من زوايا الذاكرة: مرحلة اللجوء إلى بيروت

مرحلة اللجوء إلى بيروت (نيسان 1959 – شباط 1960)
الدكتور جون نسطة
(الشيوعي القديم المدمن…)

كان الرفيق عبد الكريم نادر من سكان مدينة حمص، عمل مدرسا في ثانويات المدينة، عرف بدماثة الخلق، وبتهذيبه الصارم، وباخلاقه الرفيعة، ولم يكن أحدأ من أصدقاؤه ومنهم شقيقي لبيب يعرف بانتمائه للحزب الشيوعي. على الاغلب كان من التنظيم السري.

بقي الرفيق عبد الكريم طوال فترة بقائي في لبنان، صلة الوصل بيننا وبين قيادة الحزب ينقل اخر توجهاتها السياسية، وينقل لها مشاكلنا وصعوبات حياتنا.وكان يتردد بشكل دائم علينا يحل مشاكلنا الحياتية، وينقل المساعدات المالية للرفاق العاطلين عن العمل، وهي مقدار ليرتين لبنانيتين في اليوم.

كان بلطفه ودرايته، بمثابة الاب والصديق والرفيق.

وكثيرا ما كنت أذهب لزيارته في منطقة الدورة.

الغرفة التي انضممنا، عون جبور وانا كانت متواضعة جدا وقذرة، ننام على فرشات على الارض، غير مريحة ومتسخة أيضا. كان من سكان غرفتنا ايضا الرفاق طلال الموصلي عبد الحميد الاتاسي وشقيقه المرحوم عفيف، رامز سيدي، والمرحوم رامز غطاس، عون جبور وأنا.كلهم من حمص.
كانت ليالينا، يصعب النوم فيها، عندما نطفيء الضوء كانت تهاجمنا جحافل من الصراصير الحمراء والسوداء.ومن ناحية اخرى كانت اصوات الرشاشات النارية والبنادق الأوتوماتيكية تلعلع في سماء المخيم وتمنعنا من النوم، كانت معارك تدور بين جماعة مماس وبين رجال الشرطة، وأحيانا تشارك مجموعة ارتين الأسمر فيها، وأحيانا تدور المعارك مع جماعات الطاشناق المسلحة.

كان في مدخل كامب حاجبن المتقاطع مع شارع النهر،يقف رجل ارمني يشوي اللحم والمعلاق ،وهو بنفس الوقت يقوم بوظيفة العين والبصاص على كل من يقترب من مدخل الكامب ،فيعطي انذارا معينا ومتفق عليه مع افراد المسلحين.كنت في الليالي التي يهجرني النوم فيها اتجه نحو الشوا هذا وأتناول اللحم المشوي.وكثيرا ما كان ارتين الأسمر متواجدا،وكان يعرفني بالوجه،فنبدأ بالحديث ،وبعد ليال عديدة نشأت بيننا نوع من المودة، ان لم نقل نوع من الصداقة.ارتين الأسمر كان يتقن العربية إلى حد بعيد،جميل الوجه،وابيض البشرة،طويل القامة،قوي البنيان،رشيق الحركة،رشاشه الى جانبه دوما.

أحيانا وبوسط النهار كان يقطع طريق النهر العريض ويجبر سائق الترام على التوقف، وينادي الركاب بالنزول من عربات الترام،وكلما يرى أحدا من حزب الطاشناق يرديه قتيلا.

ذاع صيت ارتين الأسمر في كل بيروت والناس اصبحت تخاف منه وترهبه.كان كثيرا ما يرسل احدا من جماعته الى المحلات التجارية في وسط بيروت طالبا منهم دفع مبالغ ليست قليلة،كخوة،وكانوا يدفعون وهم صاغرون،وكذلك كان يفعل مع اصحاب المقاهي والمطاعم والملاهي،وحتى بيوت الدعارة.لم تتمكن قوى الامن الداخلي من اعتقاله أو كبحه،حتى أن كمال جنبلاط،عرض عليه بان يعفو عنه ويجنده مع جماعته في صفوف الفرقة 16 التابعة للشرطة،وهي الفرقة الأكثر تدريبا وتسليحا وشجاعة، ولكنه رفض.

كان رفاقنا في الحزب الشيوعي اللبناني عوناً لنا في كل القضايا والمساهمة الفعالية في حل مشاكلنا الحياتية وصعوبات اللجوء السياسي.

كان علينا البحث عن عمل،فطلب رفاقنا مننا الذهاب الى مقر نقابة عمال المطاعم والملاهي،التي يترأسها الرفيق إلياس الهبر، وبعد لقائنا معه نصحنا بالتوجه إلى السيد جورج عجرم،مليونير وصاحب مسبح وملهى ليلي، نطلب منه ان نعمل عنده. فلبى طلبنا انا وعون جبور ورامز غطاس الذي عينه حارسا في ورشة العمل التي تبني له عمارة ضخمة من عدة طوابق قريبا من فندق سان جورج الشهير، وعون عينه مساعدا لمحاسبه، وهو فلسطيني يعمل عنده منذ سنوات طويلة.

أما أنا فطلب مني العمل على صندوق المحاسبة قرب مطبخ الملهى الليلي، الواقع على البحر،في النهار مسبح، وفي الليل يتحول إلى ملهى ومرقص،تعمل فيه بنات هوى من دول اوروبية مختلفة.كان علي العمل من السابعة مساءا حتى السابعة صباحا، وبأجر ليرتان في اليوم، كنت اشتري منها سندويشة بخمسة وسبعين قرشا، وبنفس المبلغ ابتاع علبة سجائر، ماركة تطتلي سرت رفيعة، ويبقى معي نصف ليرة، ادفع نصفها أجرة مواصلات، والربع الآخر ثمن جريدة،وثمن شفرات للحلاقة.

في صباح احد الايام توجهت إلى غرفتنا في كمب حاجبن، فوجدت قوات من الجيش اللبناني تحاصر الحي،تمنع الدخول أو الخروج منه. فما كان مني إلا أن أتوجه الى منزل الرفيق عبد الكريم نادر، استقبلتني زوجته اللطيفة من آل غندور من حمص، وشرحت لها المأزق الذي فيه. وهدأت من روعي، وأعدت لي مكان للنوم.

الجيش اللبناني مشط الكمب بيتا بيتا بحثا عن ارتين الأسمر ومماس واعوانهم من المسلحين. وهناك عثروا على رفاقنا وقاموا باعتقالهم ووضعهم في شاحنة عسكرية مكشوفة، وربطوا كل إثنين منهم بكلبجة معدنية. وهنا أحب أن أروي حادثة طريفة وقعت كما رواها لي رفاقي بعد اطلاق سراحهم، بواسطة محام شيوعي لبناني يدعى أدمون عون، الذي إتصل بوزير الداخلية، ريمون اده، طالبا إطلاق سراح الرفاق، وهذا ما جرى.

الحادثة الطريفة هي أن الرفيق عفيف أتاسي كان مرتبطاً مع الرفيق عون جبور، وخلال مسيرة الشاحنة بسرعة عالية،قال عفيف لعون، أظن بأن الشاحنة تتجه نحو الحدود السورية بقصد تسليمنا الى المخابرات السلطانية السورية، ولهذا انا سوف أرمي بنفسي من الشاحنة، رغم خطر الموت، الذي افضله عن الوقوع بأيدي مخابرات النظام، عون قال كيف لك ذلك ونحن مرتبطون ببعضنا البعض. بدأ الشد والرد، وسيطر الرعب على رفيقي عون، بحق، وتدخل بعض الرفاق، ومنعوا عفيفا من تنفيذ خطته.

في المساء قدم إلينا الرفيق عبد الكريم نادر وطلب منا أن نضب حوائجنا وكتبنا وفرشاتنا والتوجه إلى حي جديد ،لبيت احد رفاقنا اللبنانيين،الذي كان مسافرا مع عائلته.غادرنا كامب حاجين الى غير رجعة ولم نعد نسمع اخبار ارتين ومماس.

ولكن بقيت معنا ذكرياتنا الطيبة مع صاحب غرفتنا في كمب حاجين،الذي كان يسكن وعائلته بنفس الدار،ويعمل فيها صانعا للاحذية الرجالية.هذا الرجل الشهم الكريم،لم يكن يتقن اللغة للعربية، ومع ذلك كان وقت فراغه يجلس معنا ويشد من عزمنا ويطلب منا الصبر على الغربة والبعد عن الأهل والوطن.وكثيرا يقدم لنا بعض الأطعمة،وخصوصا السمك الذي يصطاده من البحر،بنفسه.

وعندما نرفض هداياه،كان يقول اقبلوها احسن من ان أرميها بالزبالة، وبلغة مكسرة. هذا القول كان يثير غضب بعضا من رفاقنا،وكنت اشرح لهم نيته الطيبة وكرمه المتواضع.وحملنا معنا ذكريات حادثة كادت تودي بحياتنا.

كان ذلك عندما جاء مسؤول حزب الهاشناك الصديق ومعه المجرم المحترف، مماس الذي يحمل رشاشه على كتفه،بقصد التعرف على وجوهنا،حتى لايتصرف معنا كغرباء او مخبرين. وضعنا بعض الكراسي الواطئة على باب البيت ولما حاول مماس الجلوس على احدها رفس الكرسي بقدمه وأداره على الشكل الذي يديره،فما كان من رفيقنا رامز غطاس إلا أن يشب على مماس، رافعا صوته وهو يشتمه بأبشع الكلمات،استدار ميماس وهو يخرطش رشاشه بقصد الرمي العشوائي.هب المسؤول الارمني ووقف بيننا وبين مماس يهدء من روعه ويطلب منه عدم الرمي علينا، ووقفنا نحن بوجه رفيقنا رامز نطلب منه السكينة،وتوضيح سبب غضبه وثورته،فاجاب ان ركل او رفس الكرسي يعني بلغة اهل اليول الحمصي،بان بقية الحاضرين كلهم قواد.

اليول طريقة متبعة عند بعض القبضيات من الرجال، كأسلوب حياة…كل حركة وتصرف تحمل معان معينة لا يعرفها الا اهل اليول، ولا مجال لشرح تفاصيلها الان. كانت حادثة مرعبة ودرامكولية لا تنسى.

بدأ سكان غرفتنا يزداد بوصول بعض الرفاق الجدد،واذكر منهم الرفاق المرحوم طيب تيزيني وفريد الاتاسي ومن ثم زياد إدريس، وبهذا اصبح النوم على فرشاتنا المحدودة أمراً صعباً، مما فرض علينا النوم على دوريات، البعض ينام في الليل، والبعض ينام في النهار. اصبحت حياتنا تبدو أصعب من الحياة في المعتقل.

كنا نقرأ جريدة الاخبار ،جريدة الحزب الشيوعي السوري واللبناني ونتابع معها المستجدات في عالم السياسة، ونقرأ مقالات امين الاعور النارية في نقد سياسة دولة الوحدة بارتياح،وان كنت انا غير مرتاح لبعض الشطط في مقالاته، واحتفظ بهذا النقد لنفسي. في المساء ايضا يقوم بعض الرفاق بلعب الشدة، الورق، بلعبة الطرنيب، وما يصاحب ذلك من الأصوات العالية والشتائم على الحظ او على اللاعبين، مما يجعل الرفاق البقية في غاية الانزعاج والتوتر، ويضطرهم الى الخروج من الغرفة إلى الجلوس على السطح،وكان أكثرهم تأففا وانزعاجا الرفيقين طيب تيزيني وفريد الاتاسي.

مرت تلك الأيام ثقالا على أنفسنا المتسائلة عن المستقبل وطرق متابعة التحصيل الجامعي،واذا بالرفيق عبد الكريم نادر ينقل لنا بشارة قرار قيادة الحزب،بسعيها الحثيث لتأمين مقاعد دراسية جامعية في دول المنظومة الاشتراكية.

شكل هذا النبأ فرحة عارمة في صفوفنا واعطانا أملأ اكيدا بالخروج من وضعنا الصعب والمأساوي، الذي كنا نعيشه في بيروت.

بدأت أنا والرفيق والصديق عون جبور نبحث عن طريقة لتأمين جوازات سفر للسفر القادم.وأخيرا لجأت لقريبي في مدينة طرابلس أطلب المساعدة. فلم يطل بنا الانتظار، حتى اعلمنا بانه تكلم مع صديق قديم له في مدينة بشري يعمل كمختار هناك، ووجد له مخرجا قانونيا لتأمين حصولنا على الجنسية اللبنانية،ومن ثم امكانية اكيدة باستصدار جوازات سفر. والعملية تتم بالاتصال بعائلتين ضعيفتا الحال والطلب منهما تقديم طلب الى دائرة النفوس في مدينة بشري، يدعون فيها بأنهم أغفلوا تسجيل أبناء لهما في حين ولادتهم وأنهم يرغبون بتصحيح الامر وتسويته.

قمنا عون وإنا بتأمين المبلغ المطلوب وجرت الأمور بسلاسة لم نكن ابدا نتوقعها، وحصلنا على هويتين لبنانيتين قانونيتين.

هوية عون كانت بإسمه الحقيقي عون جبور. أما بالنسبة لم يجد مختار بشري عائلة باسم نسطه، ولكنه عثر على عائلة باسم الفخري،وهكذا كان إسمي اللبناني جون الفخري.

بدأت عملية التسفير تباعا لرفاق غرفتنا،منهم من سافر إلى براغ ومنهم من سافر إلى موسكو أو صوفيا.

في اليوم الثاني عشر من شهر شباط 1959 سافرت انا وعون من مطار بيروت على الشركة السويسرية باتجاه زيوريخ .

كان يرافقنا في الطريق الى مطار بيروت رفيق لبناني ارمني يدعى ابو علي، وهناك في بهو المطار كان ينتظرنا الرفيق واصل الفيصل.سألناه عن عنوان في برلين نتصل به حين وصولنا، فقال لا داعي لذلك،الأمور مرتبة وستجدون من يستقبلكم في مطار برلين فلا تقلقوا ولا تخافوا، المهم أن تخرجوا الآن من المطار دون أن يكتشف أمن المطار إنكم سوريين.وودعنا طالبا لنا النجاح في حياتنا الجديدة في جمهورية ألمانيا الديموقراطية.

كانت عملية التفتيش الجمركي والأمني محرجة ومليئة بالخوف من أن يكتشفوا أمرنا من خلال لهجتنا الحمصية البعيدة عن لهجة أهل بشري.

كان هناك توترا عظيما يسيطر على أرواحنا الشابة، والتواقة الى الخروج من جهنم بيروت، الى فضاء الحرية وبناء المستقبل.

خرجنا من هذه التجربة الصعبة بنجاح، وصعدنا الطائرة، ولكن نوع من الخوف كان ما يزال يسيطر علينا.ما إن أضحت الطائرة تعلوا في الجو حتى طلبنا من المضيفة بأن تحضر لنا ما تيسر من الويسكي،وشربنا كؤوس الفرح والفرج.

طارت بنا الطائرة الى برن عاصمة سويسرا، ومن هناك الى مطار زيوريخ، حيث كان علينا المبيت هناك ليلة واحدة،وفي اليوم التالي الى براغ ومن ثم إلى برلين الشرقية.

شركة الطيران قامت بإيصالنا إلى الفندق المحجوز به من طرفها. في الليلة الليلاء هذه لم نستطع النوم ونحن نغرق بالفراش الوثير وبالمخدات والألفحة من الريش، الأمر الذي لم يكن لنا خبرة فيه في بيروت،حيث كانت فراشنا القاسيات وحشوتهم من قشر الموز المجفف.

في صباح اليوم التالي توجهنا الى براغ دون أن يكون على جوازاتنا تأشيرة دخول، مما كان يثير التوجس في نفوسنا ايضا.هناك كان لدى أجهزة الأمن علما بقدومنا،وبعد ساعتين من الإنتظار صعدنا الى طائرة صغيرة غير نفاثة تهبط وتعلو في الفجوات الهوائية مما يثير الخوف ايضا،وخصوصاً ونحن نركب الطائرات لأول مرة في حياتنا.

وصلنا مطار برلين الشرقية في مساء اليوم التالي،ونحن لم نحصل أيضا على تأشيرة دخول ،ووقفنا محتارين إلى أين نذهب وكيف نمر من حاجز الأمن،ونحن في حيرتنا هذه،وإذ برجل ألماني يتقدم نحونا ويقرأ أسماءنا. فشعرنا بالاطمئنان والراحة المتناهية.

وقف الرجل أمامنا خطيبا باللغة الانكليزية التي كنت وقتها أتقنها، مرحبا بنا ضيوفاً أعزاء على دولة ألمانيا الديموقراطية، دولة العمال والفلاحين، مشيداً بنضالنا في مواجهة الاستبداد والإرهاب السلطوي الخ.

وقمت بكلمة مقتضبة بشكره وشكر دولة العمال والفلاحين، بقيادة الحزب الاشتراكي الموحد. وبعدها وبدون أي تفتيش جمركي أو أمني، ركبنا سيارة سوداء متوجهين نحو مستقبل أبيض ومضيء.

من العدد ٤٦ من جريدة المسار