من زوايا الذاكرة (٥): بدء الاستقرار في ألمانيا الديمقراطية (١٩٦٠ – ١٩٦١)

الدكتور جون نسطة

سارت بنا السيارة برفقة السيد كين من مطار برلين الشرقية،عبر طرقات مظلمةً محاطة بغابات كثيفة،وسط استغرابنا وتوجسنا. إلا أن السيد كين وضح لنا بأننا متوجهين إلى بيت تابع للنقابات الالمانية يستضيف النشطاء النقابيين للاستراحة ولقضاء الاجازات السنوية، وهناك ينتظرنا الرفاق السوريين الذين وصلوا قبلنا وعلى دفعات متقاربة.وهذا البيت يقع على بعد ثلاثين كيلو مترا من برلين.

المهم وصلنا هناك وكانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءا، وتفاجئنا باستقبال حافل وحار من رفاق كنا لانعرف اكثريتهم،فيما عدد بسيط منهم من مدينة حمص، طلال موصلي،كميليو مقدسي، ورامز غطاس.كان عددهم يتجاوز العشرين رفيقا من كل مدن ومحافظات القطر السوري.

تناولنا وجبة العشاء جماعة،وكان طعام العشاء أول احتكاك لنا  على الطريقة الالمانية،خبز ألماني داكن اللون على شكل شرحات،وقطع من الزبدة،وشرائح لحم مجفف وشرائح من الجبن الأصفر وقليل من قطع البندورة،مع الشاي.

بعدها استلمنا غرف نومنا في الطابق الأول من هذا البيت الأنيق المريح.

كان للبيت مديرا ألمانيا لطيفا مهذباً لكنه جديا صارما،ولا يتكلم سوى اللغة الألمانية.وكانت ثلاثة سيدات يقمن بخدمتنا ونظافة غرفنا وامور غسيلنا الخ.من بينهن شابة جميلة،انيقة،لطيفة ،ابتسامتها مستمرة علىَ محياها ،تقوم بخدمة طاولات الفطور والغداء والعشاء،واكتشفت مع الوقت أن عددا كبيرا من الرفاق واقع بحبها ويظن البعض منهم بأنها هي واقعة في غرامه أيضآ،وهي ترضي الجميع بنظراتها اللطيفة.هذا شكل تنافس وتوتر بين بعض الرفاق.

وهناك توتر أخر لمسته يقوم على المزاحمة على قيادةٍ الفريق الحزبية وخصوصا بين الرفيقين طلال الموصلي ومحمد العطري،وكلاهما كانا من طلاب الجامعة في دمشق.

بعد أيام قلائل وصل من بيروت أيضا ثلاثة رفاق من حمص ايضا وهم زياد إدريس والطيب تيزيني وفريد أتاسي .

وصل عدد الفريق الى 28 رفيقا.

وهم حسب الترتيب العشوائي ومن زوايا الذاكرة أيضاً.

نذير دباغ،من الدرباسية،عبد الله حنا من الدير عطية، ابراهيم طعمة من قرية قطينة بجوار حمص، زياد إدريس من مدينة حمص،اسماعيل سراج من الجزيرة السورية، طلال موصلي من حمص، عبد الخالق سعادة من اللاذقية،محمد العطري من مدينة حلب، عبد القادر محفوظ من مدينة حلب، فواز الجابر من محافظة السويداء، أديب كوا من أصول حورانية، كمال زبيدي من مدينة حلب،فريد أتاسي من حمص، حنا عيسى من الجزيرة السورية، رزوق طولاب من حلب، رامز غطاس من حمص، الطيب تيزيني من حمص، كميل مقدسي من حمص، سلطان أبازيد من درعا، شكيب رزق من قرية صحنايا، حبيب الشايب من صيدنايا.

بعد أيام جاءنا الرفيق أحمد فايز الفواز من برلين وكان يدرس الطب هناك، وهو مسؤول المنظمة الحزبية الطلابية في كل ألمانيا، ورحب بنا بإسم الحزب وألقى حديثا سياسيا شرح فيه الأوضاع السياسية والمعيشية التي يعاني من وطأتها الشعب السوري عموما والظروف الصعبة التي يمر فيها حزبنا الشيوعي السوري. وكلف أيضآ الرفيق عبد الله حنا، بقيادة مجموعتنا على أن يستعين بمن يراهم أكفاء من الرفاق بهذه المهمة،وتمنى لنا مستقبلاً طيباً وودعنا.

وبعد أيام قلائل دعاني الرفيق عبد الله حنا مع الرفيق عبد القادر محفوظ لعقد اول اجتماع لقيادة هذه المنظمة. تدارسنا وضع كل رفيق على حدة ووضعنا خطة للعمل لفرض النظام والانضباط على الجميع، بظروف معقدة من حيث تكوينات المجموعة،من حيث الأعمار المختلفة، والأصول الاجتماعية، والثقافية المتعددة.

كان الرفيق عبدالله رجلا حازماً متزمتاً الى حد بعيد في تطبيق النظام الذي وضعه هو، من حيث ساعات الخروج من البيت وساعات القدوم، وطلب الإذن بزيارة القريتين القريبتين من إقامتنا، وموعد الاجتماعات الحزبية وتنظيم أمر المداخلات ومدتها الخ.

كانت النقابات تنظم لنا كل نهاية أسبوع رحلة سياحية ثقافية إلى عدد من المدن الالمانية بإشراف الرفيق كين.وأهمها رحلة إلى مدينة فايمار،مدينة أول مسرح وطني ألماني،مدينة غوته وشيلر.وحضرنا مسرحية هناك رغم أننا لم نكن نعرف اللغة الألمانية، ونمنا في فندق فخم ،كان المجرم النازي أدولف هتلر قد أقام فيه أيضا برقم 7 للغرفة، نفس الغرفة التي نام فيها الرفيق محمد العطري، الملقب بـ “أبو العطور”. 

وبالقرب من مدينة فايمار يقع معسكر اعتقال كبير ضم الآلاف من الشيوعيين والاشتراكيين والمعارضين الألمان واليهود والغجر والأسرى الروس والبولنديين وغيرهم، قمنا بزيارته متجولين بمهاجع وأقسام المعسكر كلها، والصدمة الأكبر كانت حين رأينا أفران الجثث المتعددة والتي كانت تعمل ليلاً ونهاراً، وزرنا ايضاً قاعات الموت، عندما يقوم الحراس النازيين بدفع المعتقلين الأبرياء إليها، على أنها غرف استحمامات، وكان بالفعل يتدلى من سقوفها دوشات معدنية. وعندما تمتلئ القاعة تبدأ غازات الموت تهطل من الدوشات.

وزرنا ايضاً المهجع الذي كان يقيم فيه الرفيق إرنست تيلمان، زعيم الحزب الشيوعي الألماني، الذي تعرض لعذابات شديدة، من فرق التعذيب النازية بغرض انتزاع معلومات عن تنظيمات حزبه، ولما فشلوا بذلك قاموا بقتله بالرصاص.

وتركت هذه الزيارة للمدرسة، في نفوسنا أثراً كبيراً سيبقى مرافقا لوعينا طول العمر، في حثنا الدائم على معاداة النازية والفاشية، وكل أشكال الإستبداد والديكتاتورية.

وبعدها زرنا مدينة دريسدن التاريخية، عاصمة ملوك السكسون وأبرزهم أوكست القوي، صاحب العمران والقوة العسكرية بنفس الوقت. قمنا بزيارة المتاحف الغنية بأجمل اللوحات الأوروبية، وقمنا بحضور باليه بحيرة البجع في دار الأوبرا، التي تعتبر بذاتها من روائع الفن المعماري.

كانت مدينة دريسدن لا تزال تعاني من آثار الحرب العالمية الثانية،وخصوصاً من ليلة الرابع عشر من شهر شباط 1945،عندما قام الطيران الحربي الأميركي بتدمير المدينة وقتل ثلاثين ألفاً من سكانها الأبرياء، همجية ليس من بعدها همجية، وذلك رغم أن الحرب كانت قد حسمت لصالح قوى التحالف الدولي ضد ألمانيا الهتلرية. كان الهدف من هذه العملية البشعة ترك المدينةَ مهدمة والتي سيدخلها الجيش الأحمر السوفياتي والتي ستقع ضمن دائرة نفوذه.

وهذا كان أيضا بالنسبة لنا نحن الشباب درساً عملياً على الأرض، كيف أن الامبريالية الاميركية لا تهتم بأرواح البشر ولا حضارة الحجر عندما يكون الهدف يخدم مصالحها ويضعف من قوة المنافس المنتظر على الساحة العالمية، الاتحاد السوفياتي.

وكذلك قمنا بزيارة عدد من المدن الصناعية وتعرفنا على الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة الإشتراكية لبناء القاعدة المادية لمتابعة تحصين البلد ضد مؤامرات الغرب المستمرة.

كان الرفيق الألماني السيد كين يرافقنا ويرعانا في كل هذه الزيارات. ومنها أيضاً زيارات إلى المولات التجارية ومحال الأزياء الرجالية، وكان يقول لنا ادخلوا وانتقوا ما تحتاجون إليه وما يروق لكم من ألبسة داخلية وخارجية، وخصوصاً الشتوية، والاحذية، والقمصان والبيجامات الخ.. ويقوم بنهاية حملة المشتريات بالتوقيع على ورقة من قبل المتجر، بكل بساطة وسرور.

وبعد فترة قصيرة من تواجدنا في بيت الاستراحة هذا كلفوا معلمة لغة ألمانية باعطائنا دروس أولية باللغة الألمانية، وكانت سيدة ذكية وصبورة. وبعدها كلفوا مدرساً للقيام بهذه المهمة، رجل متقدم بالعمر متقاعد، يعشق لغته ويجلها ويعلمها لنا برغبة داخلية عميقة.

استمرت إقامتنا في هذا البيت الجميل، الذي يقع على ضفاف بحيرة اسمها بلوسين، محاطاً بأشجار الغابات الباسقة، إلى نصف شهر نيسان، وعندها قام الرفاق في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الموحد باعلامنا بضرورة أن نتعرف على الطبقة العاملة وكيف تعمل وتناضل وتعيش على الأرض، قبل أن ندخل إلى الجامعات. وتم توزيعنا بقلم واشراف الرفيق عبد الله حنا. على ثلاثة مجموعات، تلتحق بثلاث مصانع كبيرة في ثلاث مدن مختلفة.

وقام الرفاق الألمان قبل ذلك بتنبيهنا بأن علينا أن نقول لمن يسألنا عن هويّتنا بأننا لبنانيون وليس سوريون.

يرجع السبب بذلك، الى كون جمهورية ألمانيا الديموقراطية، كانت تسعى للاعتراف الدبلوماسي من قبل الجمهورية العربية المتحدة. ووجودنا كمعارضين سياسيين على أرضها وبضيافتها، قد يشوش ويمنع هذا المسعى،الذي يهمهم نجاحه الى ابعد الحدود.

توجهنا عبد الله حنا وطلال الموصلي ومحمد العطري وفواز الجابر وزياد إدريس،وأنا إلى مدينة كارل ماركس، وهي الآن بعد الوحدة الألمانية رجعت إلى اسمها القديم كمنيتس،وسكنا في بيت بسيط مع عائلة ألمانية.وفي اليوم التالي نقلونا إلى المصنع الذي علينا أن نعمل به.استقبلنا مدير المصنع،يرافقه المسؤول الحزبي،مرحباً  ومتمنياً أن تتعلم بعض المهارات الصناعية، وأن نقيم علاقات طيبة مع العاملين.المعمل كان ينتج آلات للخراطة المعدنية الدقيقة جداً، ومتعاقد مع الإتحاد السوفياتي للتصدير إلى معامل الصناعة هناك.

كان علينا الاستيقاظ من النوم الساعة الخامسة والنصف صباحا، للتغسيل والحلاقة واللباس وتناول الفطور،ثم الركوب بالباص الى المصنع البعيد عن بيتنا نصف ساعة على الأقل بالباص طبعا. وكان علينا أن نستبدل ملابسنا ،بثياب المصنع الزرقاء، ونبدأ بالعمل الساعة السابعة صباحاً إلى الرابعة مساءً، يتخللها فرصة الفطور الثاني،وهذه عادة عمالية تلتزم بها كل المعامل والإدارات، في الساعة التاسعة والنصف، يتناول الفرد فيها ما قد جلبه معه الى العمل من سندويشات مع القهوة طبعا. وفي تمام الساعة الثانية عشر ظهرا يدقق الجرس معلنا فرصة الغداء.نذهب لتناوله في مطعم المعمل وهي وجبة ساخنة، مؤلفة عادة من قطعة لحم مطبوخ وعليها صلصة ،وجنبها بطاطا مسلوقة ساخنة طبعاً.كانوا لا يستخدمون الأرز ولا الخبز على الاطلاق.

كنا نتوقف عن العمل الساعة الرابعة بعد الظهر ثم نتوجه الى غرفات الحمام لغسيل أجسادنا من بقايا الزيوت المعدنية والغبار الصناعي ونخرج من باب المصنع حوالي الرابعة والنصف، لنسرع إلى شراء ما نحتاجه لطعام العشاء وللفطور في الثاني. نحضر طعام العشاء وننتهي منه وتكون الساعة قد قاربت الثامنة مساء،ونكون نحن متعبين بل في غاية التعب،فنلجأ إلى أسرتنا ونتحدث قليلاً ثم نغط في نوم عميق وهكذا كل يوم دواليك.

إدارة المصنع فرضت علينا في البداية أن تكون رواتبنا ،مثل بقية العمال،تبعاً للانتاج حسب القطعة المنجزة.ولأن  كفاءتنا وتدريبنا كان ضعيفا،بالنسبة لبقية العمال،فإن  رواتبنا ستكون منخفضة جدً، وهذا ما جرى في الشهر الاول، مما اضطرنا للذهاب إلى مكتب أمين الحزب في المصنع وشرحنا له الموقف، وأبدى تفهماً كبيراً ووعدنا بأنه سوف يعمل مع الإدارة لتعيين راتب مقطوع شهري بغض النظر عن كمية الإنتاج.

بعد فترة وجيزة، ونتيجة لنقص فيتامين سي في غذائي ،ظهر عندي التهاب باللثة التي بدأت بالتهتك مع أوجاع شديدة، أرسلوني لعند طبيب أسنان، وكان طبيباً جاهلاً على ما يبدو، لأنه بدأ يعالجني بمحلول معلم لا غير ولم يدرك بأن مرضي يرجع إلى سبب عام، وليس موضعي، وهو نقص في فيتامين سي، بقينا على هذه المعالجة القاصرة عدة أيام، حتى زالت لثتي من الوجود، ولم أعد أستطيع فتح فمي. بعد فترة جاء عضو في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الموحد، إلى المصنع ليحقق عن أسباب عجز المصنع عن انجاز مهماته بالتصدير، المتفق عليه، إلى الإتحاد السوفياتي.

لما رآني بهذا الوضع وسأل من أنا وعرف بأني شيوعي من سوريا،أعمل مع رفاق لي بهذا المصنع مؤقتاً،انتفض غضبا ً بوجه سكرتير الحزب، مستغرباً أمر اهمالنا لهذه الدرجة المخزية.اتصل فوراً بمشفى المدينة المركزي، وأمر جميع أطباء المشفى بالبقاء بانتظار قدومه. ركبنا في سيارته الى المشفى وأمر بفحصي لمعرفة نوع المرض وأسبابه، ولمن يتبع في علاجه من الإختصاصات الطبية.التشخيص جرى سريعاً وواضحاً وبدأ الأطباء فوراً بعلاجي، عن طريق حقني بالوريد بكميات عالية من فيتامين سي وبقيت في المشفى عدة ايام، حتى تحسن وضعي وبدأت أستطيع فتح فمي وتناول طعامي، وبعدها عدت الى العمل في المصنع من جديد، وظل الرفيق المركزي يتابع الاهتمام بنا ويسأل عن أوضاعنا، الى الحد الذي طلب من أمين الحزب بالمصنع أن يؤمن لنا كل يوم كيساً من الفواكه يشمل كمية كبيرة من الليمون والبرتقال والتفاح والموز وغيره من الفواكه، ولما قال له أمين الحزب بأن هذه الكميات غير متوفرة بالسوق،نهره وقال متوفرة ولكنها تذهب إلى الفنادق الخمس نجوم التي يذهب إليها الأغنياء من بقايا البرجوازية، وبعض مدراء المصانع. وفعلا كان علينا ان نحمل كل يوم شبكة مليئة بالفواكه الى البيت، تفوق، بأضعاف، عن حاجتنا.

مضت هذه الأشهر الأربعة الصعبة والمريرة كالكابوس بالنسبة لي على الأقل، مقارنة بالأشهر السابقة من الدلال وكرم الضيافة والسياحة والرفاهية. ففي منتصف شهر آب، ذهبنا الى منطقة جبلية عالية شهيرة برياضة التزلج، ونزلنا، بضيافة اتحاد نقابات العمال، بفندق فخم جداً، وقضينا فيه مدة أسبوعين كاملين، مع بقية رفاقنا الآخرين الذين جاؤوا من بقية المدن، التي توزعنا عليها. كانت فترة جميلة جدا كإجازة بعد فترة العمل المرهق.

فرحنا بلقاء بعضنا البعض، وكانت فرحتي أكبر بلقاء صديق العمر وحبيب الروح وأنيس النفس عون جبور،الذي لم أنفك عنه منذ الطفولة إلا خلال فترة العمل هذه.

وبالعودة الى الفندق فكان يقع في بلدة صغيرة مشهورة في الشرق والغرب الألماني اسمها Oberhof وكان اتحاد النقابات يستقبل ضيوفه الأجانب من كل اقطار العالم، ولذلك كان طعامه ذات نوعية عالية ومتنوع المذاق. وفي مساء كل يوم يقام حفل موسيقي راقص، تشارك فيه جميلات الصبايا الالمان من المدينةَ ذاتها، وكان الشراب من نبيذ وبيرة وغيرهما من المشاريب الروحية مفتوح لنا بدون حساب ولا حدود.

هنا أريد أن أروي قصتين. الأولى في احدى الأمسيات او بالأصح الليالي وكنت أجلس على طاولة أصدقاء منهم الرفيق المرحوم الدكتور سلطان ابا زيد نشرب الخمر،واذا به يهمس في أذني بأنه يشعر بدوخة سكر ومضطر لأن يستفرغ،فأخذت من يده مسرعا الى حمام المطعم ووضعت رأسه على حافة المرحاض الافرنجي، وبدأ بالاستفراغ، فما كان مني سوى أن  أضرب رأسه بقبضة يدي، وهو يلتفت مستغربا متسائلا عن السبب في ذلك، فكنت أقول له: أنت بفعلك هذا وعدم مقدرتك على تحديد كمية الكحول التي تتحملها.. أهنت الشراب وبهدلته.

والحادثة او الرواية الثانية… كنا نجلس في إحدى الليالي الى طاولة ضمت قيادي من الاتحاد المغربي للشغل، والرفيق المرحوم رامز غطاس، الذي كان يراقص صبية حسناء في كل جولة رقص، أملاً بتطيبقها باللغة العامية، وإذا بشاب إفريقي أسود يسبق رامزاً ويطلبها للرقص وتستجيب لطلبه، وخلال الرقص بدت تضع رأسها على كتفيه، ورامز يغضب ويشتم، فلاحظ ذلك صديقنا المغربي هذا الأمر، وما إن عاد الزنجي الى مقعده، حتى قام النقابي المغربي متوجهاً إليه ليصفعه على وجهه صفعات حادة وقوية ويركله بساقه ويرميه أرضا وهو يصرخ به كيف لك أيها العبد الذليل ان تأخذ هذه الصبية من يدي سيدك العربي، وأنا في بيتي العشرات من العبيد أمثالك يخدموني ويقبلون حذائي.

نحن استغربنا هذا الموقف من نقابي تقدمي يساري ولم نستطع تفهمه.

بعد انتهاء إجازتنا الجميلة هذه توجهنا جميعاً إلى مدينة لايبزغ الشهيرة للدخول في معهد لتدريس اللغة الألمانية، ولتبدأ صفحة جديدة من رحلة العمر.

من العدد ٤٧ من جريدة المسار