الشرعية كمفهوم

عندما تمارس الدولة وظائفها وتتعمق في فهم المستويات التي تعمل بها وطريقة تأثيرها بالآخرين لا يظهر لنا سوى وظائفها والمضامين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يفرض أنها تعبر عنها ما لم نقف على مفهوم الشرعية الذي تستند إليه تلك الدولة، ويمكننا القول أن كل المفاعلات التي تقوم بها الدولة يُلغى ويفقد قيمته إن فُقدت الشرعية.

عندما نناقش مفهوم الشرعية علينا بداية التمييز وإثبات إن كانت الشرعية هي التي تؤسس الدولة أم العكس.

تستطيع الدولة حين توجد وتحكم وتمارس عملها في المجتمع وأن تخلق شرعيتها والأخلاق الخاصة بها بشكل تراكمي فإن الدولة هي التي تخلق الشرعية لذاتها ثم هل للشرعية أية علاقة بالمحكومين والمواطنين والرعايا؟ هؤلاء جميعا ليسوا إلا أدوات لخدمة الدولة وإعلاء كلمتها وذلك من جانب الشرعية للدولة بذاتها أي الدولة كمفهوم مجرد، التي هي كيان وهمي لا يوجد إلا من خلال مؤسسات وقادة ينتخبهم الشعب لتمثيله فإن أولئك القائمين على الحكم لابد أن يستمدوا مشروعية حكمهم من محكوميهم فممارسة الدولة على أرض الواقع بكل مؤسساتها وهيئاتها شيء، والدولة من حيث هي جوهر، والدولة من حيث هي جوهر قائم بذاته شيء آخر تماماً، وإن الحديث عن الشرعية ومستوياتها وحدودها في دولة ما تمارس سلطتها بفعل عامل الإكراه والضغط على محكوميها ورعاياها لا بدّ أن يدفع بالضرورة للحديث عن حكم القانون الذي لا يمكن للشرعية أن تتبلور إلا في إطاره، وفي ميدان تسود فيه بما يمنح الجميع حقوق متساوية تمنع الدولة من أن تتدلى إلى التّسلّط والاستبداد، وهو ما عبّر عنه أحد كبار الشّرعيّة بقوله: إنّ الإنسان ليس له من حريّة وأمن إلّا في مجتمع يرتبط فيه الحكّام بقوانين مؤكّدة وليست القوانين المؤكّدة ها هنا إلا تلك القوانين الحقيقيّة التي تنفذ في الواقع بإشراف الدّولة ذاتها بما يضمن حريّةً وأمناً مؤكّدين، مع العلم أنّ القوانين ليست في التحليل الأخير إلّا مصالح أولئك الذين سنّوها وعملوا على تطبيقها حتى ولو بدت للوهلة الأولى أنها تعبّر عن مصالح مجموع أفراد المجتمع.

ولكن ولمّا كان القانون هو الضامن الأساس لحقوق الأفراد والجماعات على حدٍّ سواء في ظلّ سيادة الدّولة وتمدّد سلطتها يجب على الدولة أن لا تسنّ من القوانين ما يخدم مصلحتها فقط، لأنّها بهذا الفعل ستدفع النّاس بالضرورة إلى الاشمئزاز منها وكرههم لها، فقوّة القوانين لا تأتي من ذاتها فقط وإنما من العادة والممارسة والتكرار أيضاً أن قدم القوانين هي التي تجعلها بشكل خاص مقدّسة، وإن الشعب سرعان ما يحتقر تلك القوانين التي يراها تتغير كل يوم فالعادة والعرف والقدم هم ممن يمنحوا القوانين قوّتها وانتشارها، ما دامت القوانين أصلاً ليست التي تعطي قوّتها للبشر، وإنما البشر هم الذين يعطون قوتهم للقوانين فالقانون بهذا المعنى يعكس دوماً ظروف البشر وأحوالهم، ورضاهم وغضبهم، بل أنه يعكس مشاعرهم الباطنيّة بدرجة كبيرة و”إنّ الإنسان يكون حرّاً عندما يخضع للقوانين وليس للبشر” وهو ما برع روسو بالتعبير عنه قائلاً: “إذا أصبح وزراء القوانين حكّامها الوحيدين، واستطاعوا جعلها تتكلّم أو تصمت على هواهم فإنّي لا أرى بدّاً من عبوديّة شبيهة بعبوديتكم وأنّ مونتسكيو هنا يشير إلى مسألة معقّدة ومهمّة للغاية تتجسّد في أنّ شرعيّة القوانين لا بدّ أن تتوقف على الهيئة التي تشرّع والتي يجب أن تتميّز جيّداً التي تحكم فإنّ هيئة التشريع نفسها ستملك كمنفذة للقوانين كل القوة التي أعطتها مشرعة وهو ما يعني تدميراً كاملاً للدولة بإرادتها العامة والدولة: تعني امتلاك أدوات العنف أو احتكار أدوات العنف وأن تمتلك مؤسسات الدولة مثل جهاز الأمن وجهاز الشرطة وهذه الأدوات مرتبطة بالقانون وإذا يتم الفصل بين هيئة مشرّعة وهيئة منفّذة نضمن آن ذاك أن يكون الشّعب هو صانع القوانين، فالقوّة التي تختزنها القوانين لا بدّ أن تمارس عنفاً واستبداداً على الشّعب ما لم يكن الشّعب ذاته حرّاً يستطيع بمقتضى تلك الحريّة أن يرفضها إذ وجدها لا تعبّر عنه خير تعبير فالقانون بهذا الاعتبار يجب أن لا يستخدم لإذلال الأفراد و الشّعوب والتضييق على حريّاتهم بحجة أن من واجبهم الخضوع للقوانين على الدوام وإنما يفترض أن يستخدم بحرمان السّلطة ذاتها من أن تتعدّى على الشعب تحت مسمّيات القوانين فتتحول بذلك إلى دولة دكتاتورية ومكروهة ممن مواطنيها ورعاياها والقانون ليس عادلاً على الدوام فيما لو بقي يمثّل شكلانية مجرّدة ليس إلّا، ولا بدّ كي يتحقق العدل من أن يطبّق في الواقع آخذاً بعين النظر الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسّياسيّة لأولئك الذين يعبّر عنهم ويتوجّه لهم فإن الشرعية والحرية صونان لا يفترقان، يتلازمان في الغياب والحضور على الدّوام، وفي حال حضورهما يعني ذلك سيادة روح القانون الذي لا يفضي لإطاعة البشر وعبادتهم، وإنّما لإطاعة القانون ليس إلّا فالشعب حرّ بهذا المعنى وكما يقول روسو يطيع القوانين ولا يطيع غير القوانين، وهو بقوّة القوانين لا يطيع البشر” ومن يمتلك القوّة لا يستطيع أحد أن يطالبه بشيء وللقوّة أخلاقها الخاصّة والقوي دائماً فاعل وإن القانون بهذا يجب أن “يحمي الحريّة العامة والفردية من اضطهاده فهناك ثمة خلطاً يقع بين معاني ودلالات ما يطلق عليه الشرعية التي تحدّثنا عنها آنفاً باعتبارها شرعيّة تتمتّع بها القوانين والشّرعيّة التي تهب البشر حريّة يستطيعون بموجبها نقد تلك القوانين ومنعها من الانحراف نحو الطغيان والاستبداد وهو الخلط الذي يأتي من التصنيفات المختلفة للمكوّنات الشرعية السياسية التي تتصل بشكل الأنظمة السياسية بالضرورة، ومن أشكالها هو ما يظهر في إطار نظام الحكم الدستوري ويشير إلى شخص الحاكم الذي يكون صاحب سلطة سياسية لأنه يتولى الحكم بحسب
أحكام الدستور القائم في الدولة. 

أمّا في نظام الحكم الثوري هناك تصنيف آخر يشير إلى شرعية الحاكم كذلك، لكنه الحاكم الذي يستمد سلطته السياسية من إدارة الثورة على النظام السّابق ومن العقيدة المسوّغة والموجهة لهذه الإرادة فشرعيّة الحاكم شيء وشرعيّة القوانين شيء آخر تماماً لكن غالباً ما يتم التوحيد بين الشرعيتين وينظر لهما بمعيار واحد وهو الأمر الذي يظهر الحاكم والقوانين كوجهة لعملة واحدة وهو ما يودي بالضرورة إلى الدكتاتورية وإذابة القوانين في بوتقة خدمة أفراد السلطة لا أفراد المجتمع.

فالشرعية ما لم تستند إلى حكم قانون عادل يمنح جميع المواطنين فرصاً متساوية للتعبير عن ذواتهم بما يتناسب مع مواقعهم ومؤهلاتهم تبقى مجرّد شعار فارغ لا معنى له يخضع في نهاية الأمر لإرادة أولئك الذين سنّوا القوانين وبثّوها منافعهم وأهوائهم فالأنظمة السياسية الحاكمة وغير الديمقراطية لن يتسنى لها أبداً أن تتمتع بالشرعية، لأنها أي لا ديمقراطية تتمتع بدور وظيفي في إدارة الحكم، علاوةً على قيمة الشرعية التي تضيفها على الجسم المؤسساتي.


من العدد ٤٨ من جريدة المسار