معارضة الداخل أم الخارج؟

عندما حصلت ثورة شباط 1917 في روسيا ضغط المعارضون في الخارج الملاحقون من الحكم القيصري المطاح به في تلك الثورة من أجل دفع  الحكومة المؤقتة التي استلمت السلطة بعد الثورة  لمقايضة الألمان الذين كانوا في حرب مع روسيا نحو مبادلة الإفراج عن ضباط ألمان أسرى لدى الروس بعملية السماح من قبل الألمان بمرور قطار مغلق من سويسرا إلى روسيا يمر بالأراضي الألمانية يحمل الساسة المعارضين الروس للحكم القيصري.

كان لينين في ذلك القطار، وعندما وصل لروسيا أصدر “موضوعات نيسان” التي دعا فيها إلى ثورة اشتراكية تطيح بالحكومة المؤقتة واستبدالها بمجالس سوفياتات العمال والفلاحين والجنود.

في سوريا ما بعد 18 آذار 2011 عندما حصل الحراك السوري المعارض، اتجه بين صيف وخريف 2011 الكثير من المعارضين نحو المغادرة للخارج ومعظمهم لم يكونوا مطلوبين أمنياً ولا توجد عليه أخطار، وعملياً في خريف ذلك العام أصبح مركز المعارضة السورية، مع منافسة من دمشق عبر (هيئة التنسيق الوطنية)، في اسطنبول عبر تشكيل “المجلس الوطني”، وهو ما ترافق مع العسكرة عندما أصبحت تدار التنظيمات المسلحة من تركية مع تدويل بين محور روسيا-ايران ضد محور الولايات المتحدة-فرنسا-تركيا-الخليج مع تفويض للأتراك بإدارة الملف السوري لصالح هذا المحور.

منذ ذلك الوقت أصبح أغلب المعارضين السوريين في الخارج، وقد اتجه الكثيرون من الذين كانوا صامتين عن معارضة النظام نحو الخروج للخارج وأصبحوا يزاودون في معارضتهم أمام خريجي عقود من السجن والزنزانات والملاحقات الذين بقي بعضهم في الداخل في حالة استمرار في معارضة النظام، وهم في ألمانيا وفرنسا وتركيا أصبحوا بعد أن كانوا صيصاناً في دمشق نموراً في تلك البلدان يطرحون طروحات قصوية لا تبني على توازنات الواقع على الأرض، وربما كان بعضهم،من الذين كانوا جزءاً من السلطة السورية، يستخدمون التطرف في المعارضة كغسالة لأوساخهم السابقة أو للتمويه عليها.

قاد هذا الوضع خلال عشر سنوات من الأزمة السورية إلى تشكيل معارضة خارج أمام معارضة داخل مثلتها هيئة التنسيق الوطنية التي قدمت طرحاً جذرياً للتغيير ولكن عبر طريق انتقالي نحو نظام ديمقراطي تتشارك في سلطته السلطة والمعارضة للوصول إلى ذلك النظام الجديد عبر دستور جديد تجري الانتخابات على أساسه تحت إشراف الجسم الحكومي الانتقالي، فيما كانت معارضة الخارج رافضة لفظاً وفعلاً للحل الانتقالي حتى مؤتمر الرياض واحد للمعارضة السورية المنعقد في كانون أول 2015 وبعده تقبله لفظاً وترفضه فعلاً حتى الآن.

حتى الوقت الحاضر هناك مركزين للمعارضة واحد في اسطنبول مع “الائتلاف” والثاني في دمشق مع “هيئة التنسيق الوطنية”. جرت اتهامات كثيرة للهيئة من معارضي الخارج للهيئة بأنها “رخوة”أمام السلطة السورية وبأنها “مساومة” وتطرف بعضهم في الاتهام نحو وصمها بأنها “تدار أو على توافقات مع حلفاء السلطة السورية” وخاصة الروس.

في يوم 27 آذار 2021 سقطت تلك الاتهامات ضد (هيئة التنسيق الوطنية) مع نشر وثيقة (الرؤية السياسية للجبهة الوطنية الديمقراطية – جود) التي كان مقرراً أن تكون جدول الأعمال الرئيسي لمؤتمر (جود) الذي كان مقرراً عقده في ذلك اليوم بدمشق وقامت أجهزة الأمن بمنع انعقاده. 

تضمنت تلك الوثيقة طروحات لا يتجرأ أولئك المعارضون في الخارج لو كانوا في الداخل على طرح واحد بالمئة مما تضمنته تلك الوثيقة، وهم في الحقيقة قد صعقوا من هذا المشهد، هم والسلطة السورية ومواليها على قدم سواء، الذي أعطى صورة جديدة بأن عاصمة المعارضة في دمشق وليس في الخارج بمافيه اسطنبول حيث مقر “الائتلاف”.


من افتتاحية العدد ٥١ من جريدة المسار