هل يقترب العالم من حرب باردة بين الصين والولايات المتحدة؟

محمد سيد رصاص

في يوم 23أيار\مايو2020 أعلن وزير خارجية الصين وانغ يي بأن “الصين والولايات المتحدة تقتربان من حرب باردة جديدة”.في يوم 24حزيران\يونيو2020قال روبرت أوبراين ،مستشار الأمن القومي الأميركي،بأن “الولايات المتحدة يقظة تجاه التهديد الذي يفرضه الحزب الشيوعي الصيني لنمطنا في الحياة..وهي تعمل على وقف انتشار أيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني..كنا ساذجين لمافكرنا بأن تحول الصين إلى دولة أغنى وأقوى سيدفع الحزب الشيوعي إلى التلبرل لملاقاة الآمال الديمقراطية للشعب الصيني..أيام السلبية والسذاجة الأميركية تجاه الصين قد انتهت”.

كان مفاجئاً تصريح الوزير الصيني،وهو يشبه ،ربما،خطاب وينستون تشرشل في آذار\مارس1946في كلية ويستمنستر،بمدينة فولتون بولاية ميسوري الأميركية،عندما تكلم عن “ستار حديدي يمتد بين بحري البلطيق والأدرياتيك”يقسم من خلاله ستالين شرق أوروبة عن غربها.لم تكن الحرب الباردة قد بدأت بعد وكانت أفكار السلام العالمي مازالت تحوم في الأفق مع تأسيس الأمم المتحدة ومع استمرار تماسك الحلفاء (الأميركان-السوفيات-البريطانيون)الذين هزموا الألمان واليابانيين لأشهر خلت من عام1945.أشعر تشرشل الغربيين بقشعريرة رهبة الحرب القادمة في وسط أجواء التفاؤل بالسلام،تماماً كمافعل في أيلول\سبتمبر1938عندما عارض اتفاقية ميونيخ بين رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشمبرلين وأدولف هتلر ،التي غضت البصر فيها بريطانية عن ابتلاع الألمان لتشيكوسلوفاكية.في الحالتين تنبأ تشرشل بنشوب الحرب بعد عام من تصريحه،وفي الحالتين نشبت الحرب العالمية الثانية في أيلول\سبتمبر1939والحرب الباردة في آذار\مارس1947 مع طرح “مبدأ ترومان “الذي قال بمساعدة الولايات المتحدة للدول التي تتعرض لتهديدات خارجية أوتمردات مسلحة في ظرف كانت الحرب الأهلية اليونانية مشتعلة  بين الشيوعيين والملكيين. الملفت، هنا، في تصريح مستشار الأمن القومي الأميركي هو تركيزه على الحزب الشيوعي الصيني وعلى أيديولوجيته، كما تحدثه عن “سذاجة” أميركية في مساعدة الصين تكنولوجياً واقتصادياً، لماكان طرح خطة الاصلاح الاقتصادي الصيني (كانون أول\ديسمبر1978) متزامناً بدء تطبيقها بالشهر التالي مع زيارة الزعيم الصيني (دينغ سياو بينغ) لواشنطن في شهر تلاقت الصين والولايات المتحدة ضد الغزو الفيتنامي لكمبوديا وفي شهر سبق بشهر الحرب الصينية مع الفيتناميين المدعومين من السوفيات. كان اليمين الأميركي ومنه ريتشارد نيكسون نائب الرئيس دوايت أيزنهاور في الخمسينيات يرى الصين الشيوعية أخطر من الاتحاد السوفياتي الذي اتجه لسياسة التعايش السلمي منذ نيكيتا خروتشوف الذي اختلف معه ماوتسي تونغ عام1960حول ذلك ، ولكن عندما استلم نيكسون الرئاسة عام1969نصحه مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر بالتقارب مع الصين للضغط على الكرملين من أجل موضوع  معاهدة ( سالت1 ) لتحديد متبادل ثنائي للسلاح الاستراتيجي ومن أجل الضغط على الفييتناميين من أجل جلبهم لمائدة المفاوضات.أتت زيارة كيسنجر السرية للصين(تموز1971)ثم زيارة نيكسون(شباط1972)في إطار ذلك. تابع الرئيس جيمي  كارتر عامي1979و1980ذلك التقارب مع الصين في ظل ازدياد الهجومية السوفياتية التي برزت مع غزو أفغانستان من قبل الكرملين(27كانون أول1979)وازداد هذا في زمن رونالد ريغان.قايض دينغ سياو بينغ تأييد الأميركان ضد السوفيات في السياسة بمكاسب في التكنولوجيا الغربية التي انفتحت أبوابها أمام الصينيين وبمكاسب في الاقتصاد،في وقت بدأ تطبيق (اقتصاد السوق)في الريف الصيني عام1980ثم في عام1987انفتحت الصين أمام الرأسمال الأجنبي وبدأت في تطبيق الرأسمالية الداخلية بقيادة الحزب الشيوعي مع احتفاظ (قطاع الدولة في الاقتصاد)بأقسام استراتيجية(سيطرة البنك المركزي على عملية تحديد قيمة العملة- الصناعات العسكرية- الهاي تكنيك..إلخ).كان رأي الشيوعيين الصينيين مثل رأي كارل ماركس وبخلاف لينين وماوتسي تونغ،بأنه لايمكن الدخول في الاشتراكية ببلد متخلف قبل استنفاذ كامل مراحل التطور الرأسمالي.الصين انتقلت خلال ثلاثين عاماً من بلد متخلف اقتصادياً  لكي تكون القوة الاقتصادية العالمية الثانية عام2010بعد الولايات المتحدة.

يلفت النظر، هنا، توحد باراك أوباما ودونالد ترامب، رغم خلافاتهما الأيديولوجية والسياسية العميقة، في رؤية الخطر الصيني.كان رأي المحافظين الجدد في زمن بوش الإبن بأن النمو الرأسمالي الصيني سيقود لليبرالية في الاقتصاد، وأن التعددية في الاقتصاد ستقوض الواحدية السياسية للحزب الشيوعي، وتقود إلى الديموقراطية التعددية.على الأرجح هذا مانعته أوبراين ب “السذاجة الأميركية”. من خلال ذلك جاءت الموافقة الأميركية على دخول الصين في منظمة التجارة العالمية عام2001. كان انفتاح دينغ سياو بينغ الاقتصادي مرتبطاً مع تشدده السياسي، وهذا ماأظهره ب يوم3حزيران\يونيو1989عندما أنزل الدبابات وسحق اعتصام الطلاب المطالبين بالتعددية السياسية في ساحة (تيان آن مين). على الأرجح كان واعياً لمخاطر بيريسترويكا صينية ولوجود محتمل لغورباتشيف صيني متمثلاً في أمين عام الحزب الشيوعي (زهاو زيانغ) الذي أسقط من منصبه بعد قليل من ماجرى في (تيان آن مين). يمكن، وهذا الأرجح أن الأمريكان لم يعوا تفكير (دينغ)، ولم يعوا بأنه يعرف عبارة فريدريك إنجلز:”الخسارة هي مصير أية حكومة تسمح لحركة معادية تتطلع إلى اسقاطها بالعمل في إطار القوانين”، وهي عبارة قالها إنجلز عام1890عندما ألغى القيصر الألماني قانون حظر الاشتراكيين الذي أصدره بسمارك في عام1878.

ولكن الآن يطرح السؤال نفسه بقوة: هل تملك الصين مقومات الاتحاد السوفياتي عام1947لكي تكون أحد طرفي حرب باردة مع الولايات المتحدة؟ قبل الإجابة على السؤال، من الواضح أن هناك رغبة أميركية في النزال مع الصين، كما يبدو من كلام أوبراين، ومن تصريحات عديدة للرئيس ترامب وللوزير بومبيو.هناك وعي أميركي بأن التهديد الوحيد لوضعية القطب الأميركي الواحد للعالم، والقائمة منذ عام1989مع هزيمة السوفيات في الحرب الباردة، هو التهديد الصيني.هذا كاف لوحده لكي يشعل حرباً باردة. في الحرب الباردة بين الأمريكان والسوفيات عندما لم تستخدم المجابهة المباشرة عسكرياً (رغم الاقتراب من حافة ذلك ب عامي1962و1973) كان هناك مشاريع أيديولوجية متضادة وحروب عسكرية بالوكالة واستقطابات دولية واقليمية متضادة وحروب اقتصادية وتكنولوجية. تملك الصين مقومات الدخول في نزال الحرب الباردة من خلال كونها عملاقاً  اقتصادياً يقترب من العملقة العسكرية مع تضاعف الانفاق العسكري الصيني لعشر مرات بين عامي2009و2019.تقوم الصين باستقطابات دولية عبر شراكات اقتصادية  طويلة المدى مع روسيا وايران ،وتستأجر مرافىء لعشرات السنوات في باكستان وميانمار من أجل تفادي المرور بمضيق مالاقا الرابط بين المحيطين الهندي والهادىء الذي يسيطر عليه الأميركان عند سنغافورة ، وتتغلغل الصين في افريقيا عبر مشاريع اقتصادية مع عملاق اقليمي اسمه إثيوبية.مع مؤشرات قدمتها شركة (هواوي)واضح أن الصين تتقدم كثيراً في الهاي- تكنيك. تملك الصين مقومات العملاق الاقتصادي الطامح للعملقة العسكرية-السياسية عبر دور عالمي، كماكانت ألمانية في فترة1871-1890قبل أن تكشر عن أنيابها وتقود العالم إلى حربين عالميتين.على مايبدو، الآن، لم تعد واشنطن في وضعية لندن لمااطمأنت إلى سياسة بسمارك (مستشار ألمانية ال موحدة1871-1890) غير الصدامية مع البريطانيين، من خلال رؤيته المتمثلة في عبارته:”ألمانية وحش بري، وبريطانية وحش بحري، ويجب أن لايتصادما”، وهي عبارة دفع ثمن تجاهلها ألمان الحربين العالميتين.

يمكن لذلك أن يؤهل الصين للنزال ولكن التوازن يقول بكفة تميل للأميركان: تملك واشنطن أيديولوجية واضحة، وهو مالاتملكه الصين، فيماكان ستالين يملك ذلك عام1947.هناك تفوق علمي-تكنولوجي أميركي بأشواط أمام الصين، مع تفوق عسكري واقتصادي. حسب “مصلحة الأبحاث في الكونغرس الأميركي”،بدراسة عن “تأثيرات كوفيد-19 في الاقتصاد العالمي”(26آذار2020)يمثل الدولار الأميركي 88%من حجم التداول النقدي الخارجي لدول العالم وثلثا موجودات النقد للبنوك المركزية العالمية ونصف موجودات النقد الأجنبي في البنوك غير الأميركية وهو يمثل ثلثي المستجلبات النقدية من البنوك والمحافظ النقدية من قبل الشركات الصناعية غير الأميركية.هناك عيوب بنيوية في الاقتصاد الصيني:41,7%من الصادرات الصينية عام2018هي لشركات أجنبية مسجلة في الصين،وكذلك 43,7%من واردات الصين هي لصالح هذه الشركات(“الصعود الاقتصادي الصيني”،دراسة في “مصلحة أبحاث الكونغرس الأميركي”،25حزيران2019).معظم الشركات الأجنبية وأقواها في الصين  هي أميركية،وحتى العجز التجاري الأميركي مع الصين ناتج  بمعظمه عن منتوجات تنتجها هذه الشركات الأميركية بالصين ثم تصدر لأميركا.تأتي نزعة ترامب نحو “القومية الاقتصادية”من أجل جلب تلك الشركات الأميركية للداخل الأميركي.

كتكثيف: الصين تملك من خلال الاقتصاد، الذي يحدد هو وليس السلاح النووي من هي الدولة العظمى أوالكبرى، مقومات منافسة (القطب الأميركي الواحد للعالم). هي في وضعية فرنسة أمام انكلترا بين عامي 1689و1815حتى هزيمة نابليون بونابرت في واترلو، وفي وضعية ألمانية أمام انكلترا بين عامي1890و1945. فلاديمير بوتين لايملك الآن هذه الوضعية أمام الأميركان الذين مازالوا حتى الآن القطب الواحد للعالم منذ هزيمة السوفيات بالحرب الباردة عام1989.

جريدة “الأخبار” 9\9\2020

نشر في العدد ٤٤ من جريدة المسار