من زوايا الذاكرة (1953-1958)

الدكتور جون نسطة

من منطلق أن فرقتنا الحزبية من مجموعة طلاب، ومن مدرسة واحدة بدأنا بالعمل السياسي في صفوف الطلبة، ومع فرق طلابية شيوعية أخرى، نحرض على الاضرابات والخروج بمظاهرات تندد بالحكم الدكتاتوري لأديب الشيشكلي. وكانت المظاهرات تمر على دكاكين الباعة في حي بستان الديوان بحمص أولا وتطلب من الباعة الصغار اغلاق محلاتهم، وتنادي “سكر يا عرصا سكر”، فيضطرون لاغلاق محلاتهم لفترة مرور المظاهرة، ثم يعودون لفتحها مجدداً.

كانت المظاهرات تتجه نحو منتصف المدينة وأغلب الأحيان قبل وصولها لهدفها تتصدى لها الشرطة واغلبها من الشرطة السرية أو السياسية بألبسة مدنية، وتحاول القبض على الطلبة،وكنا نفر من أمامهم وهم يلاحقوننا.أحيانا نستطيع الفرار وأحيانا لا ننجح.

كان يرأس هذه المجموعة من الشرطة رجل حمصي في منتصف العمر إسمه أبو شمسو، الذي بعرف كل عائلات المدينة.كانوا عندما يقبضون على أحدنا يقودونه إلى فرع النظارة، وهناك كنا نتلقى بعض الصفعات على وجوهنا وأحيانا يضعوننا تحت الفلقة بعد خلع احذيتنا طبعا،ويضربون بعصا غليظة على سطوح أقدامنا، وكان أبو شمسو إذا تعرف على أحدنا، يكتفي بالاتصال بآبائنا ليحضروا إلى النظارة لاستلامنا بعد الطلب منهم بأن يحسنوا تربيتنا ومنعنا بالعمل بالسياسة. طبعا كانت اغلبيتنا من الصبية الصغار من العمر.

أحب في هذا المجال أن أروي حادثة ظريفة جرت في حمص.

قام أديب الشيشكلي بإجراء انتخابات برلمانية، بعد أن أسس تنظيم سياسي سماه جبهة التحرير، وجرى البحث عن مرشحين في كل محافظة. في العادة كان أحد نواب مدينة حمص عن المسيحيين إسمه عبد الله فركوح من الحزب الوطني يفوز دوماً في كل المجالس النيابية السابقة منذ عهد الاستقلال. ولأن الحزب الوطني وحزب الشعب والبعثي والشيوعي قاطعوا الإنتخابات. فقد طلبت السلطة من محام له سمعة طيبة ولم يكن سياسياً واسمه فيليب فركوح ان يرشح نفسه ففعل.ومن الطبيعي ان ينجح وهو على قائمة السلطة، كما في كل عهود الاستبداد.

سمعنا إبن عمتي المهندس الشيوعي البارز مدحت أبو خاطر (عليه الرحمة)، وانا، بأن أهالي حي الحميدية من المسيحيين، يرغبون بالذهاب إلى دار النائب الفائز بالانتخابات السيد فيليب فركوح بقصد تقديم التهاني.

وبما أن جدي لأبي وجدّ الاستاذ مدحت لأمه، كان من وجهاء الحي،

توقعنا ان يذهب الموكب برئاسة جدي إلى التهنئة.فقمنا سوية مدحت وأنا بزيارة جدنا ديب نسطه، وشرحنا له موقفنا من النظام الدكتاتوري ومن هذهِ الانتخابات المسخرة ومن نتائجها المزورة، ما أشبه البارحة باليوم، ورجوناه أن يمتنع أن يشارك في وفد المهنئين. وكان يحبنا كثيرا فوعدنا خيرا.

وفي اليوم التالي تجمع أهل الحي واتجهوا إلى دكان جدي طالبين منه بالحاح ان يسير في مقدمتهم.فأصابه الخجل فطاوعهم. وعند وصولهم إلى فناء دار آل فركوح الواسع، الممتليء بالمهنئين، صاح جدي بصوته الجهوري …يا فيليب جئنا إلى هنا لنهنئك تهنئة شخصيه بس ك…. أخت الشيشكلي.

هاج الجمع وماج دون ان ينبس أحدهم بكلمة. وتبسم النائب ابتسامة لطيفة ودعاهم للجلوس وتناول القهوة كما جرت العادة.وخرج جدي إلى داره وهو مرتاح الضمير لأنه أرضى أهل الحي وأرضانا، ابنة عمتي وأنا بنفس الوقت.

ديب نسطه كان رجلا أمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة ،عمل في شبابه،كما أغلبية اهل مدينة حمص بصناعة النسيج لكنه كان مختصا بتزيين الكوفيات السوداء من الحرير بخيوط من الذهب بواسطة مكوك صغير جدا وكان يستغرق عمله على كوفية واحدة أسبوعا كاملاً ويأخذ أجرته ليرة ذهبية كاملة،لندرة الصناع من هذا الإختصاص.ثم هاجر إلى الأرجنتين لعند إثنان من إخوته ،حاملا معه على الباخرة كميات كبيرة من العرق الذي كان مولعا بتعاطيه…ولم يطب له البقاء هناك طويلا فعاد إلى حمص .ثم بعد فترة ،قرر السفر الى المكسيك حيث يقيم ويعمل ثلاثة من أولاده منهم ابي،وثلاثة من إخوته .ومع ذلك لم يطب له البقاء هناك طويلاً بحجة ان بلداً ليس فيه عرق وأراكيل تنباك ليس صالحاً للحياة.

وعاد ومعه ثروة بددها بسرعةٍ واضطر لفتح دكان أو حانوت يشاركه فيه أحد معارفه ممن يجيدون الكتابة والقراءة.

ديب نسطه كان رجلا مربوع القامة لا طويلها ولا قصيرها يجيد رياضة السيف والترس، كان متفوقا بها، يشارك في حفلات المبارزة آلتي كانت تجري علنا في العديد من المحافظات في سوريا ولبنان.وكان المنتصر يجرح خصمه جرحا سطحيا بسيطا، غالبا على وجهه لكي تنتهي المبارزة.وظل وجهه وجبينه دائما بدون اية خدشة سالماً.

كان رجلاً جميل المحيا، عينان زرقاوتان يشعان كالمصباح في الظلام، وتحتهما شاربان أبيضان ضخمان مفتولان، يلبس القنباز من الجوخ الانكليزي في الشتاء، والصاي الحرير في الصيف، ويتزنر بشال عجمي بألوان جميلة، ويحتذي غالبا حذاءً من الجلد اللماع.

كان، وإن أطلت عليكم، رجلا شجاعا مهابا، كريما، ودودا. مرفها لنفسه ينام صيفاً وشتاءا في فراشه عارياً، ويستيقظ باكرا ليذهب إلى البئر في وسط داره ليغتسل بالماء البارد، متجها إلى بائع المغطوطة، هي فطور يعرفه القدامى من اهل حمص جميعاً، او إلى بائع الفطائر او الشعيبيات لتناول فطوره ومن ثم الى دكانه.

في نهاية شهر شباط (فبراير) من العام ١٩٥٤ قام ضباطا ًمن الجيش السوري في مواقع حلب وحماه وحمص على ما أذكر بعصيان او إنقلاب على أديب الشيشكلي، طالبين منه التنحي، فخرجنا جموعا كبيرة من الطلاب والاهالي إلى وسط المدينةَ وفيه موقع قيادةٍ الجيش، لتأييد العصيان تملئنا الفرحة والأمل، منشدين الأناشيد الوطنية والقومية والنضالية.

لم يمضِ يوم او يومان على ما أذكر، حتى أذاع أديب الشيشكلي بيانا من إذاعة دمشق يعلن فيه حرصه على دماء السوريين وخوفه من حرب أخوة السلاح،معلنا استقالته من رئاسة الجمهورية، وعزمه على مغادرة البلاد.

قام بالعصيان ضباطاً أغلبهم من البعثيين وعلى رأسهم في حلب مصطفى حمدون.

عمت البلاد فرحة كبيرة لا تضاهيها فرحة وخرجت الجموع من جماهير واسعة من العمال والفلاحين وأهل المدن بكافة تلاوينهم المهنية.وتولى رئاسة الوزارة محام معروف بالوطنية والنزاهة هو سعيد الغزي أعلن عن إجراء عملية انتخابات نيابية في شهر أيلول من نفس العام.

بدأ حزبنا الشيوعي يستعد لخوض المعركة الانتخابية المقبلة،وذلك بالإتصال بالرفاق الذين توقفوا عن النشاط السياسي،بسبب الدكتاتوريات المتعاقبة المسيطرة على الحكم،بدءاً  بانقلاب حسني الزعيم في آذار 1949 ثم سامي الحناوي وبعده الشيشكلي، التي نشرت الخوف والرعب بين الناس.وكذلك الإتصال بأصدقاء الحزب وأقيمت العلاقات المستجدة معهم. وكذلك أعادت بناء المنظمات الحزبية آلتي خرجت إلى العلنية بعد فترات العمل السري الطويلة.

وكان علينا نحن الطلبة ان ننتظم، أيضاً، في فرق حزبية في أحياء السكن أو أماكن تواجدنا اليومي. وهكذا انتظمت في فرقة حزبية في حي بستان الديوان أذكر بعض رفاقها منهم العامل في معمل سكر حمص زكي أبو فريوة، رجلاً مقداماً ينبض بالنشاط والحيوية، والرفيق اسبر بيطار، والياس غالي يعمل بالكهرباء، وغيرهم. وانتظمت أيضا بفرقة في حي المحطة حيث كنا نسكن. وكان معنا على ما أذكر الرفيق أكرم دلاور وشقيقه الأصغر أسعد أولاد الدكتور المشهور زكي دلاور وآخرين. وفي هذه الفرقة كان يشرف علينا ويعلمنا النظرية والممارسة رفيقنا الكبير ظهير عبد الصمد.

وأذكر بأن الحزب رشح إثنان من كوادره البارزين في حمص هما موريس صليبي وظهير عبد الصمد باسم مرشحي الجبهة الوطنية.وقامت كل منظمات الحزب بالعمل الدعائي لصالح المرشحين، وتنظيم العراضات والتجمعات في كافة أحياء المدينةَ للتعريف بمناقب الرفيقين النضالية والاخلاقية، واذكر خروجنا بعراضة من حي الحميدية اخترقت وسط المدينةَ وأسواقها المختلفة، قاصدين حي المحطة، حيث يقع منزل الرفيق المحامي موريس صليبي.

وكان كالعادة يقوم الرفيق نظير بطيخ الشاعر الزجلي والمنشد ذائع  الصيت محمولا على الاكتاف بنظم بعض الشعارات. وفي هذه العراضة أنشد يقول “تهنى يالشعب الفقير، رشحنا محمد ظهير”. لما وصلنا إلى الهدف قام الرفيق موريس صليبي من على شرفة بيته بإلقاء كلمة عرض فيها لأهداف الحزب في توطيد أركان الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومناصرة مطالب العمال والفلاحين وإقامة جبهة وطنية في وجه القوى الرجعية والاقطاعية.

وفي العاصمة دمشق قام الحزب بترشيح ثلاثة أسماء هم خالد بكداش، وجورج عويشق، ونصوح الغفري. وفي محافظة حلب تقدم الرفيق احمد محفل قائمة المرشحين، وفي محافظة الحسكة تم ترشيح ابراهيم بكري والشاعر الكردي جكر خوين ورفيق كردي آخر نسيت اسمه. وفي اللاذقية وطرطوس كان لنا مرشحين نسيت اسمائهم.

في حلب حصل الرفيق أحمد محفل على نسبة عالية من الأصوات ولكنه لم ينجح مثله مثل كافة المرشحين، ما عدا الرفيق خالد بكداش، الذي جاء نجاحه في المرتبة الثانية بعد الزعيم الدمشقي خالد العظم.

كان لنجاح خالد بكداش في الانتخابات النزيهة السورية في ايلول من العام 1954 أصداء عالمية واقليمية وداخلية كبيرة. كان النائب الشيوعي الاول في العالم العربي.

وعمت الفرحة والفخر كل الأوساط التقدمية في سوريا ولبنان والأردن وحتى في العراق.

كنت وقتها في الصف الثامن اعدادي أذهب الى المدرسة في النادر، وهذا ممكن في المدارس الخاصة، وخصوصاً مع وجود الأستاذ نعمان، وهو أستاذ متقاعد مسن، كانت مهمته من قبل إدارة المدرسة تسجيل أسماء المتغيبين من الطلاب، والذهاب الى أهاليهم يعلمهم بذلك ويسألهم عن أسباب التغيب، كنا مع الأسف نرشي الاستاذ نعمان فيغض النظر عن قيامه بواجبه.

كنت بالمقابل مواظباً على قراءة الكتب بنهم عجيب. فلقد قمت بقراءة جل الأدب الروسي والسوفييتي من تولستوي، دستويفسكي، غوغول، تشيخوف إلى مكسيم غوركي، وبقية روايات الحرب العالمية الثانية البطولية في مقاومة الغزاة الألمان ومن أهمها رواية “وبالحديد سفيناه”. 

ثم بدأت بقراءة الكتب العربية وعلى رأسها كتب المثقف التنويري الكبير سلامة موسى الذي تأثرت به كثيرا والشيخ الأحمر خالد محمد خالد وكتاب في الثقافة المصرية لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس. ثم انتقلت الى قراءة لا بل دراسة الكتب الفرنسية المترجمة حول الفلسفة الماركسية، ومن أهمها كتاب لجورج بوليتزر “أصول الفلسفة الماركسية”، وكتاب الفلسفة الماركسية لهنري لوفيفر، ولروجيه غارودي قبل أن يرتد عن الماركسية مقبلاً على أموال القذافي والسعودية متخلصاً من فقره وعوزه في الحزب الشيوعي الفرنسي.

كان هذا يتطلب مني أن أسهر الليل بكامله وبالتالي عدم الذهاب الى المدرسة إلا قليلاً وفي اليوم الذي نكون فيه في قيادةٍ المنظمة الحزبية قد قررنا الخروج بمظاهرة بغض النظر عن المناسبة الآن كان كل طلاب المدرسة عند رؤيتي، يعلمون فوراً بأن اليوم وبعد فرصة الساعة العاشرة ستخرج مظاهرة من المدرسة.

وبالمناسبة كان أغلب أساتذة صفي مرتاحون لغيابي، لأنني، مع الأسف، ومن باب النقد الذاتي الآن، كنت طالباً مشاغبا ً معاكسا ً، صاحب نكات، مقاطعاً، يصعب عليهم تلاوة الدرس بوجودي. وكان هذا ينعكس على علاماتي المتدنية، مما دفع أهلي إلى قرار بأن يدخلوني الى مدرسة داخلية في دمشق لدراسة الصف التاسع وفيه شهادة الكفاءة (البروفيه) الهامة. أدخلوني إلى مدرسة الروم الكاثوليك في حارة الزيتون في حي القصاع في دمشق والمعروفة بالمدرسة البطريركية.

كان يرأس هذه المدرسةِ راهب اسمه الأب هبة والناظر فيها راهب اسمه ابونا صارجي، وهو رجل في أواخر الستينات من العمر، من القساة الحازمين، شديد العقوبة مهاب الجانب، عملية الصفع وشد الشعر تتم لأتفه مخالفات الطلاب عنده.

في هذه المدرسةِ يسود نظاماً حديدياً بكل معنى الكلمة وخصوصاً في القسم الداخلي. كان علينا النوم في مهاجع في وقت مبكر ومعين تطفئ الكهرباء به ونمنع من الكلام حتى الصباح، ويوقظنا جرس عالي لنذهب الى المغاسل بإشراف أحد الرهبان ثم الى اللباس بتواتر سريع والكلام به ممنوع ثم الى المذاكرة الصباحية ثم الى الدرس الديني المسيحي، وغير المسيحيين من الطلاب، لا يفرض عليهم حضوره، ومن ثم في طابور إلى المطعم لتناول الفطور على مقاعد وطاولات خشبية قرعاء، نظل واقفين فيها إلى أن يقرع الجرس، بعد الأكل مع الصمت يقرع الراهب جرساً يسمح بعده الكلام مع صلاة الشكر. ثم نخرج الى باحة المدرسةِ بطابور صامت ايضاً، وبعد فرصة ربع ساعة ندخل الى صفوف المدرسة مع الطلبة الخارجيين. في فرصة الغذاء كان يجري الأمر كما في الصباح، ونسيت أن أذكر بأن بدء الطعام يجري بعد قرع الجرس والانتهاء منه بعد الجرس، شبع الواحد منا أم لم يشبع.

في وجبة العشاء كان يجري أمر مميز، حيث يتلو أحد الطلاب، بعد الطعام، في كتاب بالصوت العالي من روائع الروايات الأدبية، مثل قصة مدينتين لتشارلز ديكنز أو من رواية البؤساء لفيكتور هوغو. وكان ذلك ذو فائدة كبيرة بالنسبةِ لنا.

من هذه المدرسة طردت مرات عديدة لأسباب سياسية ودينية وكنت اعود بنفس اليوم ببعض الحنكة والدهاء بالذهاب إلى البطرك محتجا بأن الرهبان يضطهدونني لاني من الطائفة الأرثوذكسية، مما يجعله يتدخل لمصلحتي طبعاً.

لم يكن يسمح لنا بمغادرة المدرسة إلا في يوم الأحد فقط، كنت استغله للذهاب بزيارة إلى ابن بلدي ورفيقي حنا عبود، الذي كان موظفا في وزارة المالية ويدرس الأدب العربي في الجامعة. هذا الرجل كان على ذكاء مذهل واجتهاد مضني. كان عندما أزوره منشغلا بالرسم الزيتي لصورة كارل ماركس، وعندما يرتاح يبدأ معي في القراءة من كتاب “رأس المال”، وبعدها يذاكر معي في دروسي المدرسية وخصوصا في مادة قواعد اللغة. لقد تعلمت منه الكثير الكثير مما يخدمني الى الآن.

حنا عبود يعتبر الآن من أهم نقاد الأدب وله أكثر من 32 كتاباً في التأليف وخمسين كتاباً مترجماً.

الخلاصة في هذه المدرسةِ نلت شهادة الكفاءة وعدت إلى حمص مجدداً. وعندما ذهبت في شهر أيلول الى مدير المدرسة الاستاذ ندرة اليازجي لتسجيل نفسي في الصف العاشر لم يصدقني بأنني نجحتَ في فحص الكفاءة، حتى اضطررت لإحضار الجريدة وفيها اسمي من الناجحين منطلقاً ومعتمداً في ذلك إلى نتائجي في الصف الثامن.

في هذه المدرسةِ نلت شهادة الكفاءة وتعلمت الانتظام والانضباط الزمني والنظام الحديدي ودقة المواعيد. ومن الأستاذ حنا عبود اللغة العربية الفصحى وأسلوب التفكير العلمي.

دخلت مدرستي القديمة مجدداً، وكأنني إنسان جديد طالب مجتهد منضبط مواظب على دروسه، ومن الأوائل في علاماته، وكان من أحب المواد إلى نفسي مادة التاريخ ومن أحب الأساتذة محمود السباعي، الذي كان يكلفني أحياناً بإلقاء الدروس أمام الطلاب بدلا عنه، نظرا لثقته العلمية بي.

وعلى النطاق السياسي وجدت المدرسة تعج بالطلاب الشيوعيين أولاً والبعثيين ثانياً. لم يكن للقوميين الاجتماعيين السوريين ولا للإخوان المسلمين أي تواجد.

كنا نخرج بتظاهرات حاشدة تنديداً بحلف بغداد وبمشروع النقطة الرابعة وتأييداً لعبد الناصر بعد قرار تأميم شركة قناة السويس.ونهتف من أجل إقامة الجبهة الوطنية، الأمر الذي يجعلنا نتعارك مع زملائنا البعثيين من أجله، فهم كانوا يعتبرونه شعاراً حزبياً شيوعياً بحتاً، في حين كنا نرى فيه شعاراً عاماً يدعوا إلى التحالف معهم ومع بقية الوطنيين الديمقراطيين، مما يدعوا للضحك الآن. كنا أيضاً نهتف خارج السرب أيضاً: “عاش الحزب الشيوعي عاش بقيادة خالد بكداش”، فيرد البعثيون: “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”.

كنت أقرأ جريدة الحزب الشيوعي، أي جريدة النور يومياَ، وعلى الأغلب الافتتاحية منها واقرأ جريدة الرأي العام لصاحبها احمد عسه ورئيس تحريرها التقدمي جبران كورية.

وكنت، في هذه الفترة قد انتسبت وصديقي المزمن وإلى اليوم عون جبور إلى ناد فني ثقافي موسيقي يدعى دار الألحان حيث كان أخي الأكبر مني سناً، فيليب نسطه عضواً فيه يعزف على آلة موسيقية حديثة اسمها الماندولين. كنا عون وأنا وفيما بعد زميلنا الشيوعي أيضا رامز غطاس نذهب يومياً مساءً الى هناك ونستمع الى البروفات الموسيقية والغنائية ونقوم بتدريبات مسرحية بإشراف الممثل والمخرج القدير الأستاذ محمود طليمات، اذ كنا نحن الثلاثة لا نتقن العزف، لذلك أصبحنا ممثلين.

هذا النادي ضم موسيقيين وملحنين مهمين جدا أذكر منهم عبد الحميد طرابلسي. وبالمناسبة هو شقيق عبد المجيد طرابلسي زعيم حركة الإخوان المسلمين في حمص (وزير الأوقاف بالثمانينيات)، والتاجر وعازف العود محمود الفاخوري وغيرهم. كنا نقيم حفلة فنية في كل شهر تقريباً تضم الموسيقى والغناء والمسرح.

وأذكر بأنني قمت بدور مهم في مسرحية البخلاء لفولتير وبدور هارون الرشيد بمسرحية أخرى، والذي أدى دور أبو النواس الممثل المبدع الخارق ماهر عيون السود. وفي العودة الى السياسة مرة أخرى كان من مميزات منظمتنا الحزبية في المدرسةِ أنها كانت منظمة خارقة للطوائف وتضم أعضاء من عائلات حمصية سنية مرموقة. أتاسي ودروبي وبني وموصلي وسباعي وكلاليب الخ ومن جملة رفاقي واصدقائي المقربين أذكر محمد حسان الأتاسي حفيد الرئيس هاشم الأتاسي لأنه ووالده قاضي محكمة الجنايات الأستاذ النزيه حسن الاتاسي، ونضال الاتاسي البعثي علنياً والشيوعي سرياً. وتمام الموصلي. ومن الأصدقاء صبيح وعادل وتوفيق الأتاسي.

وأحب أن أذكر حادثة مهمة تدل على وطنية ووفاء للحزب من قبل حسان الأتاسي أطال الله من عمره. حيث كنا مرة في زيارة أحد اصدقائنا ودخل علينا جار له، لا أود ذكر إسمه، يعمل مهربا بين بلغاريا وسوريا، له علاقات مشبوهة من أمرها، بمخابرات دولية. ولما سمع بوجود الرفيق حسان الأتاسي بيننا توجه اليه بالقول طمن والدتك بان شقيقها عدنان الأتاسي سيخرج قريبآ من السجن.

كان عدنان الاتاسي ابن هاشم الاتاسي محكوما عليه بالسجن المؤبد بحكم قضائي سوري لاشتراكه في مؤامرة ستون الشهيرة على ما أذكر عام 1957 التي دبرتها واشنطن. ظننا نحن بأن المذكور لا ينطق عن هوى، وإنما ربما هناك مؤامرة يخطط لها بالسر للقيام بالإطاحة بالنظام الوطني وإطلاق سراح عدنان الأتاسي ورفاقه. تداولنا بالأمر حسان وعون وانا وقررنا الذهاب إلى الرفيق واصل فيصل مسؤول منطقية الحزب في حمص وإحاطته علما بالموضوع. طلب واصل فيصل من الرفيق حسان الأتاسي أن يذهب بنفسه الى المدعو عبدو حكيم، جلاد الشيوعيين في عهد الوحدة وقاتل أول شهيد شيوعي خلالها الرفيق الشهيد سعيد الدروبي، واخباره بالقصة وعلمنا بعدها بأن المخابرات ألقت القبض على الرجل المشبوه المذكور سابقاً.

هذه الحادثة تدل على مدى وطنية وشيوعية حسان الأتاسي.

واذكر حادثة أخرى مهمة أخرى.

عندما علمنا بعودة الرفيق خالد بكداش من موسكو برفقة وزير الدفاع الأستاذ خالد العظم بعد توقيع معاهدات دفاع وأسلحة مع الاتحاد السوفياتي، قرر الحزب اقامة استقبال شعبي في مطار المزة. فتوجهت خمسة باصات من مدينة حمص ركابها كلهم شيوعيون واصدقاء لهم وكنت طبعاً من ضمنهم. وصلنا دمشق وكانت الجموع تغني: “هلهلت الشام وكالت (قالت) يا هلا بالزايرنا، ياهلا برفاك (برفاق) خالد والشيوعية أجمعينا”.

بعد أن وصلنا إلى وسط المدينةَ وفي نقطة تجمع معينة صعد إلى الباص الذي كنت متواجد به، الرفيق موريس صليبي وطلب منا العودة الى حمص فورا. ولما سألنا محتجين عن السبب، أجابنا بأن الحشود كبيرة جداً ولا ترغب قيادة الحزب بإخافة البرجوازية من تعاظم جماهيريته.

رجعنا فعلا مكسورو الخاطر حزانى.

في طريق العودة كنا ننشد أناشيد وطنية وشيوعية. ومن ضمنها نشيد من كلمات وتلحين الأستاذ عبد الحميد الطرابلسي والذي مطلعه، بمناسبة حرب العدوان الثلاثي على مصر:

اعصفي يا مصر ريحاً صرصراً يوم القتال ودعي الأهرام تنشق سيوفا وعوالي

كانت مرحلة الأعوام 1954-1958 من أروع مراحل عمري السياسية. وكانت سوريا واحة من واحات الديموقراطية، وبلد يشع على آسيا وأفريقيا والعالم الثالث.

ازدهرت الصحافة وانتعشت حريات النقابات وتأسست الجمعيات والنوادي ومنظمات المجتمع المدني المختلفة وازدهر النشاط البرلماني وصدرت العديد من القوانين التقدمية. ولا زلت الى اليوم أقول: “أحلم بالعودة الى ذلك الزمان الجميل”.

من العدد ٤٤ من جريدة المسار