الحكم العسكري عند العرب

كان شيخ الأزهر أحمد الطيب حاضراً في الصف الأول للمنصة التي أعلن من خلالها الفريق عبد الفتاح السيسي، في 3 يوليو 2013، انقلابه العسكري على حكم الرئيس المصري محمد مرسي القادم من جماعة الإخوان المسلمين. في السنة التي حكم فيها الإخوان المسلمون في القاهرة (منذ 30 يونيو 2012) كانت وسائل الإعلام الخاصة، المملوكة لرجال أعمال ولدوا من رحم سلطتي أنور السادات وحسني مبارك، هي منبر المعارضة لمرسي. هذا الثالوث، المؤلف من العسكري ورجل الأعمال وشيخ مؤسسة الإسلام الرسمي، يمثل تحالفاً يشكل البنية القائمة للحكم العسكري في مصر، ليس فقط في زمن السيسي، بل كان موجوداً في عهود السادات ومبارك وسلطة المجلس العسكري المصري برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي الذي حكم في فترة ما بعد سقوط مبارك حتى تولي مرسي للسلطة (11 فبراير 2011 -30 يونيو 2012). 

لم تكن الأمور هكذا في زمن جمال عبد الناصر، الذي هو المدشن الأبرز للحكم العسكري عند العرب، رغم أن الانقلابات العسكرية قد بدأت في العراق عام 1936 مع بكر صدقي ثم حسني الزعيم في سوريا عام 1949 قبل أن تصل إلى مصر في 23 يوليو 1952، حيث استند الحكم الناصري إلى قاعدة اجتماعية ريفية أمَّنها الاصلاح الزراعي وفئات مدينية وسطى (في المدن الصغيرة وخاصة في منطقة الدلتا) وفقيرة تلاقت مع إجراءات عبد الناصر في تأميم البنوك والمصانع واجراءاته التحديثية، وهي خطوات ثلاث جعلت انقلاب 23 يوليو العسكري يتحول إلى ثورة قادت إلى بنية اقتصادية ــ اجتماعية ــ ثقافية مصرية جديدة. أدى ذلك إلى نشوء قاعدة اجتماعية مصرية عريضة للحكم العسكري في زمن عبد الناصر، وإن كان الأخير لم يتردد في التحالف أو استخدام الأزهر في مجابهته مع جماعة الإخوان المسلمين البادئة عام 1954.

هنا، من المفيد الرجوع قليلاً إلى الوراء: اشترك الضباط الشيوعيون من «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ــ حدتو»، مثل خالد محيي الدين وأحمد حمروش ويوسف صديق، في عملية الانقلاب العسكري المصري بليلة 22 -23 يوليو 1952، وكان رأي «حدتو» أن الثورة الوطنية الديمقراطية يمكن إنجازها بالتحالف بين القوى اليسارية والضباط «الديمقراطيين الثوريين». 

كان هناك رأي مختلف عند شيوعيين مصريين آخرين في بيان وزع قبل انتهاء شهر يوليو 1952، حيث وصف «الحزب الشيوعي المصري ــ الراية»، بقيادة الدكتور فؤاد مرسي، ما حصل في 23 يوليو 1952 بأنه انقلاب عسكري مدعوم من واشنطن ضد الانكليز، وبأنه لن يقود إلى تحول «ديمقراطي ثوري» بل إلى تحول رأسمالي بعد أن عجزت البرجوازية المصرية عن فعل ذلك تجاه البنى الاقتصادية ــ الاجتماعية الما قبل رأسمالية السائدة في مصر في فترة 1919 ــ 1952. السياسة تقاس بنتائجها وليس بدوافعها أو بحامليها… فوفقاً هنا لما رأيناه في أرض الكنانة في فترة السادات 1970 ــ 1981، الذي لم يكن ثورة مضادة على الناصرية بل استمرارية لمضمراتها، فإن فؤاد مرسي و “حزب الراية” كان أكثر قبضاً على الوقائع من «حدتو»، حيث منذ 1974 وبدء السادات بـ «الانفتاح الاقتصادي»، المترافق مع بدء التحالف مع واشنطن والاتجاه لعقد اتفاقيات التسوية المصرية مع اسرائيل، كان من الواضح أن نظام «رأسمالية الدولة» في زمن عبد الناصر كان حاملاً في رحمه بنظام «اقتصاد السوق» الذي ولد في زمن السادات ومن ثم اكتملت أبعاده في زمن مبارك، وأن ما فعله عبد الناصر لم يكن «اشتراكية» بل ممهدات لتحول رأسمالي كامل الأبعاد ظهر في عهد خليفتيه. 

ما ينطبق على نظام عبدالناصر من حيث أنه ليس طريقاً اشتراكياً ولا طريقاً لا رأسماليا بل طريقاً رأسمالياً نحو رأسمالية السوق عبر طريق رأسمالية الدولة ينطبق على نظام 8 آذار 1963 لحزب البعث وعلى نظام 19 حزيران 1965 الجزائري بقيادة وزير الدفاع هواري بومدين الذي انقلب على نظام أحمد بن بيلا. الأنظمة الثلاثة المذكورة جاء قادتها العسكريون من بنية ريفية اجتماعية وكانت قاعدتهم المدينية ضعيفة وخاصة في العاصمة والمدن الكبرى. شجع السوفيات الشيوعيين العرب على الصدام مع عبدالناصر بعامي 1958 و 1959 بعد سيطرة الشيوعيين على بغداد بالتحالف مع عبدالكريم قاسم بيوم14 تموز 1958 الذي رفض انضمام العراق للوحدة السورية – المصرية، وبدون هذا لا يمكن تفسير حملة عبدالناصر على الشيوعيين السوريين والمصريين بدءاً من يوم رأس سنة 1959.

في عام 1964 انقلب الرأي السوفياتي مع بدء صدام عبدالناصر مع الأمريكان حيث شجعت موسكو حل الشيوعيين المصريين لحزبهم والدخول في (الاتحاد الاشتراكي) تحت شعار التحالف الشيوعي مع “الديموقراطيين الثوريين “الذين يقودون “طريق التطور اللارأسمالي”، وهو ماولَّد أيضاً ضغطاً سوفياتياً على الشيوعيين الجزائريين للتعاون مع بومدين، وكان هذا أيضاً هو وراء تأييد موسكو لتعاون الشيوعيين السوريين والعراقيين مع نظامي حزب البعث في دمشق وبغداد. اصطدم السوفيات مع عبد الخالق محجوب بفترة 25أيار1969-19تموز1971لأنهم أرادوا تعاون الحزب الشيوعي السوداني مع النميري وأيَّدوا جناح معاوية ابراهيم- أحمد سليمان بالحزب الذي وقف ضد محجوب في ذلك.

صحيح هنا أن رجال الأعمال لم يظهروا في منصة انقلاب 3 يوليو 2013، ولكنهم كانوا من ممهدي الانقلاب الكبار، ثم ظهروا بوصفهم ثالث ثالوث العسكر ــ الشيخ ــ رجل الأعمال، في السبعة أعوام المنقضية من عمر انقلاب السيسي. في سوريا ما بعد 16 تشرين الثاني 1970، نجد هذا الثالوث، وكذلك في الجزائر ما بعد وفاة هواري بومدين الذي حكم الجزائر بين عامي 1965 و 1978، بوصفه عماد السلطة القائمة، كما هو في مصر ما بعد عام 1974. هنا تجب الإشارة إلى أن مؤسسة الاسلام الرسمي ليست مؤسسة ثقافية ــ دعوية وحسب، بل من خلال الأوقاف تملك ثروة اقتصادية كبرى. أيضاً من الضروري الإشارة إلى أن النموذج المصري الراهن للحكم العسكري، وهو النموذج الرئيسي عند العرب تماماً كما كانت مصر هي بوصلة العرب منذ عام 1919 حتى يومنا هذا، لا يقتصر على هذا «الثالوث»، بل هناك امتدادات أخرى يمكن أن نجدها في منصة 3 يوليو 2013 من خلال وجود شخص مثل الدكتور محمد البرادعي في الصف الأول لتلك المنصة، وهو وقتها كان يمثل «جبهة الإنقاذ الوطني» التي كانت تضم فصائل معارضة لمرسي تتراوح بين ليبراليين، مثل البرادعي وحزب الوفد، وناصريين مثل حمدين صباحي وسامح عاشور، ويساريين أتوا من «حزب التجمع» الذي أسّسه خالد محيي الدين عام 1976 ثم خلفه الدكتور رفعت السعيد، وكلاهما من بقايا «حدتو». 

يمكن أن نسمي هؤلاء بالاسم التالي: «عروبيو وليبراليو ويساريو العسكر»، وهذا ليس مقتصراً على مصر، بل يشمل سوريا وتونس (نظام زين العابدين بن علي) والجزائر. من أجل اكتمال الصورة، يمكن للمجابهة الانتخابية عام 2012، بين مرشحي الرئاسة المصرية، محمد مرسي وأحمد شفيق، أن تعطي صورة عن معسكرين متعادلي القوة بامتداداتهما الاقتصادية ــ الاجتماعية ــ الثقافية ــ السياسية، بين جماعة الإخوان المسلمين وبقايا نظام حسني مبارك. وقد فاز مرسي بحكم أن المعارضة الليبرالية ــ الناصرية ــ اليسارية دعمته ليفوز بفارق ضئيل على شفيق، فيما في 3 يوليو صبّ هؤلاء الماء في طاحونة السيسي، وكانوا ضروريين جداً لكي تميل الكفة لصالح العسكر، ولم يكن يكفي دعم بقايا نظام مبارك، من الإدارة والقضاء والمؤسسات الأمنية، لكي تتحرك المؤسسة العسكرية المصرية وتنقلب على أول رئيس جمهورية مصري مدني منتخب، في انتخابات تحت إشراف منظمات دولية، هو أتى من جماعة الإخوان المسلمين التي كانت الغريم الأساسي للحكم العسكري المصري بدءاً من عام 1954.

من يتذكر من كان في منصة 3 يوليو 2013، ومن أيدها من دون الحضور فيها (من ليبراليي حزب الوفد وماركسيي الحزب الشيوعي المصري وهم من ورثة وامتدادات “حدتو”، وناصريين مثل سامح عاشور نقيب المحامين وكذلك محمد حسنين هيكل الذي هناك الكثير من المعلومات بأنه هو الذي كتب خطاب السيسي الذي ألقي في منصة انقلاب 3 يوليو 2013)؟ …اختفى البرادعي وذهب للمنفى ولم يعد هناك ذكر لحمدين صباحي وتم سجن أحمد ماهر مؤسس حركة (6 إبريل). لم يعد قائد الانقلاب العسكري بحاجة لهؤلاء لذلك اختفوا من المشهد. بقي شيخ الأزهر ورجل الأعمال بجانب السيسي.

من افتتاحية العدد ٤٢ من جريدة المسار