من زوايا الذاكرة

الدكتور جون نسطة… الشيوعي القديم المدمن

(الجزء الأول: 1939 – 1953)

في الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الأحد الواقع في الثالث من ايلول ١٩٣٩ قدمت في مدينة حمص، إلى هذا العالم المعذب. 

وكانت أصوات بائعي الصحف تلعلع في شوارع المدينة…بدأت الحرب العالمية الثانية. 

في يومها أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا النازية، بعد كانت الأخيرة قد أدخلت جيشها إلى جمهورية بولونيا المستقلة بقصد احتلالها بعد احتلال الجمهورية التشيكية قبل ذلك وسكوت الغرب أو التغاضي عنه. 

احتار والدي ماذا سيطلق على من اسم. وأخيرا استقر الرأي بان اسم حرب هو المناسب. وهذا تقليد بدوي قديم، يسمون أولادهم، حسب المناسبة. فإذا ولد الطفل في الخميس يسمونه خميس أو في يوم الجمعة يسمونه جمعة او في النهار فيسموه نهار أو رمضان الخ. 

وكان من دواعي رغبة والدي بهذه التسمية هو نهاية اسم حرب بحرف الباء، حيث كان أطلق على إخوتي الكبار وكنت آخرهم الأسماء التالية:

أديب، لبيب، فيليب، منيب، مهيب. وكلها تنتهي بحرف الباء. 

ومضت أشهر طوال وأنا أعرف بهذا الاسم، إلى أن قدم من المكسيك، صديق عزيز لوالدي اسمه حنا عيسى، ولم يرزق بأطفال على الإطلاق. فترجى والدي بأن يسميني على اسمه وبانه سيعتبرني ابنه، وهو رجل ثري جدا. فوافق والدي وذهب الى دائرة النفوس لتغيير الاسم وفي الطريق خطر بباله بأن اسم حنا قديم ولم يعد مرغوبا به، فأسماني جون. 

وهكذا الانسان ليس متاحا له ان يختار اسمه ولا دينه ولا لغته ولا قوميته.

مع بداية الحرب بدأت أزمة اقتصادية تعم العالم ومنه بلدنا سوريا. ولم تسلم عائلتي من هذا المصير. كان والدي بعد عودته من المكسيك الذي عمل فيه مع اعمامه بالصناعة والتجارة، لمدة أربعة عشرة سنة، في العام ١٩٢١   قد جلب معه ثروة كبيرة جدا تفوق تصوري، فبنى قصرا جميلا بحي الحميدية في حمص بعد زواجه من والدتي روز عبود، فتاة جميلة متعلمة تتقن اللغة الانجليزية، وتفهم الروسية، من عائلة عريقة، حادة الذكاء، لبقة الاسلوب، حسنة التدبير بمنطق واع. وبعد عمله بالتجارة لفترة قصيرة ابتاع قريتين، الشومرية، والوريدة، وبنى في الوريدة قصراً ومضافة واسعة وجعلها مركزه في الريف إضافة إلى سكنه في المدينة.

كان والدي صبياً في الرابعة عشر من عمره عندما سافر إلى المكسيك لعند أعمامه ورجع معهم وهوفي سن الثامنة والعشرين. رجل طيب القلب، كريماً إلى حد التهور، لا يعرف طبائع الشرق، ولا طبائع الفلاح، التي لا تخلوا من الخبث احيانا، لا يعرف الكذب، ولا يظن بأن الآخرون يعرفوه ايضا، فلم يستطع أن يكون مزارعاً جيداً، كما كان تاجراً وصناعياً ناجحاً في المكسيك من قبل. 

بدأت أموره تتدهور إلى ان اندلعت الحرب وتوقف تصدير القمح السوري إلى اوروبا، بسبب خطر الغواصات الالمانية التي كانت تصطاد السفن في عرض البحر. ولم يعد، لهذا السبب ايضا، بمقدوره العودة إلى المكسيك بعد ان كان قد باع أكثر املاكه. وأصبح عملياً بدون عمل وبدون أية دخول. 

كان فرش بيتنا، الذي حافظ عليه ولم يبعه، فرشا أرستقراطياً بكامل معاني الكلمة، من السجاد العجمي النفيس، والموبيليا الفرنسية، والملاعق والسكاكين والشوك الفضية، إلى البورسلان الصيني والفرنسي الخ يتناقض مع الواقع الفعلي المعاش. وكانت والدتي تسعى بكل جهدها الحفاظ على المظاهر الخارجية الدالة على اليسر، رغم العسر الشديد. في هذا الجو المتناقض، بدأ وعيي المبكر، يشق طريقه، من دون أن أكون قادراً على التفسير. والوعي ينمو بتسارع في أجواء التناقضات. كنت أذهب إلى المدرسة وتتصدى لي المديرة وتقول ارجع إلى البيت ودع أهلك يدفعون قسط المدرسة. ارجع إلى البيت وأخبر والدي فيقول عد إلى المدرسة وقل للمديرة بأن والدي من بنى هذه المدرسة، وهذا صحيحاً وليس ادعاءاً، كنت أزور المدرسة الأرثوذكسية او الغسانية، نسبة إلى دولة الغساسنة العرب المسيحيين. 

كنت في الثامنة من العمر وانا أسير بطرقات المدينة وأرى جموع الشحاذين، وأرى اصحاب العاهات والمعاقين، أتساءل لماذا الرب خالق البشر، تخلى عن هؤلاء ولم يقم بواجباته تجاههم وهو لا يرى آلامهم ولا يسمع لتضرعاتهم. كانت علاقتي بالرب مشوشة من ذلك الوقت ولا تزال.

كانت المدارس الخاصة الاورذوكسية الابتدائي والاعدادي والثانوي تقع في حي قديم من أحياء المدينة يسمى بستان الديوان، وهو حي مسيحي اورذوكسي على الغالب، إن لم يكن كليا، مليء بالحياة والحركة، بسبب تواجد أعداد كبيرة من الطلاب، ومن المحلات والدكاكين العديدة، بما فيه محل كبير يملكه خالي رفائيل عبود وأسسه والد جدي لأمي مخائيل في العام ١٨٦٠ ولا يزال قائماً إلى الآن بإدارة ابن خالي مرشد عبود. 

وفي محل خالي هذا كان بعمل، أجيرا شاب من ريف حمص الغربي، اسمه ابراهيم، ولا أعرف كنيته. كان هذا الشاب ذو ثقافة عالية من أدب وشعر ونثر، بالإضافة إلى معرفة وطيدة بالماركسية ونظرتها الفلسفية المادية خصيصاً. كان في وقت الظهيرة وحركة البيع معدومة تقريبا، يحدثنا عن الجيش الأحمر السوفياتي وانتصاراته وبطولاته.

بإعجاب كبير. وعن خلق الكون. كان يقول مقولة بسيطة وغير معقدة… شيء من شيء يوجد… شيء من لا شيء لا يوجد، معبرا عن عدم وجود خالق لهذا الكون.

الذي لا يوجد له بداية ولا نهاية. 

كان ابراهيم كل يوم يعطينا درسا جديدا، نحن الفتية الصغار المتواجدون حول باب محل خالي هذا. 

كان في الشارع الرئيسي لهذا الحي يوجد ثلاثة محلات للحلاقة، لكل محل زبائنه حسب الأعمار والطبقات الاجتماعية أيضا، محل لكبار السن، ومحل لأغنياء الحي، ومحل للشباب وأكثرهم من اليسار. وهذه المحلات تشكل صالونات اجتماعية وثقافية ايضا تجتمع بها الناس، ليس بغرض قص الشعر فقط، بل للأحاديث والنقاشات وتناقل الأخبار. وكان حلاقي اسمه باصيل باخوص، أيضا شيوعياً وقارئاً نهماً. كنت من جلساء صالونه الدائمين. 

في هذا الحي أيضا كانت تقع كنيسة الأربعين شهيدا، أكبر كنائس حمص على الإطلاق. 

ثمة علاقة لابد من ذكرها، بين الأرثوذكسية وبين روسيا القيصرية، وامتدت علاقة المحبة هذه بدون وعي إلى روسيا السوفياتية. وكانت هناك أعياد مسيحية مثل عيد السيدة العذراء وعيد الصليب، في هذا العيد كان الشباب يشعلون ناراً عالية تسمى الراموشة يتجمعون حولها وهم بغاية البهجة والسرور. وفي هذه الأمسية كان يقدم رجلا من حي الحميدية يعمل نجارا وبنفس الوقت كان شاعراً زجلياً، وناشداً مشهوراً، وهو قيادي في الحزب الشيوعي السوري في نطاق حمص. كان الشباب يتجمعون حول نظير بطيخ، هذا ولقبه أبو سليم، ويحملوه على الأكتاف في عراضة وهو ينشد…. عيد الصليب الله يعيده ويعيده (والشباب تردد من وراءه الله يعيده) وينصر السوفييت ويعيده…وينصر خالد بكداش ويعيده. إلخ 

في هذه الأجواء والمناخات كانت مدارج وعي واهتمامي، تتسع وتتكون. 

في المدرسة الاعدادية والثانوية المشتركة، وفيها يسكن بعض الطلاب بقسم الداخلية، من قرى وبلدات سورية متعددة، من تل تمر في الشمال السوري إلى السلمية والسقيلبية في ريف حماه، كنا خليطاً من مجتمعات متعددة ومن أديان عدة، كان يجمعنا بنفس الوقت، نزوعاً قوياً ضد ديكتاتورية أديب الشيشكلي، وكانت تخرج مظاهرات حاشدة إلى الشوارع تنادي بالحرية. وكنت أشارك فيها إلى جانب الطلاب الشيوعيين، وكانت مجموعة تسير إلى جانب البعثيين الأقل حضورا. 

في صيف ١٩٥٣ دعاني أحد الطلاب من قرية قطينة الى القدوم لغرفة كان يستأجرها في حي بستان الديوان، بغرض تأسيس خلية شيوعية ننتظم بها، لبيت الدعوة فوراً وبسرور عارم. وفي هذه الغرفة البسيطة والصغيرة كان يجلس رجلاً لم أكن أعرفه من قبل، ولكنه مريح جداً، هاديء ومتواضع، عيناه تنطق بالود والمحبة والحنان. 

عرفنا عن اسمه الصريح…. ظهير عبد الصمد. 

كان من الحضور عدد من طلاب مدرستنا أذكر إلى الان، بعد أكثر من ٦٧ عاما، أسماء بعضهم، لا أعرف فيما إذا كانوا على قيد الحياة أم لا، وهم:

فاضل هديب. 

فايز سمعان. 

موسى طعمة. 

عادل سلوم. 

عون جبور وهو لا يزال من اصدقائي المقربين، طبيب نسائي، مقيم في المانيا. 

بدأ الاجتماع بالقول بأنه شرف كبير للإنسان بان يحمل لقب شيوعي ومن ثم قام الرفيق ظهير بشرح معنى الفرقة الشيوعية ومهامها وتدرجاتها في التنظيم الحزبي من الفرقة الى اللجنة الفرعية ثم اللجنة المنطقية إلى اللجنة المركزية وأخيراً إلى المكتب السياسي والأمين العام خالد بكداش. 

وقال بأن على فرقتنا أن يكون لها مسؤولها أي أمين الفرقة ومسؤول مالي ومسؤول ثقافي. ولها اجتماعات دورية سرية جدا. 

وأذكر بأنني أصبحت مسؤولاً ثقافياً. 

ثم حدثنا الرفيق ظهير عن أهمية الثقافة الماركسية وكونها هي اللحمة التي تجمع كل أعضاء الحزب وتصهرهم إلى كيان واحد يناضل من أجل الحرية والديموقراطية ومن أجل بناء الاشتراكية. وقام بتوزيع كتاب ” أسس اللينينية” للرفيق ستالين وأن علينا البدء بمطالعته والتدارس حوله في كل اجتماع أسبوعي للفرقة. وبعد فترة أعطانا كراساً صغيراً للرفيق ليو تشاو شي (رئيس الصين بين عامي 1949 1966) وعنوانه “كيف تكون شيوعياً جيداً؟”.

من العدد ٤٢ من جريدة المسار