- الافتتاحية: لماذا الانخفاض في مستوى المعارضة السورية؟
- حول الحراك اللبناني – جمال عامر.
- لمحة عن الاقتصاد التركي المعاصر – نادر عازر.
- الألغام السوفياتية المنفجرة وتلك القابلة للانفجار – محمد سيد رصاص.
- سوريا بلد في مهب الريح – مصطفى سعد.
- من زوايا الذاكرة (فترة الوحدة السورية-المصرية) – الدكتور جون نسطة.
- عن فلسطين و “إسرائيل”.
الافتتاحية:
لماذا الانخفاض في مستوى المعارضة السورية؟
كانت الحياة السياسية السورية، البادئة منذ عام 1918، الأكثر توليداً عند العرب للمفكرين السياسيين:
1- الشيخ رشيد رضا، الذي تولى رئاسة جلسة المؤتمر السوري العام الذي نصَّب في آذار 1920 الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على سورية، وهو أستاذ أبو الأصولية الإخوانية حسن البنا، وأستاذ أبو السلفية محب الدين الخطيب.
2- ساطع الحصري، وزير التربية في حكومة الملك فيصل، وهو أبو الفكر القومي العربي في مرحلة ما بعد العثمانيين.
3- ميشال عفلق.
4- الشيخ مصطفى السباعي.
5- ياسين الحافظ.
6- إلياس مرقص.
كما أفرزت الحياة السياسية السورية شخصيات سياسية كانت تأثيراتها متخطية للحدود السورية:
1- سعد الله الجابري الذي كانت تأثيراته كبيرة في لبنان وبخاصة على رياض الصلح.
2- عبد الرحمن الشهبندر الذي قدم فكراً ليبرالياً علمانياً في بيئة دمشقية محافظة مما أدى لاغتياله في عيادته بدمشق عام 1940.
3- ميشال عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني حيث كان حزب البعث من دمشق يقود تنظيمات قطرية تمتد من الخليج إلى المحيط ومن دمشق إلى عدن.
4- خالد بكداش الذي كانت تأثيراته ممتدة إلى الشيوعيين العراقيين والأردنيين واللبنانيين.
5- ياسين الحافظ من خلال «حزب العمال الثوري العربي» الذي كانت تأثيراته ممتدة إلى العراق ولبنان منذ تأسيسه عام 1965.
أيضاً، أفرزت الحياة السياسية السورية شخصيات كانت متميزة بمهاراتها السياسية بالقياس عربياً، سواء كانت في السلطة أو المعارضة: 1- خالد بكداش، 2- أكرم الحوراني، 3- رشدي الكيخيا، 4- فارس الخوري، 5- خالد العظم، 6- صلاح جديد، 7- حافظ الأسد، 8- جمال الأتاسي، 9- يوسف الفيصل، 10- رياض الترك، 11- علي صدر الدين البيانوني.
كذلك أفرزت الحياة السياسية السورية تأسيسات غير مسبوقة عربياً:
1- انفتاح عروبيين بعثيين على الماركسية من خلال تجربة «حزب العمال الثوري العربي» عام 1965.
2- انفتاح ناصري على الماركسية، مثل الدكتور جمال الأتاسي منذ عام 1968.
3- تجربة الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) منذ 1972 حيث مثَّلت أول تمرد شيوعي عربي على سلطة المركز السوفياتي، وأول محاولة لانفتاح شيوعي عربي على البيئة العروبية ــ السورية المحلية وعلى قضيتي «الوحدة العربية» و«فلسطين»، وأول تجربة حزبية يسارية سورية وعربية تعيد الانفتاح عبر وثائق مؤتمر الحزب الخامس في كانون أول 1978 على «مفهوم الديمقراطية» بمعناه البرجوازي بعد أن كان الجميع، من اليساريين الماركسيين والعروبيين، يسبحون في بحار «ديكتاتورية البروليتاريا» و «الديموقراطية الثورية» و «الديمقراطية الشعبية» لعقود خلت.
كانت المعارضة السورية التي تبلورت ضد السلطة منذ التدخل السوري العسكري في لبنان في حزيران 1976 حصيلة التقاء أحزاب مختلفة: الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، حزب الاتحاد الاشتراكي بزعامة الدكتور جمال الأتاسي، حركة الاشتراكيين العرب بزعامة أكرم الحوراني، حزب العمال الثوري العربي، حركة 23 شباط التي تابعت تجربة البعث بزعامة صلاح جديد بعد سقوط سلطتها يوم 16 تشرين ثاني 1970، حيث بدأ لقاء هذه الأحزاب والحركات الخمس منذ عام 1976 ثم تبلور في كانون أول 1979 عبر التوقيع على «ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي» قبل أن يصدر بيانه السياسي الأول يوم 18 آذار 1980.
كان هذا اللقاء هو البلورة الكيانية والبرنامجية الأولى للمعارضة السورية لسلطة ما بعد 16 تشرين ثاني 1970. في شهر آب 1976 تشكلت «رابطة العمل الشيوعي في سورية» قبل أن تتحول في آب 1981 إلى «حزب العمل الشيوعي»، وقد مثلت تجربة متميزة عربياً، مثل تجربة «منظمة العمل الشيوعي» في لبنان و«الحزب الاشتراكي» اليمني، على تحول عروبيين باتجاه الماركسية أتت قياداتهم بمعظمها من رحم «بعث 23 شباط» و «حركة القوميين العرب» و «حركة الاشتراكيين العرب».
في صيف 1979 دخلت جماعة «الإخوان المسلمين» بفصائلها الثلاثة: «تنظيم الطليعة» الذي قام بمجزرة مدرسة المدفعية في حلب يوم 16 حزيران 1979، وهو متأثر بأفكار سيد قطب، و «التنظيم العام» الذي يتبع «مكتب الإرشاد العالمي» في القاهرة، و «تنظيم الطلائع الاسلامية» بزعامة عصام العطار، في صدام عسكري ــ سياسي مع السلطة، قبل أن تتوحد هذه الفصائل في كانون أول 1980 وتشكل “قيادة الوفاق”.
في مرحلة المعارضة السورية لفترة حزيران 1976 ــ نهاية شباط 1982عند ما بدأ صيام المجتمع السوري عن السياسة لما قادت هزيمة «الإخوان المسلمين» العسكرية في حماة أمام السلطة إلى انتصار أمني للسلطة أتبعته (وسبقته بضربة خريف 1980 للحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي) بضرب «حزب العمل الشيوعي» في آذار 1982 وصولاً إلى الضربة الكبرى لهذا الحزب في آب ــ أيلول 1987، وبضرب «بعث 23 شباط» في أيار 1982 – يلاحظ أن رسم السياسات عند المعارضين كان ينطلق من برامج ومن استراتيجيات وتكتيكات وأن الحركة العملية السياسية كانت تبنى من خلال هذه الأقانيم الثلاث وعبر قياس التوازنات والممكنات، وقد كانت تلك الأقانيم الثلاث تمسك مسطرة التوازنات والممكنات لقياس ارتفاعها أو نزولها كما جرى منذ نيسان – حزيران 1980 لما رأى الدكتور جمال الأتاسي، وأيضاً الدكتور أحمد فايز الفواز من قيادة الحزب الشيوعي (المكتب السياسي)، بأن التوازنات قد بدأت تميل لمصلحة السلطة وأن من الضروري تخفيف النبرة المعارضة عند «التجمع» وتقديم تنازلات تكتيكية، مثل إدانة عنف «الاخوان» المسلح بدل تكتيك «السكوت عنه»، فيما كان رأي الأستاذ رياض الترك معاكساً لهما.
في مرحلة ما بعد شباط 1982، مع الصيام السكوتي للمجتمع السوري عن السياسة مع انتصار السلطة الأمني على «الإخوان» وضربها لباقي فصائل المعارضة السورية، أصبحت المعارضة في وضعية «بقايا أحزاب» وقد أصبحت هي وقياداتها وكوادرها وأعضائها، سواء الملاحقون أمنياً أو السريون والمسجونون والمنفيون، في وضعية السمك خارج الماء. منذ كانون أول 1989 برزت أساليب جديدة عند المعارضين في «التجمع»، بتأثير الدكتور الأتاسي وقيادة ما بعد يوم 5 أيلول 1987 للحزب الشيوعي-المكتب السياسي: طرح استراتيجية اصلاحية بدل الاستراتيجية التغييرية التي كانت مطروحة في ميثاق وبيان «التجمع». التكتيك هو الحفاظ على النفس وتفادي الضربات الأمنية ولو كان ذلك عبر تقديم بعض التنازلات، مثل تأييد «مؤتمر مدريد» في افتتاحية جريدة «الموقف الديمقراطي» للعدد 6 الصادر في أوائل تشرين ثاني 1991 ولو بصيغة متحفظة كان فيها انتقال أول عند المعارضة السورية من رفض «التسوية مع اسرائيل» إلى وضع آخر، حيث أن «النهج المعارض في هذه المرحلة والحساسة ينبغي أن يتقارب في جانبه السياسي ليتعامل أكثر مع معطيات الواقع… وألا يستند فقط إلى المبادئ والنظريات المجردة والمواقف السلبية الرافضة» (ص6).
في المقابل بين شباط 1991 تاريخ أول عدد من «الموقف الديمقراطي» وحتى يوم وفاة الرئيس حافظ الأسد في 10 حزيران 2000 يلاحظ افتقاد الجريدة الناطقة للتجمع إلى سياسة المعارضة الجبهية للسلطة ومداراتها وابتعادها من المواقف الصدامية. كان رأي الدكتور جمال الأتاسي، وفق رسالة بعثها في تموز 1993 لسجناء أحزاب «التجمع» في القسم السياسي لسجن عدرا، أن يتم “تفادي الصدام. التركيز على فتح كوات في جدار القمع، والتخلي عن الاستراتيجية التغييرية لصالح استراتيجية اصلاحية”.
كانت مرحلة ما بعد 10 حزيران 2000 جديدة عند المعارضة: لم يعد هناك بناء لبرامج واستراتيجيات وتكتيكات وقياسها بالتوازنات والممكنات كما في مرحلتي 1976-1982 و 1989-2000، بل بناء السياسات من خلال «دلالة الآخر» عبر المراهنة عليه: المراهنة على «التيار الإصلاحي» في العهد الجديد.
بعد سقوط بغداد يوم 9 نيسان 2003 التحول عند المراهنين أنفسهم تقريباً على «اصلاحيي العهد الجديد» إلى المراهنة على «رياح غربية ستهب على دمشق» مثل التي هبت على بغداد، وقد تبلور هذا أكثر بعد صدام واشنطن ودمشق في بلاد الأرز في ربيع 2005، وقد كانت ولادة «اعلان دمشق» في 16 تشرين أول 2005 محاولة لترجمة سورية لما فعلته جماعة 14 آذار في بيروت قبل أشهر من ذلك وبأن ما جرى في بيروت آنذاك سيكون له ترجمات في دمشق.
لم تكن واشنطن كما أوضحت تصريحات أميركية تريد أكثر من «تغيير سياسات السلطة السورية» وبالذات في العراق وليس «تغيير النظام»، لذلك اصطدم «اعلان دمشق» بالحائط، ولكنه لم يتعلم شيئاً، لهذا رأيناه يستمر في سياسة «بناء السياسات بدلالة الآخر» نفسها، ولكن بالانتقال من موقع التشدد المعارض إلى الاعتدال كما حصل في بيان 5 أيلول 2008 المراهن على أن انفتاح ساركوزي على دمشق يمكن أن يخفف من الضغط على المعارضين السوريين أو أن يؤدي إلى «انفتاح داخلي»، وهو ما رأيناه أيضاً تجاه أوباما في تصريح لوكالة «رويترز» يوم 31 أيار 2009 من قبل الأستاذ رياض الترك لما رأى بأن «جهود الولايات المتحدة لتحسين الروابط مع دمشق ربما تخدم الإصلاح الديمقراطي”.
وأظهرت مرحلة ما بعد 10 حزيران 2000 انخفاض مستوى نوعي عند المعارضة السورية، بعيداً عن بناء السياسة وفق منطق حرفة السياسة، حيث تبنى السياسات ببرنامجها واستراتيجيتها وتكتيكاتها من خلال التوازنات والممكنات وليس بأن ترسم السياسات من خلال ما «نقرأه عند الآخر» وأن تبنى رهانات تحدد الحركة والأهداف من خلال تلك القراءة التي غالباً ما تكون رغبوية وليست واقعية. أيضاً كان أحد علامات هذا الانخفاض في المستوى سرعة تحول يساريين ماركسيين وشيوعيين نحو «الليبرالية الجديدة» ليس عبر عملية فكرية يتم الانتقال عبرها من موقع فكري- سياسي إلى آخر وإنما من خلال خلع قميص واستبداله بآخر على عجل من خلال مراهنة على أن ما جرى في بغداد 9 نيسان 2003 ستكون له ترجمات في دمشق ليكون «الفكر» صدى للسياسة وليس العكس ومن دون أن يكون لهذا الفكر قوام نظري واضح المعالم والحدود.
يمكن تفسير انخفاض المستوى هذا ببعد المعارضة السورية من الماء الاجتماعي طوال مرحلة ما بعد شهر شباط 1982 وبالتالي عملياً من عدم وجودها الفعلي في ملعب السياسة ما جعلها مثل لاعب كرة القدم لما يفقد لياقته ومهاراته بحكم ابتعاده المديد من الملعب. كانت بعض علامات هذا الانخفاض قد ظهرت في التسعينيات ولكن لم يكن هذا مستفحلاً كما في العشرية الأولى من القرن الجديد. لوحظ أيضاً مع هذا الانخفاض، وبخاصة منذ عام 2004، ضعف الكثير من المعارضين أمام المال والعروض التي بدأ يقدمها الغرب الأوروبي-الأميركي، وقد كان هناك افساد غربي مقصود للمعارضين السوريين من أجل شراء «نخبة» تماماً كما جرى مع المعارضة العراقية في مرحلة ما بعد حرب 1991، وقد كان الكثير من المعارضين السوريين يفوقون أشباههم العراقيين في القابلية للشراء وبأسعار أرخص.
عندما قام المجتمع السوري، معارضة وموالاة ومترددين، بكسر صيامه عن السياسة مع انفجار الأزمة السورية منذ درعا 18 آذار 2011 بعد صيام استغرق تسعاً وعشرين سنة، بان مقدار انخفاض مستوى المعارضة السورية، والتي كانت أسوأ معارضة من حيث مستوى الأداء والنتائج بالقياس إلى المعارضات في البلدان العربية الأربعة التي انفجرت بلدانها أيضاً في تلك الفترة: تونس ومصر واليمن وليبيا. كان هناك حراك عفوي حاول المعارضون ملاقاته. لم يضعوا له برنامج واستراتيجيات وتكتيكات وفق التوازنات والممكنات، بل قاموا بعزف معزوفة «الشعب يريد» وطبقوا مقولة «ما يطلبه الجمهور»، فيما كان الشعب السوري مقسوماً، وما زال، إلى ثلاثة أثلاث: موالاة ومعارضة ومترددون.
لم يكن المعارضون القدماء في مقدمة الحراك بل فئة جديدة من الشباب بلا خبرة ولا معرفة بالسياسة، وقد فرضوا على المعارضين القدماء السير وراء شعاراتهم، وقد رأى الأخيرون بغالبيتهم العظمى أن لا مناص لهم من ذلك، واقتصر دورهم على قولبة هذه الشعارات وتحويلها إلى بيانات ولم تصل إلى مستوى البرنامج والاستراتيجيات والتكتيكات ومن ثم قياسها بالتوازنات والممكنات. رأينا القفزات خلال ستة أشهر وراء «الحراك» من مطالب «اصلاحية» إلى «تغييرية» ثم إلى شعار «إسقاط النظام». وعندما بان العجز عن ذلك كان أغلب المعارضين محبذين لـ «خيار العنف المعارض» ثم «طلب التدخل العسكري الخارجي».
لم يستغرق المرور بهذه القفزات الخمس أكثر من تسعة أشهر فاصلة بين درعا ونهاية عام 2011. وقد كان «المجلس الوطني السوري»، المعلن تشكيله يوم 2 تشرين أول 2011 بمكوناته من «الإخوان المسلمون» و «اعلان دمشق» و «شباب الحراك»، تجسيداً لهذه القفزات الخمس قبل ولادته وبعدها. كانت «هيئة التنسيق»، المؤسسة منذ 25 حزيران 2011 والتي طرحت «التسوية التاريخية» واللاءات الثلاث للتدخل الخارجي وللعنف وللطائفية، معزولة وضعيفة شعبياً، ولم ترفع رأسها إلا منذ عام 2014 لما ارتطم المعارضون الآخرون بحائط الفشل وكانت حصيلتهم صفرية وكارثية.
يمكن لمقولة «السمك خارج الماء» أن تفسر ضعف الأداء بعد عودة السمك إليه إثر غياب استغرق تسعة وعشرين عاماً، ولكن الماء كان قد تغير ولم يعد كالسابق، كما أن السمك القديم كان قد شاخ وترهل. الأرجح أن مقولة «ابتعاد اللاعب عن الملاعب»، وفقدان اللياقة التي بانت عند النزول للملعب بعد غياب طويل، يمكن أن تكمل تلك المقولة. إذا وضعت هاتين المقولتين، مع تعقيدات الأزمة السورية التي كانت التكثيف الأبرز للصراع الدولي -الإقليمي في فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة عام 1989 من أية أزمة أخرى، وارتهان الكثير من المعارضين السوريين للخارج الدولي والإقليمي، فمن الممكن الوصول إلى مقاربة أكثر للإجابة على سؤال: “لماذا الانخفاض في مستوى المعارضة السورية؟”.
حول الحراك اللبناني
جمال عامر
اندلع الحراك اللبناني في ظرف إقليمي محتدم فمن جهة هناك صراع حول بنود الاتفاق النووي الايراني ومن جهة اخرى هناك خلاف حول النفوذ ( العراق وسوريا واليمن ) وأفق الحل السياسي في اليمن وسوريا ، كل هذا كان له انعكاساته على الوضع الداخلي اللبناني وتحديد للتقاربات والتباعدات في سياسات القوى اللبنانية خاصة مع الطبيعة الكومبرادورية البرجوازية اللبنانية التي تتحكم بمفاصل السلطة الطائفية الحاكمة التابعة بشكل أو بآخر لأجندة ومشاريع خارجيين، وهذا ما يطرح إمكانيات إنجاز التغيير الوطني الديمقراطي في ظل هذه التوازنات وتقديم خطاب تُجمع عليه كافة القوى الاجتماعية والسياسية التي لها مصلحة في التغيير وهدم النظام الطائفي خاصة مع موجات التحركات الشعبية في العالم العربي التي تنادي بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية في مواجهة انظمة الإذلال والاستبداد الاقتصادي والسياسي وحتى أنظمة العائلة الأبوية التي تشرعنها هذه الأنظمة وتحميها كونها تحميها في مواجهة حركات التغيير.
لا بد من الوصول لبعض الاستنتاجات التي فرضها الحراك اللبناني الذي قدم خطاب مدني ووطني جامع بين القوى الوطنية الديمقراطية اللبنانية، فلا شك فيه تعيش السلطة اللبنانية ازمة ثورية فمن جهة ممنوع عليها الرجوع بلبنان الى الخلف لتحاصص طائفي جديد ومن جهة أخرى تخاف من التقدم للمستقبل في حال القيام بإصلاحات تؤدي لوضع جديد غير مسيطر عليه وذلك مع تزايد الإلحاح لتقوم الدولة اللبنانية بإصلاحات وتتجاوز النظام الطائفي.
أولاً:
فضح الحراك اللبناني لكل القوى الديمقراطية في لبنان وخارجها السلطة السياسية والنظام الطائفي التي وصفها مهدي عامل بأنه نظام السيطرة للبرجوازية الكولونيالية (الكومبرادورية) اللبنانية في تبعيتها البنيوية للمراكز الإمبريالية بالتالي فضح السلطة التي هي تحالف بين أمراء الطوائف الطفيليين الكولونياليين (الكومبرادوريين) الذين ليس لديهم مشروع وطني يمكن فيه حلحلة الأزمات الاقتصادية والانتقال بالمجتمع اللبناني نحو المدنية والانتقال بالدولة من دولة تحالف طائفي الى دولة وطنية مدنية ديمقراطية تحفظ حقوق الإنسان والمرأة والطفل وتصون كرامة المواطن اللبناني وتحقق العدالة الاجتماعية في سياق نهج قومي مقاوم للمشروع الامبريالي الامريكي الصهيوني في المنطقة العربية.
ما زالت القوى الطائفية اللبنانية تلعب على حبل الطائفية وتحاول جاهدة ترسيخ النظام الطائفي من خلال اعادة تشكيل حكومة محاصصة طائفية بعيدا عن رغبة المتظاهرين الذين وصلوا للمليون متظاهر وهذا التقييم إذا أخذ في ظل دول استبدادية يجب ضرب كل متظاهر بعشرين شخص يخافون النزول في التظاهرات او ليست لديهم القدرة ولا يملكون الإمكانيات للمشاركة في التظاهرات.
تطرح الانتفاضة اللبنانية مهمة تحديد القوى الاجتماعية التي ترغب في التغيير الوطني الديمقراطي وتلك المحافظة لتحديد امكانية تشكيل تحالف طبقي سياسي بين القوى الفاعلة إن كان الاجتماعية أو السياسية وفق برنامج تغيير وطني ديمقراطي من خلال مشاركة العمال بأحزابهم السياسية وقواهم النقابية والحركات النسوية والعاطلين عن العمل والطلبة والفئات الوسطى المتضررة معيشتها من السياسات الحكومية والمتجاوزة في وعي قسم منها للفكر الطائفي .لقلب موازين القوى من خلال امكانيات العمل الديمقراطي بدءا من الاضرابات العمالية والشعبية الى العصيان المدني.
ثانياً:
هذا الخطاب الوطني الذي قدمه الحراك يعد إنجاز وطني ضخم متفارق مع اللغة المذهبية والطائفية ومتجاوز لها في المطالب التي طرحها والشعارات التي رفعها على الرغم من لعب بعض القوى اللبنانية على تحويل هذه الانتفاضة لصراع طائفي وهذا ما عمل على فضحه المتظاهرين من خلال فضح القوى الطائفية التي وراءه.
ثالثاً:
قال منسقي الحراك اللبناني والمتظاهرين لا مكان لقوى هي أداة لقوى خارجية ومشاريع اقليمية في لبنان وأن لبنان يجب إبعاده عن مختلف المشاريع الخارجية التي تضر بمصالح المجتمع اللبناني ككل، وهذا الموقف الذي طرحه المتظاهرين يطرح العديد من التساؤلات أولها هل لبنان بسبب الطبيعة الكولنيالية (الكومبرادورية)التابعة ذات الشكل الطائفي للبرجوازية اللبنانية مقدم على حرب اهلية بسبب التوازنات المحلية وارتباطها بالخارج الاقليمي والدولي ام مقبل على هدم للنظام الطائفي من خلال الحرب ذات الابعاد الوطنية وهل هذه الحرب هي تمهد للتغيير الوطني الديمقراطي ام ان السلاح يؤدي لأقلمة الانتفاضة وتدويلها خاصة مع عدم رغبة بعض القوى الأساسية في النظام الطائفي بالتغيير الوطني الديمقراطي فهي هذه القوى ذات ابعاد طائفية مذهبية لا تمت لمشروع التغيير الوطني الديمقراطي بأي صلة فيبقى السؤال الأخير وهو لبنان إلى أين ذاهب في ظل هذه التوازنات؟
لا بد من توضيح ان انتفاضات الشعوب العربية تأتي مثل حلقات وكل حلقة تحيي الأخرى فالعراق ثم بعدها جاء لبنان لتبين هذه الانتفاضات الارتباطات بين المجتمعات العربية كونها تحمل رسالة واحدة وهي إزالة أنظمة الاستبداد الكولونيالي (الكومبرادوري) الطبقي والكولونيالي (الكومبرادوري) الطائفي وبناء مشروع عربي مقاوم للهيمنة الامبريالية من خلال تصنيع الاقتصاد العربي بكافة قطاعاته وفك التبعية وتحقيق مهام المرحلة البرجوازية في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة كونها مهمة لا بد من إنجازها في ظل موازين هذه المرحلة التي التي تعبر عن تدهور الأنظمة العربية بأكملها وتدهور وتفكك البنيات الاجتماعية التي تحكمها التي تسببها هذه الانظمة بالذات.
لمحة عن الاقتصاد التركي المعاصر
نادر عازر
مرَّ الاقتصاد التركي بتحولات عديدة منذ سبعينيات القرن الماضي، ودخل بفترة ركود وعانى من تضخم شديد، ثم أُدخلت إليه إصلاحات هيكلية، وأُطلقت عملة “الليرة التركية الجديدة”، ووُسِّع باب الاستثمار فانتعشت الصناعة والتجارة والسياحة، لكن فترات الاضطراب السياسي ومحاولة الانقلاب الفاشلة عام ٢٠١٦، والإجراءات القمعية الداخلية لحزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، والانخراط في صراعات إقليمية، ومواصلة اعتماد البلاد الكبير على الاقتراض بالعملة الصعبة، أعادت جميعها الاضطراب للاقتصاد وتدهورت قيمة العملة، وبدأ المستثمرون بالهروب.
يعتبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن اقتصاد تركيا هو اقتصاد سوق ناشئ، وأن دخل المواطن فيها هو متوسط-مرتفع من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ويعادل ٦٤٪ من متوسط دخل مواطني الاتحاد الأوروبي في عام ٢٠١٨.
كما يعرّف اقتصاديون وعلماء سياسة تركيا على أنها إحدى الدول الصناعية الجديدة في العالم.
وفيما تتركز ثروة البلاد في غربها وشمالها الغربي، يعاني الشرق والجنوب الشرقي من الفقر والبطالة وضعف الإنتاج الاقتصادي، أما مناطق وسط تركيا بدأت تصل إلى مستويات اقتصادية أعلى.
تركيا هي عضو مؤسس في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD عام ١٩٦١، ومنتدى مجموعة العشرين G20 عام ١٩٩٩ الذي يمثل ثلثي التجارة في العالم. ولدى تركيا اتفاقية جمركية مع الاتحاد الأوروبي منذ العام ١٩٩٥، استفادت منها في الاستثمار وزيادة الصادرات. كما لديها اتفاقيات تجارة حرة مع أكثر من عشرين دولة.
يعتمد اقتصاد تركيا إلى حد كبير على الصناعة وقطاع الخدمات بشكل متزايد، على الرغم من أن قطاع الزراعة التقليدي لا يزال يمثل حوالي ربع القوة العاملة.
من نقاط ضعف الاقتصاد التركي، الميل إلى الادخار المنخفض، والاقتراض الكبير للمصارف والشركات بالعملات الأجنبية، والاعتماد الكثيف على تدفقات الاستثمار الخارجي، مما يجعل الاقتصاد عرضة للأزمات، والعجز عن سداد القروض، وسهولة تزعزع ثقة المستثمرين.
بعد أن عانت تركيا من أزمة مالية حادة عام ٢٠٠١، تبنّت إصلاحات مالية واقتصادية كجزء من برنامج صندوق النقد الدولي، وبدأ النمو الاقتصادي منذ عام ٢٠٠٣، وأطلقت عام ٢٠٠٥ عملتها “الليرة التركية الجديدة”، لتستبدل القديمة التي فقدت الكثير من قيمتها بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، وعانى خلالها الاقتصاد من تضخم كبير، فأصبحت الليرة الجديدة الواحدة تساوي مليون ليرة قديمة، وأزيلت بالتالي ستة أصفار منها.
دخلت بعدها تركيا في حقبة من النمو القوي، بلغ متوسطه أكثر من ٦٪ سنوياً حتى عام ٢٠٠٨ الذي شهد أزمة مالية عالمية، لكن التنظيم الجيد لسوق المال والنظام المصرفي، ساهم في مواجهة الأزمة وانتعش نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي ٩٪ في عامي ٢٠١٠ و٢٠١١، كما تعافت الصادرات والاستثمارات.
لكن الاضطرابات السياسية في الأعوام الأخيرة، جراء محاولة الانقلاب الفاشلة عام ٢٠١٦، وحملات الاعتقالات والقمع المتتالية للمعارضة، واضطهاد وسائل الإعلام والصحفيين، والتوترات مع معظم دول الجوار، أثّرت في النمو الاقتصادي، وأدت إلى تدهور قيمة العملة أمام الدولار الأمريكي، بعد أن قوّضت ثقة القطاع الخاص بالنظام القضائي وسيادة القانون، ونشرت مخاوف أمنية، حيث استخدمت مؤسسات الدولة والاقتصاد لاستهداف المعارضين السياسيين، وازداد استبداد حزب العدالة والتنمية الحاكم.
في عامي ٢٠١٦ و٢٠١٧ لوحدهما، غادر تركيا أكثر من عشرة آلاف مستثمر ممن يمتلكون أصولاً صافية تزيد عن مليون دولار.
ومنذ العام ٢٠١٦ تقوم وكالات التصنيف الائتماني العالمية بخفض تصنيف ديون تركيا السيادية إلى مرتبة عالية المخاطر، وعلى أنها منطقة غير مرغوب بها، مشيرة إلى القلق المتزايد بشأن توقعات التضخم وسط عمليات بيع الليرة التركية.
ركزت سياسات أردوغان عبر سنوات حكمه على تغذية قطاع البناء، وتسهيل الإقراض والإنفاق الحكومي، حيث ينشط العديد من حلفائه التجاريين، ما تسبب بطفرة وجود منازل غير مباعة وصل عددها للمليونين عام ٢٠١٨، وهو تراكم بقيمة ثلاثة أضعاف بما يحصل سنوياً.
كما تسببت السياسات المالية الحكومية عام ٢٠١٨ بأزمة ديون بالعملات الاجنبية، وانخفاض في قيمة العملة التركية، وارتفع التضخم وتكاليف الاقتراض والتخلف عن سداد القروض، ما أدى إلى توقف مسيرة النمو.
وفي ١٠ آب/أغسطس ٢٠١٨، وبسبب تغريدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على موقع تويتر حول مضاعفة الرسوم الجمركية على الفولاذ والألمنيوم التركي، ضعفت العملة ١٧٪ أمام الدولار، ثم فقدت ما يقرب من ثلاثين في المائة من قيمتها في ذلك العام، ودخلت تركيا في حالة ركود.
بحسب تصنيفي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للعام ٢٠١٩، فإن تركيا تحتل المرتبة التاسعة عشر من حيث الناتج المحلي الإجمالي وعدد سكانها ثلاثة وثمانين مليون نسمة، ويأتي قبلها السعودية التي عدد سكانها أربع وثلاثين مليوناً، وبعدها سويسرا بثمانية ملايين نسمة.
وبحسب تقديرات العام ٢٠١٧، فإن القوى العاملة في تركيا يزيد عددها عن ٣١ مليون، وهذا لا يشمل اللاجئين ولا حوالي ١,٢ مليون تركي يعملون في الخارج.
ويعمل أكثر من نصف القوى العاملة في تركيا في القطاع الخدمي، وربعها في القطاع الصناعي، أما الباقي يعمل في الزراعة والقطاعات الأخرى.
بلغ معدل البطالة ١٣,٧ في المائة عام ٢٠١٩، بعد أن كان ١٠,٣ في المائة عام ٢٠١٥.
بلغت نسبة المواطنين تحت خط الفقر ٢١,٩ بالمائة عام ٢٠١٥.
احتياطيات النقد الأجنبي انخفضت إلى ٧٨,٦ مليار دولار عام ٢٠١٩ بعد أن كانت ٩٢,٩ مليار عام ٢٠١٥.
بلغ الدَّين الخارجي عام ٢٠١٧ أكثر من ٤٥٢ مليار دولار، أي ٥٣ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ليرتفع الدَّين إلى ٥٨ في المائة منه عام ٢٠١٩.
وجاء نمو الناتج المحلي الإجمالي على الشكل التالي:
٧,٤٪ (تقديرات عام ٢٠١٧)
٣,٢٪ (تقديرات عام ٢٠١٦)
٦,١٪ (تقديرات عام ٢٠١٥)
أما مساهمة القطاعات الرئيسية في الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لتقديرات العام ٢٠١٧ كانت:
الخدمات: ٦٠,٧٪.
الصناعة: ٣٢,٣٪.
الزراعة: ٦,٨٪.
تاريخياً، كان مزارعو تركيا مجزأون إلى حد ما، ووفقاً لإحصاءات العام ١٩٩٠، فإن ٨٥٪ من الأراضي الزراعية كانت أقل من ١٠ هكتارات، و٥٧٪ منها مجزأة إلى قطع زراعية غير متجاورة.
لكن خلال العقود الأخيرة، نفذت مشاريع عديدة من سدود ومحطات طاقة وري، واعتباراً من العام ٢٠١٦، أصبحت تركيا أكبر منتج في العالم للبندق والكرز والتين والمشمش والرمان، وثاني أكبر منتج للسفرجل والبطيخ، وثالث أكبر منتج للخيار والفليفلة الخضراء والعدس والفستق، ورابع أكبر منتج للتفاح والطماطم والباذنجان والزيتون، وخامس أكبر منتج للشاي والحمّص وقطع السكر، وسادس أكبر منتج للوز والبصل، وسابع أكبر منتج للحمضيات والقطن، وثامن أكبر منتج للشعير. كما لديها إنتاج مميز من التبغ والحبوب والبقوليات.
رغم الإنتاج الزراعي الكبير إلا أن حصة الزراعة في الناتج الإجمالي المحلي بدأت بالتقلص منذ عام ١٩٨٠، وتأثرت بالتغير المناخي في تركيا، مقابل توسّع قطاعي الصناعة والخدمات.
أظهرت الثروة الحيوانية، تحسناً في الإنتاجية، وساهمت منتجات المواشي، بما في ذلك اللحوم والحليب والصوف والبيض، إلى جانب صيد الأسماك، في أكثر من ثلث قيمة الإنتاج الزراعي.
تعتبر السياحة واحدة من أكثر القطاعات ديناميكية والأسرع نمواً في تركيا، ويوجد فيها فنادق من الأفضل في العالم، وعلى مر السنين برزت تركيا كوجهة سياحية مرغوبة للعديد من الأوروبيين، متنافسة مع اليونان وإيطاليا وإسبانيا.
جذبت تركيا عددا قياسياً من الزوار بلغ ٥١,٩ مليون شخص عام ٢٠١٩، بزيادة قدرها ١٣,٧٪ عن العام السابق، وكان ٨٦٪ منهم سياح أجانب والباقي مواطنون مقيمين في الخارج. وكانت إسطنبول وجهة ثلث الزوار، تليها أنطاليا ومقاطعة أدرنة في الشمال الغربي. وشكّل الروس ١٥,٦٪ من السياح، أي حوالي ٧ ملايين شخص، تليها ألمانيا ١١,٢٪، وبلغاريا ٦٪، وبلغت عائدات السياحة ٣٤,٥ مليار دولار، لكن وبسبب أزمة كورونا فإن عدد السياح انخفض بنسبة ٨٦٪ عام ٢٠٢٠.
تعتبر تركيا دولة منتجة للنفط والغاز الطبيعي، لكن مستوى الإنتاج لا يكفي حاجتها الداخلية، ما يضطرها للاستيراد بشكل كبير، والعمل على توسيع الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية السلمية. يمر عبرها أنابيب نفط وغاز من أذربيجان وروسيا وإيران، كما اكتشفت تركيا حقلاً كبيراً للغاز في البحر الأسود عام ٢٠٢٠.
لدى تركيا بنية تحتية جيدة من مطارات وطرق برية وسكك حديد ومرافئ، وهناك استثمارات أجنبية عديدة لصانعي السيارات وقطع الغيار، وتتركز في منطقة مرمرة، وتشمل شركات تويوتا ورينو وهيونداي وفيات وهوندا وفورد، كما توجد شركات تركية خالصة للحافلات والشاحنات مثل تيمسا وأوتوكار وبي إم سي.
أنتجت تركيا عام ٢٠١٥ أكثر من ١,٣ مليون سيارة، لتحتل المرتبة الرابعة عشر في العالم.
تشمل الصناعات العسكرية التركية دبابات وفرقاطات ومدافع وصواريخ متنوعة وطائرات هليكوبتر، كما أطلقت أقماراً صناعية عسكرية واستخباراتية مبنية محلياً، وتعمل على تطوير طائرات. عام ٢٠٠٢، أصبحت شريكاً في برنامج تطوير طائرة F-35 الأمريكية لكن واشنطن أنهت شراكتها في المشروع عام ٢٠١٩. بلغت صادرات تركيا من السلاح ٢,٧ مليار دولار عام ٢٠١٩.
عملت الحكومات التركية المتعاقبة على تطوير العلوم والتكنولوجيا والصناعة وجذب الاستثمار، وازدادت أهمية صناعة السلاح والسيارات والبتروكيماويات والإلكترونيات، وتجاوزت المنسوجات والملابس في مزيج الصادرات التركي التي تشمل أجهزة التلفاز والأدوات المنزلية والكهربائية، ومواد البناء والخشب والورق، إلى جانب والخضروات والفواكه والمواد الغذائية ومعدات النقل، وأكثر من ٦٠ نوعاً من المعادن المختلفة تشمل خام الحديد والنحاس والكروم واليورانيوم والزئبق والذهب، إضافة إلى الرخام وأملاح البورون والفحم.
بلغ مجموع الصادرات التركية ١٨٢ مليار دولار عام ٢٠١٩، بعد أن كان ١٥٥ مليار عام ٢٠١٥.
وفي العام ٢٠١٨، توجّهت نصف الصادرات التركية إلى الاتحاد الأوروبي، وخاصة ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، كما كانت ٦٪ من الصادرات إلى الإمارات العربية المتحدة، و٥,٨٪ إلى العراق، و٥,٥٪ إلى الولايات المتحدة، وأيضاً إلى روسيا والعراق والصين.
بلغت الواردات إلى تركيا ١٩٩ مليار دولار عام ٢٠١٩، مقابل ٢٠٤ مليار دولار عام ٢٠١٥، وشملت آلات متنوعة ومنتجات بتروكيماوية وسلع نصف مصنعة، ووقود ومعدات نقل، وتعتبر أكثر الدول المورّدة بالترتيب: الصين بنسبة ١٠٪، وألمانيا ٩,١٪، وروسيا ٨,٤٪، والولايات المتحدة ٥,١٪، وإيطاليا ٤,٨٪.
في العام الجاري ٢٠٢٠، فقدت العملة التركية ٢٥٪ من قيمتها، لأسباب عديدة، أهمها المخاوف من تبدد احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي، والتدخلات المُكلفة في سوق العملة، واستمرار فرار المستثمرين، والمخاوف من عقوبات أمريكية محتملة، وانخراط تركيا في صراعات إقليمية في ليبيا وسوريا وأذربيجان، ومع اليونان وقبرص ومصر والعراق، واضطراب العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، والسجال مع الولايات المتحدة بخصوص منظومة الدفاع الجوي الروسية إس ٤٠٠، ما ينذر بأزمات إما قد تكون وشيكة أو تظهر نتائجها في موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية عام ٢٠٢٣.
المراجع:
البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، موقع فوكوس إيكونوميكس، موقع كتاب حقائق العالم لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، موقع صحيفة حرييت التركية ودايلي صباح.
الألغام السوفياتية المنفجرة وتلك القابلة للانفجار
محمد سيد رصاص
جريدة “الأخبار”-9/10/2020
في يوم 7 تموز\يوليو 1923 أصدر قوميسار (مفوض- ثم عام 1946 استبدل اللقب بالوزير) القوميات في الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين قراراً بضم منطقة ناغورنوكاراباخ إلى أراضي أذربيجان التي كانت منذ 12 آذار\مارس 1922 جزءاً من “الجمهورية الاشتراكية السوفياتية الفيدرالية لعموم القفقاس (القوقاز)” والتي كانت تمتد بين بحري قزوين والأسود وتضم أيضاً أرمينيا وجورجيا وأبخازيا .تأخرت السيطرة البلشفية على أذربيجان حتى عام 1920 وعلى أرمينيا لعام 1921، فيما جورجيا، التي أقام بها منافسو البلاشفة، أي المناشفة، حكماً بها منفصلاً عن موسكو منذ عام 1918،فإن السيطرة البلشفية عليها في شباط 1921 قد قادها اثنان من الجورجيين في قيادة الحزب البلشفي، سيرغو أوردجينيكدزه وستالين. عند طرح فكرة إنشاء جمهورية عموم القفقاس في صيف 1921 عارضها بلاشفة جورجيا الذين جرفتهم الموجة القومية التي اجتاحت الكثير من مناطق روسيا القيصرية بعد ثورتي شباط وأكتوبر 1917، بحكم القمع الروسي المديد أثناء حكم القياصرة، مثل أوكرانيا التي أقام القوميون بها جمهورية عام 1918، وقد كان المناشفة في جمهوريتهم الجورجية يعبرون عن القومية الجورجية أكثر مما يعبرون عن خلافاتهم حول الماركسية والتكتيك الثوري وبنية الحزب التي قادت إلى انشقاق عام 1903 بينهم وبين البلاشفة.
فرض الجورجي ستالين على أبناء قوميته ما أراد لصالح المركز، وعندما قام بخطوته تجاه ناغورنو كاراباخ كان يفعل بالمثل تجاه الأرمن الذين لم يكونوا موافقين على أن يكونوا جزيرة في بحر آذري وغير متصلين برياً بأرمينيا ،ويبدو أنهم كانوا يحدسون بأن تلك الجمهورية القفقاسية لن تعمر طويلاً،وهو ماحصل عند تفكيكها إلى جمهوريات أذربيجان وأرمينيا وجيورجيا عام 1936 مع الدستور السوفياتي الجديد،وربما كانوا يفكرون بأن “تجربة تمازج الشعوب السوفياتية ” لن تنجح وبأن القوميات ستقوم من جديد إن انهارت التجربة السوفياتية.في عام 1988، مع بوادر الانحلال السوفياتي التي مثلتها تجربة بيريسترويكا ميخائيل غورباتشوف،كانت ناغورنو كاراباخ أول انفجار للغم سوفياتي قديم نائم،عندما أعلن الأرمن هناك انفصالهم عن جمهورية أذربيجان.مع تفكك الاتحاد السوفياتي في 26 كانون أول\ديسمبر 1991 دخلت جمهوريتا أذربيجان وأرمينيا في حرب لفترة 1992-1994 بسبب قضية ناغونو كاراباخ انتهت بهدنة بعد أن سيطر الأرمن على كامل منطقة ناغورنو كاراباخ والشريط البري الذي يصلها بجمهورية أرمينيا.
في عام 2006 أجري استفتاء في ناغورنو كاراباخ أتت نتائجه لصالح دستور يشرع استقلال ناغورنو كاراباخ، وهو ما لم يتم الاعتراف به دولياً. في يوم 27 أيلول\سبتمبر 2020 اشتعلت ناغورنو كاراباخ من جديد في حرب أذربيجانية مع أرمن ناغورنو كاراباخ ومع جمهورية أرمينيا،ضمن استقطابات تضم روسيا وإيران وفرنسا مع الأرمن وتركيا مع أذربيجان مع حياد أميركي.
هنا يجب الرجوع للوراء: كان ستالين عام 1913 أول بلشفي يدرس مشكلة القوميات،وبسبب ذلك عينه لينين في منصب مفوض القوميات (المفوضية كانت اختصاصاتها تشمل القوميات غير الروسية) عام 1917. كانت فكرة تجاوز القوميات تعم الماركسيين، وهي كانت أساسية عند البلاشفة في ظل الفسيفساء التي تمثلها روسيا القيصرية، وقد كان ملفتاً أن يتولى الأمر واحداً من أقلية قومية غير روسية،وهو الآتي من القفقاس الذي يمثل خليطاً فسيفسائياً كبيراً من القوميات، لا يضاهيه سوى البلقان ،حيث كذلك كان يتراكب القومي مع الديني(الأذربيجان المسلمون مع الأرمن المسيحيين، الصرب الأرثوذوكس مع الكروات الكاثوليك والأخيران ضد البوسنة المسلمين).
بسبب جمهورية القفقاس الفيدرالية اقترح مفوض القوميات ستالين فكرة إنشاء الاتحاد السوفياتي كاتحاد ما فوق قومي وهو ما تم في 30 كانون أول\ديسمبر 1922، وربما كان حل تلك الجمهورية القفقاسية في 5 كانون أول\ديسمبر 1936 وتفكيكها إلى عناصرها المكونة ارهاصاً مبكراً يوم 26 كانون أول\ديسمبر 1991 عندما تم حل الاتحاد السوفياتي كتجربة أممية ما فوق قومية.
كذلك، في عام 2014 انفجر لغم سوفياتي آخر: بمناسبة الذكرى الثلاثمئة لانضمام الأوكران إلى الدولة الروسية القيصرية عام 1654 اقترح السكرتير الأول للحزب الشيوعي السوفياتي نيكيتا خروتشوف في عام 1954 نقل شبه جزيرة القرم من أراضي جمهورية روسيا السوفياتية إلى أراضي جمهورية أوكرانيا السوفياتية، للتعبير عن “تآخي الشعوب” وعن تحقق الوصول إلى أممية سوفياتية ما فوق قومية.
كان خروتشوف روسياً تولى منصب مسؤول الحزب الشيوعي في جمهورية أوكرانية (1938-1949) أثناء الحرب مع الألمان وقاد المقاومة الشيوعية هناك، ولكنه بالتأكيد لم ينسى أنه بالتوازي مع أغلبية أوكرانية وقفت ضد الألمان فإن بقايا القوميين الأوكران الذين أقاموا دولة 1918-1921 قد تعاونوا مع النازيين وكان لهم قاعدة اجتماعية قوية استيقظت مع الاحتلال الألماني .أراد خروتشوف بخطوة 1954 تأكيد قوة الدولة السوفياتية بعد عام من وفاة ستالين من خلال الايحاء بتجاوز الجروح الروسية- الأوكرانية.عندما أطيح في شباط 2014 عبر ثورة شعبية برئيس أوكراني موال لموسكو قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإعلان ضم أحادي لشبه جزيرة القرم إلى روسيا ، رغم أن وثيقة فك الاتحاد السوفياتي تتضمن الاعتراف المتبادل بالحدود القائمة للجمهوريات السوفياتية ال 15 في يوم 26 كانون أول\ديسمبر1991.لم يكتف بوتين بذلك بل حرك الروس في الشرق الأوكراني (ومعظمهم سكنوا هناك في الفترة السوفياتية وهم يشكلون 17%من سكان أوكرانية) في أعمال مسلحة مدعومة من موسكو قادت إلى فقدان كييف للسيطرة على قسم كبير من الشرق الأوكراني.
كانت الأزمة الأوكرانية وما زالت من أكبر الأزمات الدولية التي يواجهها العالم الآن، مع خطط أميركية-أوروبية لاستقطاب أوكرانية ضمن منظومة حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي (هي وبيلاروسيا حيث الإضطرابات الأخيرة ضد الرئيس لوكاتشينكو، ومع دول البلطيق السوفياتية السابقة: أستونيا- لاتفيا- ليتوانيا، المنضمة لحلف الأطلسي) لإنشاء حاجز جغرافي- سياسي يمنع تواصل روسيا مع القارة الأوروبية، حيث يجب عدم نسيان الرأي الأوروبي، عند أنصار الثورة الفرنسية عامي 1789 1848 وعند كارل ماركس،عن شبح القيصر الروسي المهدد للثورات، ولا رأي اليمين الأوروبي الغربي عن شبح الشيوعية بفترة 1945-1980.
يمكن لقضيتي (ناغورنو كاراباخ) و (شبه جزيرة القرم ومعها الشرق الأوكراني) أن تتضمن تأكيداً على رأي مراكز أبحاث عديدة في الغرب الأميركي-الأوروبي بأن “العالم سينشغل لنصف قرن قادم بتداعيات التفكك السوفياتي عام 1991”. هناك ألغام سوفياتية قابلة للإنفجار، مثل الأراضي التي اقتطعت من بولندا عام 1939 إثر معاهدة ستالين مع هتلر والتي تبلغ مساحتها 179 ألف كيلومتر مربع وتم ضمها للاتحاد السوفياتي، وهي الآن ضمن أراضي جمهوريات أوكرانيا وبيلاروسيا وليتوانيا. في بولندا ما بعد الحقبة السوفياتية يعتبر الكثير من القوميين هناك بأن تلك الأراضي هي أراض بولندية مسلوبة.هناك،أيضاً، المشكلة الكامنة الآن بين رومانية وجمهورية مولدافيا السوفياتية السابقة حول منطقة بسارابيا التي برنامج من أجل التحرر الوطني من السيطرة الأجنبية ومن أجل التوحيد القومي، نجحوا، كما حصل في الصين وفييتنام.
تجربتا ماوتسي تونغ وهوشي منه هي تجربتين ناجحتين بخلاف تجربة لينين-ستالين. لهذا السبب لم يكن مصيرهما مثل الماركسية السوفياتية التي انهارت عام 1991.
سوريا بلد في مهب الريح
مصطفى سعد
2 أكتوبر 2020
درسنا في كتب التاريخ المدرسية كيف افتتح نابليون بونابرت أول خطاب له ب(بسم الله الرحمن الرحيم) عند غزو بلاده لمصر، في الحملة التي امتدت من 1798 إلى 1801، كما أنّه عندما هزم نابليون الجيش البروسي في 15 أكتوبر 1806، دخل ألمانيا فاتحاً وأول عمل قام به هو زيارة الشاعر غوته. سوريا
منذ إعادة الملكية لانكلترا عام 1660، انتشرت الثقافة الفرنسية في قصور المملكة الانكليزية (بريطانيا هي نتيجة توحد انكلترا واسكوتلاندا عام 1707)، مما جعل من ذلك التفوق الثقافي نقطة لصالح فرنسا تعوّض فيها ضعفها العسكري الواضح مقابل الانكليز (ثم البريطانيين)، فعلمت البشرية أسلوباً جديداً في الغزو والاحتلال، متغيراً بحسب الضرورة والخصوصية.
فكانت تغزو بطابع تبشيري وثقافي معتمدة على مشارب عدة كما تقتضي الحاجة، تتبنّى تارة أفكار الثورة الفرنسية معتمدة على أفكار بعض الفلاسفة، أمثال أوغست كونت ومن كان معه من أتباع هنري دو سان سيمون، وفي أحيان أُخر، من النزعة الراديكالية التي مثلها صاحب نداء “أنا أصنع الحرب” الزعيم القوي جورج بنيامين كلمانصو، أو من أفكار الوضعية (رينان) أو من اليسوعية، وحتى من بعض الأفكار الكاثوليكية.
وكما هي عادة أي محتل غالباً ما كان يعمل على ضرب السلم الأهلي وتأجيج الفتن الدينية أو القومية أو المذهبية، لكن بأسلوب خاص وبصمة واضحة، فيدعم هويات ثقافية، خصوصاً من كانت منها تحمل فكراً غير تقليدي ويميل للتغريب، وغالباً أقلوية، لتقف في وجه غيرها من الهويات الثقافية في البلد المُحتل.
ونراها في لبنان كيف اعتمدت على الموارنة دون باقي الطوائف، وفي الجزائر البربر ضد العرب، وفي الفيتنام لم تخرج عن سياستها تلك.
إذن هذا الأسلوب التي تفردت به فرنسا مقارنة مع باقي الدول الاستعمارية التي اعتمدت على القوة المباشرة، لكنها في الوقت نفسه لم تكن “الأم الحنون” إلا لبلد يسمى لبنان، كانت هي من أوجدته على الخارطة كبلد مستقل منذ مئة عام عندما أعلنه الجنرال غورو عام 1920 (دولة لبنان الكبير)، كما وعدت البطريرك الماروني إلياس الحويك، وليس مصادفة أن يأتي الرئيس الفرنسي لزيارة بيروت بعد قرن تماماً من هذا الإعلان في الأول من أيلول 2020.
الجدير بالذكر، ذريعتهم للمجيء إلى سوريا عندما قالوا: (جئنا لحماية المسيحيين)، ورفض الزعيم الوطني فارس الخوري لتلك الحماية، أما في لبنان فالوضع يختلف عن جارتها سوريا.
اللبنانيون، يشعرون بالامتنان لفرنسا التي أوجدت بلادهم بشكله الحالي، وقسم كبير منهم يتغنى بهوية فينيقية على عكس القوميين واليساريين الذين يؤكدون على انتمائهم العربي.
القسم الأول، وغالبية الطوائف المسيحية لديهم هوى باريسي وثقافة فرنسية. فالثقافة الباريسية لها حضورها الواضح والجلي في بيروت، معظم المدارس الفرانكفونية تابعة للكنائس الكاثوليكية، كما أنّ المعهد الفرنسي في بيروت يعتبر من أهم الممولين والداعمين للأنشطة المسرحية والحركة الفنية عموماً، بالإضافة لوجود قامات فكرية وأدبية من لبنان تكتب باللغة الفرنسية لتترجم أعمالهم إلى العربية، أمثال الكاتب أمين معلوف الذي يعد أول لبناني ينتخب في عضوية أكاديمية اللغة الفرنسية.
بعد مظاهرات لبنان 2019، ونزول الناس للساحات وإفلاس الطبقة السياسية الحاكمة ويأس شعبي وغضب، حاولت القيادات المهترئة لملمته، جاء انفجار مرفأ بيروت، في الرابع من شهر آب الماضي، ليسقط ورقة التوت الأخيرة عن ساسة لبنان وزعماء طوائفها. سوريا
رافق ذلك وصول “المنقذ” الفرنسي، وما جرى بعد وصوله من أحاديث تم تسريبها للإعلام عن تهديده لممثلي القوى السياسية أثناء اللقاء معهم في سفارة بلاده في بيروت، وزيارته لمنزل السيدة فيروز، ومن غير فيروز يمكن أن يجمع اللبنانيون عليه كقيمة فنية وكرمز يضاهي أشجار الأرز في جبل لبنان؟.
الشعب اللبناني لا يثق بالطبقة السياسية الحاكمة ويرغب في تغيير نظامه، ويريد دولة لا يحكمها قانون الطائف، الذي مكًن الزعماء من النهب والسيطرة لسنوات وسنوات.
بدأ المواطن اللبناني العاجز يستذكر مواقف فرنسا البطولية وأعمالها العديدة التي قدمتها كرمى لعينيه (تماماً كما يستذكر المواطن السوري العاجز مواقف روسيا أو تركيا أو إيران أو الولايات المتحدة البطولية، والأعمال العديدة التي قدمتها تلك الدول كرمى لعينيه). فيتحدث عن الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، عندما قام برعاية مؤتمرات باريس 1 و2 عام 2001، وباريس 3 عام 2007، لدعم لبنان اقتصادياً، ونجح بجمع مليارات الدولارات من الجهات المانحة، وعن وصوله السريع بعد مقتل رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، في شباط 2005. وفي عام 2018، رعت فرنسا من جديد مؤتمر “سيدر” لدعم لبنان، بعد فشل الدولة اللبنانية بإنجاز الإصلاحات الموعودة في مؤتمرات باريس الثلاثة، وجمعت أكثر من 12 مليار دولار، لكن كل هذه المؤتمرات لم تجعل الاقتصاد اللبناني اقتصاد سليماً ومعافى. ليختتم بقول ماكرون: “لبنان ليس وحيداً”، ويراهن على ضغط فرنسا لخلق الدولة المشتهاة.
لكنه نسي في الوقت نفسه، أنّ فرنسا تخلت عنه في حرب أهلية دمرت البلاد، ولم تنقذه حين اجتاحت إسرائيل بيروت، ولا عندما أقامت المجازر بشعبه على أراضيه، وكذلك الأمر عند إعادة إعماره لم يكن لفرنسا أي حضور.
سوريا
هذا أيضاً ما يحصل مع المواطن السوري، وكأنّ السوري واللبناني يؤكدان خاتمة كل مقطع من رواية “أولاد حارتنا” للكبير نجيب محفوظ حين كان يقول: “آفة حارتنا النسيان”.
لذلك علينا أن نسأل: ماذا يريد ماكرون من لبنان؟
أشار ماكرون في زيارته الأولى للبنان بعد التفجير، أنّ ما يترتب عليه عمله تجاه لبنان سيكون ضمن موقف أمريكي _أوروبي مشترك، لكن موقف الولايات المتحدة الأمريكية من بيروت واضح تماماً، منذ الثامن من أيار 2018، عندما انقلب ترامب على الاتفاق النووي الإيراني، فهي عادت لتكون ساحة صراع بين واشنطن وطهران، وليس من الذكاء قراءة ما يجري في المنطقة كأحداث منفصلة، فصفقة القرن وانفجار مرفأ بيروت،د وبعدها تطبيع كل من الإمارات والبحرين مع إسرائيل، وكما يقال “الحبل عالجرار”، وبالتالي تحييد مرفأ بيروت لصالح مرفأ حيفا، كمرفأ أول للمنطقة.
أما فرنسا تملك رؤية مختلفة للصراع بين واشنطن وطهران، وتعارض التصعيد مع طهران وتسعى جاهدة خلق شرعية سياسية لحزب الله بعيداً عن سلاحه، وهي كقوة ليست عظمى خرجت من الأزمة السورية بخفيَ حنين لكن تملك إرثاً استعمارياً عظيماً، تحاول إيجاد موطئ قدم لها في بلد وصفه وزير خارجيته المستقيل، ناصيف حتِي، بأنّه بلد فاشل، لكنه ضمن منطقة جغرافية تتقاسمها القوى الإقليمية والدولية بغياب أوروبي واضح، فهل ينجح ماكرون بالسيطرة على لبنان الفاشل؟. سوريا
احتمالان.. أحلاهما مر:
الأول، أن ينجح ماكرون في السيطرة على لبنان، وبالتالي بقاء البلد في حالة استنقاع لأمد غير معلوم، مستغلاً انشغال الرجل الأقوى في العالم بانتخاباته الداخلية.
الثاني، أن تستمر واشنطن وطهران باللعب خارج أراضيهما، ونفخ الرماد الذي يغطي جمر الشارع في لبنان.
ختاماً، الحال في لبنان كما سوريا، بلدٌ يفتقد للسيادة ومصيره بيد القوى الأجنبية، والمرحلة القادمة مرحلة تحرّر وطني بامتياز مسؤوليتها تقع على عاتق النخب والأحرار في البلدين.
من زوايا الذاكرة (فترة الوحدة السورية-المصرية)
الدكتور جون نسطة
الشيوعي القديم المدمن…
في السنوات 56 و 57 من القرن الماضي توسع حزبنا، صاحب التنظيم الحديدي والمنظم جيداً، توسعاً كبيراً في كافة أطراف سوريا، ومن ضمنها الحركة الطلابية.في مدرستنا الغسانية في مدينة حمص، بلغ عدد الطلاب الشيوعيين 80 رفيقاً او اكثر بقليل، وكانت اجتماعات الفرق الحزبية تجري أسبوعياً، وكان علي ان احضر عشرة اجتماعات في الأسبوع أو أكثر بقليل، حيث كنت في قيادة منظمة المدرسة، التي تتبع اللجنة الفرعية، المسؤولة عن كل المنظمات الحزبية في كل مدارس حمص، وكنت اتصل مع ممثلي اللجنة الفرعية الرفاق فيصل عجمي، الذي كان فنانا تشكيلياً وأصبح فيما بعد أستاذا بكلية الفنون التشكيلية في دمشق، بعد ان تخلى عن شيوعيته، وكذلك أتصل بالرفيق بشير الخطاب، الذي حافظ على شيوعيته وإن كان خارج التنظيمات الحزبية، الى اخر يوم في حياته الخاصة والنضالية في مناهضة الاستبداد والديكتاتورية الاسدية.
في بداية الوحدة مع مصر في 22 من شهر شباط 1958 عمت المظاهرات الشعبية والطلابية كافة أنحاء المدينةَ، ولم نكن نحن في قواعد الحزب الشيوعي السوري على موقف متحفظ من الوحدة في البداية. أذكر أننا في هذا اليوم خرجنا من مدرستنا في مظاهرة تأييد للوحدة طافت شوارع المدينةَ إلى أن وصلت إلى دار الحكومة ،وكنا نحن الشيوعيين لا نشكل اقلية فيها بل عل العكس تماماً، وجرى تكليفي بالقاء كلمة المظاهرة، فوقفت على درجات البناء والقيت كلمة قلت فيه على ما أذكر، هذا يوم مدعى فرحنا وسرورنا وقد تسلمت أمورنا وقيادتنا أيادي بيضاء في مقارعة الاستعمار والامبريالية ومشاريعها وفي المقدمة مشروع حلف بغداد، وتحترم مطالب الشعب العامل والفلاحين….الخ.
كانت هذه أخر مظاهرة خرجنا بها في أيام الوحدة. بعدها علمنا بأن الرفيق خالد بكداش تفادى حضور جلسة مجلس النواب للمصادقة على الوحدة وسافر بنفس اليوم بالطائرة الى موسكو، وكان ذلك مؤشرا واضحا على عدم موافقة القيادة على الوحدة الاندماجية مع مصر، وعليها تحفظات موضوعية على البنود التي قامت عليها.
في شهر آب عام 1958، وقف الرفيق خالد بكداش على منبر مؤتمر الحزب الشيوعي البلغاري وألقى خطابا عرض فيه النقاط الثلاثة عشر للحزب، المتضمنة ضرورة مراعاة الظروف الموضوعية المختلفة لكلا القطرين المصري والسوري، والحفاظ على المكتسبات الديمقراطية للشعب السوري والطبقة العاملة، والى ضرورة الحفاظ على الصناعة السورية وإلى متابعة الطريق لتطوير العلاقات مع الإتحاد السوفياتي وبقية دول المنظومة الاشتراكية لما فيه من فوائد لكلا القطرين الشمالي والجنوبي، وبالإضافة الى نقاط أخرى لم اعد اتذكر تفاصيلها، والتي كانت جميعها تصب في اصلاح الوحدة للمحافظة عليها وليس إلى معاداتها أو الدعوة لإسقاطها على الاطلاق.
لكن النظام هاجمها هجوماً ظالماً وشديد اللهجة، وتوتر الوضع في الشارع السياسي السوري.
أذكر أنني تشابكت بالنقاش مع طالب من ال السطلي لم أعد أذكر اسمه الاول، بعثيا، ناصريا، متعصبا، وتطور الامر للتشابك بالأيدي، ووجهت له ضربات قاسية، وتوعدني بالذهاب إلى دائرة المباحث، وهو الاسم الجديد الذي أطلقه النظام المصري بدلا عن المكتب الثاني القديم المعروف.
وخوفا من الاعتقال، قررت السفر إلى بيت تابع لمشاريع ري الأراضي الزراعية من نهر العاصي، قريباً من قرية تومين التابعة لمحافظة حماه، ويعمل شقيقي المرحوم لبيب نسطه على إدارته. وبقيت مختبئاً فيه لمدة ثلاثين يوماً كاملا، حتى توضحت الأمور، بأن المباحث لا تبحث عني.
كنت خلال هذه الفترة أنام النهار واسهر الليل حتى لا يراني أحد ويفسد علي. في هذه الفترة دعا شقيقي أحد معارفه من بدو بني خالد للسهر معي، وهذا الرجل البدوي واسمه أبو خالد، كان شاعراً نبطياً ويعزف على الربابة، ويغني بصوته الرخيم قصائد العرب المشهورة، والتي تروي غالب معارك العشائر البدو من العصور الاولى لدخول العرب المسلمين الى بلاد الشام حتى تاريخه. وسلسل لي كافة أصول القبائل العربية، والتي حسب معلوماته، ترجع كلها إلى الإمام الحسن.
كانت ليالي ممتعة واخبارها جديدة علي، تعلمت منها الكثير وحفظت بعض قليل من اشعارها.
وهناك وبالقرب من بيت الري، كما كنا نسميه،خيم الشاعر الحمصي الكبير، بل شاعر حمص وصفي القرنفلي، الذي كان يعمل مساحاً للأراضي الزراعية، يرافقه عاملاً واحداً يساعده.
كنت اعرف الشاعر وصفي القرنفلي من خلال جلساته الأدبية والشعرية التي كان يعقدها في مقهى الروضة الشهير في حمص والذي كان يعج بحضور الأدباء والسياسيين من كافة الإتجاهات، وكان يسمى بمطبخ السياسة، ومن ثم انتقل إلى مقهى الفرح المجاور للروضة، وكنت أسمع أخباره وعن طباعه، من ابن اخته صديقي من آل القرنفلي أيضاً.
كان مثلا لما يجلس في المقاهي في حمص أو دمشق، التي كان يزورها كثيراً، ويلتم حوله مجموعة من محبيه ومعارفه، لا يسمح لأحد أن يدفع قرشاً واحداً من قيمة المشروبات التي يتعاطوها، ويدفع عن الكل.
واذكر حادثة طريفة تعبر عن أخلاقه المتزمتة، قمت بزيارته في خيمته الجارة لبيت الري، الذي كنت أقيم فيه، وبيدي صحيفة او جريدة، فسألني ان كانت حديثة، قلت نعم وهي تحت تصرفك، فأجابني، بأن عليه أن يدفع لي ثمنها أولاً ومن ثم يقرأها. كان حنيفاً، صارماً مع نفسه ومع كرامته.
وصفي القرنفلي يستحق أن أقف عنده قليلاً. كان شاعراً رومانسياً، غنى للحب والطبيعة، ودعى في أشعاره إلى النضال ضد الإستعمار الفرنسي، وضد النظام الإقطاعي السائد، ودعى الى انصاف العمال وإعطائهم حقوقهم كاملة، بل إلى الثورة الإشتراكية.
وفي بيت من قصائده يقول:
أن الشيوعية الحمراء في دمنا… نار تصبح رويداً تطلق اللهبا
كان شيوعياً، درس الماركسية جيدا واعتنقها، وعروبياً بنفس الوقت يقول في إحدى قصائده:
سبح الصبح ان راءنا وانتشى… الدرب يوم همت خطانا
عرب نحن والعروبة إنسان شريف يستنكر العدوانا
وفي بيت آخر يقول:
قل للندنا إن غص السؤال بها… الريح شرقية والشام في السحب
مرض الشاعر الكبير وصفي القرنفلي، وهو من أدخل إلى الشعر العربي اضافات هامة مشهودة له من كافة النقاد ولم يعتني بنفسه، في العام 1965، وأحيل الى التقاعد، وبدأ جسده بالذبول، واصبح خيالاً، وتوفي وحيداً، وهو لم يكن متجوزاً، يرعاه شقيقه وشقيقاته وأولادهم.
وحضر، قادماً من بيروت، حفل تأبينه، الشاعر السوري الكبير نزار قباني، حيث القى كلمة مؤثرة وهامة، موجودة على الإنترنت لمن يرغب بالإطلاع عليها، ودفن في مقبرة مار اليان في حمص القديمة.
وقبل أن أنهي كلامي عن الشاعر المتميز وصفي القرنفلي أحب أن أروي هذه المعلومة التي تدل على شهامة نفسه وتعاليها.
كان عندما تقاعد يسافر إلى دمشق العاصمة في فصل الصيف ويجلس لتعاطي الاركيلة، في مقهى الكمال الصيفي، وهناك يجلس مساءا أيضاً على طاولة متجاورة من طاولته شاعر العرب الكبير مهدي الجواهري. وكان الاثنان يعرفان بعضهم بالسمع، ويقدر الشخص الآخر ويحترمه. ولكن مضت سنين ولم يتقدم منهما الى طاولة الآخر، ولم يتقابلان على الاطلاق.
بالعودة إلى السياسة، عندما رجعت إلى المدينة وأعدت اتصالاتي مع منظمتي الحزبية في أواخر العام 1958، ولكنني كنت متواري عن الأنظار بالقدر المطلوب، عمدت إلى تشكيل فرقة حزبية من أطفال صغار، من طلاب المدرسةِ الغسانية، من محبي الحزب وانصاره، سميتها فرقة المراسلات، لأنها كانت تقوم بنقل رسائلي الخطية إلى الرفاق الآخرين وتنقل رسائلهم لي، كانوا أعضاءها نشيطين ومتحمسين ولا يلفتوا نظر أحد، ومن اعضاءها أذكر اسم زهير جبور ومحسن عبود وشقيقه مرشد عبود وغيرهم.
انقطعت طبعا عن المدرسة ولكني كنت حولها.
في 14 كانون أول 1958 على ما أذكر قدم المبعوث الاميركي الى الشرق الاوسط ويليام راونتري، حاملاً معه مشروعه لحل مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي، وزار القاهرة، لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر. عندها عمل حزبنا الشيوعي بتنظيم حملة تواقيع على عرائض تندد بالزيارة وعلى مشروعه ،وعلى استقباله من قبل الرئيس.
وكنت أحمل إحدى العرائض واجمع تواقيع عليها من قبل الناس في الشوارع، وإذا بمجموعة من رجال المباحث السريين يلقون القبض علي ويذهبون بي الى مكتب رئيس فرع المباحث المجرم عبدو حكيم.
دخلت المكتب ولم أرى أية وسيلة من وسائل التعذيب من عصي أو أجهزة كهربائية الخ، فاطمأن قلبي.كان مكتبا أنيقا ،يجلس على طاولة كبيرة عبدو حكيم الذي قام باستقبالي على صفعة شديدة على خدي الأيمن، ثم قام بقراءة العريضة وتمزيقها أمامي، وسألني… ولا.. أنتم تريدون ان تعلموا جمال عبد الناصر الوطنية، أجبته نعم… ونحن الشيوعيين أشد المناضلين ضد الإمبريالية الأميركية وأصلبهم. كان الطقس باردا وفي مكتبه مدفأة تعمل على المازوت ولم تسترعي اهتمامي وكنت أقف إلى جانبها، واذ به يقوم بانتزاع بنطلوني وما تحته إلى الأرض ويجلسني عليها بحركة سريعة جدا وخاطفة. بعدها أطلق سراحي ولم يعتقلني. وكنت اشعر بألم شديد، واستطيع السير. بقيت وقتاً طويلاً أعاني من الألم، لم أعلم أهلي بما جرى.
في ليلة عيد رأس السنة 1959، وكنا مجموعة من الرفاق والاصدقاء، نسهرفي بيت رفيقي وصديقي المحبب عون جبور، جاءنا خبر يحمله احد الرفاق الطيبين، بأن عملية اعتقال واسعة من قبل مباحث حمص شملت عدداً كبيراً من قيادات الحزب وكوادره.
وفي يوم الرابع عشر من شهر شباط عام 1959 علمنا باستشهاد رفيقنا اللامع والمحبوب، معلم المدرسةِ وعضو قيادةٍ المعلمين، سعيد الدروبي ابو طاهر، على يد المجرم السفاح عبدو حكيم رئيس مباحث حمص.
أثار هذا الخبر المؤلم مشاعر أهل المدينةَ كلها، وظهرت علائم الاستنكار والغضب على وجوه الناس. فعمد المجرم عبدو حكيم إلى الادعاء بأن سبب موته تعود الى انتحاره، وليس إلى التعذيب، وطلب معاينة الجثة من قبل الطبيب الشرعي الدكتور أمين طرابلسي، ضاغطاً عليه ومهدداً له، بأن يكتب على تقريره، بأن سبب الوفاة تعود إلى الانتحار، رفض الطبيب طرابلسي الرضوخ لتهديداته وكتب بأنه توفي بسبب التعذيب الواضح الأثر على الجثة، مبرهناً على نزاهة عالية، ومحافظاً على شرف المهنة. وهذا الموقف النبيل لا يزال الى اليوم مطبوعاً على ذاكرة قدامى السن من الشيوعيين وأصدقائهم.
في اليوم التالي لاستشهاده تجمع الآلاف من أهل المدينة وبعض القرى امام منزل الشهيد وساروا خلف نعشه المحمول على الأكتاف، متوجهين من مركز المدينة، حيث يقع منزله، إلى شرق المدينة، لمقبرة خالد بن الوليد.
يقدر عدد المشاركين بالجنازة بحوالي ثلاثين ألفا،تحولوا الى ما يشبه المظاهرة.اصطف على طول الطريق على الصفين العساكر مع أسلحتهم الكاملة،ولم يتدخلوا ولم يستفزوا أحداً من المتظاهرين.
وصلنا إلى المقبرة بعد مسيرة طويلة، وتجمعت الناس حول القبر، حين صعد على مرتفع قريباً منه، رفيق يلبس على رأسه طاقية تغطي كامل وجهه، ولا تظهر إلا العينين من خلال ثقبين فيها. وألقى كلمة الحزب بتأبين الشهيد إبن حمص البار وابن عائلة وجيهة ومعروفة جداً، وكان أول شهداء الحزب الشيوعي السوري على يد المخابرات السلطانية السراجية. وفيما بعد علمنا أن من ألقى كلمة تأبين الشهيد، كلمة الحزب الشيوعي، كان الرفيق رياض الترك، الذي لم يكن اسمه معروفاً في أوساط الحزب في ذلك الوقت.
فيما بعد علمنا أن المباحث طلبت من ستوديو شكري عواد في شارع الدبلان، تصوير من شاركوا بالجنازة، ولكنه رفض هذا التكليف، لأنه هو من أنصار الحزب، وأولاده وبناته أعضاء نشطين في الحزب الشيوعي أيضاً.
فقامت المباحث بتكلبف ستوديو آخر بهذه المهمة القذرة وقبل، وقام بعملية التصوير. ولهذا قمت وبعض الرفاق الاخرين للدخول الى تحت الأرض، كما يسميه البعض، وإلى التخفي السري، كما نسميه نحن. وأرسلت رسائل الى الغرق الحزبية بضرورة الحذر الشديد، وأن يختفي، من يظن نفسه مهدداً بالاعتقال، بشكل كيفي وخاص، لأن الحزب لا يملك بيوتاً سرية كافية لكل الرفاق ومن ضمنهم أنا أيضاً. وجرى هنا سماع بعض الآراء من بعض الرفاق يقول: “كيف يدخل الحزب هذه المعركة مع النظام، دون أن يكون مستعداً لها، وكيف يخطب الرفيق خالد بكداش من منصات الخارج في صوفيا وموسكو، متمتعاً بالأمان، متحدياً النظام، ونحن نترك لوحدنا، دون حماية بيوت سرية، وخطة انسحاب، لمواجهة الاعتقال”.
انا شخصياً توجهت إلى بيت خالي وإلى بيت خالتي واختفيت هناكَ.
وكنت عندما أخرج للضرورة، ولمقابلة أحد الرفاق، أرتدي عباءة زرقاء من الجوخ، ورثتها من جدي، أغطي فيها رأسي، فاتحاً فجوة فيها للتنفس والرؤية فقط.
جاء أحد أصدقاء خالي ويدعى أبو الخير طليمات وهو رجل متعاطفاً مع حزبنا، ذكياً، حاذقاً، وقال لي: “تنقل با جون، ولا تبقى في مكان واحد طويلاً، لأن للجدران عيون وآذان”.
سمعت بنصيحته وبدأت أبحث عن بيت آخر للاختباء فيه، فذهبت إلى بيت صديق حميم، شيوعي سابقاً، اسمه اسبر بيطار، من قرية مشتى الحلو سابقاً، رجل صادق ومخلص، وأمين وكريم، بقيت عنده فترة طويلة، أختبئ بمخدع خاص، عندما يأتي لعندهم بعض الزوار. وتطبيقا لنصيحة ابو الخير طليمات، بدأت مع صديقي اسبر نبحث عن بيت أخر، فتكلم مع صديق له، لي معرفة سطحية معه، بموضوع استضافتي، فرحب وقال أهلا وسهلاً. يدعى ألبير، نسيت إسم عائلته القادمة من الجزيرة السورية.
كان يسكن وعائلته في بيت عربي، لهم غرفة معيشة ومطبخ، وغرفة ضيوف، تشرف كلها على أرض الدار الواسعة، وكان يسكن في نفس الدار عائلات مستأجرة أخرى في غرف منفردة أيضاً. استقبلني استقبالا حاراً، علما بأنه منظم في حزب البعث العربي الاشتراكي، وأكرمني اكراماً لا يوصف، واسكنني في غرفة الضيوف منفرداً، كان علي أن أنام في النهار، واسهر معاه في الليل، مسدلاً لستائر الغرفة بشكل محكم تماماً، حتى لا يراني أحد من الجيران. سهرنا ليال جميلة جداً، نتحدث بالسياسة، وبأمور حياتية أخرى، وتوضدت معه أواصر صداقة حارة ومتينة.
في احدى الليالي، وعلى ما يبدو أكيداً نسينا ان نسدل الستائر بشكل محكم، طرق باب الغرفة أحد الجيران، حوالي الساعة الثانية صباحاً، وكان ذاهباً إلى المرحاض في أرض الدار، ورآني من فجوة الستائر، وكان يعرفني شيوعياً نشطاً، وطلب من ألبير ان يخرجني فوراً من الدار، وإلا سيكون مضطراً لأخبار المباحث. كان موقفاً حرجاً لي ولمضيفي. خرجت من البيت تحت التهديد، مع أسف واحراج صديقي ألبير، ولكن لم أكن أعرف إلى أين.
كان هذا ظرفاً من أصعب الظروف التي مررت بها في حياتي.
قررت أن أسير، مختبئاً بعباءة جدي، بشوارع المدينةَ القديمة، حتى تدب الحركة في المدينةَ، وأطرق باب أحد اصدقائي من البعثيين الشرفاء، ولا أرغب الآن ذكر اسمه لأنه لا يزال على قيد الحياة، فاستقبلني استقبالاً حاراً أيضاً، رغم معرفته بأنني ملاحق من قبل رجال الأمن، بقيت عنده بضعة أيام، بعد أن أقمت صلة برفيق سري، اسمه أبو مكسيم من قرية قطينة المجاورة لمدينة حمص. وكان على ما يبدو عضواً في اللجنة المنطقية لمحافظة حمص، المشكلة حديثاً، أي بعد حملة الاعتقالات الشاملة، والتي طالت أغلب القيادات الحزبية. تشكلت اللجنة المنطقية السرية الجديدة من رفاق مناضلين سريين ورفاق كانوا مهملين حزبياً، ولكنهم ظلوا أوفياء للحزب بقيادة المناضل، العامل، راتب جبنة. وربما كان، كما علمت من وقت قريب، من عدادها الرفيق صبحي انطون، ومناضل فلاحي آخر يدعى أبو جون من قرية الوريدة.
بعد فترة قصيرة جرى إعلامي بتوصية الرفيق راتب جبنة لي، بأن علي السفر الى لبنان، سراً طبعاً، لأنني وجه طلابي معروف من قبل عديد من الناس، ومن أجهزة المباحث، ولا أصلح، لذلك، للعمل السري.
قمت، متخفياً طبعاً، بمغامرة الذهاب إلى بيتنا في حي المحطة، لوداع أمي التي كنت أحبها حباً جنونياً، واعلمتها بنيتي بمغادرة حمص إلى لبنان. سمع اخي لبيب برغبتي هذه، وكان رجلاً شهماً، محباً، يعتبر نفسه مسؤولاً عن كل فرد من أفراد الأسرة، وقال لي انه سيرافقني في رحلتي السرية هذه.
وفي اليوم التالي استأجر سيارة يثق بسائقها، وتوجهنا بها الى حدود لبنان من جهة معبر العريضة، قبل المعبر نزلنا من السيارة، التي عادت الى حمص، وسرنا في الليل الدامس باتجاه نهر الكبير الجنوبي. كان لبببا خبيرا في الأرض فكان بين الفينة والأخرى ينبطح على الأرض واضعاً أذنه عليها، لسماع اهتزازاً ناتجاً عن سير إحدى الدوريات العسكرية عليها المحتملة. وصلنا إلى ضفة النهر وكان علينا اجتيازه إلى الضفة الأخرى الواقعة في أرض لبنان. كان الوقت في أوائل شهر نيسان من العام 1959. ولم يكن النهر عميقاً، إذ وصل الماء الى وسط أجسادنا لا غير.
تنفسنا الصعداء، وغاب عنا الخوف والهم، وشعرت بالأمان بعد أشهر من الرعب عشتها في العمل السري.
أوقفنا بعد فترة وجيزة باصا متجها إلى مدينة طرابلس، حيث بحثنا عن فندق متواضع، يناسب وضعنا المتواضع. نام شقيقي لبيب هذه الليلة معي، وفي اليوم التالي غادرني الى حمص متوجها لعمله، بعد أن زودني بمبلغ محترم من المال، في حينه.
خرجت من الفندق، بعد نوم عميق وطويل، لأتعرف على بعض شوارع المدينة، التي لم أكن أعرفها، وابتعت بعض الثياب الداخلية والخارجية، وبحثت عن مطعم بسيط، فوجدته في أطراف المدينة، يشوي لحماً ويقدم بعض أطباق المقبلات من حمص ومتبل وسلطة ومخلل الخ. وأصبحت من زبائنه، يومياً لوجبة وحيدة في اليوم.
بعد فترة قصيرة تواصلت، برسالة سرية، مع رفيقي وصديقي المحبب عون جبور، وأعلمته بوجودي في طرابلس، مع عنوان الفندق. سائلاً إياه إن كان يرغب بالانضمام لي، وكان مختبئاً أيضاً في بيت أخواله من آل الصباغ في حمص.لم يمضي وقتاً طويلا حتى قدومه، فتونست به كثيراً. ولم يمض أيضاً وقتاً طويلاً حتى جاءني رفيقاً وجاراً أخر يدعى أسعد دلاور، كنت قد ذكرت إسمه سابقاً.
في طرابلس لي أقارب، أولاد خال والدي من بيت عبود، منهم سامي عبو، صاحب متجر كبير لبيع الجوخ والخياطة أيضاً، رحب بي وبرفاقي، ترحيباً طيباً، وكان يدعونا إلى بيته دعوات متعددة ومتكررة لتناول الطعام والسهر. كانت عائلته مؤلفة من عدة أولاد وبنات وزوجة كريمة محبة، تشعرنا بالدفء العائلي، الذي كنا نفتقده كثيراً في مغتربنا الجديد.
وكان له شقيق، يعمل في شركة نفط العراق بدرجة ممتازة، يدعى أسعد عبود، ما إن سمع بوجودي في طرابلس، واسكن مع رفاقي، حتى جاءني معاتباً عتاباً شديداً، ومؤنباً أيما تأنيب، كيف أسكن في فندق ولي بيتا، طبعا يقصد بيته، في طرابلس.
أنزل حقائبنا، نحن الثلاثة إلى سيارته، متوجهاً إلى بيته، في حي الزاهرة، كما أتذكر، وكان في استقبالنا سيدة من ألطف ما عرفت من الزوجات في حياتي. قامت بتجهيّز مائدة عامرة بأطيب الأطعمة، التي كنا نشتهيها، بعد غياب عن أسرنا وأمهاتنا.
قدموا لنا غرفة مع ثلاثة أسرّة وثيرة للغاية. وأحضر لي دخاناً أو سجائر من ماركة شوستر فيلد، تكفي لأسبوع كامل. كانت زوجته توقظنا بنعومة، حاملة معها الى أسرتنا، أكواب كبيرة من عصير البرتقال، ومن ثم تدعونا لتناول طعام الفطور الفاخر، الذي لم نعتاد عليه في بيوت أهلنا، وفيما بعد الى طاولة الغذاء، ثم العشاء، وهكذا دواليك لفترة أسابيع عديدة. كان وما يزال، اسعد عبود وزوجته، من أكرم الناس الذين قابلتهم بحياتي الزاخرة بمعرفة البشر. حلمت لسنين طويلة أن أرد بعض الجميل إليه، بعد عودتي الى الوطن وتحسن أوضاعي المادية، ولكن الموت قد سبقني باستضافة سيد من أسياد الكرم، إلى أعلى عليين.
استطعنا أن نقيم صلة مع منظمة الحزب في بيروت وطلب الرفاق هناكَ أن نحضر إلى بيروت. ودعنا اقاربي على مضض وسافرنا، الرفيق عون وأنا إلى هناك، بعد أن كان الرفيق أسعد دلاور قد رجع إلى حمص، للأنه لم يستطع فراق أهله، واشتد عليه الشوق وغادرنا. وصلنا الى بيروت ونجحنا بسرعة أن نعثر على بيت الرفيق الحمصي معلم الكهرباء جورج خزام من حي الحميدية، حسب العنوان الذي أعلمونا به.. كان لقاءً حاراً شابه الذكريات الحزينة للملاحقات الأمنية وفراق الوطن.
في اليوم التالي توجهنا، مع الرفيق عبد الكريم نادر الى كمب حاجين، وهو حي قديم، فقير، ضيق الطرقات، مزدحم بسكان كلهم من الأرمن، ذوي الاتجاهات التقدمية، من أعضاء وأنصار وأصدقاء حزب الطاشناك الأرمني، وبعض الشيوعيين. هناك قابلنا مسؤول حزب الطاشناك وعرفناه على أنفسنا، وقام هو بدوره بالترحيب بنا كسكان جدد في هذا المخيم، شارحاً بسرعة تاريخ الحي معرجاً إلى كونه شارك في الحرب الأهلية عام 1958 ضد كميل شمعون ومن أجل طرد الأسطول الأميركي عن السواحل اللبنانية، وكيف أن عدد من المقاتلين الأرمن الشباب، رفضوا تسليم أسلحتهم، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وظلوا يقومون بأعمال عنفية تجاه رجال الأمن، وتجاه الأرمن الطاشناك، وأحياناً كثيرة تجاه مواطنين عاديين، بغرض فرض خوة، ومن التجار والأغنياء على وجه الخصوص.
ومن أبرز قادة وزعماء أو أمراء حرب هذه المجموعات، ومن سكان هذا الحي أسماء كبيرة يعرفها كل سكان بيروت…أرتين الأسمر، ومماس. وقال لنا لا يمكنكم مساءا دخول الحي، بالسيارة، إلا بعد إرسال شيفرة ضوئية معينة، وإلا سوف ينهال عليكم الرصاص من كل جانب، والشيفرة تتغير من وقت لآخر.
وقال ان الرفيق أرتين الأسمر أقل شراسة وعدوانية من مماس. ووعد بترتيب موعد قريب مع الرفيقين. ثم قام بقرع أجراس بيت قريب جداً من موقعنا، فخرج منه رجلا أربعيني طويلا مفتول العضلات، وتكلم معه وأخبره باننا سننضم إلى رفاق سوريين بالسكن في بيته، فسلم علينا بحرارة وأدخلنا إلى غرفة واسعة نسبياً، وجدنا فيها رفاق نعرف بعضهم، والبعض الآخر لا نعرفه .
جرى السلام والعناق والترحيب، ثم غادرنا الرفيق عبد الكريم نادر. وهو رجل لا أستطيع إلا التوقف عنده.
عن فلسطين و “إسرائيل”
أحدهم يقول: كنت أتمشى في أحد شوارع ألمانيا لما لاحظت على أحد الأرصفة أن بعض حجارتها ذات لون مميز بالذهبي منقوش عليها كتابات باللغة الألمانية وضعت تكريما لأناس سكنوا هذه البقعة قديما هم من اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد الشديد. إحدى الحجارة نقش عليها:
“هنا كان يسكن فلاناً هرب”.
لجأ إلى فلسطين في العام ١٩٣١، أجل مكتوب فلسطين Palästina وحجر آخر عليه إسم آخر وتاريخ آخر الخ…، شعرت أنني وجدت دليل اقدمه للذين يعتقدون بأحقية اليهود في فلسطين.
التقط هاتفي لأصور هذه الأحجار وبينما كان رجل يمر بجانبي طلبت منه بلغتي الألمانية الضعيفة أن يشرح لي ما كتب هنا ولماذا؟
قام الرجل بالشرح إلى أن وصل وقال كلمة فلسطين، عندها سألته فلسطين؟ وأين ذلك؟ قال فلسطين هي في الشرق الأوسط فقلت حقا! أين؟ فأنا أعرف كل الدول العربية لا يوجد فلسطين.. عندها قال لي الآن تسمى (….)!! وكأني أجهل كل شيء سألته وهي بالأصل فلسطين! قال أجل فقلت لماذا تغير الاسم؟ تلعثم كثيراً كأنه يريد أن يقول شيئاً محرماً ويكتمه، قلت له سيدي أنا فلسطيني آسف، فقط أردت أن أعرف شيئا وقد عرفته.. وقلت أنت تعني أن هؤلاء هربوا إلى بلدي واستقبلهم أجدادي قال أجل، وكانوا آمنين هناك؟ قال أجل.
قلت له ما هو رأيك أو شعورك بأن احفاد هؤلاء يعيشون في فلسطين وأما أحفاد الذين استقبلوهم مثلي لم يروها وليس له حق ان يزورها؟ هز رأسه وقال “لا يوجد عدل في هذا العالم”.
حياة إف إم HAYAT FM
لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا