السياسية المشرّفة. 

في فترة تكليف حافظ الأسد للدكتور عبد الرؤوف الكسم بتشكيل الوزارة، طلب من الأخير أن يعرض على الدكتور سعد النابلسي، صديقه القديم، أي وزارة يرغب بها. وبالفعل اتصل عبد الرؤوف الكسم بسعد النابلسي وطلب حضوره إلى مكتبه. حضر سعد فإذا “بالكسم” يقول له إن “الرئيس طلب مني أن أعرض عليك منصب الوزارة، فأي وزارة من ثلاث ترغب بها، وزارة الاقتصاد أم وزارة التجارة الخارجية، أم وزارة التموين؟” فقال له سعد: أمهلني للغد، حتى أعطيك جوابي. 

تعجب عبد الرؤوف الكسم من هذا الموقف بل أبدى اندهاشه، قائلاً: “إن الناس تنتظر على الباب، وخصوصاً رؤساء أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، للحصول على وزارة ما، وأنت تتردد وتطلب الانتظار في إعطاء الجواب إلى الغد، رغم رغبة السيد الرئيس! ومع ذلك لك ما تريد”. غادر سعد المكتب واتصل أولا بصديقنا المشترك، نايف بلّوز، أو قام بزيارته، لست متأكداً، وطبعاً كان جواب نايف “إياك ثم إياك”، واتصل معي هاتفياً إلى ألمانيا، وسألني عن رأي. فقلت: “يا سعد، هؤلاء يريدون توريطك بالفساد ثم يتخلون عنك. حرام عليك أن توسخ سمعتك النزيهة”.

ثم تكلم مع شقيقه الأكبر العميد مصطفى النابلسي بهذا الخصوص، فقال له: “يا أخي أنا أعرف كل مساوئ وفساد السلطة أكثر من غيري، لكن يبدو أن شيئاً لن يتغير بالمدى المنظور، فشارك بهذه الوزارة، علك تستطيع تحسين الأوضاع”.

في اليوم التالي ذهب سعد إلى مكتب عبد الرؤوف الكسم، وأبلغه أسفه واعتذاره عن هذه المهمة.