العدد الرابع والخمسون من جريدة المسار – تموز ٢٠٢١

  • الافتتاحية: حدود النضال المطلبي الاقتصادي.
  • عولمة الاقتصاد الوطني.
  • تهريب النفط إلى تهريب الذهب إلى تقويض البشر – الدكتور عارف دليلة.
  • هذه هي “الثورة” وتعريفاتها – نادر عازر.
  • من زوايا الذاكرة (١٢) – الدكتور جون نسطه.
  • الولايات المتحدة وبناء الأمم – محمد سيد رصاص.
  • التاريخ يعلمنا الحكم – آرام كرابيت.

الافتتاحية:

حدود النضال المطلبي الاقتصادي

يقوم الموالون للسلطة السورية الآن بتصويب سهام النقد والهجوم على رئيس الوزراء ووزيري التموين والكهرباء ويحملون الثلاثة مسؤولية التدهور المتسارع للاقتصاد السوري الذي أدى إلى إفقار 80% من الشعب السوري من دون أن يصوبوا على الطابق الأعلى في السلطة السورية وهؤلاء الموالون يعتقدون بأن الأزمة الاقتصادية سببها “الفساد” و “سوء الادارة” ولا يؤمنون بأن هناك أسباب رئيسية للأزمة تتعلق بالبنية السياسية للسلطة ولا بالتحالف الطبقي الموجود في السلطة السورية طوال نصف قرن مضى من الزمن بين أصحاب القرار السياسي-الاقتصادي في السلطة وبين فئة رجال الأعمال والصناعيين والتجار الذين أصبحوا بالسنوات الأخيرة طبقة رأسمالية واضحة المعالم.

بالمقابل هناك شيوعيون من أحزاب “الجبهة” الموالية للسلطة يشتركون مع الموالين للسلطة في ذلك الاعتقاد الذين كان يجعلهم يركزون سهام النقد في فترة 2004-2010 على نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية عبدالله الدردري ويعتبروه الأب الشرعي للسياسات الليبرالية الاقتصادية التي انتهجتها السلطة وكانوا يتناسون عمداً بأن مؤتمر حزب البعث المنعقد عام 2005 هو الأب الشرعي لتلك السياسات. 

هؤلاء الشيوعيون يرون بأن النضال المطلبي الاقتصادي هو جوهر برنامجهم السياسي-الاقتصادي-الاجتماعي، ولا يرون بأن تغيير الأوضاع السياسية السورية القائمة بشكل جذري هو المدخل إلى التغيير الاقتصادي-الاجتماعي، وهو ما يشاركهم به أيضاً موالو السلطة السورية الذين الكثير منهم قد اكتوى بنار الأزمة الاقتصادية.

نحن في الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) كان رأينا ومنذ المؤتمر الخامس للحزب المنعقد في كانون أول 1978 وعبر وثيقة “موضوعات الوضع الداخلي” بأن (نظام رأسمالية الدولة) الذي انبنى بعد 8 آذار 1963 قد كان مدخله انقلاب عسكري أدى لتولي الجيش للسلطة السياسية وأنه من خلال هذا الباب تم تحويل وتغيير البنية الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية السورية ومحو البنية القديمة للسلطة السورية التي كانت في الأربعينيات والخمسينيات وأوائل الستينيات ومعها بنيتها الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية. 

لذلك، طرحت تلك الوثيقة (الديموقراطية السياسية) كمدخل إلى تغيير الأوضاع السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية لبلدنا وكان حزبنا بعام 1978 أول حزب سوري معارض يطرح (الديموقراطية السياسية) في مرحلة ما بعد 8 آذار 1963، وحزبنا منذ عام 1978 تنبأ بأن نظام رأسمالية الدولة هو مرحلة انتقالية نحو الليبرالية الاقتصادية التي بدأت عام 1991 مع المرسوم 10 ثم تعمقت بعامي 2004 و 2005 قبل أن تتبلور بشكل واضح المعالم في فترة الأزمة السورية 2011-2021 التي أتاحت تراكماً رأسمالياً كثيفاً من خلال (اقتصاد الأزمة) وعبر النهب والتعفيش وتجارة التهريب وهو ما جعل المجتمع السوري في حالة انقسام طبقي حاد لم يشهد مثيلاً له منذ استقلال البلاد عن فرنسا في عام 1946.

يمكن أن تكون، وهي كذلك بالتأكيد الدراسات التي تشرح الوضع الاقتصادي-الاجتماعي في مرحلة (الاستبداد السياسي) مفيدة من أجل تشريح الأوضاع القائمة ولتبيان التنضد الطبقي في المجتمع ولكنها لن تكون ذات فائدة أو تصيب الهدف إن لم يربط الوضع الاقتصادي ببنية السلطة السياسية، وإن لم يشر فيها أويتم ربط معطياتها الاقتصادية مع تلك البنية للسلطة السياسية وتحالفاتها الطبقية. 

فنحن نعتقد بأن (السياسة) هي المدخل إلى تغيير (الاقتصاد) و (الاجتماع) و (الثقافة)، ولا نؤمن بأن النضال المطلبي الاقتصادي مجدياً في مرحلة تسود فيها أوضاع من الاستبداد السياسي بل نؤمن بأن تغيير الأوضاع نحو الانتقال من (الاستبداد) إلى (الديموقراطية السياسية) هو ما يفتح أرضية خصبة لبدء النضال المطلبي الاقتصادي ويجعله منتجاً ومثمراً لصالح الطبقات والفئات الفقيرة في المجتمع الذي ستخوض وقتها نضالاً طبقياً يكون مربوطاً بتخندقها في موقع سياسي يكون في حالة اندماج عضوي مع نضالها المطلبي الاقتصادي.


عولمة الاقتصاد الوطني

بداية لا بد من القول أن العولمة  قد طرحت منافذ جديدة للعمل الاقتصادي وفتحت الأسواق العالمية وأصبح هناك نوع من الارتباط الاقتصادي الوثيق بين الأسواق في العالم، وبلورت مجرة اقتصادية تربط كل اقتصاديات العالم ببعضها البعض، فلم يعد هناك اقتصاد منعزل بالمطلق، فأي تغير مرتبط بسوق مالي أو غير مالي يؤثر على غيره من الأسواق، فالأزمات الاقتصادية للدول تتصدر للدول الأخرى من خلال الحلقات المترابطة بين الأسواق والاقتصادات في العالم، فالعولمة قد جعلت من العالم قرية صغيرة وأصبحت الأسواق بها مرتبطة ببعضها البعض والاقتصادات مشكلة ما يسمى الاقتصاد العالمي إلى حد ما، متجاوزة الخصوصيات القومية وما يرتبط بها من إنتاج سلعي صغير وقومي.

ننتقل إلى الوضع في بلادنا، ويجب القول إن الانفتاح الاقتصادي في العديد من الدول والمجتمعات انتهى إلى الديمقراطية والتغيير السياسي الديمقراطي، فأصبح من خلال سياسة الانفتاح الاقتصادي نوع من الديمقراطية التي فرضت نفسها من خلال وجود أكثر من مركز قرار، فهل الانفتاح الاقتصادي الذي بدأ في بلادنا سينتهي للديمقراطية وتشكيل مجموعات تشكل ما يسمى مراكز القرار؟ أم أن الانفتاح الاقتصادي سيقود لتشكيل ما يسمى الديمقراطية اللصوصية؟

السلطة في بلادنا تحاول منذ بداية الانفتاح الاقتصادي الاستجابة للشروط الدولية لكن من غير أن تقود هذه الاستجابة إلى التغيير السياسي، ففصلت السلطة في سوريا بين الانفتاح الاقتصادي والتغيير السياسي، ولا شك أن الانفتاح الاقتصادي بحكم انه جاء قرار من فوق ولم تشارك في صناعته القوى السياسية الوطنية والديمقراطية والشعبية هو ما يسمى النهب المتوحش أو الانفتاح المتوحش، فلم يراعى من خلال هذا الانفتاح مصالح الفئات الفقيرة والمتوسطة في المجتمع بل جاء استجابة لشروط دولية لمنع تغيير السلطة كما حصل في العراق.

لا شك أن الانفتاح الاقتصادي المبنى على أساس رؤية وطنية تتشارك في صياغته القوى الوطنية والديمقراطية الشعبية سيؤدي إلى تأمين نوع من الرخاء والرفاه وبناء اقتصاد وطني متماسك، فقط إذا ما اقترن في صياغته على أساس إجماع وطني كامل.

فالسياسة الاقتصادية الاجتماعية المتبعة وفق شروط الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية لا تشكل رافعة للاقتصاد الوطني ما دام القرار لا تشارك قوى المجتمع المدني من أحزاب وكافة المنظمات المدنية التي يعنيها هذا الأمر، فهذه السياسة المتبعة أثبتت فشلها وفشل رؤيتها لتشكيل نوع من الواقي للأزمات الاقتصادية العالمية والأوضاع العامة كلها بل جاءت وفككت الروابط الاجتماعية وعززت عبادة المال والانحلال القيمي، فأصبح الرد على هذه الأوضاع بالتطرف الديني تارة وتارة أخرى بتسيد النزعة الاستسلامية التي فرضتها الأوضاع العامة بمجموعها على قوى المجتمع المدني مما سبب نوع من أنواع الشلل السياسي ونخبوية العمل السياسي إضافة للفشل الذريع بتنظيم الحوامل الاجتماعية للبرنامج الديمقراطي السوري وانتشار العدمية السياسية نتيجة عدم وجود تصورات وطنية جامعة يؤدي للتغيير الديمقراطي، بل هناك اصطفافات واستقطابات لصالح قوى خارجية، وهناك القليل مما قد استطاع الحفاظ على هويته الوطنية الجامعة.

فالحل المقترح الآن في ظل انهيار المؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة وتدمير واسع للبنية التحتية والافتقار للقوى العاملة وحالة النزوح إضافة لخسران طاقات إنسانية مبدعة وخلاقة واستمرار المأساة السورية بشكل عام، هو حشد كل الطاقات الممكنة في سبيل التحول الديمقراطي وإنهاء المأساة الوطنية ذات الأبعاد الدولية والإقليمية ومحاولة تشكيل أكبر تحالف وطني عريض مع كافة الفئات التي لها مصلحة في إنهاء الأزمة الوطنية، وتشكيل الجسور اللازمة لحل هذه الأزمة التي سببت أكبر ضرر منذ الجلاء إلى الآن على كافة المستويات، والإنصات لصوت العقل بالوصول لحل تسووي ينهي زمن الاستبداد ويؤسس لمصالحة وطنية عادلة، وإنتاج وتجديد الرابطة الوطنية بين السوريين جميعا في كل الخنادق، لإعادة تشكيل مفهوم الوحدة الوطنية من خلال بناء العدالة والمدنية والديمقراطية.

تطرح هذه المهام على قوى اليسار وخاصة الماركسية بإرجاع المسألة الطبقية على جدول أعمالها بالترادف مع المسألة الوطنية والديمقراطية.


تهريب النفط إلى تهريب الذهب إلى تقويض البشر

الدكتور عارف دليلة

من صفحته على الفيسبوك

في حديث مهم للمحامية بشرى الخليل حول التهريب بين سوريا ولبنان، وانا اسميه “التهريب الرسمي جدا المعترف به على اعلى المستويات في البلدين” باعتبارنا طوال عمرنا “عايشين سوا!”، طبعا بالضراء دون السراء!

سأقتطف كلمات ووقائع قليلة من حديث المحامية بشرى خليل، وان كانت لا تغني عن سماع كامل حديثها الثمين، سواء من موقع التوافق، أو حتى من موقع الاختلاف بالرأي، بالنسبة للمختلفين. تقول (وإضافة بعض الكلمات من عندي لا تغير شيئاً في المعنى):

التهريب من سورية إلى لبنان أكبر بكثير من التهريب من لبنان إلى سورية، وبالأخص في ظروف الحرب التي تعيشها سورية منذ أكثر من عشر سنوات. ففي العام الماضي، حسب كلمات صراف بيروتي واحد هو (فلان) المعروف جيدا، انه قام، لوحده، بشراء أكثر من ١٠ طن من الذهب “السبائك” من مهربين سوريين!

(وأضيف: وبالحساب التقريبي إذا كان الكيلو من الذهب يساوي اكثر من ٣٢ أونصة بقليل، واذا علمنا أن سعر أونصة الذهب الأن تتراوح حول ١٨٠٠ دولارا أمريكيا، فتكون قيمة الكيلو من الذهب بالدولار:

٥٧٦٠٠= ٣٢×١٨٠٠ سبعا وخمسين ألف وستمائة دولار، وتعادل بالليرات السورية حسب سعر الصرف الجاري في السوق الأن وهو حوالي ٣٢٠٠ ليرة للدولار: 

٥٧٦٠٠ ×٣٢٠٠= ١٨٤٣٢٠٠٠٠ مئة وأربعة وثمانين مليونا وثلاثمئة وعشرين ألف ليرة سورية للكيلو غرام الواحد من الذهب.

وتكون قيمة أل ١٠ طن من الذهب (وسأتغاضى، تسهيلا للحساب، عن الزيادة عن ال ١٠ طن) التي اشتراها صراف لبناني واحد فقط من المهربين السوريين من الثروة السورية المخزونة بالذهب على مدى السنين والعقود والقرون والعصور الممتدة، وخلال عام واحد فقط: ١٨٤، ٣٢٠.٠٠٠ × ١٠،٠٠٠ كيلو ذهب = ١٨٤٣،٢٠٠،٠٠٠٠٠٠ ألف وثمانمائة وثلاث وأربعين مليارا ومئتي مليون ليرة سورية، وبالدولار الأمريكي ÷ ٣٢٠٠ ليرة للدولار= ٥،٦٣٥،٠٠٠٠٠٠ خمسة مليارات وستمئة وخمسة وثلاثين مليون دولار أميركي! وهذا في عام واحد فقط!

اذاً، بالأسماء والأرقام المجردة وعلى الهواء مباشرة وبكلام دقيق للصراف المعروف بالاسم، وليس هو متهم قانونيا بشيء، وبكلمات موثوقة منقولة عنه، ليست من شخص أو من موقف معاد لاحد، بل بالحسابات الباردة المجردة: 

إن قيمة ما اشتراه صراف بيروتي واحد من الذهب السوري المهرب (في العام الماضي فقط!) تزيد عن خمسة ونصف مليار دولار أمريكي!

لم نتحدث، بعد، عن الثروات المهربة من سورية عبر القنوات الرسمية من قيم الصادرات الرسمية التي يتشهى الشعب السوري المحروم اليوم ليتذوقها أو ليشم رائحتها أو يكحل عينيه بمنظرها على مائدته وفي براداته التي أصبحت كلها خارج العمل، هذه المنتجات التي تغتصب، اقتصاديا، من بين يديه وتستنزف وتصدر من أرضه ومن نتاج كدح عماله وشعبه الذي عاش سنين طويلة كانت فيها حتى موائد فقرائه عامرة بأطايب بلدهم وثمرات كدحهم، هذا ولم نأت، بعد، على ذكر التهريبات إلى المصارف اللبنانية التي تتبخر هذه الأيام، مع مئات مليارات دولارات الشعب اللبناني، والمعترف بها رسميا (٣٠_٤٠ مليار دولار) لتحميلها المسؤولية عن إفلاس الدولة ومجاعة السوريين وإخراج بلدهم، دولة وشعبا، من التاريخ والجغرافيا، عن سابق وعي وتصميم، ولم اتحدث عن ما اشتراه جميع الصرافين من مكنوزات الشعب السوري، ولم اتحدث عن قيمة الثروات الآثاري من مكتنزات الحضارات التي قامت على الأرض السورية وصنعتها عقول وأنامل الشعوب السورية، والتي كانت محمية تحت أطباق الأرض الحنون وبقيت متخفية عن أعين وحوش وجراد الأرض البشريين الهمج الحاليين، وهي اليوم تنتقل بين الأيادي السوداء في مختلف أنحاء العالم وتباع بأثمان باهظة، وغير ذلك الكثير والهائل من ثروات الشعب السوري، التي تزيد قيمة الذهب منها فقط، الذي اشتراه صراف بيروتي واحد، فقط، في عام واحد فقط، مجموع الدخل القومي التصرفي السنوي لأكثر من ثلث الشعب السوري، في سورية بأربعة أطرافها، طبعا بعد استثناء النهابين والمهربين وسارقي الدولة والشعب من “طبقة أسياد العبيد”!

إذن، عندما يعيش أكثر من ٩٠% من الشعب السوري تحت خط الفقر المدقع بعد نهب واغتصاب حقوقهم، وعندما لا يزيد متوسط الرواتب والأجور ومداخيل ذوي الدخل المحدود الحقيقية الرسمية عن تكاليف ضرورات البقاء على الحياة ليومين أو لأربعة أيام في الشهر فقط ، وعندما يكتشفون طفلتين مرميتين على حافة الموت جوعا، مع رسالة مبكية من أبيهما يقول فيها انه يعجز عن إبقائهن على قيد الحياة بسبب عجزه عن إطعامهن، ولأنه يرجو أن يستطيع احد غيره فعل ذلك وإنقاذهن من الموت (وهناك على أرض سورية الآن مئات الآلاف يشاركهن نفس المصير، ولكنهن، وأهاليهن، ينتظرن ملاك الموت بصبر أيوب) على مدخل احد المستشفيات في اقدم مدينة في التاريخ، كانت تلقب بـ “جنة الله على الأرض”، ولم يدخلها النبي بقافلته التجارية خوفا من غرق قدمه في نعيمها وعدم العودة إلى مهبط الوحي في مكة، وهو ما حصل لمغتصب خلافته، بعد وفاته بأربعين عاما، حتى سميت الأرض التي وضع فيها أخر قدم خطاها عند طرفها قبل أن يعود أدراجه عنها ب “القدم” وهو حاليا حي ضخم من أحياء دمشق، لكنه منكوب حتي العظم هذه الأيام، عند ذلك كله، كيف يمكن لأنسان يحمل ذرة عقل وضمير أن يتعامل مع “النكبة السورية العظمى” بالأرقام الجافة وبدم بارد؟

والشيء بالشيء يذكر!

إن ما ذكرته المحامية بشرى الخليل يعيدني إلى ندوة عقدناها، في الثمانينات في إطار ندوة الثلاثاء الاقتصادي السنوية في المركز الثقافي بدمشق، قلت فيها ما يلي:

تكثر الأحاديث هذه الأيام عن سرقة النفط السوري وتهريبه إلى الدول المجاورة، وعندما كانت الجرائد السورية تنشر لمسؤولين نفطيين لدينا بأن هناك مبالغات مفتعلة في الأرقام المتداولة عن تهريب النفط السوري، إذ لا تزيد الكميات المهربة سنويا عن أربعة ملايين ليتر! 

قلت: 

لدى السلطة عدد هائل من المشتغلين في الجمارك والأمن، لكنها جميعها عميت عن رؤية ما رأيته، بالصدفة، وانا مسافر، لأول مرة، إلى اسكندرون وأضنة عبر معبر (باب الهوى) إلى تركيا وعند عودتي عصرا وقبل المغرب وصلت إلى كراج الحافلات في أنطاكية، فلم أر غير باص واحد طويل وفارغ، فسألوني: إلى اجن؟ قلت: إلى حلب. قالوا: تفضل واصعد إلى الباص. نظرت فلم أر فيه أي راكب. قلت: ادن متى سيمتلئ وينطلق؟ قالوا: ألا تريد الانطلاق فورا؟ قلت: نعم! قالوا اصعد وسنتحرك فورا! صعدت وتحرك الباص بي وحدي نحو حلب! 

وما إن دخلنا الأراضي السورية حتى وقف الباص ل “يتزود بالوقود” عند محطة الوقود الوحيدة عند المعبر في الجانب السوري. وقد طالت مدة التزود بالمازوت ساعة كاملة، بحيث ملأ الباص حوض معلق في اسفله يتسع لخمسة آلاف ليتر ليعود بها بعد إيصال سيادتي إلى حلب، إلى تركيا، فورا، ويحصل من أموال الشعب السوري ومن خزينة الدولة السورية على الفارق بين سعر ٥٠٠٠ ليتر مازوت مدعوم في سورية، تحت غطاء انخفاض الرواتب والأجور في سورية إلى دون ثلث قيمتها في الدول المجاورة (تركيا، وحتى لبنان والأردن!) وبين سعره في السوق العالمية، والمجاورة التي يباع فيها غير مدعوم، والذي يبلغ ثلاثة أضعاف سعره في سورية، وبالفعل، صدقوا وأوصلوني لوحدي إلى حلب، ليعود الباص بسائقه ومعاونه إلى الحدود حيث يتقاسم حصيلة السرقة من رحلة واحدة مسؤولو الجمارك وأصحاب باصات التهريب، وصاحب المحطة وشركاه من أصحاب المناصب المسؤولة. ما لا يقل عن عشرة آلاف دولار!

وطيلة الطريق، وبضغط من الغواية الاقتصادية الأكاديمية، وانا اجمع واضرب واحسب، حتى خمنت، ومن مشاهدة واحدة وبالصدفة ومن معبر واحد في سورية، ومن باص تهريب واحد لسفرة واحدة، إن التهريب من هذا المعبر، وحده، للنفط، وحده، من سورية إلى تركيا، لا يقل عن مليون إلى مليوني ليتر شهريا، أي نفس الرقم الذي ذكره المسؤول النفطي في جرائدنا، مع فارق “بسيط !”، وهو انه يتحقق في شهر واحد ومن معبر واحد فقط ، أما في سنة، وعبر جميع المعابر ومع جميع الدول المجاورة ، فالرقم يرتفع إلى مئات الملايين، وربما مليارات الليترات من الوقود السوري المدعوم “حبا بالفقراء السوريين؟” وترجمت هذا “الحنان!” الذي تكنه السلطة وأجهزتها الوصاية التي يتقاسم أربابها، محاصصة، محطات الوقود، والأنابيب الممدودة عبر الحدود في منطقة الزبداني وحمص وغيرها، العابرة للحدود السورية وللدولة والشعب في سورية! 

أما حصيلة النهب، من هذا المزراب فقط، وهو نهب “رسمي” من قبل المسؤولين “ذوي الأيادي الأمينة” على ثروة الدولة والشعب في سورية ، “أيام كنا عايشين!”، فيمكن التوصل إليه من خلال ضرب مليارات الليترات من النفط المنهوب عبر جميع أنشطتنا النفطية والرشاوى من تعاقدات واقتسام عوائد واستخراج ونقل وخزن وتصفية والبيع بأسعار مخفضة، هذا بينما لا يتقاضى مواطنونا، وكذلك موظفونا وعمالنا الشرفاء إلا القوت الضروري للعيش الآدمي، ولا تتقاضى خزينتنا من هذه الثروة إلا “ما تيسر، فسنصل إلى رقم مواز لكل هذه المشفوطات يذهب لتغذية حسابات تماسيح الفساد والتهريب خارج الحدود!

وبعد أيام من حديثي هذا في تلك الندوة، يخبرني أحد الزملاء الذين كانوا يشتركون في هذه الندوات، وكان يشغل منصب معاون وزير الصناعة، إن رئيس الوزراء، آنذاك، وكان واحدا من أساطين الفساد في سورية، ولأنه كذلك، كان أطول رؤساء الوزراء عمرا في هذا المنصب، ولا يغير شيئا من ذلك كونه بعد ذلك عزل من منصبه وبتهمة الفساد! 

ثم، وقبل أن يمثل أمام القاضي “انتحر” وطوي أمره، ربما لأنه، وفي غمرة التناطحات التي تحصل، في لحظات مفصلية، بين أركان الفساد، قام بإصدار تعميم وزع على جميع المستويات الحكومية السياسية والإدارية يسرد فيه القصة التي قمت بسردها في إحدى ندواتنا في المركز الثقافي، وقد أعطاني الزميل، معاون الوزير، نسخة عن تعميم رئيس مجلس الوزراء الذي وصله، والذي يبدأ بعبارة ” قال الدكتور عارف دليلة …. حتى نهاية القصة التي رويتها… وبالطبع فان ذلك لم يستوقف أو يثر اهتمام احد، بل استمر النهب والتهريب في تصاعد وتضخم، واستمرت الضائقة تحيق بالشعب من تدهور إلى أخر حتى أصبحنا ، دولة وشعبا، نحتل أحد الأمكنة الثلاث الأخيرة في قائمة الأمم التي تشغلها، إلى جانب سورية الشماء، سودان النميري والبشير (الصديقين!)، بلد احتياطي غذاء العالم، كما يتفاخر إعلامنا العربي، والصومال المتصومل، الذي اتهمنا بدفع سورية إلى “الصوملة والجزئرة” نائب الرئيس، (والمتهم بالخيانة والفساد، لاحقا بعد انشقاقه)، عندما طالبنا بالإصلاح السياسي والاقتصادي الوطني الديمقراطي أبان ربيع دمشق الواعد والمغدور عامي ٢٠٠٠_٢٠٠١، الذي ظنوا أنهم باعتقالنا واتهامنا سيفوزون، ولم يتحسبوا أنهم سيواجهون بهبة شعبية لا حدود لها تطالب بالإصلاح، بعد أن تنمروا لمدة عشر سنوات ضد أعداء الفساد المطالبين بالإصلاح، حتى جروا سورية إلى وضع يجعل البلدين المتهمين. (الصومال والجزائر، وغيرهما) يحذرون شعوبهم من “السورنة” غير المسبوقة في التاريخ!

أن هذه الخسائر المادية والإنسانية والمعنوية غير قابلة للإحصاء، وهذا ما أرد به على من يسألني عن خسائر سورية وعن تكاليف إعمارها!

ما أكبر حظوظ أعداء أمتنا بمن يتنطعون لقيادتها، دون خجل أو وجل، إلى الانقراض!


هذه هي “الثورة” وتعريفاتها

نادر عازر

شهد تاريخ البشرية الطويل، حركات ثورية كبيرة ومعقدة، كانت متوقعة للبعض ومفاجئة للبعض الآخر. وتفاوتت بشكل كبير في أساليبها ومدتها الزمنية وأيديولوجيتها المحفزة، كما شملت نتائجها تغييرات واسعة في والاقتصاد والمؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وعادة ما كان ذلك استجابةً لحكم أوتوقراطي ساحق (حكم الفرد) أو حكم بلوتوقراطي (حكم الأثرياء).

فاختلفت التعريفات والتفسيرات لهذه الظاهرة، ووصلت إلى حد التناقض، عندما وصف بعضها بانقلابات عسكرية وأخرى بثورات. وحديثاً، زاد الجدل أيضاً حول ما يجري الآن في الدول العربية وسوريا حيث يسميها البعض مؤامرة خارجية ومخططات إمبريالية أو حراك شعبي وانتفاضة أو ثورة وربيع عربي.

وعند العودة إلى القرون الأخيرة، تبرز ثورات عديدة ومنها:

  • إنشاء الولايات المتحدة من خلال الحرب الثورية الأمريكية (١٧٦٥ -١٧٨٣).
  • الثورة الفرنسية (١٧٨٩ -١٧٩٩). 
  • حروب الاستقلال الإسبانية الأمريكية (١٨٠٨ -١٨٢٦).
  • الثورات الأوروبية عام ١٨٤٨.
  • الثورة الروسية عام ١٩١٧.
  • الثورة الصينية عام ١٩٤٦.
  • الثورة الكوبية عام ١٩٥٩.
  • الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩.
  • الثورات الأوروبية التي أسقطت الأنظمة الشيوعية عام ١٩٨٩.

وبالنظر إلى المفكرين الماركسيين فإنهم ساهموا كثيراً في تفسير حدوث الثورات وإيجاد التعريفات لها، وأثروا فكرياً بشكل عميق، وقسّم معظمهم الثورات إلى:

  • ما قبل رأسمالية.
  • برجوازية مبكرة.
  • برجوازية.
  • برجوازية ديمقراطية.
  • بروليتارية مبكرة.
  • اشتراكية.

لكن ماذا قال الفكر الذي سبق الماركسية؟ وكيف يرى الفكر الحديث الثورة ومفهومها؟

تُعرِّف العلوم السياسية الثورة على أنها تغيير جوهري ومفاجئ نسبياً في السلطة السياسية والتنظيم السياسي والمؤسسات الاجتماعية، وتحدث عندما يثور السكان ضد الحكومة، عادةً بسبب قمع ملموس (سياسي، اجتماعي، اقتصادي) أو عدم الكفاءة السياسية.

وباللغة اللاتينية تعني كلمة ثورة revolutio انعطافة أو استدارة.

REVOLUTION

تعني كلمة ثورة في الانكليزية تغييراً شاملاً في الأوضاع العامة من مختلف جوانبها.

الفيلسوف اليوناني أرسطو، قسّم الثورة، بمفهومها السياسي، في كتابه “السياسة -الخامس” إلى نوعين:

١- تغيير كامل من دستور إلى آخر.

٢- تعديل دستور قائم.

ويعود أول استخدام موثّق لكلمة “ثورة” في سياق التغيير المفاجئ في النظام الاجتماعي إلى عام ١٤٥٠ على الأقل. وتم ترسيخ الاستخدام السياسي للمصطلح بحلول عام ١٦٨٨ في وصف استبدال ملك إنجلترا جيمس الثاني بوليام الثالث، وقد أطلق على هذه الحادثة اسم “الثورة المجيدة”.

تم استخدام مصطلح الثورة أيضاً للإشارة إلى تغييرات كبيرة خارج المجال السياسي، مثل التحولات الاجتماعية والثقافية والأدبية والفلسفية والعلمية والتكنولوجية، التي يمكن أن يكون بعضها عالمياً، بينما يقتصر البعض الآخر على بلدان بمفردها. وفي هذا السياق تأتي الثورة الصناعية والثورة العلمية والثورة التجارية والثورة الرقمية.

المؤرخ والمنظّر السياسي الفرنسي الكيس دو توكفيل فرَّق بين:

الثورات السياسية، والثورات المفاجئة والعنيفة التي لا تسعى فقط إلى إقامة نظام سياسي جديد بل إلى تغيير المجتمع بأكمله.

التحولات البطيئة والشاملة للمجتمع بأسره، والتي تستغرق عدة أجيال لإحداثها (مثل التغييرات في الدين).

أما المنظّرة السياسية حنة آرندت قدّمت مقارنة بين ثورتين رئيسيتين في القرن الثامن عشر، الفرنسية والأمريكية. وعارضت وجهات نظر ماركسية ويسارية مُجادلة بأن الثورة الفرنسية كانت كارثة، وأن نقطة التحول كانت عندما رفض القادة أهدافهم في الحرية، من أجل التركيز على التعاطف مع الجماهير والاكتفاء بمطالبتهم بالخبز بدل العمل، فنسي الناس أسماء قادتها.

فيما الثورة الأمريكية، التي تم تجاهلها إلى حد كبير، كانت ناجحة، حيث لم يخن المؤسسون أبداً هدف التحرر الدستوري، وكانوا فاعلين حقيقيين، وأن دستورهم خلق جماهيراً تساعد على العمل، فيتذكر الناس أسمائهم دوماً.

تفاءلت آرندت بالحركات اللاعنفية التي من شأنها أن تعيد الحكومات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، واتضح أن تنبؤاتها صحيحة إلى حد كبير. إلا أن المؤرخ الماركسي إريك هوبسباوم، انتقدها قائلاً إن نهجها انتقائي، واستبعَدت ثورات لم تحدث في الغرب، ووصفَت الثورة الروسية بشكل خاطئ، وأن مفهومها المعياري للثورة يعتمد على المثالية الفلسفية القديمة.

وفي الفكر المعاصر، فإن عالمة الاجتماع الأمريكية ثيدا سكوكبول عرّفت الثورة بأنها “تحولات سريعة وأساسية لدولة المجتمع وهياكله الطبقية مصحوبة جزئياً بالثورات الطبقية من أسفل”، وعزَت الثورات إلى اقتران صراعات متعددة تشمل الدولة والنخب والطبقات الدنيا.

ومن جهته، يفرّق عالم الاجتماع والسياسة الأمريكي تشارلز تيلي، بين: 

الانقلاب (أي الاستيلاء على السلطة من أعلى إلى أسفل)، والحرب الأهلية، والثورة، والثورة الكبرى التي تغيّر الهياكل الاقتصادية والاجتماعية وكذلك المؤسسات السياسية، مثل الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩، والثورة الروسية عام ١٩١٧، والثورة الإسلامية الإيرانية ١٩٧٩.

فيما صنّف الباحث الأمريكي مارك كاتز الثورات على النحو التالي:

مركزية: في دول عادة من القوى العظمى، التي تلعب دوراً رائداً في قيام موجة ثورية، مثل الاتحاد السوفييتي، وألمانيا النازية، وإيران الإسلامية.

ثورات طموحة تعقب الثورات المركزية.

الثورات التابعة أو “الدُمية”.

الثورات التنافسية، مثل يوغوسلافيا الشيوعية، والصين بعد عام ١٩٦٩.

البعد الآخر لتصنيف كاتز هو أن الثورات إما ضد الملكية أو الديكتاتورية أو الشيوعية أو الديمقراطية أو مؤيدة للفاشية أو الشيوعية أو القومية.

أما البروفيسور في علم الاجتماع في جامعة هارفارد جيف جودوين قدّم تعريفين للثورة:

الأول، واسع، ويشمل جميع الحالات التي أطيحَت فيها دولة أو نظام سياسي، وتحوّلت بواسطة حركة شعبية، بطريقة غير منتظمة أو غير دستورية أو عنيفة.

الثاني، ضيّق، قال إن الثورات لا تتضمن فقط تعبئة جماهيرية وتغيير أنظمة فحسب، بل يتبعها تغيير جوهري اجتماعي واقتصادي وثقافي خلال فترة الصراع من أجل السلطة وما بعدها.

من ناحيته، عرّف عالم الاجتماع والسياسة الأمريكي جاك غولدستون الثورة بأنها:

محاولة لتغيير المؤسسات السياسية ومبررات السلطة السياسية في المجتمع، مصحوبة بتعبئة جماهيرية رسمية أو غير رسمية وإجراءات غير مؤسسية تقوض السلطات.

وتحدّث عن أربعة “أجيال” حالية من الأبحاث العلمية التي تناولت الثورات.

الجيل الأول:

قال إنهم وصفيون في نهجهم، وكانت تفسيراتهم لظواهر الثورات مرتبطة عادةً بعلم النفس الاجتماعي. ومنهم جوستاف لوبون وبيتريم سوروكين.

الجيل الثاني:

سعى منظرو الجيل الثاني إلى تطوير نظريات مفصلة عن أسباب وتوقيت حدوث الثورات، على أساس نظريات السلوك الاجتماعي الأكثر تعقيداً. ومنهم تشالمرز جونسون، وتشارلز تيلي، وصامويل هنتنغتون.

ويمكن تقسيم أعمالهم إلى ثلاثة مناهج رئيسية: نفسية واجتماعية وسياسية.

اتبع منظرو المنهج النفسي نظريات علم النفس المعرفي وفرضية الإحباط-العدوان ورأوا سبب الثورة في الحالة الذهنية للجماهير، واتفقوا على أن السبب الرئيسي للثورة هو الإحباط المنتشر من الوضع الاجتماعي والسياسي، لكنهم اختلفوا في تحديد الأسباب الدقيقة لثورة الناس (مثل: التحديث أو الركود أو التمييز).

أما أصحاب المنهج الاجتماعي، ساروا على خطى النظرية البنيوية الوظيفية في علم الاجتماع. ورأوا المجتمع كنظام في التوازن بين مختلف الموارد والمطالب والأنظمة الفرعية (السياسية والثقافية). وكما في المدرسة النفسية، اختلفوا في تعريفاتهم لما يسبب عدم التوازن، لكنهم اتفقوا على أن حالة عدم التوازن الشديد هي المسؤولة عن الثورات.

أصحاب المنهج السياسي بحثوا في نظريتي التعددية وصراع مجموعات المصالح، اللتان تنظران إلى الأحداث على أنها نتائج صراع على السلطة بين مجموعات المصالح المتنافسة. في مثل هذا النموذج، تحدث الثورات عندما لا تتمكن مجموعتان أو أكثر من التوصل إلى تفاهم ضمن عملية صنع القرار العادية التقليدية لنظام سياسي معين، وفي نفس الوقت يكون لديهم موارد كافية لتوظيف القوة في السعي لتحقيق أهدافهم.

رأى منظرو الجيل الثاني في تطور الثورات عملية من خطوتين. الأولى، تنتج عن تغيير الوضع السابق. والثانية، خلق فرصة الثورة من خلال الوضع الجديد. وفي هذه الحالة، يكون الحدث الذي لم يكن كافياً في الماضي لإحداث ثورة، مثل حرب أو أعمال شغب، كافياً الآن. ومع ذلك، إذا كانت السلطات على دراية بالخطر، فلا يزال بإمكانها منع الثورة من خلال الإصلاح أو القمع.

بمرور الوقت، بدأ العلماء في تحليل مئات الأحداث الأخرى على أنها ثورات، وأدت الاختلافات في التعريفات والمناهج إلى ظهور تعريفات وتفسيرات جديدة. وانتقدت نظريات الجيل الثاني بسبب نطاقها الجغرافي المحدود، وصعوبة التحقق التجريبي، فضلاً عن أنها لم تشرح سبب عدم حدوث الثورات في مجتمعات أخرى في مواقف مشابهة جداً.

الجيل الثالث:

أدى انتقاد الجيل الثاني إلى ظهور جيل ثالث من النظريات، مع توسّع كتاب مثل ثيدا سكوكبول، وبارينجتون مور، على نهج الصراع الطبقي الماركسي، وتحويل انتباههم إلى صراعات الدولة الزراعية الريفية، وصراعات الدولة مع النخب المستقلة، وتأثير المنافسة الاقتصادية والعسكرية بين الدول على التغيير السياسي المحلي.

ومنذ أواخر الثمانينيات، بدأت مجموعة جديدة من الأعمال العلمية في التشكيك في هيمنة نظريات الجيل الثالث. وتعرّضت النظريات القديمة أيضاً لضربة كبيرة من خلال الأحداث الثورية الجديدة التي لم يكن من السهل تفسيرها، مثل الثورتين الإيرانية والنيكاراغوية عام ١٩٧٩، وثورة سلطة الشعب عام ١٩٨٦ في الفلبين وخريف الأمم التي أسقطت الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية عام ١٩٨٩، حيث شهدت جميعها تحالفات عابرة للطبقات أطاحت بأنظمة اعتبرت قوية، من خلال مظاهرات شعبية وإضرابات جماهيرية وثورات لاعنفية.

الجيل الرابع:

لم يعد يرى الباحثون تعريف الثورات على أنها غالباً تجري بسبب صراعات طبقية أو في دولة أوروبية عنيفة ما في مواجهة مواطنيها، بل أكدوا على أهمية تطبيق نظريات بنيوية قديمة وحديثة على أحداث خارج أوروبا، ودعوا إلى مزيد من الاهتمام بالفاعلية الواعية والأيديولوجيا والثقافة في تشكيل التعبئة الثورية والأهداف. كما أدركوا أنه يوجد ظواهر كثيرة مشتركة بين الثورات والحركات الاجتماعية.

أما الاقتصادي دوغلاس نورث جادل بأنه من الأسهل على الثوريين تغيير المؤسسات السياسية الرسمية مثل القوانين والدساتير بدلاً من تغيير الأعراف الاجتماعية غير الرسمية.

وقال إن التناقضات بين المؤسسات الرسمية سريعة التغيّر، فيما المؤسسات غير الرسمية بطيئة التغيّر ويمكن أن تمنع التغيير الاجتماعي والسياسي الفعال. وبسبب هذا، فإن إعادة الهيكلة السياسية الثورية يكون تأثيرها طويل المدى، وغالباً ما تكون أكثر اعتدالاً من التأثير الظاهري قصير المدى.

يمكن للأزمات أن تكون ناتجة عن ثورات…

مثلاً حصلت أزمة سلطة في روسيا بعد ثورة شباط ١٩١٧ التي أسقطت الحكم القيصري من خلال ازدواجية السلطة بين سلطتين متنافستين هما (الحكومة المؤقتة برئاسة الأمير لفوف ثم كيرنسكي) و (مجالس السوفيتات) التي نشأت مباشرة أيضاً بعد نجاح ثورة شباط. 

أمام تنامي قوة المجالس السوفياتية للعمال والفلاحين (ثم الجنود) حاول قائد الجيش “كورنيلوف” حسم هذه الازدواجية بالسلطة الروسية من خلال حركة عسكرية لقلب حكومة كيرنسكي في آب ١٩١٧ والإمساك بالسلطة، حيث وقف لينين مع كيرنسكي ضد كورنيلوف وأحبطا معاً محاولته العسكرية لاستلام السلطة السياسية، رغم تصادم واعتقالات كيرنسكي للبلاشفة في تموز.

في أكتوبر ١٩١٧ أطاح لينين بكيرنسكي، وقادت ثورة أكتوبر إلى حرب أهلية ١٩١٧-١٩٢٠ كان انتصار البلاشفة فيها حسماً لأزمة السلطة الروسية.

في انكلترا حصلت ثورة البرلمان ضد سلطة الملك المطلقة بين عامي ١٦٤٢ و ١٦٤٩. قادت هذه الثورة إلى حرب أهلية بين مركزين للسلطة في لندن وأوكسفورد، وإلى انقسام طبقي متجابه ومتحارب بين التجار والمزارعين الأغنياء وأصحاب الشركات البحريةK وبين الأرستقراطيين والكهنة بالكنيسة الأنجليكانية، وإلى جيشين متحاربين، وإلى انقسام مناطقي بين لندن وجنوبها ومدن الساحل الشرقي ومدينة مثل برمنغهام مزدهرة فيها الحرف والمانيفاكتورات وبين شمال لندن وغربها الريفيين، وشكل أيديولوجي: طائفة البيوريتان ضد الكنيسة الأنجليكانية التي يرأسها الملك.

انتصر البرلمان على الملك وقطع رأس الأخير وأقيم (الكومونويلث) برئاسة أوليفر كرومويل. لم تعمر السلطة غير الملكية سوى أحد عشر عاماً وعادت الملكية عام ١٦٦٠، ولكنها لم تستطع الاستمرار في طريقة السلطة المطلقة.

احتاج حل أزمة السلطة في انكلترا إلى ثورة ١٦٨٨ – ١٦٨٩ لحل أزمة السلطة من خلال انشاء الملكية الدستورية: الملك يملك ولا يحكم حيث تحكم الحكومة المنبثقة عن البرلمان، الذي كانت ثورته ضد سلطة الملك منذ عام ١٦٤٢ تعبيراً عن وجود أزمة سلطة، وهو ما احتاجت انكلترا لحلها إلى ثورتين تخللهما حرب أهلية.

كان وضع انكلترا مختلفاً عن روسيا: أزمة سلطة بين الملك صاحب السلطة المطلقة وبين البرلمان قادت لثورة قادت بدورها لحرب أهلية، ثم أزمة سلطة بعد موت كرومويل عام ١٦٥٨ حسمت بعودة الملك بعد سنتين ثم تناقض بين مجتمع وسلطة أصبحت بشكل متدرج بالثمانينيات ضعيفة التمثيل الاجتماعي مما قاد لثورة حسمت سؤال (من يحكم: البرلمان أم الملك؟) بعام ١٦٨٩، وهو نفس سؤال ١٦٤٢.

في روسيا ثورة قادت لازدواجية سلطة حسمت بثورة ثانية قادت بدورها إلى حرب أهلية قاد انتصار البلاشفة فيها إلى تفردهم بالسلطة. في الصين عام ١٩٤٧ حصلت حرب أهلية مسلحة بين الشيوعيين والقوميين (حزب الكيومنتانغ) قادت مع انتصار الشيوعيين عام ١٩٤٩ إلى ثورة.

تروتسكي، هنا، يعطي تعريفاً للحرب الأهلية: “لا تعلن تجزئة السلطة عن شيء آخر غير الحرب الأهلية”. 

في انكلترا ١٦٤٢ – ١٦٤٩ هناك حرب أهلية، وفي روسيا ١٩١٧-١٩٢٠ توجد حرب أهلية. في سوريا ما بعد ١٨ آذار ٢٠١١ لا توجد حرب أهلية، رغم وجود مناطق غير خاضعة لسلطة دمشق، مثل شرق الفرات وادلب وشمال حلب، حاولت إقامة سلطات موازية هناك. هنا لا يوجد تماثل مع الحالتين الانكليزية والروسية المشار إليهما.

لم تكن هناك ثورة في سورية ما بعد ١٨ آذار ٢٠١١ إذا أخذنا تعريف الأكاديمي الأميركي تشارلز تيلي للثورة، وهو الدارس الرئيسي لميكانيزمات الحركات الاجتماعية: “هي تحويل عنيف للسلطة عبر عملية صراع تتضمن على الأقل تكتلين واضحي المعالم من المتنافسين بمطالب، التي لا يمكن مزجها مع بعض في خليط واضح، من أجل السيطرة على الدولة عبر شرائح بارزة العدد من السكان تدعم مطالب المتنافسين”. 

ضمن آليات مصطلح “الثورة” عند تيلي يمكن إدراج “الانقلاب” و “الحرب الأهلية” و “التمرد”.

هو يرى أن هناك انقلابات أنتجت ثورة في العلاقات الاقتصادية-الاجتماعية من حيث النتيجة، مثل الانقلاب العسكري عام ١٩٥٢ في مصر، وأن هناك حروب أهلية كانت نتيجتها ثورية مثل الحرب الأهلية في انكلترا ١٦٤٢ – ١٦٤٩.

أنتج تيلي في العلوم السياسية فرعاً جديداً هو (علم سياسة النزاعات)، وقد بدأ منذ الستينيات، على ضوء الثورة الطلابية بفرنسا، بدراسة مسار الاضطراب الاجتماعي الفرنسي ليس من ثورة ١٧٨٩ بل من ثورة ١٨٣٠. 

أنتج تيلي كتابه: “من التعبئة إلى الثورة”، عام ١٩٧٧، ليفتح مجالاً جديداً في علم السياسة. في كتابه هذا يبدأ من عام ١٧٦٥ في بريطانيا.

طبعاً، مفهوم تيلي لـ “الثورة” يتضمن حتى الثورات الفاشلة، مثل ثورة ١٨٤٨ في فرنسا التي انتهت عام ١٨٥١ بانقلاب وديكتاتورية لويس بونابرت وحله للمؤسسة البرلمانية قبل إعلانه الامبراطورية الثانية بالعام التالي، أو ثورة ١٩٠٥ الروسية الفاشلة ضد الحكم القيصري.

إلى جانب هذه المحاولات العديدة في تفسير هذه الظواهر الإنسانية المعقدة، توجد العشرات غيرها، وسيحمل المستقبل ما هو جديد أيضاً. لكن تبقى أسئلة قائمة، وهي كيف سيتم تصنيف ما يجري الآن في الدول العربية وسوريا؟ وكيف سيحكم التاريخ عليها؟


من زوايا الذاكرة (١٢)

الدكتور جون نسطه

في صيف العام 1966، وبعد حركة الثالث والعشرين من شهر شباط، وانفراج الوضع السياسي والأمني بين حزبنا الشيوعي والبعث الحاكم، وتعيين أول وزير شيوعي في الوزارة الجديدة، هو المثقف سميح عطية، قررت السفر لوحدي إلى الوطن بعد غياب دام سبع سنوات، مليئة بالشوق لأحضان العائلة والأقارب والوطن، وبعد لوعة عذاب الغربة والتشرد. ساعدني في ذلك حصولي على بطاقة سفر مخفضة جداً بالقطار، كوني أحمل هوية انتساب إلى “اتحاد الطلاب العالمي”. وقمت بتجهيز عدة “ساندويشات” تكفيني طوال فترة السفر. مررت في الطريق على دول عديدة تشيكوسلوفاكيا، هنغاريا، يوغوسلافيا، اليونان، وتركيا، ثم بالباص إلى لواء اسكندرون السليب، الجميل الخصيب الأخضر، ثم إلى باب الهوى الحدودي مع سوريا، وجدت بانتظاري شقيقي لبيب، الذي كان لي بمثابة الأخ والأب والصديق، ومن هناك توجهنا إلى حمص العدية. دخلت إلى بيتنا وكان الوقت ليلاً، وإذا بي أشعر ببرودة وحزن وألم ينتابني من الأعماق، نظراً لافتقادي، عمود البيت وشمعته وضياءه، والدتي ووحبيتي، “أم أديب”، فانفجرت ببكاء ونحيب دام طيلة الليل. لم ينته إلّا بلقاء السيد الوالد وشقيقتي وصديقتي أنطوانيت وأشقائي في الصباح.

قضيت في حمص وقتاً ممتعاً، بلقاء الرفاق والأصدقاء والمحبين من الأقارب، وأذكر فرحي بلقاء أستاذي وصديقي ورفيقي حنّا عبود، صاحب الثقافة الواسعة والهوية الشيوعية واضحة المعالم.

لا أخفي أنني وإياه، رغم المودة الشديدة، خضنا نقاشات مريرة حول الصين وثورتها الثقافية العنيفة بقيادة الزعيم الصيني “الأوحد” ماوتسي تونغ، وكان من المتحمسين له.

في ذلك الحين كان شقيقي فيليب الذي يكبرني بإحدى عشر عاماً، قد رزق بطفل جميل جداً أسماه نزار، تعلّق بحبه بل بعبادته إلى درجة لا توصف، يحرص عليه بقلبه وعينيه، ولا يسمح لنا بالاقتراب منه إلّا من مسافة حرصاً على صحته من العدوى. أخي أبو نزار هذا رجل عطوف، محب، كريم، شهم، شجاع، قل مثيله في الرجال، جميل المحيا ذو خلق كريم، صاحبني إلى المطاعم والمنتزهات، وإلى المتاجر، مبتاعاً لي ما يلزم وما لا يلزم من الألبسة، الداخلية والمناشف، والقمصان والأحذية.

قبل انتهاء إجازتي بوقت قصير، توجهت إلى دائرة الهجرة والجوازات في حمص، للحصول على جواز سفر جديد بعد أن شارف جواز سفري على الانتهاء. وهناك بعد تقديم الطلب، اقترب مني شرطي وقال لي: أنت رهن الاعتقال، لان هناك مذكرة اعتقال بحقك. تفاجأت جداً، بهذا الموقف، وخصوصاً أني تجاوزت الحدود حين قدومي، دون أن يعترضني أحد. فقلت له، لا بل رجوته: أن يغضّ الطرف عني، ويعتبر نفسه لم يرني إلى الغد، لأني سوف أرجع إليه بالتأكيد للحصول على جواز السفر. فاقتنع الرجل عن طيب خاطر. 

ذهبت بعدها إلى صديق مقرب، جمعتني به صداقة حميمة رغم أننا لم نلتق وجها لوجه سابقاً، بل تعارفنا من خلال أصدقاء مشتركين، وفي مقدمتهم رفيقي وصديقي الشيوعي المخلص الدكتور شكر الله عبد المسيح. وكان أيضاً زميلاً لأخوي أديب ولبيب في المدرسة، هذا الشخص النبيل يدعى أديب السمين، رحمه الله، وكان يعمل مخلصاً جمركياً، وله صداقات مع رجال الجيش والمخابرات بحكم العمل والجيرة في المكاتب. صحبني فوراً إلى قبو أحد فروع الأمن، لم أعد اذكر اسمه ولا اسم رئيسه، الذي تكلم معه “السمين” على انفراد. قالوا لي في الفرع: سوف نسوي لك وضعك، ولكن عليك أن تكتب لنا تقريراً مبسطاً عن عائلتك ودراستك وسبب قدومك إلى الوطن.

كتبت دون أن أتعرض من بعيد أو قريب لقناعتي الفكرية والسياسية. كان أمراً روتينيا لا غير. وأعطوني ورقة تثبت تسوية وضعي. ثم ذهبت في اليوم التالي إلى دائرة الهجرة والجوازات، وحصلت على جواز سفر جديد، بعد أن قاموا بقص زوايا الجواز القديم، ولم أصدف الشرطي الذي ساعدني في الأمس.

لا بد أن أذكر أن قرار الاعتقال بحقي صدر أيام الوحدة مع مصر خلال مرحلة اعتقال وملاحقة الشيوعيين السوريين في بداية العام 1959.

وما يجب ذكره أيضاً أن المصنفات “والأضابير” الأمنية يحتفظ بها دوماً حتى مع زوال أنظمة وحلول أنظمة أخرى جديدة مكانها.

ومن الطريف أن أذكر أن تأشيرات الذهاب والإياب الممنوحة لي من خمسة دول، كانت مسجلة على جواز سفري القديم المنتهية صلاحيته، والمكتوب عليه باللغة الفرنسية أنه ملغى، بالإضافة إلى قص زواياه العليا والسفلى من قبل دائرة الهجرة والجوازات السورية، ولم يكن الوقت متوفراً لي للحصول على تأشيرات جديدة لخمسة بلدان من سفاراتهم في دمشق. لذلك غامرت بالسفر مستعملا جوازي القديم، وبالفعل مررت على حدود هذه البلدان كلها، دون أن ينتبه رجال الحدود إلى هذا الأمر.

وصلت إلى لايبزيغ متعباً بعد سفر خمسة أيام متواصلة بالقطار، ومع ذلك استقبلت زيارات رفاقي وأصحابي المهنئين بالوصول، والمستفسرين عن الأوضاع في سوريا. المهم أنني عدت لمتابعة الدراسة في السنة الأخيرة طب، وتحضيراً للفحص الحكومي الأخير الذي اجتزته بدرجة جيد.

في العام 1967 قبل الهزيمة على ما أذكر، حضر إلى ألمانيا الديمقراطية بزيارة رسمية وزير الزراعة والإصلاح الزراعي عبد الكريم الجندي. وكانت تربطني صداقة بشقيقه الدكتور فيصل الجندي، الذي كان يقيم في مدينة لايبزيغ أيضاً، وهو يحضّر للحصول على شهادة الدكتوراه في علم الصيدلة والمخابر الطبية. وكان من الطبيعي أن أذهب مع صديقي فيصل إلى الفندق الذي يقيم فيه شقيقه الوزير، الذي بدأ يحدثنا عن انطباعاته خلال تلك الزيارة التي تمثل له أول احتكاك بالحضارة الأوربية. كان عبد الكريم الجندي كتلة من الحماس والنشاط في سبيل تحقيق أهدافه الطبقية في مساندة العمال والفلاحين، لكنه كان رجلاً ضعيف الثقافة، وليس على معرفة بتطور العلوم وتطبيقاتها الحديثة.

حدّثنا مرة عن زيارته لإحدى المداجن، وقال: سألتُ مدير المدجنة عن نوعية تغذية الدجاج فقال لي: إنهم يراعون في العلف التوازن الغذائي، من نسب معينة من البروتين والسكريات والدهوّن والفيتامينات، وبعض المعادن مثل الفسفور وغيره. فاندهشت واستغربت. ثم أردف بالله عليكم، ماذا يأكل الدجاج في بلدنا سوريا! إنه يأكل من روث وفضلات الحيوانات، وسمّاها بالاسم الدارج، فعلى ماذا نحن منتفخون بذواتنا ونحن في مؤخرة العالم.

ثم أضاف إنه طلب مقابلة مع راعي أغنام، وأصر على طرح أسئلة مباشرة عليه، ودون تدخل أي وسيط، فكان له ذلك. قال: سألت الراعي، هل تعلمت الكتابة والقراءة؟ فضحك الراعي وأجابني: بأنه درس في المدرسة لغاية الصف العاشر، (وهذا أمرٌ إجباري لكل الطلاب في ألمانيا الديمقراطية)، ثم درسَ في مدرسة لإعداد الرعاة مدة ثلاثة أعوام. فسأله الوزير مستغربا ثلاثة أعوام! قال الراعي: نعم. فسأله الوزير: وماذا تتعلمون في هذه الفترة الطويلة؟ قال الراعي: نتعلم فصول السنة وأجواءها المناخية من مطر وبرق ورعد، إلى الحر والجفاف، بالإضافة إلى علوم التربة وخصائصها، كذلك أنواع النباتات الصالحة للرعي، وتجنب ما هو سام منها خصوصاً الفطور السامة، وأيضاً جز الصوف في أوقات محددة، وغيرها من المعارف والعلوم والخبرات. فقال: دهشت أي اندهاش، وكنت أعرف رعاة بلدنا من الجهلة والفقراء. وقد كنت في الشهر الماضي أوزع شهادات ملكية لفلاحي بعض القرى، حسب قانون الإصلاح الزراعي، فوصل الدور لأحد الفلاحين، الذي حاول تقبيل يدي، فقمت بصفعه على وجهه، وقلت له: نحن نوزع عليكم الأرض حتى تستعيدوا كرامتكم، وأنت تحاول تقبيل يدي مذلة وهوانا!

هكذا يتصرف عبد الكريم الجندي في حالة غضبه، يقوم بالضرب. وهو طبعاً تصرف خاطئ وجاهل أيضاً. كان رجلاً ثورياً من طراز “البغو”، دون معرفة بالنظرية الثورية، ومن أين له ذلك وهو خريج مدرسة عسكرية لا غير. وهو بطبعه غضوب شرس أحياناً كثيرة.

تجرأت على عادتي الدائمة، وسألته عن سبب علاقته السيئة مع الشيوعيين، فقال: هناك شيوعيون سيئون يأخذون أوامرهم من موسكو، وعلاقتهم بالوطن وشعبه مريبة، وهناك شيوعيون “أوادم” ووطنيون ومثقفون أجلُّهم وأحترمهم. ثم قال: في بداية الثورة “يقصد 8آذار” علمتُ عن اعتقال شيوعيٍ مستقيم ومثقف محترم، اسمه وصفي البني من مدينة حمص، فقمت بنفسي بالذهاب إلى سجن المزة العسكري في دمشق، وفتحت باب الزنزانة بنفسي وأطلقت سراحه، وأوصلته بسيارتي إلى بيته، معتذراً منه عن التعسف الذي تعرض له.

كان هذا عبد الكريم الجندي الذي عرفته لأيام قلائل، وكتبت عنه في مذكرات فقدتها في ذلك الوقت، بأنه إذا تعلم ودرس فقد يكون “أرنستو غيفارا سوريا”. كان هذا ما كتبته عنه وأنا شاب قليل التجربة، شديد الحماس، أميل إلى المبالغة والأحكام السريعة.

وبهذا الصدد، أتذكر في تلك المرحلة أنه كان يدرس بيننا عدد من أقارب قياديين في سلطة البعث، إضافة إلى الصديق فيصل الجندي، منهم المرحوم شمس الدين الأتاسي، شقيق المرحوم الرئيس نور الدين، وكان شخصاً متميزاً بالتواضع، واللطف والتهذيب، والانفتاح على الآخرين، بعيداً عن معاداة الشيوعية، بل على العكس من ذلك، كان يدرس الماركسية بجدية واضحة. ومنهم أيضا الصديق طارق الزعيّن، ابن أخ الدكتور يوسف الزعين، الطيب الذكر رئيس مجلس الوزراء، وقد درس طارق الطب وتخصص في الجراحة العصبية في برلين، وما زال يقيم فيها. ومنهم أيضاً الدكتور في الأدب الألماني من جامعة كارل ماركس في مدينة لايبزيغ، حسين عمران، شقيق العقيد علي عمران القيادي في الجيش السوري، والذي تجمعني به إلى الآن صداقة مميزة وعلاقة احترام متبادل ومودة، بعد خصام حاد، إثر حادثة يجب ذكرها في حضنها السياسي. في تلك الفترة من منتصف الستينات كان هناك تنظيمان للطلبة السوريين، واحد في الداخل ويدعى الاتحاد الوطني لطلبة سوريا، يسيطر عليه الحزب الحاكم، “البعث العربي الاشتراكي”، وآخر يدعى اتحاد الطلبة السوريين خارج الوطن، ويسيطر عليه الحزب الشيوعي السوري، وله فروع في جميع دول المعسكر الاشتراكي، بالإضافة إلى تنظيم طلابي في فرنسا، من وجوهه البارزين المرحوم الصديق الدكتور عصام الزعيم.

وكان الاتحاد الوطني لطلبة سوريا يضغط علينا ومن وراءه السلطة في دمشق باتجاه حل اتحاد الطلبة السوريين في الخارج وانضمامنا إليه. وفي احدى الاجتماعات للطلبة في لايبزيغ وكنت أترأسه، بدأ الطالب “حسين عمران” بإثارة الشغب والحديث بدون طلب الأذن بالكلام، فطلبت منه الخروج فوراً من القاعة، خاصة وأنه غير مدعو للحضور أصلاً. خرج غاضباً متوعداً، فتصديت له مرة أخرى. 

وبعد يومين تقابلنا في مطعم الطلاب، فتوجه إلى بالكلام قائلاً: أنا معجب بشجاعتك، أنت تعرف من أنا، ومع ذلك طلبت مني مغادرة القاعة، ولم يتجرأ أحد غيرك، أنا أحب الشجعان، ولذلك سوفَ أحرص على صداقتك، ثم دارت الأيام وأصبح حسين عمران سفير سوريا في برلين، عاصمة ألمانيا الموحدة، حيث أصبحتُ أعيش أيضا، وذلك حوالي العام 2000، فعادت العلاقة لسابق عهدها، وكثيراً ما زارني في بيتي. وكنت أصارحه برأي المعارض وبأسبابه طبعاً، وكان يقول أنا أتفق معك، ولكن دعونا نتح فرصة لهذا الرئيس الشاب، يقصد “بشار”، الذي يرغب بالإصلاح، وسوف يغير الأوضاع بالتأكيد. “لكن يقين صديقي لم يكن في مكانه”. 

بالعودة إلى لايبزيغ، كنا عدداً من طلاب الطب الشيوعيين، على أبواب التخرج ولم ننه فحوصاتنا بعد، عندما اندلعت حرب حزيران ذات الأيام الستة، فكان طلب قيادة الحزب أن نستعد للسفر قريباً جداً إلى دمشق للمساعدة الطبية بالحرب وإسعاف المصابين من الجنود والضباط، وكان هناك تململ من بعضنا، خوفاً من انقطاع الدراسة، وقد شارفت على الانتهاء، وإذا عدنا فسيحتاج الأمر إلى انتظار عام كامل حتى الامتحانات المقبلة، وهي امتحانات دولةٍ. لكن قبل أن نسافر، جاء خبر من القيادة، أن لا داعي لحضوركم، نظراً لعدم وجود إصابات تذكر. وبالفعل علمنا فيما بعد أن الجيش السوري لم يقاتل في الجولان أصلا، وأنه تلقى أوامر بالانسحاب من هناك، دون قتال، وبشكل انفرادي وفوضوي.

في شهر تشرين الأول من العام 1967 تخرجت طبيباً من جامعة كارل ماركس في مدينة لايبزيغ، وكانت قيادة الحزب الشيوعي في دمشق قد أصدرت قراراً يقضي بالعودة الفورية إلى الوطن لكل الخريجين، ولكنها عادت عنه بعد أن علمت أن خريجي الطب في ألمانيا لا يمتلكون أي خبرة عملية بعد إنهاء دراستهم النظرية، وسمحت لنا بالعمل سنة واحدة بعد التخرج. كنت أرغب بمغادرة مدينة لايبزيغ لأنني لم أكن منسجماً مع أهلها من السكسون، المنغلقين على أنفسهم، ولدى الكثير منهم نزعة تكبّر وعدم ترحيب بالأجانب، بل التوجس منهم، وهذا الموقف لا يزال مستمراً إلى يومنا هذا، فحزب المبادرة لألمانيا في أقصى اليمين المتشدد، يحصل على نسبة عالية من أصوات الناخبين، رغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً على الوحدة الألمانية، وأكثر حوادث الاعتداء على الأجانب، والتحرش بهم وإهانتهم تجري هناك. لذلك قررت التوجه إلى برلين عاصمة ألمانيا الديموقراطية للعمل هناك. 

فغالبية سكان برلين منفتحين على الآخر، ينزعون إلى المرح والنكتة والطرب، حصلت على عقد عمل لمدة سنة مع معهد التخدير والعناية المشددة في أكبر مشافي برلين، الذي يحتوي على سبعة وعشرين سريراً للعناية المشددة، وبذلك يكون أكبر قسم في أوروبا كلها. والمشفى موزع على أقسام في كل مجالات الطب، ويبلغ عدد أسرته الإجمالي سبعة آلاف سرير، بدأت العمل في بداية العام 1968.

وكان يعمل معي بهذا المشفى في ذات الوقت المرحوم الدكتور سلطان أبا زيد، والطبيب الفلسطيني يعقوب زيادين، في قسم جراحة الأنف والأذن والحنجرة، والذي أصبح فيما بعد أميناً عاماً للحزب الشيوعي الفلسطيني.

وفي برلين انضممت إلى فرقة الحزب هناك، وكانت تضم عدداً من الرفاق أذكر منهم الرفيق توفيق رضا، الذي ما يزال على قيد الحياة، وكان يدرس الاقتصاد، وهو شاب رقيق جداً، كريم مضياف وطيب إلى أبعد الحدود، والرفيق مصطفى شاكر، وكان يدرس الاقتصاد أيضاً، وهو صاحب قلب ذهبي، محب وفي كريم، والرفيق نومي حيدو، وكان أصغرنا عمراً، جاء ليتعلم مهنة تتعلق بالآلات الزراعية، ونتيجة لاجتهاده تخرج مهندساً لتصميم هذه الآلات، وهو أيضا شاب جميل المحيا والخلق والطباع، كريم اليد، عفيف اللسان، صديق دائم إلى اليوم، يعيش ويعمل بالسويد، وكان معنا الرفيق معتصم بالي درس الاقتصاد أيضاً، والرفيق ماهر خيارة المتوفى في ليبيا في ظروف غامضة، والرفيق شوقي كدّو من دير الزور، يعمل حالياً في المملكة العربية السعودية، على درجة كبيرة من النجاح، ودرس الاقتصاد والمحاسبة.

كنا على درجة عالية من الانسجام نلتقي نهاية كل أسبوع، في أماكن سهر لطيفة في برلين وفي بيوتنا كذلك، على طعام عربي من صنع أيدينا.

ومن ضمن مجموعتنا البرلينية في ذلك الوقت، شخصية علمية وسياسية، يعِد دكتوراه في الاقتصاد السياسي، يدعى محمد سعيد النابلسي من مدينة جبلة الساحلية، تعرفت إليه أولاً في لايبزيغ، حيث قدم في العام 1963 لدراسة اللغة الألمانية. وأشير هنا “أن جميع القادمين لألمانيا الديموقراطية بقصد التحصيل الجامعي، كانوا من طلاب معهد اللغة في لايبزيغ”،

كنا نناديه، كما كان يرغب، باسم سعد. وسعد هذا كان قبل “انقلاب 8 آذار”، بعثياً من سكان دمشق، وخريج القاهرة بالعلوم الاقتصادية. بعد الانقلاب مباشرة عيّن مدير إدارة “الريجي” باللاذقية، وهو منصب مهم جداً بالمحافظة في حينه، تعرض فيه الرشاوى بأرقام كبيرة، ولكنه لم يتورط بهذه المفاسد وحافظ على شرفه وكرامته، وشارك في أول مؤتمر للحزب بعد الانقلاب، شريكا مع كتلة اليساريين أمثال نبيل الشويري، وياسين الحافظ، الذين كتبوا المنطلقات السياسية لحزب البعث العربي الاشتراكي. وتعرف أكثر على الفكر الماركسي وأصبح من أنصاره، بعدها مباشرة جاء إلى لايبزيغ تحضيراً للحصول على الدكتوراه. 

منذ أيام لايبزيغ نشأت بيننا علاقة صداقة، ندر مثيلها، دامت 57 سنة، إلى حين وفاته قبل عامين. سعد ترك حزب البعث رسمياً في ألمانيا وأصبح صديقا لحزبنا، وهو رجل خلوق ومهذب جداً، وقارئ نهم، حصل على شهادته وعاد إلى دمشق مدرسا في جامعتها، وكان في فترة تواجده في اللاذقية على علاقة طيبة مع حافظ الأسد. ومن الطريف أن أذكر الحادثة التالية، التي برهنت على تعاليه عن المناصب وعدم التخلي عن القناعات السياسية المشرّفة. 

في فترة تكليف حافظ الأسد للدكتور عبد الرؤوف الكسم بتشكيل الوزارة، طلب من الأخير أن يعرض على الدكتور سعد النابلسي، صديقه القديم، أي وزارة يرغب بها. وبالفعل اتصل عبد الرؤوف الكسم بسعد النابلسي وطلب حضوره إلى مكتبه. حضر سعد فإذا “بالكسم” يقول له إن “الرئيس طلب مني أن أعرض عليك منصب الوزارة، فأي وزارة من ثلاث ترغب بها، وزارة الاقتصاد أم وزارة التجارة الخارجية، أم وزارة التموين؟” فقال له سعد: أمهلني للغد، حتى أعطيك جوابي. 

تعجب عبد الرؤوف الكسم من هذا الموقف بل أبدى اندهاشه، قائلاً: “إن الناس تنتظر على الباب، وخصوصاً رؤساء أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، للحصول على وزارة ما، وأنت تتردد وتطلب الانتظار في إعطاء الجواب إلى الغد، رغم رغبة السيد الرئيس! ومع ذلك لك ما تريد”. غادر سعد المكتب واتصل أولا بصديقنا المشترك، نايف بلّوز، أو قام بزيارته، لست متأكداً، وطبعاً كان جواب نايف “إياك ثم إياك”، واتصل معي هاتفياً إلى ألمانيا، وسألني عن رأي. فقلت: “يا سعد، هؤلاء يريدون توريطك بالفساد ثم يتخلون عنك. حرام عليك أن توسخ سمعتك النزيهة”.

ثم تكلم مع شقيقه الأكبر العميد مصطفى النابلسي بهذا الخصوص، فقال له: “يا أخي أنا أعرف كل مساوئ وفساد السلطة أكثر من غيري، لكن يبدو أن شيئاً لن يتغير بالمدى المنظور، فشارك بهذه الوزارة، علك تستطيع تحسين الأوضاع”.

في اليوم التالي ذهب سعد إلى مكتب عبد الرؤوف الكسم، وأبلغه أسفه واعتذاره عن هذه المهمة.


الولايات المتحدة وبناء الأمم

محمد سيد رصاص

جريدة “الأخبار” – الجمعة ١٦ تموز ٢٠٢١

في كلمة ألقاها في الثامن من الشهر الجاري، قال الرئيس الأميركي جو بايدن في تبرير للانسحاب الأميركي من أفغانستان، الكلمات التالية: «نحن لم نذهب إلى أفغانستان من أجل بناء أمة، الأمر الذي هو حق ومسؤولية الشعب الأفغاني وحده… \نحن \ ذهبنا إلى هناك من أجل جلب أسامة بن لادن ولإنهاء قدرة تنظيم القاعدة على تنظيم هجمات من هناك».

من يراجع ما قيل في واشنطن من قبل إدارة بوش الابن في فترة ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر \ أيلول 2001، والتي أعقبها بعد أربعة أسابيع غزو الأميركيين لأفغانستان، يلمس مدى ابتعاد بايدن عن الوقائع والحقائق….ففي فترة نهاية نوفمبر \ تشرين الثاني 2011 قام بول وولفوفيتز، نائب وزير الدفاع الأميركي، بجمع (طاقم تفكير)، ضمّ المستشرق برنار لويس، ومارك بالمر المختصّ في الديكتاتوريات وهو سفير سابق في هنغاريا، وفريد زكريا وهو من أصل هندي ويكتب عموداً للرأي في «نيوزويك»، وفؤاد عجمي وهو باحث في شؤون الشرق الأوسط ، وآخرين. المذكّرة التي قدمتها تلك المجموعة في الشهر التالي تمّ رفعها إلى الرئيس بوش ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس. المذكّرة وهي في سبع صفحات عنونت بـ DELTA OF TERRORISM. مصطلح (دلتا) يُستخدم بالإنكليزية للإشارة إلى فم النهر الذي يبدأ منه الجريان. الإرهاب رُبط هنا بالوضع في منطقة الشرق الأوسط التي ترى المذكّرة أنها مصابة «بمرض خبيث MALIGNANCY» وأن هجمات 11سبتمبر «ليست فعلاً معزولاً» عن «الوضع هناك…\و\الطريقة الوحيدة هي الاتجاه نحو TRANSFORM تشكيل (تحويل) المنطقة» (يمكن الاطّلاع على التفاصيل الكاملة من خلال كتاب بوب وودوورد: «حالة إنكار»، منشورات سيمون وشوستر، لندن 2006، ص83-84-85، طبعة جيب).

هنا، يجب الإشارة إلى أن بول وولفوفيتز هو من أعمدة اتجاه المحافظين الجدد، الذي سيطر فكرياً على إدارة بوش الابن، وكان تروتسكياً سابقاً قبل أن يتجه نحو اليمين بتأثير الفيلسوف ليو شتراوس (ت1973) أستاذ علم السياسة في جامعة شيكاغو. كان العديد من أعمدة هذا الاتجاه موجودين ضمن الإدارة الأميركية آنذاك، مثل أبراهام شولسكي، مدير مكتب الخطط الخاصة الذي كان أساسياً في غزوَي أفغانستان والعراق. كان رأي هؤلاء التروتسكيين السابقين عندما اتجهوا إلى اليمين شبيهاً برأي ليون تروتسكي الذي نادى بثورة دائمة للوصول إلى (الاشتراكية) عبر تصدير الثورة، وهم، مثل وولفوفيتز وشولسكي، كان رأيهم تحويل العالم نحو النموذج الأميركي من خلال استخدام القوة لإيصاله إلى (الديمقراطية) و(اقتصاد السوق)، وبالتالي أرادوا، خلافاً لما يقوله بايدن، «بناء أمم» عبر إعادة تشكيلها وصياغتها. وفعلاً عقب هجمات11 سبتمبر2001، تم ربط الإرهاب بالإسلام الوهابي من قبل الأميركيين، بحكم أن 15من 19من منفذي الهجمات على نيويورك وواشنطن كانوا سعوديين وهو شيء مدروس بالتأكيد من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري لإقامة شرخ بين واشنطن والرياض، كما ربط الإرهاب بالديكتاتوريات، وعلى الأرجح أن الاتجاه الأميركي الذي تبلور بالانفتاح على جماعة الإخوان المسلمين بدءاً من عام 2005 كان لاستخدام تلاميذ حسن البنا ضد أسامة بن لادن، وكانت التضحية الأميركية بزين العابدين بن علي وحسني مبارك عام2011 لمصلحة (الإخوان) ضمن سياق هذا الاتجاه الأميركي الذي سرعان ما تخلّت عنه واشنطن في صيف2013 وعادت إلى استخدام العسكر من أمثال السيسي.

وفعلاً، فإن الاتجاه المحلي في بعض المعارضات العربية نحو المراهنة على الخارج الأميركي من أجل إحداث تغيير داخلي كان مبنياً على نظرية «بناء الأمم»، وقد استذكرت من قبل هؤلاء كثيراً تجربتَي الأميركيين مع ألمانيا واليابان عقب الحرب العالمية الثانية، كما أن نظرية رياض الترك حول (الصفر الاستعماري) تنطلق من نظرية «بناء الأمم» عندما قال بأن الأميركيين قد نقلوا عبر الاحتلال «المجتمع العراقي من تحت الصفر إلى الصفر» (حديث مع جريدة «النهار»، 28 أيلول 2003 )، وكان مبرّر هؤلاء في الاستعانة بالخارج بأن «الديكتاتوريات قد جفّفت ينابيع التغيير الداخلية».

هنا، وبالتأكيد وبمعزل عن صدق أو حالة إنكار جو بايدن، فإن بايدن، وقبله أوباما وترامب، يمثلون ثلاثتهم اتجاهاً أميركياً أصبح يسود الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، نحو التخلي عن نزعة «بناء الأمم» التي كانت مثل اللوثة المرضية التي أصابت الإدارة الأميركية لجورج بوش الابن عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، كما أن كلام بايدن يعكس ليس فقط الفشل الأميركي في أفغانستان والعراق، وإنما أيضاً انتصاراً لـ «الاتجاه الواقعي» للتعامل مع الوقائع القائمة، وهذا اتجاه موجود منذ السبعينيات مع هنري كيسنجر بما فيها اتجاهه نحو سياسة الوفاق والتعايش السلمي مع الاتحاد السوفياتي، من أجل تمرير أهداف السياسة الأميركية.


التاريخ يعلمنا الحكم

آرام كرابيت

من صفحته على الفيسبوك

كارل ماركس، عاش فقيرًا مديونًا طوال حياته. جاءته أيام لم يستطع الخروج من بيته لأنه كان قد رهن معطفه عند الدائنين. 

وفي رسالة لصديقه أنجلس يقول فيها:

ـ منذ ثمانية أيام لم نأكل إلا الخبز أنا وعائلتي.

مات أثنان من أبناءه في سنة 1850 والثالث في العام 1855، بسبب الشح والفقر والمرض.

أكثر مفكر كتب عن النقود وأكثر إنسان كان معدمًا.

عانى هذا المفكر الاستثناء في التاريخ الإنساني كله من المرض، فقد كانت الآلام والأوجاع تغزوه، تمنعه من الكتابة، لهذا كان يقف على قدميه ويكتب لأن المرض كان يمنعه من الجلوس.

ساله أنجلس:

ـ ما هذه البقع الحمراء على المخطوط، قال: 

إن الدمامل تملأ جسدي، تفقع لوحدها عندما أكتب. إنني أعاني من أوجاع في الكبد وآلام الصدر وأوجاع لا أعرف مصدرها.

ماتت ابنته ثم زوجته وبقي مريضًا من عدة أمراض منها السل أيضاً.

كان ماركس رجل مبادئ محاصرًا من أغلب الدول، طرد من وطنه ألمانيا وفرنسا وبلجيكا إلى أن استقر في بريطانيا.

كان يستطيع أن يعيش مثل الملوك لو أنه باع نفسه أو موقفه السياسي أو هادن قليلًا. 

ولد في عائلة غنية، وزوجته كانت تنتمي إلى أسرة اقطاعية نبيلة نافذة في الشأن السياسي الألماني.


 

لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا