الألغام السوفياتية المنفجرة وتلك القابلة للانفجار

محمد سيد رصاص

في يوم 7 تموز\يوليو 1923 أصدر قوميسار (مفوض- ثم عام 1946 استبدل اللقب بالوزير) القوميات في الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين قراراً بضم منطقة ناغورنوكاراباخ إلى أراضي أذربيجان التي كانت منذ 12 آذار\مارس 1922 جزءاً من “الجمهورية الاشتراكية السوفياتية الفيدرالية لعموم القفقاس (القوقاز)” والتي كانت تمتد بين بحري قزوين والأسود وتضم أيضاً أرمينيا وجورجيا وأبخازيا .تأخرت السيطرة البلشفية على أذربيجان حتى عام 1920 وعلى أرمينيا لعام 1921، فيما جورجيا، التي أقام بها منافسو البلاشفة، أي المناشفة، حكماً بها منفصلاً عن موسكو منذ عام 1918،فإن السيطرة البلشفية عليها في شباط 1921 قد قادها اثنان من الجورجيين في قيادة الحزب البلشفي، سيرغو أوردجينيكدزه وستالين. عند طرح فكرة إنشاء جمهورية عموم القفقاس في صيف 1921 عارضها بلاشفة جورجيا الذين جرفتهم الموجة القومية التي اجتاحت الكثير من مناطق روسيا القيصرية بعد ثورتي شباط وأكتوبر 1917، بحكم القمع الروسي المديد أثناء حكم القياصرة، مثل أوكرانيا التي أقام القوميون بها جمهورية عام 1918، وقد كان المناشفة في جمهوريتهم الجورجية يعبرون عن القومية الجورجية أكثر مما يعبرون عن خلافاتهم حول الماركسية والتكتيك الثوري وبنية الحزب التي قادت إلى انشقاق عام 1903 بينهم وبين البلاشفة.

فرض الجورجي ستالين على أبناء قوميته ما أراد لصالح المركز، وعندما قام بخطوته تجاه ناغورنو كاراباخ كان يفعل بالمثل تجاه الأرمن الذين لم يكونوا موافقين على أن يكونوا جزيرة في بحر آذري وغير متصلين برياً بأرمينيا ،ويبدو أنهم كانوا يحدسون بأن تلك الجمهورية القفقاسية لن تعمر طويلاً،وهو ماحصل عند تفكيكها إلى جمهوريات أذربيجان وأرمينيا وجيورجيا عام 1936 مع الدستور السوفياتي الجديد،وربما كانوا يفكرون بأن “تجربة تمازج الشعوب السوفياتية ” لن تنجح وبأن القوميات ستقوم من جديد إن انهارت التجربة السوفياتية.في عام 1988، مع بوادر الانحلال السوفياتي التي مثلتها تجربة بيريسترويكا ميخائيل غورباتشوف،كانت ناغورنو كاراباخ أول انفجار للغم سوفياتي قديم نائم،عندما أعلن الأرمن هناك انفصالهم عن جمهورية أذربيجان.مع تفكك الاتحاد السوفياتي في 26 كانون أول\ديسمبر 1991 دخلت جمهوريتا أذربيجان وأرمينيا في حرب لفترة 1992-1994 بسبب قضية ناغونو كاراباخ انتهت بهدنة بعد أن سيطر الأرمن على كامل منطقة ناغورنو كاراباخ والشريط البري الذي يصلها بجمهورية أرمينيا.

في عام 2006 أجري استفتاء في ناغورنو كاراباخ أتت نتائجه لصالح دستور يشرع استقلال ناغورنو كاراباخ، وهو ما لم يتم الاعتراف به دولياً. في يوم 27 أيلول\سبتمبر 2020 اشتعلت ناغورنو كاراباخ من جديد في حرب أذربيجانية مع أرمن ناغورنو كاراباخ ومع جمهورية أرمينيا،ضمن استقطابات تضم روسيا وإيران وفرنسا مع الأرمن وتركيا مع أذربيجان مع حياد أميركي.

هنا يجب الرجوع للوراء: كان ستالين عام 1913 أول بلشفي يدرس مشكلة القوميات،وبسبب ذلك عينه لينين في منصب مفوض القوميات (المفوضية كانت اختصاصاتها تشمل القوميات غير الروسية) عام 1917. كانت فكرة تجاوز القوميات تعم الماركسيين، وهي كانت أساسية عند البلاشفة في ظل الفسيفساء التي تمثلها روسيا القيصرية، وقد كان ملفتاً أن يتولى الأمر واحداً من أقلية قومية غير روسية،وهو الآتي من القفقاس الذي يمثل خليطاً فسيفسائياً كبيراً من القوميات، لا يضاهيه سوى البلقان ،حيث كذلك كان يتراكب القومي مع الديني(الأذربيجان المسلمون مع الأرمن المسيحيين، الصرب الأرثوذوكس مع الكروات الكاثوليك والأخيران ضد البوسنة المسلمين).

بسبب جمهورية القفقاس الفيدرالية اقترح مفوض القوميات ستالين فكرة إنشاء الاتحاد السوفياتي كاتحاد ما فوق قومي وهو ما تم في 30 كانون أول\ديسمبر 1922، وربما كان حل تلك الجمهورية القفقاسية في 5 كانون أول\ديسمبر 1936 وتفكيكها إلى عناصرها المكونة ارهاصاً مبكراً يوم 26 كانون أول\ديسمبر 1991 عندما تم حل الاتحاد السوفياتي كتجربة أممية ما فوق قومية. 

كذلك، في عام 2014 انفجر لغم سوفياتي آخر: بمناسبة الذكرى الثلاثمئة لانضمام الأوكران إلى الدولة الروسية القيصرية عام 1654 اقترح السكرتير الأول للحزب الشيوعي السوفياتي نيكيتا خروتشوف في عام 1954 نقل شبه جزيرة القرم من أراضي جمهورية روسيا السوفياتية إلى أراضي جمهورية أوكرانيا السوفياتية، للتعبير عن “تآخي الشعوب” وعن تحقق الوصول إلى أممية سوفياتية ما فوق قومية.

كان خروتشوف روسياً تولى منصب مسؤول الحزب الشيوعي في جمهورية أوكرانية (1938-1949) أثناء الحرب مع الألمان وقاد المقاومة الشيوعية هناك، ولكنه بالتأكيد لم ينسى أنه بالتوازي مع أغلبية أوكرانية وقفت ضد الألمان فإن بقايا القوميين الأوكران الذين أقاموا دولة 1918-1921 قد تعاونوا مع النازيين وكان لهم قاعدة اجتماعية قوية استيقظت مع الاحتلال الألماني .أراد خروتشوف بخطوة 1954 تأكيد قوة الدولة السوفياتية بعد عام من وفاة ستالين من خلال الايحاء بتجاوز الجروح الروسية- الأوكرانية.عندما أطيح في شباط 2014 عبر ثورة شعبية برئيس أوكراني موال لموسكو قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإعلان ضم أحادي لشبه جزيرة القرم إلى روسيا ، رغم أن وثيقة فك الاتحاد السوفياتي تتضمن الاعتراف المتبادل بالحدود القائمة للجمهوريات السوفياتية ال 15 في يوم 26 كانون أول\ديسمبر1991.لم يكتف بوتين بذلك بل حرك الروس في الشرق الأوكراني (ومعظمهم سكنوا هناك في الفترة السوفياتية وهم يشكلون 17%من سكان أوكرانية) في أعمال مسلحة مدعومة من موسكو قادت إلى فقدان كييف للسيطرة على قسم كبير من الشرق الأوكراني.

كانت الأزمة الأوكرانية وما زالت من أكبر الأزمات الدولية التي يواجهها العالم الآن، مع خطط أميركية-أوروبية لاستقطاب أوكرانية ضمن منظومة حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي (هي وبيلاروسيا حيث الإضطرابات الأخيرة ضد الرئيس لوكاتشينكو، ومع دول البلطيق السوفياتية السابقة: أستونيا- لاتفيا- ليتوانيا، المنضمة لحلف الأطلسي) لإنشاء حاجز جغرافي- سياسي يمنع تواصل روسيا مع القارة الأوروبية، حيث يجب عدم نسيان الرأي الأوروبي، عند أنصار الثورة الفرنسية عامي 1789 1848 وعند كارل ماركس،عن شبح القيصر الروسي المهدد للثورات، ولا رأي اليمين الأوروبي الغربي عن شبح الشيوعية بفترة 1945-1980.

يمكن لقضيتي (ناغورنو كاراباخ) و (شبه جزيرة القرم ومعها الشرق الأوكراني) أن تتضمن تأكيداً على رأي مراكز أبحاث عديدة في الغرب الأميركي-الأوروبي بأن “العالم سينشغل لنصف قرن قادم بتداعيات التفكك السوفياتي عام 1991”. هناك ألغام سوفياتية قابلة للإنفجار، مثل الأراضي التي اقتطعت من بولندا عام 1939 إثر معاهدة ستالين مع هتلر والتي تبلغ مساحتها 179 ألف كيلومتر مربع وتم ضمها للاتحاد السوفياتي، وهي الآن ضمن أراضي جمهوريات أوكرانيا وبيلاروسيا وليتوانيا. في بولندا ما بعد الحقبة السوفياتية يعتبر الكثير من القوميين هناك بأن تلك الأراضي هي أراض بولندية مسلوبة.هناك،أيضاً، المشكلة الكامنة الآن بين رومانية وجمهورية مولدافيا السوفياتية السابقة حول منطقة بسارابيا التي برنامج من أجل التحرر الوطني من السيطرة الأجنبية ومن أجل التوحيد القومي، نجحوا، كما حصل في الصين وفييتنام.

تجربتا ماوتسي تونغ وهوشي منه هي تجربتين ناجحتين بخلاف تجربة لينين-ستالين. لهذا السبب لم يكن مصيرهما مثل الماركسية السوفياتية التي انهارت عام 1991.

جريدة “الأخبار”-9/10/2020

من العدد ٤٥ من جريدة المسار