عولمة الاقتصاد الوطني

بداية لا بد من القول أن العولمة  قد طرحت منافذ جديدة للعمل الاقتصادي وفتحت الأسواق العالمية وأصبح هناك نوع من الارتباط الاقتصادي الوثيق بين الأسواق في العالم، وبلورت مجرة اقتصادية تربط كل اقتصاديات العالم ببعضها البعض، فلم يعد هناك اقتصاد منعزل بالمطلق، فأي تغير مرتبط بسوق مالي أو غير مالي يؤثر على غيره من الأسواق، فالأزمات الاقتصادية للدول تتصدر للدول الأخرى من خلال الحلقات المترابطة بين الأسواق والاقتصادات في العالم، فالعولمة قد جعلت من العالم قرية صغيرة وأصبحت الأسواق بها مرتبطة ببعضها البعض والاقتصادات مشكلة ما يسمى الاقتصاد العالمي إلى حد ما، متجاوزة الخصوصيات القومية وما يرتبط بها من إنتاج سلعي صغير وقومي.

ننتقل إلى الوضع في بلادنا، ويجب القول إن الانفتاح الاقتصادي في العديد من الدول والمجتمعات انتهى إلى الديمقراطية والتغيير السياسي الديمقراطي، فأصبح من خلال سياسة الانفتاح الاقتصادي نوع من الديمقراطية التي فرضت نفسها من خلال وجود أكثر من مركز قرار، فهل الانفتاح الاقتصادي الذي بدأ في بلادنا سينتهي للديمقراطية وتشكيل مجموعات تشكل ما يسمى مراكز القرار؟ أم أن الانفتاح الاقتصادي سيقود لتشكيل ما يسمى الديمقراطية اللصوصية؟

السلطة في بلادنا تحاول منذ بداية الانفتاح الاقتصادي الاستجابة للشروط الدولية لكن من غير أن تقود هذه الاستجابة إلى التغيير السياسي، ففصلت السلطة في سوريا بين الانفتاح الاقتصادي والتغيير السياسي، ولا شك أن الانفتاح الاقتصادي بحكم انه جاء قرار من فوق ولم تشارك في صناعته القوى السياسية الوطنية والديمقراطية والشعبية هو ما يسمى النهب المتوحش أو الانفتاح المتوحش، فلم يراعى من خلال هذا الانفتاح مصالح الفئات الفقيرة والمتوسطة في المجتمع بل جاء استجابة لشروط دولية لمنع تغيير السلطة كما حصل في العراق.

لا شك أن الانفتاح الاقتصادي المبنى على أساس رؤية وطنية تتشارك في صياغته القوى الوطنية والديمقراطية الشعبية سيؤدي إلى تأمين نوع من الرخاء والرفاه وبناء اقتصاد وطني متماسك، فقط إذا ما اقترن في صياغته على أساس إجماع وطني كامل.

فالسياسة الاقتصادية الاجتماعية المتبعة وفق شروط الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية لا تشكل رافعة للاقتصاد الوطني ما دام القرار لا تشارك قوى المجتمع المدني من أحزاب وكافة المنظمات المدنية التي يعنيها هذا الأمر، فهذه السياسة المتبعة أثبتت فشلها وفشل رؤيتها لتشكيل نوع من الواقي للأزمات الاقتصادية العالمية والأوضاع العامة كلها بل جاءت وفككت الروابط الاجتماعية وعززت عبادة المال والانحلال القيمي، فأصبح الرد على هذه الأوضاع بالتطرف الديني تارة وتارة أخرى بتسيد النزعة الاستسلامية التي فرضتها الأوضاع العامة بمجموعها على قوى المجتمع المدني مما سبب نوع من أنواع الشلل السياسي ونخبوية العمل السياسي إضافة للفشل الذريع بتنظيم الحوامل الاجتماعية للبرنامج الديمقراطي السوري وانتشار العدمية السياسية نتيجة عدم وجود تصورات وطنية جامعة يؤدي للتغيير الديمقراطي، بل هناك اصطفافات واستقطابات لصالح قوى خارجية، وهناك القليل مما قد استطاع الحفاظ على هويته الوطنية الجامعة.

فالحل المقترح الآن في ظل انهيار المؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة وتدمير واسع للبنية التحتية والافتقار للقوى العاملة وحالة النزوح إضافة لخسران طاقات إنسانية مبدعة وخلاقة واستمرار المأساة السورية بشكل عام، هو حشد كل الطاقات الممكنة في سبيل التحول الديمقراطي وإنهاء المأساة الوطنية ذات الأبعاد الدولية والإقليمية ومحاولة تشكيل أكبر تحالف وطني عريض مع كافة الفئات التي لها مصلحة في إنهاء الأزمة الوطنية، وتشكيل الجسور اللازمة لحل هذه الأزمة التي سببت أكبر ضرر منذ الجلاء إلى الآن على كافة المستويات، والإنصات لصوت العقل بالوصول لحل تسووي ينهي زمن الاستبداد ويؤسس لمصالحة وطنية عادلة، وإنتاج وتجديد الرابطة الوطنية بين السوريين جميعا في كل الخنادق، لإعادة تشكيل مفهوم الوحدة الوطنية من خلال بناء العدالة والمدنية والديمقراطية.

تطرح هذه المهام على قوى اليسار وخاصة الماركسية بإرجاع المسألة الطبقية على جدول أعمالها بالترادف مع المسألة الوطنية والديمقراطية.

من العدد ٥٤ من جريدة المسار