العداء لدولة إسرائيل

كتب تيودور هرتزل عقب انتهاء المؤتمر التأسيسي للحركة الصهيونية عام 1897، في مدينة بازل (بال) السويسرية، الكلمات التالية في دفتر يومياته: «لو أردت أن أختصر مؤتمر بازل في كلمة واحدة -وهذا ما لن أجاهر به صراحة -لقلت: في بازل أسّست الدولة الصهيونية. ولو قلت ذلك اليوم لقابلني العالم بالسخرية والضحك. ولكن بعد خمس سنوات على وجه الاحتمال، وبعد خمسين سنة على وجه التأكيد، سيرى هذه الدولة جميع الناس». لم تنشر يوميات هرتزل (توفي عام 1904) كاملة حتى عام 1960 وكانت نشرت مجتزأة عام 1922. لو قرأ تلك الكلمات غير الصهاينة، وحتى بعض أعضاء مؤتمر بازل، لقابلوا هرتزل ليس فقط بالسخرية بل كانوا اتهموه بالاختلال العقلي. 

الدولة العثمانية كانت تلعب على لندن وبرلين مستغلة انفجار الخلاف البريطاني -الألماني في مرحلة ما بعد بسمارك الذي أقيل كمستشار للدولة الألمانية عام 1890. كانت روسيا في مرحلة موجة عداء لليهود منذ اغتيال القيصر الروسي عام 1881. فرنسا كانت قد خرجت للتو من «قضية دريفوس» التي أظهرت موجة عداء لليهود ذات طابع طاغ في المجتمع الفرنسي. الولايات المتحدة الأميركية كانت تعيش عزلة «مبدأ مونرو» المتبنّى عام 1823 تجاه «العالم القديم». كان الطريق مسدوداً أمام هرتزل لكي يفتح طريقاً عبر شقوق العلاقات الدولية نحو الدولة الصهيونية أو اليهودية وفق عنوان كراسه المنشور عام 1896.

خلال سبع سنوات قبل وفاته، فتح هرتزل طرقاً عديدة نحو ذلك الهدف، مركزاً على فلسطين ضد مشاريع لإقامة الدولة اليهودية في قبرص أو أوغندا أو الأرجنتين أغرت بعض أعضاء المنظمة الصهيونية، ثم أكمل تلاميذه الهدف الذي تم تحقيقه بالجدول الزمني نفسه الذي حدده في يومياته (قرار تقسيم فلسطين عام 1947 ثم إعلان بن غوريون قيام دولة إسرائيل في 14 أيار 1948 وليس 15 أيار كما يظن العرب الذين لا يعرفون حتى تاريخ «النكبة» الذي هو يوم الجمعة 14 أيار 1948 قبل مغيب الشمس والدخول في يوم السبت 15 أيار حيث يدخل اليهودي في لا عمل يوم السبت). لعب تلاميذ هرتزل على شقوق العلاقات الدولية وتشققاتها، ومرّروا الجمل من خرم الإبرة.

الآن، ومنذ بروز وصعود منطق التسوية للصراع العربي – الاسرائيلي، مع أنور السادات، إلى سطح الحياة الفكرية والسياسية العربية، هناك منطق يعاكس منطق كلمات تيودور هرتزل. يقول «التسوويون العرب» التالي: إسرائيل أمر واقع، وهي تفوقنا قوة، وقد هزمتنا في كل الحروب العربية – الاسرائيلية، ويقولون إن الواقعية تتطلب التسوية والقبول بإسرائيل كأمر واقع من أجل الارتقاء بالواقع العربي الذي استغلت الأنظمة العربية العداء لدولة اسرائيل وحالة الحرب معها من أجل تسويغ استبدادها والتخلف العربي الذي فاقمته وكرّسته وجلست على تلّته. 

السادات وعد منذ زيارته للقدس في 19 تشرين ثاني 1977، والآن أنصار «صفقة القرن» من العرب، التي انكشف شقها الاقتصادي أواخر حزيران 2019 في مؤتمر البحرين قبل جانبها السياسي الذي أعلنه ترامب، وبجانبه نتنياهو، في يوم 28 كانون ثاني 2020، يعدون بالرخاء الاقتصادي العربي مقابل القبول بإسرائيل وإنهاء العداء معها وإعلان نهاية الصراع العربي -الاسرائيلي. 

هناك منطق جديد يضاف إلى ذلك في مرحلة ما بعد ما يسمى «الربيع العربي» عام 2011، يقول التالي: المجتمعات العربية انفجرت دواخلها و«علينا» التفرغ لإعادة البناء لتلك الدواخل على أسس جديدة، والعداء لإسرائيل «يعيق» ذلك. عند أنصار «صفقة القرن» منطق إضافي، يقول بأنها فاتورة اجبارية من أجل تشكيل تحالف أميركي -اسرائيلي -أنظمة عربية لضرب إيران تفادياً لتكرار «خذلان» باراك أوباما الذي عقد الصفقة النووية مع إيران عام 2015 ضد رغبة حلفاء واشنطن العرب وضد رغبة بنيامين نتنياهو. تأتي صفقة التطبيع من قبل دولة الإمارات مع إسرائيل بيوم 13 آب 2020 في إطار هذا التوجه ،في وقت يقول ترامب بأنه سيعقد اتفاقاً جديداً مع ايران بمجرد فوزه في انتخابات الرئاسة الأميركية في 3 تشرين ثاني 2020،لتكون صفقة هي بمثابة  تنازل مجاني من دول الخليج ،التي تشكل الإمارات الآن رأس حربتها ، فيما نتنياهو لم يقدم شيئاً بالمقابل، يعبر عن تبعية تلك الدول  للمحور الأميركي، ويلحق ضرراً كبيراً بالفلسطينيين،الذين حان الوقت لكي يلغوا اتفاقية أوسلو ومترتباتها بما فيها ما يسمى ب”السلطة الفلسطينية” والعودة إلى مرحلة الكفاح الفلسطيني من أجل التحرر من الاحتلال، كما كان الأمر منذ الرصاصة الفلسطينية الأولى في يوم 1 يناير 1965.

 لم تتحقق وعود السادات بالرخاء الاقتصادي مقابل القبول بإسرائيل، وكل المؤشرات تدل على أنه ليس هناك سوى تكرار تسووي عند ترامب للتجابه الأميركي-الإيراني يختلف بتفاصيله عمّا فعله أوباما مع طهران فقط، ولكنه مثل أوباما سينتهي بتسوية بين واشنطن وطهران ولكن بشروط جديدة. اسرائيل منذ بن غوريون كانت ترى خراب الدواخل العربية طريقاً لقوتها.

السؤال هنا: ماذا يقول الإسرائيليون؟ بنيامين نتنياهو يقبل بـ «صفقة القرن» مقابل التهام اسرائيلي لأربعين في المئة من الضفة الغربية وكل القدس الشرقية مقابل «حكومة فلسطينية» (نفس تعبير جاريد كوشنر في البحرين، وليس دولة فلسطينية) تدير السكان وليس الأرض (تعبير موشيه دايان في أواخر الستينيات مع مشاريع عرضت على رؤساء بلديات الضفة والقطاع). 

يكون مركز إدارة هذه الحكومة في ضاحية أبو ديس قرب القدس والمسجد الأقصى بإدارة إسلامية وحائط البراق (المبكى عند اليهود) لإسرائيل وكنيسة القيامة بإدارة مسيحية، مع حدود مفتوحة لتبادل البضائع وحرية التنقل بين الاسرائيليين والفلسطينيين والأردنيين، مقابل التخلي عن حق العودة وإنهاء الصراع العربي -الاسرائيلي. اليمين الاسرائيلي الذي هو على يمين حزب الليكود لا يقبل بـ «صفقة القرن» من منطلق أن التجربة التسووية مع مصر والأردن تظهر أن السلام لا يأتي من الحكام بل من الشعوب، حيث أظهر المصريون والأردنيون، كمجتمعات، أنهم لا يقبلون وجود إسرائيل في المنطقة ولا يقبلون بالتطبيع معها ومع الاسرائيليين. هم يرون الحل في «الجدار العازل» الذي هو أقرب إلى سور «الغيتو»، ولكن بدلاً من غيتو يهودي في مدينة فهو دولة غيتو في منطقة معادية على أن تكون هذه الدولة متفوقة عسكرياً وتكنولوجياً وتملك قوة ردع وتفوق عسكري على المحيط المعادي. 

هذا منطق جديد عند اليمين القومي الاسرائيلي الذي كان يرى السعي إلى «اسرائيل الكبرى» التي تضم فلسطين وشرق الأردن، مع ترحيل الفلسطينيين إلى البلاد العربية بالقوة وتوطينهم هناك. يعاكس هذا المنطق ما كان موجوداً عند فلاديمير جابوتنسكي وعند مناحيم بيغن. الملفت بدء نشوء هذا المنطق عند أرييل شارون الذي أقام «الجدار العازل» في عهد توليه الوزارة الاسرائيلية بين عامي 2001 و2006، ما كان إيذاناً بتخليه، وهو اليميني العتيد، عن «إسرائيل الكبرى»، وهذا ما يدل على إدراك عنده بتقلص أهمية اسرائيل عند الغرب في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، إذا قارناه بما قاله أواخر عام 1981 كوزير دفاع اسرائيلي بأن اسرائيل هي الذراع العسكرية الطويلة لواشنطن في المنطقة الممتدة بين باكستان والمغرب، وكانت تل أبيب يومها قد خرجت للتو من ضرب المفاعل النووي العراقي، وكانت تستعد لغزو لبنان. 

هناك إدراك عند الاسرائيليين بوجود احتمالية لتكرار تجربة الصليبيين في المنطقة الذين أقاموا كيانات استيطانية ثم زالت بعد قرنين من الزمن وهم يضعون الخطط لتفادي ذلك، وهم يخافون من تجربة جنوب أفريقيا كدولة أبارتهيد للتمييز العنصري 1948-1994 عندما لم تستطع الأقلية البيضاء الحفاظ على حكمها على الأكثرية السوداء، لذلك مع شارون انزاح اليمين الاسرائيلي إلى منطق حزب العمل الذي كان يخاف من التوسع الجغرافي والسيطرة على أغلبية سكانية عربية تقود إلى انتهاء الأغلبية اليهودية عددياً في دولة اسرائيل. في التسعينيات حذر شمعون بيريز الاسرائيليين من مصير البيض في جنوب أفريقيا ومن مصير الصرب في الاتحاد اليوغسلافي. أصبحت الآن هناك أغلبية إسرائيلية مجتمعية تخاف من نقاط ضعف دولة إسرائيل، وهو ما لا يدركه العرب الذين هم في حالة جهل كبير بالأوضاع الاسرائيلية.

الآن، كل المؤشرات تدل على أن «صفقة القرن» لن تمر. منطق التسوية بعد أربعين عاماً على المعاهدة الاسرائيلية – المصرية (26 آذار 1979) لم ينتصر بل هو مهزوم واقعياً عبر الوقائع ولكن ليس عبر الفكر السياسي، الذي ما زال عند رافضي التسوية العرب مبنياً على تفسير حقوقي وأخلاقي للسياسة، وليس على منطق براغماتي ومادي للسياسة يرى بأن الحقوق في الغابة التي اسمها العلاقات الدولية لا تنال سوى بالقوة وبتوازنات القوى، وهو درس لم يتعلمه العرب حتى الآن بعد الدرس الكبير الذي اسمه «إسرائيل»، عندما قبل العالم «المتحضّر» بأن اليهودي المولود في كييف وجوهانسبورغ وبوينس آيرس له الحق في يافا على حساب الفلسطيني المولود هناك منذ آلاف السنين. 

بعد فشل خط التسوية العربي الذي بدأ مع أنور السادات، ومع فشل خط التسوية الفلسطيني مجسداً في اتفاقية أوسلو، فإن العداء لدولة اسرائيل يكتسب المشروعية الواقعية السياسية وما زال يكتسبها وسيظل حتى تزال تلك الدولة من الخريطة.

لماذا يتمسك السارق لأرض فلسطين بما يريد أكثر مما يفعل من سرقت أرضه؟

من العدد ٤٣ من جريدة المسار