العدد الثاني والأربعون من جريدة المسار – تموز ٢٠٢٠

  • الافتتاحية: الحكم العسكري عند العرب.
  • النموذج التسووي في المعارضة السورية – محمد سيد رصاص.
  • روسيا منذ التدخل العسكري حتّى تنفيذ قانون قيصر – مصطفى سعد.
  • خرافة المكوّنات – سمير سالم.
  • حروب بلا نهاية: لماذا لا يوجد حل سلمي لمثل هذا الصراع العالمي؟ – سيمون تيسدال.
  • أزمة رؤية القرابة وجوهرها الأورو-مركزي – سيد البدري.
  • كارلوس شهاب يساجل سيد البدري: في معنى الهيمنة.
  • التفكير الانتقادي – جمال عامر.
  • من زوايا الذاكرة – الدكتور جون نسطة… الشيوعي القديم المدمن.

الافتتاحية:

الحكم العسكري عند العرب

كان شيخ الأزهر أحمد الطيب حاضراً في الصف الأول للمنصة التي أعلن من خلالها الفريق عبد الفتاح السيسي، في 3 يوليو 2013، انقلابه العسكري على حكم الرئيس المصري محمد مرسي القادم من جماعة الإخوان المسلمين. في السنة التي حكم فيها الإخوان المسلمون في القاهرة (منذ 30 يونيو 2012) كانت وسائل الإعلام الخاصة، المملوكة لرجال أعمال ولدوا من رحم سلطتي أنور السادات وحسني مبارك، هي منبر المعارضة لمرسي. هذا الثالوث، المؤلف من العسكري ورجل الأعمال وشيخ مؤسسة الإسلام الرسمي، يمثل تحالفاً يشكل البنية القائمة للحكم العسكري في مصر، ليس فقط في زمن السيسي، بل كان موجوداً في عهود السادات ومبارك وسلطة المجلس العسكري المصري برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي الذي حكم في فترة ما بعد سقوط مبارك حتى تولي مرسي للسلطة (11 فبراير 2011 -30 يونيو 2012). 

لم تكن الأمور هكذا في زمن جمال عبد الناصر، الذي هو المدشن الأبرز للحكم العسكري عند العرب، رغم أن الانقلابات العسكرية قد بدأت في العراق عام 1936 مع بكر صدقي ثم حسني الزعيم في سوريا عام 1949 قبل أن تصل إلى مصر في 23 يوليو 1952، حيث استند الحكم الناصري إلى قاعدة اجتماعية ريفية أمَّنها الاصلاح الزراعي وفئات مدينية وسطى (في المدن الصغيرة وخاصة في منطقة الدلتا) وفقيرة تلاقت مع إجراءات عبد الناصر في تأميم البنوك والمصانع واجراءاته التحديثية، وهي خطوات ثلاث جعلت انقلاب 23 يوليو العسكري يتحول إلى ثورة قادت إلى بنية اقتصادية ــ اجتماعية ــ ثقافية مصرية جديدة. أدى ذلك إلى نشوء قاعدة اجتماعية مصرية عريضة للحكم العسكري في زمن عبد الناصر، وإن كان الأخير لم يتردد في التحالف أو استخدام الأزهر في مجابهته مع جماعة الإخوان المسلمين البادئة عام 1954.

هنا، من المفيد الرجوع قليلاً إلى الوراء: اشترك الضباط الشيوعيون من «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ــ حدتو»، مثل خالد محيي الدين وأحمد حمروش ويوسف صديق، في عملية الانقلاب العسكري المصري بليلة 22 -23 يوليو 1952، وكان رأي «حدتو» أن الثورة الوطنية الديمقراطية يمكن إنجازها بالتحالف بين القوى اليسارية والضباط «الديمقراطيين الثوريين». 

كان هناك رأي مختلف عند شيوعيين مصريين آخرين في بيان وزع قبل انتهاء شهر يوليو 1952، حيث وصف «الحزب الشيوعي المصري ــ الراية»، بقيادة الدكتور فؤاد مرسي، ما حصل في 23 يوليو 1952 بأنه انقلاب عسكري مدعوم من واشنطن ضد الانكليز، وبأنه لن يقود إلى تحول «ديمقراطي ثوري» بل إلى تحول رأسمالي بعد أن عجزت البرجوازية المصرية عن فعل ذلك تجاه البنى الاقتصادية ــ الاجتماعية الما قبل رأسمالية السائدة في مصر في فترة 1919 ــ 1952. السياسة تقاس بنتائجها وليس بدوافعها أو بحامليها… فوفقاً هنا لما رأيناه في أرض الكنانة في فترة السادات 1970 ــ 1981، الذي لم يكن ثورة مضادة على الناصرية بل استمرارية لمضمراتها، فإن فؤاد مرسي و “حزب الراية” كان أكثر قبضاً على الوقائع من «حدتو»، حيث منذ 1974 وبدء السادات بـ «الانفتاح الاقتصادي»، المترافق مع بدء التحالف مع واشنطن والاتجاه لعقد اتفاقيات التسوية المصرية مع اسرائيل، كان من الواضح أن نظام «رأسمالية الدولة» في زمن عبد الناصر كان حاملاً في رحمه بنظام «اقتصاد السوق» الذي ولد في زمن السادات ومن ثم اكتملت أبعاده في زمن مبارك، وأن ما فعله عبد الناصر لم يكن «اشتراكية» بل ممهدات لتحول رأسمالي كامل الأبعاد ظهر في عهد خليفتيه. 

ما ينطبق على نظام عبدالناصر من حيث أنه ليس طريقاً اشتراكياً ولا طريقاً لا رأسماليا بل طريقاً رأسمالياً نحو رأسمالية السوق عبر طريق رأسمالية الدولة ينطبق على نظام 8 آذار 1963 لحزب البعث وعلى نظام 19 حزيران 1965 الجزائري بقيادة وزير الدفاع هواري بومدين الذي انقلب على نظام أحمد بن بيلا. الأنظمة الثلاثة المذكورة جاء قادتها العسكريون من بنية ريفية اجتماعية وكانت قاعدتهم المدينية ضعيفة وخاصة في العاصمة والمدن الكبرى. شجع السوفيات الشيوعيين العرب على الصدام مع عبدالناصر بعامي 1958 و 1959 بعد سيطرة الشيوعيين على بغداد بالتحالف مع عبدالكريم قاسم بيوم14 تموز 1958 الذي رفض انضمام العراق للوحدة السورية – المصرية، وبدون هذا لا يمكن تفسير حملة عبدالناصر على الشيوعيين السوريين والمصريين بدءاً من يوم رأس سنة 1959.

في عام 1964 انقلب الرأي السوفياتي مع بدء صدام عبدالناصر مع الأمريكان حيث شجعت موسكو حل الشيوعيين المصريين لحزبهم والدخول في (الاتحاد الاشتراكي) تحت شعار التحالف الشيوعي مع “الديموقراطيين الثوريين “الذين يقودون “طريق التطور اللارأسمالي”، وهو ماولَّد أيضاً ضغطاً سوفياتياً على الشيوعيين الجزائريين للتعاون مع بومدين، وكان هذا أيضاً هو وراء تأييد موسكو لتعاون الشيوعيين السوريين والعراقيين مع نظامي حزب البعث في دمشق وبغداد. اصطدم السوفيات مع عبد الخالق محجوب بفترة 25أيار1969-19تموز1971لأنهم أرادوا تعاون الحزب الشيوعي السوداني مع النميري وأيَّدوا جناح معاوية ابراهيم- أحمد سليمان بالحزب الذي وقف ضد محجوب في ذلك.

صحيح هنا أن رجال الأعمال لم يظهروا في منصة انقلاب 3 يوليو 2013، ولكنهم كانوا من ممهدي الانقلاب الكبار، ثم ظهروا بوصفهم ثالث ثالوث العسكر ــ الشيخ ــ رجل الأعمال، في السبعة أعوام المنقضية من عمر انقلاب السيسي. في سوريا ما بعد 16 تشرين الثاني 1970، نجد هذا الثالوث، وكذلك في الجزائر ما بعد وفاة هواري بومدين الذي حكم الجزائر بين عامي 1965 و 1978، بوصفه عماد السلطة القائمة، كما هو في مصر ما بعد عام 1974. هنا تجب الإشارة إلى أن مؤسسة الاسلام الرسمي ليست مؤسسة ثقافية ــ دعوية وحسب، بل من خلال الأوقاف تملك ثروة اقتصادية كبرى. أيضاً من الضروري الإشارة إلى أن النموذج المصري الراهن للحكم العسكري، وهو النموذج الرئيسي عند العرب تماماً كما كانت مصر هي بوصلة العرب منذ عام 1919 حتى يومنا هذا، لا يقتصر على هذا «الثالوث»، بل هناك امتدادات أخرى يمكن أن نجدها في منصة 3 يوليو 2013 من خلال وجود شخص مثل الدكتور محمد البرادعي في الصف الأول لتلك المنصة، وهو وقتها كان يمثل «جبهة الإنقاذ الوطني» التي كانت تضم فصائل معارضة لمرسي تتراوح بين ليبراليين، مثل البرادعي وحزب الوفد، وناصريين مثل حمدين صباحي وسامح عاشور، ويساريين أتوا من «حزب التجمع» الذي أسّسه خالد محيي الدين عام 1976 ثم خلفه الدكتور رفعت السعيد، وكلاهما من بقايا «حدتو». 

يمكن أن نسمي هؤلاء بالاسم التالي: «عروبيو وليبراليو ويساريو العسكر»، وهذا ليس مقتصراً على مصر، بل يشمل سوريا وتونس (نظام زين العابدين بن علي) والجزائر. من أجل اكتمال الصورة، يمكن للمجابهة الانتخابية عام 2012، بين مرشحي الرئاسة المصرية، محمد مرسي وأحمد شفيق، أن تعطي صورة عن معسكرين متعادلي القوة بامتداداتهما الاقتصادية ــ الاجتماعية ــ الثقافية ــ السياسية، بين جماعة الإخوان المسلمين وبقايا نظام حسني مبارك. وقد فاز مرسي بحكم أن المعارضة الليبرالية ــ الناصرية ــ اليسارية دعمته ليفوز بفارق ضئيل على شفيق، فيما في 3 يوليو صبّ هؤلاء الماء في طاحونة السيسي، وكانوا ضروريين جداً لكي تميل الكفة لصالح العسكر، ولم يكن يكفي دعم بقايا نظام مبارك، من الإدارة والقضاء والمؤسسات الأمنية، لكي تتحرك المؤسسة العسكرية المصرية وتنقلب على أول رئيس جمهورية مصري مدني منتخب، في انتخابات تحت إشراف منظمات دولية، هو أتى من جماعة الإخوان المسلمين التي كانت الغريم الأساسي للحكم العسكري المصري بدءاً من عام 1954.

من يتذكر من كان في منصة 3 يوليو 2013، ومن أيدها من دون الحضور فيها (من ليبراليي حزب الوفد وماركسيي الحزب الشيوعي المصري وهم من ورثة وامتدادات “حدتو”، وناصريين مثل سامح عاشور نقيب المحامين وكذلك محمد حسنين هيكل الذي هناك الكثير من المعلومات بأنه هو الذي كتب خطاب السيسي الذي ألقي في منصة انقلاب 3 يوليو 2013)؟ …اختفى البرادعي وذهب للمنفى ولم يعد هناك ذكر لحمدين صباحي وتم سجن أحمد ماهر مؤسس حركة (6 إبريل). لم يعد قائد الانقلاب العسكري بحاجة لهؤلاء لذلك اختفوا من المشهد. بقي شيخ الأزهر ورجل الأعمال بجانب السيسي.


النموذج التسووي في المعارضة السورية

محمد سيد رصاص

جريدة “الأخبار”- الثلاثاء 30 حزيران 2020

في يوم الأربعاء 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، وأمام مبنى الجامعة العربية في القاهرة، هاجم حشد من السوريين يُقدّر بالعشرات، وفد «هيئة التنسيق» الذي كان مدعوّاً لمقابلة الأمين العام لجامعة الدول العربية، للبحث في موضوع تشكيل وفد مشترك للمعارضة السورية بين «الهيئة» و«المجلس الوطني»، لمفاوضة وفد السلطة حول تنفيذ بنود المبادرة العربية لحلّ الأزمة السورية، التي كان قد وافق عليها مجلس الجامعة في الثاني من الشهر المذكور. قام أفراد الحشد المذكور بضرب عضوَي الوفد، الدكتور عبد العزيز الخير والمحامي رجاء الناصر، وقام بعضهم برميهما بالبيض. كان قادة الحشد المذكور ثلاثة: شخص ينتمي إلى تنظيم «جماعة الإخوان المسلمين»، وشخص آخر من خلفية شيوعية سابقاً ينتمي إلى «إعلان دمشق» (تأسّس في عام 2005) الذي كان من مكوّنات «المجلس الوطني»، فيما كان الشخص الثالث من عائلة صناعية في حلب، وهو كان في السبعينيات من تنظيم «الطليعة المقاتلة لجماعة الإخوان المسلمين»، وخرج من سوريا في الثمانينيات، وعاش في اليمن، كما كان مقرّباً من المهندس رياض الشقفة، مراقب عام «جماعة الإخوان المسلمين»، في فترة إقامة الأخير في صنعاء، بعد خروجه من العراق عام 2003. 

تعرّف عبد العزيز إلى الشخصين الأولين أثناء الحادثة وميّزهما، بحكم معرفته الشخصية بهما، فيما أعلن الشخص الحلبي بصراحة لوسائل الإعلام عن مشاركته وتبنّيه للحادثة بخلاف زميليه المشار إليهما. كان المنتمي إلى «اعلان دمشق»، المشار إليه، قد كتب مقالاً في إحدى الصحف ضد مقرّرات مؤتمر حلبون الذي عقدته «هيئة التنسيق» في 17أيلول / سبتمبر 2011، اتهم فيه «الهيئة» بأنّها «تحاول إنقاذ النظام» من «السقوط المحتوم»، من خلال دعوتها إلى «مرحلة انتقالية تتولى السلطة التنفيذية فيها حكومة وحدة وطنية، تتمتّع بكل الصلاحيات اللازمة لقيادة مرحلة الانتقال نحو النظام الجديد». عندما عاد عبد العزيز ورجاء إلى دمشق، بعد أيام من الحادثة، لم يكن يبان عليهما غضب أو رغبة بالانتقام بل حزن عميق، وقد أصرّ المكتب التنفيذي للهيئة على أن يكونا في وفد الهيئة، الذي تفاوض لمدة أربعين يوماً مع وفد المجلس، لإنشاء ورقة مشتركة وقّعها في مبنى الجامعة العربية، كلّ من رئيس المجلس الدكتور برهان غليون، ونائب المنسّق العام للهيئة الدكتور هيثم منّاع في 30كانون الأول / ديسمبر 2011، قبل أن ترفضها قيادة المجلس في اليوم التالي.

يمكن هنا الاستناد إلى هذا المشهد القاهري من أجل تشكيل صورة المعارضة السورية: تحالف التيار الإسلامي مع شيوعيين سابقين اتّجهوا نحو «الليبرالية الجديدة»، وقد ظهر هذا التحالف على أنه يشكل عماد «المجلس الوطني» الذي اتّجه بعد إعلانه في اسطنبول، يوم 2 تشرين الأول / أكتوبر 2011، نحو «اعتبار نفسه ممثلاً للشعب السوري»، ونحو «طلب الحماية الدولية»، و«تسويغ العنف المعارض»، ونحو رفض أيّ حلّ تسوويّ للأزمة السورية، بما فيها مبادرة الجامعة العربية. في المقابل، كان عبدالعزيز الخير، مع إحدى عشرة سنة من الملاحقة الأمنية بين عامي1981و1992واعتقال بين عامي1992و2005، وهو الماركسي المعارض للسلطة والمحتفظ بماركسيّته، وكذلك رجاء الناصر، اليساري العروبي الناصري الذي عاش الملاحقة الأمنية، بين عامي 1986و2000، يمثّلان نموذجاً تسووياً من خلال طرحهما، عبر «هيئة التنسيق»، فكرة الانتقال السياسي نحو نظام ديمقراطي عبر عملية تشاركية يُتفق عليها بين السلطة والمعارضة.

هذا النموذج التسووي في المعارضة السورية كان ينطلق، ومنذ أسابيع بعد درعا18آذار / مارس2011، من فكرة أنّ ما جرى في القاهرة من إسقاطٍ لحسني مبارك في 11 شباط / فبراير 2011، لن يتكرّر في دمشق بحكم توازنات داخلية قائمة وأنّ هناك استعصاء توازنياً بين السلطة والحراك المعارض، لن يستطيع أحدهما تكرار ما جرى في مصر، ولا تكرار انتصار السلطة السورية الأمني على المعارضة بشقّيها الإسلامي والديمقراطي في أحداث 1979 ــــــ 1982، وأنّ الأفضل البحث عن حلّ انتقالي داخلي سوري، لتفادي مؤشرات أقلمة وتدويل الأزمة السورية، التي بانت ملامحهما في خريف 2011، ولتفادي الدخول في دوّامة العنف المتبادل بين السلطة والمعارضة، الذي كان عبدالعزيز يقول بأنه «سيقود إلى الأسلمة، والأسلمة ستقود إلى تطييف المجابهة»، وهذا كلامه منذ أيلول / سبتمبر 2011، عندما بدأت ملامح «العنف المعارض المنظّم».

هذا النموذج التسووي في المعارضة السورية لم يلاق ترحيباً في الخارج، سوى عند الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي، فيما كرهه رجب طيب أردوغان وأمير قطر، وهما مدعومان من واشنطن وباريس، آنذاك، كما أنّ طهران نظرت إلى هذا النموذج بعداء ولو حذِر (لم يحضر عبدالعزيز ورجاء توقيع ورقة 30 كانون الأول / ديسمبر 2011، لأنهما كانا في زيارة إلى العاصمة الإيرانية بناءً على دعوة رسمية)، بينما كانت موسكو تنظر إلى هذا النموذج باعتباره محاوراً مقبولاً، ولكن تشعر تجاهه بمسافات تبعد وجهات نظرها تجاه الأزمة السورية عن وجهات نظره. لم تحب الرياض هذا النموذج التسووي إلا بعد عام 2017، في مرحلة ما بعد صدام السعودية مع الاتّجاه الإسلامي الإخواني وقطر. في الداخل السوري، كانت السلطة تشعر، ومنذ صيف 2011، بخطورة النموذج التسووي في المعارضة السورية، أكثر من خطورة النموذج المتطرّف الذي كان ينادي بـ «إسقاط النظام» و«دعم المعارضة المسلّحة» و«استدعاء التدخل العسكري الخارجي». 

كان المعارض السوري التسووي يتلقّى سهام «السلطة» و«المجلس» في اللحظة نفسها، وكان اتفاقهما لافتاً للنظر آنذاك. يضاف إلى ذلك، ما يمكن تسميته بـ «المعارضة الموالية»، التي صبّت كل جهدها ضد «هيئة التنسيق». وقد أتت هذه «المعارضة الموالية» من معارضين سابقين، وجدوا أنفسهم في فترة ما بعد 18 آذار / مارس 2011، في حالة أقرب للسلطة من قربهم للمعارضة، وشكّلوا «يسار السلطة السورية»، مثلما شكّل جورج صبرة وميشال كيلو «يسار جبهة النصرة». يمكن لمآلات محدّدة أن تكون كبيرة الدلالة: القادة الثلاثة لذلك الحشد القاهري، بحثوا لاحقاً عن لجوء سياسي في أوروبا، ولم يذهبوا إلى مناطق سيطرة المعارضة المسلّحة، سواء في شرق حلب عند سيطرتها على تلك المنطقة بين عامي 2012 و2016، ولا إلى إدلب، وقاموا عملياً باعتزال العمل السياسي، وخصوصاً في فترة ميَلان ميزان القوى لغير صالح المعارضة، في فترة ما بعد عام 2015. عبد العزيز الخير تم اعتقاله من قبل السلطة في دمشق، يوم 20 أيلول / سبتمبر 2012، ورجاء الناصر اعتقلته السلطة في دمشق، يوم 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.

من جهة أخرى، هناك زاوية صعبة يجد فيها نفسه المعارض السوري التسووي: سأتحدث في نصّ مقالي هذا عن تجربة شخصية، وهذه أول مرة أفعل ذلك، منذ بدايتي في الكتابة الصحافية في جريدة «السفير»، يوم 15 حزيران / يونيو 1998. قبل أشهر، كتبت إحدى الشخصيات الموالية للسلطة السورية عن أنّها تعتب على جريدة «الأخبار»، وتستغرب كيف ينشر فيها معارض سوري مثل محمد سيد رصاص. في الجانب المعاكس من الصورة، هناك كثير من المعارضين السوريين، وخصوصاً ممّن يعيشون في الخارج، وبعضهم أصبح معارضاً بعد خروجهم من البلد، وهم لم ينبسوا ببنت شفة تقول بأنهم في المعارضة عندما كانوا في الداخل، بل كان بعضهم ضمن السلطة ولهم مناصب فيها، يتحدّثون عنّي ويهاجمونني بسبب نشري مقالات في جريدة «الأخبار»، التي يعتبرونها حليفة وقريبة من السلطة السورية. أرى أنّ هذا يسجّل لجريدة «الأخبار»، التي أنشر فيها منذ صدورها عام 2006، ويثبت أنّها أكثر استيعاباً للتعدّد في الآراء من معارضين سوريين ومن منابر إعلامية معارضة سورية، ما دام القائمون على الجريدة يعرفون بأنني في موقع قيادي في «هيئة التنسيق» السورية المعارضة، التي تتلاقى في موضوع فلسطين، مع السياسة العامة للجريدة، ولكنّها تختلف معها في مواضيع عديدة منها الرؤية للأزمة السورية، بما فيها الوجود العسكري لحزب الله في سوريا منذ عام 2013. 

ما يؤلم في الموضوع، أن يزاود في المعارضة أناس، هم من «معارضي ربع الساعة الأخير» لم ينبسوا ببنت شفة في دمشق، ولكنّهم يجاهرون بالمعارضة بعدما أصبحوا خارج الحدود السورية، على شخصٍ قضى في السجن السياسي خمسة عشر عاماً، وما زال من سوريا يقوم بنشاطه السياسي داخل جسمٍ معارض يطرح منذ عام 2011، سياسة تغييرية جذرية، ولكن عبر رؤية تسووية تقول بمرحلة انتقالية نحو نظام ديمقراطي، تتشارك خلالها السلطة والمعارضة في جسم حكومي انتقالي، للوصول إلى النظام الديمقراطي، وهو ما تبنّاه المجتمع الدولي مع «بيان جنيف» عام 2012، والقرار 2254 عام 2015.


روسيا منذ التدخل العسكري حتّى تنفيذ قانون قيصر

مصطفى سعد 

Thelevantnews

جاء التدخل الروسي  العسكري المباشر في سوريا عام 2015، بمثابة نقطة تحوّل أساسيّة بعلاقات روسيا الاستراتيجية مع منطقة الشرق الأوسط، وتمثّل للدور الذي تبحث عنه السياسة الروسية الخارجية كلاعب أساسي في المنطقة والعالم، فعلى الرغم من التنسيق الروسي الأميركي الواضح حول التدخل الروسي في سوريا، وهو ما ترجم في القرار 2254، وانعقاد (جنيف3) حول الأزمة السورية، إلا أنّه على الجانب الآخر بدا للجميع بأنّ روسيا تبحث عن إعادة ترسيخ نفسها كقوة أكثر تأثيراً على السياسات الدولية في مواجهة واشنطن وحلفائها، من خلال ضمان دور لها، ومشاركتها في سياسات المنطقة حاضراً ومستقبلاً. 

وعلى الرغم من وجود خطاب رسميّ روسيّ يتحدّث عن رفضها التدخلات الخارجية في البلاد التي تشهد الصراعات الداخلية، ووجوب احترام سيادة هذه الدول، إلا أنّه من الواضح للجميع أنّ السياسة الروسية كانت تبحث عن قاعدة أساسية لها في المنطقة، حيث ستحوّل سوريا إلى ما يمثّل قاعدة متقدّمة لها في الشرق الأوسط، تضمن من خلالها مصالحها في المنطقة، وإن كان بغير طريقة قطبي الحرب الباردة (الشيوعي الرأسمالي)، بل بطريقة أقرب لأن تكون شريكاً للولايات المتحدة، برؤية مختلفة قليلاً، مع وجود خطوط عريضة متفق عليها بين الطرفين، وخاصة مع تركيز خطابات الرئيس «ترامب» على الرغبة الأميركية بالانسحاب من المنطقة، والتي هي استكمال لسياسة الرئيس «أوباما»، من قبله، بالتوجّه نحو الشرق الأقصى.

هذه التغيّرات لم تكن وليدة الساعة، بل يمكننا أن نرجع عقارب الزمن إلى الوراء لنكوّن رؤية أوضح حول دور روسيا الجديد، فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي في حقبة «يلتسن» خلق هذا الوضع الجديد انشغالاً داخلياً لروسيا على حساب همومها الخارجية، وذلك لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية، فلم يعد الاتّحاد السوفياتي موجوداً على خارطة العالم السياسية والجغرافية، وتحوّلت العديد من الجمهوريات المنفصلة عنه إلى دول ضمن الناتو، وضمن الاتحاد الأوروبي، المنظومتان اللتان تمثلان كل ما هو مناوئ للتوجهات السوفياتية، وتمثلان اتجاهات لتحجيم موسكو بوتين، ويجب عدم فصل التوّجه الجديد لروسيا عن رؤى وشخصية الرئيس «بوتين» الذي اجتاح الشيشان عام 1999، ليظهر كرجل روسيا الاتحادية الباحث في التاريخ عن أمجاد القياصرة. تميّزت حقبة بوتين بالعديد من القرارات الاستراتيجية التي كانت تكشف عن رؤاه المستقبلية، فقد قام بزيادة الميزانيّة العسكرية لروسيا، واستبدال هوية روسيا الأيديولوجية والعقائدية، بأخرى تحمل روح الدولة الوطنية القوية الساعية إلى فرض سيادتها، والبحث عن تأمين مجالها الحيوي، ويحمل حلم أجداده القياصرة بالوصول إلى المياه الدافئة لشرق المتوسط. 

وللنظر بدقة إلى الدور الروسي الجديد، علينا أن نرى علاقات روسيا مع إسرائيل، وكونها مقبولة من الأطراف المشاركة في الملف السوري (تركيا ودول الخليج العربي وإسرائيل)، أكثر من إيران “الراديكالية”، وبعد غزو العراق، قام الرئيس بوتين بزيارته إلى إسرائيل ليكون أول رئيس روسي يقوم بزيارة الأراضي المحتلة، وفي إحدى زياراته الأخيرة إلى إسرائيل، عنونت صحيفة هآرتس الإسرائيلية الزيارة بالقول: “مع زيارة موسكو يؤشر نتنياهو لشرق أوسط ما بعد أميركا”، ويمكننا أن نفسر هذه العلاقة المستجدة بالتغيّر النهائي للعالم الثنائي القطبية، يمثّل كل منهما رؤية مختلفة للعالم، فالعالم الرأسمالي، وتمثّل الولايات المتحدة رأس حربة هذا المعسكر، أما على نقيضه فكان العالم الاشتراكي، وقد كانت في حينها روسيا السوفياتية تمثّل وجه هذا المعسكر.

أما بعد الانهيار فقد تحول العالم سياسياً واقتصادياً إلى عالم بقطب واحد، تمثّله الولايات المتحدة وحلقات قوية على الصعيد العالمي تحت قبة هذا القطب، مثل الصين التي تصعد بقوة ساعية للحصول على دور منافس لأميركا، على الأقل، في الشقّ الاقتصادي، وروسيا كقوة إقليمية عظمى، فتحوّلت القوى الثلاثة إلى قوى رأسمالية الفكر، وإن كانت التجارب الصينية والروسية الاقتصادية يمكن وصفها برأسمالية الدولة، مقابل أميركا النيوليبرالية، ولأنّ الوضع الاقتصادي الروسي لا يسمح لها بمقارعة أميركا باستخدام ما يمكن أن نسميه بالقوة الناعمة، كما الصين، فإنّ سياسة روسيا الخارجية تعتمد على عدة عوامل، منها مخزونها العسكري الهائل، وإرثها الدولي السابق كقطب كبير، وانكفاء أميركا عن التواجد في منطقة الشرق الأوسط، بعد ما صنّفته بتجربة فاشلة في العراق

فكان تدخل روسيا العسكري المباشر في الأزمة السورية، عام 2015، نقطة تحوّل في تاريخ المنطقة وعلاقات روسيا الخارجية، وكان الروس يرون التدخل كخيار وحيد في ظل هذا الفراغ للقوة، وخصوصاً، بعد التجربة الليبية السابقة، وخسارتهم امتيازاتهم والعقود الموقعة مع نظام معمر القذافي، بعد محاولتهم لعب دور الوساطة بين نظام معمر القذافي والمجلس الوطني” بقيادة «مصطفى عبدالجليل»، وتقوم الرؤى الروسية في الحالتين على إرادة الإصلاح لا التغيير، أي بمعنى آخر تبحث عن الاستقرار في المنطقة، بغضّ النظر عن نوعية هذا الاستقرار، وارتكزت في كل هذه القرارات على توافقية بنسبة معيّنة مع الشرائع الدولية فلم تصطدم بمصالح الأطراف المشاركة في الأزمة السورية، وتعتبر أنّها قد نالت شرعيّة الدخول بمجرد أنّها دخلت بناءً على طلب من حكومة دمشق في المشاركة، فهي ترى الحل في سوريا يجب أن يرتكز على لجنة دستوريّة، ومؤتمر سوتشي، لا على بيان جنيف والقرارات الدولية.

ولا تتعامل روسيا مع كل قضية من القضايا التي تشارك بها على حدة، فهي بتدخلها الصريح والمباشر في القضية السورية، إلى جانب الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، كانت تسعى إلى درء المخاطر عن مصالحها الحيوية، كما في دعمها انفصال أجزاء من جورجيا وأوكرانيا وضمها لجزيرة القرم، فهي اليوم تتعامل مع كل قضاياها دفعة واحدة، فقضية أوكرانيا، وكذلك ما يجري في ليبيا (روسيا مقابل تحالف تركي_أمريكي)، لا يمكن فصلهما عن القضية السورية (أمريكا مقابل تحالفات روسية_تركية)

ولا يمكن فصل هذه القضايا، أيضاً، عن الأبعاد الاقتصادية لروسيا التي تمتلك شركات حكومية متخصصة في مجال الطاقة الغازية والنفطية، فصراعها على مناطق من جورجيا وأوكرانيا يتضمن فعلياً تأمينها لخطوط نقل الغاز إلى روسيا من مناطق الاستخراج، وفي دراسة بعنوان “الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط” يرى عدد من الباحثين: “تملك روسيا مصالح مهمة اقتصادية، وأخرى تتعلق بالأعمال في قطاع الطاقة في الشرق الأوسط، يتراوح من الطاقة النووية إلى النفط والغاز. شركاتها التي تملكها الحكومة، مثل غازبروم (Gazporm) وروزاتوم (Rosatom)، تحتفظ بمصالح مهمة في مجال الطاقة ويشمل ذلك أسواق استهلاك رئيسة، وحقول نفط وغاز، وزبائن للبنية التحتية من الطاقة النووية في بلدان، مثل إيران والعراق وتركيا، بالإضافة إلى إقليم كوردستان وشرق المتوسط.

إن تقلّب أسواق الطاقة العالمية، مترافقاً مع اعتماد روسيا المتزايد على عائدات النفط نتيجة للتباطؤ الاقتصادي، لديها وللعقوبات الاقتصادية الغربية، ألقى بضغط أكبر على موسكو وراء مكاسب في أسواق الطاقة الشرق أوسطية، ومع الأزمة الاقتصادية العالمية، بسبب انتشار فايروس كورونا، التي امتدت بقوة لتؤثر على موسكو وبعدها البدء في تنفيذ قانون قيصر _وقع الرئيس الأميركي عليه في يوم 20 كانون أول 2019 لتحويله إلى مرسوم تنفيذي على أن يبدأ تنفيذه في شهر حزيران 2020_ والذي يُعتبر من قبل الكثير من الدارسين والأخصائيين الاقتصاديين، أنّه يؤثر على روسيا في المقام الأول، لصعوبة تنفيذ العقود المبرمة والاستثمارات المتفق عليها مع الحكومة في دمشق، واستحالة البدء بإعادة إعمار سوريا قبل الوصول لحلّ سياسي ينهي الأزمة السورية في جنيف، وليس في الشمال أو الشمال الشرقي السوري.

قانون قيصر زيت يصب على النار التي يكتوي بها السوريون، وبحسب جميع المصادر الرسمية، في الولايات المتحدة الأمريكية، ليس الغاية منه إسقاط النظام، بل تغييره، وهذا متفق عليه ومرحب به، بين كل من واشنطن وموسكو، إن كان عبر قرار جنيف1، والقرار 2254. فهل وصلت الأزمة السورية لمرحلة أصبحت بها عبئاً على القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، وأصبحنا على أبواب الدفع لبدء حلّ سياسي حقيقي في سوريا عبر مسار اللجنة الدستورية يمهد لرسم مستقبل، كل من سوريا وليبيا، وإلى حدّ كبير إيران؟

الحلّ السياسي سيأتي مهما تأخر، لكن علينا أن ندرك أنّ هذا الحل، وبأحسن صوره، سيكون لهيمنة الخارج على الداخل، وأنّ على السوريين جميعاً العمل لبناء وطن حرّ ومستقلّ تسوده قيم المواطنة والديمقراطية.


خرافة المكوّنات

سمير سالم

يجري الحديث مؤخراً كثيراً عن الانتقال السياسي في سوريا، وكثيراً ما تتضمن الوثائق المسربة والمعلنة التي تتضمن رؤى التغيير في سوريا لفظة “المكونات”، من خلال الحديث عن “ضمان حقوق مكونات الشعب السوري”، و”تمثيل المكونات”، وغيرها من العبارات.

تكتسب المرحلة الانتقالية المنتظرة أهميتها من كونها تمثل مرحلة تغيير جوهري في طبيعة النظام السياسي، وفي علاقة الدولة بالمجتمع، وبالتالي ستكون مرحلة تأسيسية لمستقبل سوريا، ويتضمن الانتقال إلى الديمقراطية أبعاداً عديدة، لعلّ أبرزها تأسيس مبدأ المواطنة، وجوهره المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وتوسيع نطاقها الفعلي، وهناك بعد آخر هو البعد المؤسسي، ونعني بهذا ممارسة التعددية الحزبية والأيديولوجية الحقيقية في الجسد السياسي للدولة والمجتمع، وتوسيع دائرة المشاركة فيها.

وتكمن أهمية الديمقراطية الأساسية في كونها عملية إدارة للتعدد والاختلاف في المجتمع بشكلٍ سلميّ، فمن المؤكد أن أي مجتمع – وخاصة في عالمنا المعاصر – يتضمن التنوع بين الأفراد والجماعات في المجتمع الواحد، مما يؤدي إلى اختلاف المصالح والتوجهات الفكرية، ويضمن النظام الديمقراطي أن يتم إدارة هذا الاختلاف – الذي قد يأخذ شكل الصراع في لحظات معينة-بشكل سلميّ، من دون أن يشكلّ خطراً على المجتمع.

لكن في ظل الإصرار في الحديث عن “المكونات”، وحتمية الانتقال إلى نظام ديمقراطي في سوريا، ستلعب القوى السياسية السورية المعارضة دوراً محورياً في التأثير على القرار الدولي، أو عدم التأثير عليه، إلا أن من واجبها أن تتحمل جزءاً من مسؤولية ما ستؤول إليه الأمور في المرحلة الانتقالية وما بعدها. فعلى الرغم من أهمية التغيير والانتقال السياسي بحد ذاتهما، إلا أن المستقبل القريب لا يقلّ أهمية، من خلال استقطابات دولية-اقليمية-داخلية، يمكن أن تحدد الكثير من ملامح ومضامين المرحلة الانتقالية.

تعكس نظرة الغرب وروسيا في الوقت الحالي إلى البلاد العربية طابعاً استشراقياً يرى في فشل “الدولة العربية” فشلاً في قدرة الشعب على استيعاب قيم الدولة والنظام، وليس فشلاً في قدرة هذه الأنظمة على خلق دولة تنتج مفهوم المواطنة الذي يعتبر أساس الدولة الديمقراطية الحديثة. ويرى في الشعوب العربية استثناءً لا تنطبق عليه قواعد الديمقراطية الأساسية، التي تقوم في الغرب الأوروبي، وهو مكان ولادة الديمقراطية الحديثة، على مبدأ “ديموقراطية المواطن” وليس على مبدأ “ديموقراطية المكونات” التي أنتجتها فرنسا في لبنان 1943، والولايات المتحدة في عراق 2003، وتريد الآن روسيا، متعاونة مع الغرب الأميركي-الأوروبي، فرضها على سوريا القادمة عبر دستور يشبه دستور بول بريمر بالعراق. وبالتالي فإن أطراف خارجية ترى في زعم وجود فراغ في مفهوم المواطنة لدى الشعب السوري ما يدفع إلى ديمقراطية تشاركية تستند على المكونات، وهذا الأمر مخالف لإحدى ركائز الديمقراطية الفلسفية نفسها في أوروبا التي تستند على “مبدأ المواطنة”، لكن النظرة تختلف حين ينظر الغرب باتجاه الشرق، حيث لم يستطع العالم الغربي حتى اليوم التحرر من نظرته إلى شرق كـ “مكونات” تجمّعت بفعل خطأ تاريخي، وحيث يريد الغرب أن تتحقق عملية “لا اندماج تلك المكونات”.

السمة الأهم للديمقراطية التشاركية هي تعاون زعماء قطاعات المجتمع المختلف في ائتلاف واسع لحكم البلاد، وفي بعض نماذج الديمقراطية التشاركية الأوروبية تعدّ هذه الخطوة بمثابة عملية دمقرطة للديمقراطية التقليدية القائمة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون، فالأنماط المختلفة للديمقراطية التشاركية ترتبط بالبنية الاجتماعية والسياسية والثقافة السياسية السائدة في أوساط الفاعلين السياسيين في كل دولة. أما في حالة البلاد التي تفتقد إلى حياة سياسية فاعلة في ظل تعدد طائفي وقومي، فستتحول مراكز القوة تلقائياً إلى زعماء للطوائف، لكي تنتج توافقيات متعددة، هي بمثابة كارتيلات للحكم، وقد تنتج نموذجاً سورياً أكثر تشويهاً من النموذج القائم إلى يومنا هذا.

وأهم ما يميز التجربة التوافقية حسب “آرنت ليبهارت” هو:

1 – حكومة ائتلاف أو تحالف واسعة (تشمل حزب الغالبية وسواه).

2 – مبدأ التمثيل النسبي (في الوزارة، في الإدارة، والمؤسسات، والانتخابات أساساً).

3 – حق الفيتو المتبادل (للأكثريات والأقليات لمنع احتكار القرار).

4 – الإدارة الذاتية للشؤون الخاصة لكل جماعة.

إذاً لا تعدّ الديمقراطية التشاركية في الحالة السورية سوى خطوة إلى الوراء، على الرغم من أولوية الانتقال السياسي بعد عقدٍ مرير من الدم  بالنسبة إلى الغالبية الساحقة من السوريين، فالديمقراطية التشاركية التي ترتكز على مفهوم المكونات وليس الشعب – والذي يقصد به كمصطلح  عند أصحاب “ديموقراطية المكونات” هو مجموع المكونات الطائفية والإثنية- ستعد انتقالاً من تحاصص طائفي مستتر لدى النظام السوري في العديد من مفاصله ومراكزه، إلى حرب أمراء طوائف تبتلع كل مكوناتها غير “الأرثوذوكسية” سياسياً، والخارجة عن ملّتها السياسية والاجتماعية التي ستتبلور. وسننتقل من الخطاب السلطوي الذي يرفض ذكر أي شيء يتعلّق بالطوائف علناً إلى انتاج نسخاً سورية من الهذيان الطائفي الذي شاهدنا أمثلة عديدة عنه في لبنان والعراق، الأمر الذي سيحوّل المجتمع المأزوم بعد سنوات الأزمة الطويلة وما يتضمنه من طوائف إلى قطعان سياسية ستنتج طبقة أوليغارشية جديدة تستخدم الطوائف كمطية لتحقيق مصالحها الاقتصادية، وستغطّي الصراع الطبقي بنزاع مختلق بين مصالح الطوائف لن يرى أفرادها إمكانية تلاقي مصالحهم في وجه الطبقة المسيطرة الجديدة خلال فترة قصيرة. وستنتج استبدالاً لمفاهيم الديمقراطية المواطنية من حرية وتعددية، بمجتمعات صغيرة تمارس رقابتها الذاتية على أفرادها، وحالات استقطاب مُفتعلة تُستخدم لغايات انتخابية، وللمحافظة على مراكز القوى القائمة.

ومن خلال ملاحظة النموذجين اللبناني والعراقي، نلاحظ تحوّل الطبقة الحاكمة إلى طبقة تسيّر صفقات تضرّ مصلحة المواطنين جميعاً، فيما يعيدون لعبتهم المكررة في اللعب على وتر الطائفية عند الحاجة إليه ليظهروا بمظهر المدافع عن مصلحة الطائفة في وجه “الآخر” المتخيّل، وقد يتدنى الوضع ليلامس حدود المهزلة، فعلى سبيل المثال في عام 2017 عرقلّ الوزير جبران باسيل توظيف 106 من حراس الغابات لعدم وجود سوى 17 مسيحياً بينهم فقط. إلا أن العهد الرئاسي الذي يقوده الوزير وتياره السياسي شهد سقوط لبنان بأكمله في أسوأ انهيار اقتصادي شهده طوال تاريخه بعد الحرب الأهلية.

في ظل هذه الجزئية التي تعكس تناقض نظرية الديمقراطية التشاركية القائمة على المكونات في المجتمعات التي لم تعش التجربة الديمقراطية إلى الآن، مع مفاهيم الديمقراطية أساساً، علينا إدراك مدى خطورة مفاهيم مثل المكونات والحكم الذاتي، والتي قد تؤدي إلى خلق كيانات مفتتة مستترة أو رسمية تزيد من فشل “الدولة العربية”، وتزيد من صعوبات النهوض الاقتصادي-الاجتماعي والسياسي في المنطقة، و علينا ألا ننسى أن أحلام الغرب في شرق أوسط جديد يتناحر إلى ما لا نهاية، لتفريغ المنطقة فعلياً من أي إمكانية للنهوض، ومن قدرتها على تشكيل كيانات مستقلة وقوية، لم تُكتب نهايتها بعد.


حروب بلا نهاية: لماذا لا يوجد حل سلمي لمثل هذا الصراع العالمي؟

سيمون تيسدال

31 أيار 2020 – صحيفة “الغارديان”

دخلت الحرب الأهلية الليبية عامها السابع هذا الشهر دون نهاية في الأفق. في أفغانستان، احتدم الصراع وانقطع منذ الغزو السوفيتي عام 1979. الحرب الأمريكية الأفغانية هي الآن الأطول على الإطلاق، وهي جزء من “الحرب العالمية على الإرهاب” الأمريكية المفتوحة التي تم إطلاقها بعد هجمات القاعدة عام 2001.

دخل الصراع اليمني عامه السادس الذي لا يرحم. في إسرائيل-فلسطين، الحرب -أو بالأحرى غياب السلام -ميزت الحياة منذ عام 1948. وقد عانى الصوماليون 40 سنة من القتال. هذه ليست سوى أمثلة قليلة في عالم يبدو أن فكرة الحرب بلا نهاية أصبحت مقبولة، بل أصبحت طبيعية.

لماذا يبدو السياسيون والجنرالات والحكومات والمنظمات الدولية في الوقت الحاضر عاجزين أو غير مهتمين بصنع السلام؟ في القرنين التاسع عشر والعشرين، بشكل عام، بدأت الحروب واختتمت مع الإنذارات الرسمية والإعلانات والبروتوكولات المتفق عليها والهدنة والمعاهدات.

النهايات الأنيقة والمرتبة، حتى لو كانت في بعض الأحيان وهمية، نادرة في هذه الأيام. وفقا لمسح نشره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الأسبوع الماضي، فإن 60٪ من النزاعات المسلحة كانت نشطة منذ عقد على الأقل، وآفاق صنع السلام في العالم آخذة في التدهور.

غالبًا ما تكون حروب اليوم شؤونًا غير معلنة وغير محددة وغير مألوفة تضم عادةً أطرافًا متعددة وحكومات أجنبية وقوات بالوكالة وأساليب سرية وأسلحة جديدة. وتجري دون اعتبار لحياة المدنيين، أو اتفاقيات جنيف التي تنظم النزاع المسلح، أو مصالح السكان المضيفين الذين قاتلوا باسمهم.

الحروب الأخلاقية العظيمة، والقضايا الشهيرة والصراعات الأيديولوجية الحقيقية قليلة ومتباعدة. تدور الحروب الحديثة في الغالب حول السلطة والثروة. ويستمرون ويستمرون ويستمرون.

ليبيا حالة كلاسيكية لحالة من الفوضى التي تغذيها وتتلاعب بها عن عمد قوى خارجية، في هذه الحالة تركيا وقطر وروسيا ومصر والإمارات العربية المتحدة. هنا، كما في أي مكان آخر، يدعي الحكام المتنافسون أنهم يدعمون النظام أو يحاربون “الإرهاب” بينما يسعون في الواقع إلى توسيع النفوذ الوطني والمزايا الاقتصادية. طالما بقيت هذه الأهداف غير محققة، فإنها تظهر اهتمامًا ضئيلًا بالسلام.

لطالما سعت الدول الطموحة للسيطرة على الجيران بالطريقة التي تفعلها الصين، على سبيل المثال، الآن. أحد أسباب حدوث ذلك بشكل أكثر تكرارًا اليوم، وبشكل أكثر فوضى، هو تراجع المشاركة الأمريكية.

في الشرق الأوسط وأفريقيا، تركز الولايات المتحدة -التي لم تعد شرطيًا عالميًا -على دعم إسرائيل، والضغط على إيران وبيع الأسلحة، باستثناء جميع الدول الأخرى تقريبًا.

عرض دونالد ترامب، المتلهف على جائزة نوبل للسلام، التوسط في صراع كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية هذا الصراع البالغ من العمر 70 عامًا. كما يزعم أن “صفقة القرن” ستحل معضلة إسرائيل-فلسطين. قليلون يأخذون ذلك بجدية. وبخلاف ذلك، أبدت إدارته اهتمامًا مطلقًا بحل النزاعات العالمية.

ومن العوامل ذات الصلة انهيار توافق الآراء الذي يقوده الغرب لصالح النهج التعاوني المتعدد الأطراف لحل المشاكل الدولية. ويقترن ذلك بالصعود الموازي للأنظمة الاستبدادية والشعبية التي تعطي الأولوية للمصالح الوطنية الضيقة على تصورات الصالح العام.

هذا الاتجاه، وهو يرجع إلى حقبة الدول الأوروبية ما قبل عام 1914، يقوض سلطة الأمم المتحدة والمنصات الإقليمية التعاونية مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي. يكافح مبعوثو الأمم المتحدة للسلام من سوريا إلى ميانمار وعمليات حفظ السلام في جميع أنحاء أفريقيا لتحقيق تقدم.

إن تطبيق القانون الدولي غير الفعال، الذي يرمز إليه عدم قدرة المحكمة الجنائية الدولية على تحقيق العدالة في مناطق الحرب مثل العراق وأوكرانيا، يساعد على تجميد أو إدامة النزاعات بدلاً من حلها فقط. كما تساهم الأسباب الديموغرافية والمادية في عدم الاستقرار المزمن.

الصراع في جمهورية الكونغو الديمقراطية وفي دول الساحل الافريقي والسودان يغذيه حقيقة أن الملايين من الشباب في أفريقيا، حيث يبلغ متوسط ​​العمر 19.8، يفتقرون إلى العمل المُرضي أو حصة ذات مغزى في مستقبل بلادهم. إن العنف الطويل الأمد بين الدول أو داخلها متجذر أيضًا في أزمة المناخ وما ينتج عنها من ندرة الموارد والفقر والتشريد.

تعمل التقنيات والأسلحة الجديدة مثل الطائرات بدون طيار والحرب السيبرانية على خفض التكلفة الأولية للصراع مع توسيع مسارح الحرب المحتملة. يعمل الاحترار العالمي (زيادة معدلات الحرارة) على تحويل القطب الشمالي الذي يمكن الوصول إليه حديثًا إلى ساحة معركة كبيرة. يقدم الفضاء الخارجي احتمالات لا نهائية للعنف.

غالبًا ما تكون الحروب الدينية هي الأكثر قتالًا بمرارة ويصعب وقفها. كما هو الحال في الماضي، تعد التصادمات المتعددة للدين والثقافة والقيم بين المسيحيين واليهود والمسلمين والهندوس وأنظمة المعتقدات الأخرى عناصر رئيسية في إدمان الحرب الذي لا يشبع في أوائل القرن الحادي والعشرين.

ينقسم العالم الإسلامي أيضًا داخليًا، بين التقاليد الشيعية والسنية والتفسيرات الأصولية والعلمانية للإسلام. تم تصوير هذه الانقسامات بواسطة الاسم العربي “فتنة”، والتي يمكن أن تعني “سحر، سحر، أسر” و “تمرد، شغب، خلاف، صراع مدني”. الفتنة هي كلمة مناسبة لوصف ليس فقط المجال الإسلامي ولكن أيضًا حالة العالم المضطربة ككل في عام 2020، كما هو الحال في الحروب بلا نهاية. بالنسبة للعديد من الناس، إذا كانوا صادقين، فإن الحرب لها جاذبية مميتة. كما لاحظ WB Yeats بعد صعود عيد الفصح عام 1916 في أيرلندا، يمكن أن يولد الصراع العنيف “جمالًا رهيبًا” -وهو مزيج من السحر والرعب الذي يصعب التخلي عنه.

سوريا

بدأت الحرب: مارس 2011

شكلت انتفاضة سلمية في البداية ضد الرئاسة الاستبدادية لبشار الأسد جزءًا من ثورات الربيع العربي عام 2011. وسرعان ما تحولت إلى حرب واسعة النطاق حيث انتهز أعداء الأسد الإقليميون، وخاصة المملكة العربية السعودية، فرصة للإطاحة بنظام متحالف مع إيران. ومنذ ذلك الحين، مات أكثر من نصف مليون شخص.

سعت الولايات المتحدة وأوروبا أيضًا إلى إقامة حكومة صديقة موالية للغرب في دمشق. مع ضعف قبضة الأسد على السلطة، تدخلت روسيا، بدعم من إيران، في عام 2015 لدرء انهيار النظام وإحباط الطموحات الغربية. وجاءت تدخلات أخرى من تركيا ومن جهاديي الدولة الإسلامية الذين أعلنوا قيام الخلافة في سوريا والعراق.

استمرت الحرب في محافظة إدلب الشمالية الغربية، وهي آخر معقل يسيطر عليه المتمردون، والذي فر إليه الملايين. من غير المتوقع أن يستمر وقف إطلاق النار الحالي. هناك أيضًا مخاوف من أن ما يصل إلى 100000 شخص قد يموتون هناك إذا انتشرت Covid-19 في مخيمات اللاجئين المزدحمة. قال الدكتور منذر الخليل، مدير مديرية صحة إدلب: “إذا لم نحصل على المزيد من الدعم والمعدات، فإننا نعلم أننا لن نتمكن من التأقلم. لقد مر سكان شمال غرب سوريا بما فيه الكفاية من المعاناة. نحن بحاجة إلى منظمة الصحة العالمية للمساعدة والمساعدة بسرعة “.

أفغانستان

بدأت الحرب: سبتمبر 2001

كان الغزو الأمريكي يهدف في البداية إلى قتل أو إلقاء القبض على إرهابيي القاعدة المسؤولين عن هجمات 11 سبتمبر. لكنها توسعت بسرعة إلى عملية “تغيير النظام” المكلفة بالقضاء على طالبان وخلق دولة ديمقراطية فاعلة.

وقد ثبت أن هذه الأهداف الأخيرة غير قابلة للتحقيق على الرغم من الانتشار الكبير للقوات الأمريكية والبريطانية وقوات الناتو والإنفاق الذي تبلغ حدوده الإجمالية مليارات الدولارات. لا تزال الحكومة الأفغانية المنتخبة ضعيفة ومنقسمة، بينما تنشط حركة طالبان. التدخل الباكستاني والهندي والإيراني والروسي مشكلة مستمرة.

تسعى الولايات المتحدة الآن إلى تقليص خسائرها والرحيل. لكن “اتفاقية السلام” في 29شباط2020المثيرة للجدل فشلت في لجم الصراع. وينظر إليها على نطاق واسع على أنها مجرد ورقة تين لانسحاب القوات الأمريكية بهدف تعزيز فرص إعادة انتخاب دونالد ترامب.

تشير التقديرات إلى أن 100.000 أفغاني على الأقل لقوا حتفهم منذ عام 2001، على الرغم من أن الرقم الحقيقي، بما في ذلك الوفيات لأسباب غير مباشرة، أعلى من ذلك بكثير بالتأكيد. وفقًا للأمم المتحدة، تسببت القوات الأفغانية وحلفاؤها الأمريكيون في خسائر في صفوف المدنيين في عام 2019 أكثر من طالبان. مع شن إرهابيين من داعش الآن هجمات بشكل منتظم، آمال السلام تتلاشى.

ليبيا

بدأت الحرب: مايو 2014

بدأت الاضطرابات في ليبيا بالفعل في أكتوبر 2011 عندما أطيح بالدكتاتور معمر القذافي في تمرد شعبي مدعوم من المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة. لكن الاحتفالات الوطنية لم تدم طويلاً.

أدى الصراع على السلطة بين الفصائل السياسية العديدة والقبائل والميليشيات والجهاديين إلى تمزق مفتوح في عام 2014 بين الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس والبرلمانيين المعارضين الذين أعادوا إقامة أنفسهم في طبرق إلى الشرق.

ومنذ ذلك الحين، أظهرت القوى الأجنبية المهتمة بالنفط الليبي والتوجه الاستراتيجي ثقلها، حيث دعمت مصر والإمارات وروسيا القوات المسلحة الشرقية بقيادة الجنرال خليفة حفتر، وهو رجل قوي يدعي أنه يحارب الإرهاب الإسلامي، وتقف بمواجهته حكومة طرابلس بدعم من تركيا وقطر وبعض الدول الأوروبية. وبحسب ما يتم تناقله من أخبار أرسلت كل من موسكو وأنقرة مرتزقة لدعم الجانبين المتنافسين. وادعت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي أن روسيا تزود حفتر بالطائرات الحربية.

وقد استغل الناس والأسلحة وتجار المخدرات الفوضى السائدة في الكثير من الأماكن المتنازع عليها وغير الخاضعة للسيطرة في ليبيا. ما يثير ذعر إيطاليا والاتحاد الأوروبي، أنه قد أصبحت ليبيا نقطة انطلاق البحر الأبيض المتوسط ​​للهجرة إلى الشمال. جهود السلام المدعومة من الأمم المتحدة في حالة جمود.

اليمن

بدأت الحرب: مارس 2015

ساعدت الحرب في اليمن، وهي بالفعل دولة محرومة بشدة، على خلق ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أسوأ كارثة إنسانية في العالم. لقد أدى القتال إلى تفاقم المخاطر التي يشكلها الفقر المدقع وسوء التغذية والكوليرا وتغير المناخ والتطرف الديني والآن Covid-19.

وقف إطلاق النار الذي تم ترتيبه في اتفاق استوكهولم (ديسمبر2018) نتيجة للوباء انتهى الشهر الماضي على الرغم من جهود الأمم المتحدة لدفع عملية السلام. الآن يبدو أن الحرب تتصاعد مرة أخرى، مع الإبلاغ عن هجمات صاروخية جديدة الأسبوع الماضي. وفر أكثر من 40 ألف شخص من منازلهم منذ يناير، إضافة إلى 3.6 مليون نازح. وتقول اليونيسيف إن 12 مليون طفل يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.

ويعود هذا الطريق المسدود إلى حقيقة أن الأطراف الرئيسية -الحكومة اليمنية بقيادة الرئيس المنفي عبد ربه منصور هادي وحركة الحوثي المتمردة، التي تمثل الأقلية الشيعية الزيدية في اليمن -يدعمها الخصمان الإقليميان المملكة العربية السعودية وإيران على التوالي. تدخل الجيش السعودي في عام 2015 بعد أن أجبر هادي على الفرار، بدعم من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا. لكن بينما تصاعدت الخسائر في صفوف المدنيين وجرائم الحرب المزعومة، يبدو أن التمرد الحوثي لم يصب بأذى إلى حد كبير. في غضون ذلك، يستغل إرهابيو القاعدة الفوضى، وقد حقق الانفصاليون الجنوبيون المتمركزون في عدن مكاسب.

جمهورية الكونغو الديمقراطية

بدأت الحرب: 1997

من الصعب أن نقول بالضبط متى بدأت المشكلة في جمهورية الكونغو الديمقراطية. شهدت هذه الدولة الواقعة في وسط إفريقيا حربًا أهلية استثنائية بين عامي 1997 و2003 عندما توفي ما يقدر بنحو خمسة ملايين شخص. ينبع استمرار عدم الاستقرار في المناطق الخارجة عن القانون في شمال شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية المتاخمة لأوغندا من تلك الفترة.

تخطت المخاوف الدولية بشأن تفشي فيروس إيبولا في مدينة غوما، المدينة الشرقية الرئيسية، المخاوف التي أثارها Covid-19. وفي الوقت نفسه، فإن العنف الذي يشمل العديد من الجماعات المسلحة لا يرحم. قُتل ما لا يقل عن 40 قرويًا في الهجمات المنجلية الأخيرة من قبل القوات الديمقراطية المتحالفة، وهي ميليشيا متمردة تدعي صلاتها بتنظيم داعش.

وقتل نحو 400 شخص في مقاطعة إيتوري على أيدي قوات الدفاع الأسترالية منذ العام الماضي. قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة غير قادرة على وقف العنف. وخلافا لمناطق الصراع الأخرى، فإن الدول الغربية ليست حريصة على المشاركة. يقول مجلس اللاجئين النرويجي، بشكل عام، أنه نزح أكثر من 480.000 شخص في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ مارس عندما طالبت الأمم المتحدة بوقف عالمي لإطلاق النار.


أزمة رؤية القرابة وجوهرها الأورو-مركزي

سيد البدري (كاتب مصري)

موقع كنعان – ٢٥ حزيران ٢٠٢٠

معركتنا مع ذهنية ورؤية الاورو-مركزية حسمها سمير أمين ومدرسة العالمية، وحسمت في الإطار الماركسي النظري وان لم تشكل بعد تيارا ورافدا أساسيا في مجال الممارسة في العالم العربي، ونفس المعركة مع ذهنية ورؤية رد الفعل للأورو-مركزية والتي ذهبت للبحث عن آليات ما قبل رأسمالية لتحليل الواقع خاصة العربي (الخلدونية)، ووقفت عند التناول الاورومركزى للماركسية ولم تجد فيه ما يشبعها-وهي محقة – لتفسير واقعها. والغريب انه حين كانت الماركسية تتطور وتتخطى التناول الأورو- مركزى، لم يبذل هؤلاء أي جهد حقيقي لاكتشاف هذا الأفق الجديد وهذه الرؤية التي بدء تطورها من الماوية إلى نظرية المراكز والأطراف ثم إلى الاهم وهو نظرية فائض القيمة المعولم والذي هو تطور يضيف ويأخذ رؤية لينين إلى آفاق اوسع، ويفتح امام البشرية فى كل عوالم كانت مستغلقه عليها. لذلك فإن محاولة أسر تقدم الوعي وحبسه في إطار نظرية رد الفعل الخلدونية أو التناول الماركسى القاصر الذي يقيدها وفق اورومركزية كلاسيكية رثة يمثلان عائقا أمام وعى الحاضر ومستقبل الوعي.

 وبدون الخوض فى تهويمات احاول هنا أن أشخص أزمة هذا التناول المنهجية فى النقاط التالية:

١-تعترف مدرسة رد الفعل بصحة القانون العام ونظرية التراكم وفائض القيمة المعولم، ولا يتساءل أصحاب هذه الرؤية عن الأساس النظري الذي استند عليه سمير أمين فى صياغة رؤية فائض القيمة المعولم، على الرغم من أن سمير أمين أشار إلى أن رؤيته تنتمي إلى النظرية الماركسية المضادة للاورومركزية، على الرغم انه لم يكن فى حاجة إلى تلك الاشارات فهو فى كل موضع وتحليل كان ملتزما بتحليل المادية التاريخية.

٢-إذا كان رؤية القرابة الخلدونية تعترف بصحة رؤية فائض القيمة المعولم، فلماذا تتخذ موقفا سلبيا منها رغم استخدامها لمقولاتها ومفاهيمها العامة؟

  ٣-يتهرب هؤلاء من تبنى رؤية سمير أمين بل ويتخذون موقف العداء الغير مبرر منها ويبررون ذلك بما يلي: ” لا نستطيع ان نقول ان التراكم عالمي ثم ننساه ونعود الى الماركسية التي تعتبر التراكم داخلي. هناك تناقض خاف سمير امين ان يمضي به لأخره. التراكم اما داخلي وطبقي وفائض قيمة واما عالمي. وإذا كان عالمي فالوحدة السياسية صارت عالمية وهذا ما فهمه لينين ولذلك قال ان التناقض الرئيسي هو بين الامبريالية والشعوب المضطهدة. هل انتبهت الان لماذا نحن لسنا يسارا؟ لأننا نعتبر ان التناقض كالتراكم عالمي وليس داخلي”.

انتهى الاقتباس من رسالة الأستاذ روبير بشعلانى. وهنا نجد المفارقة المحزنة والتى فى اعتقادي تحول بين هؤلاء وبين سبر غور اساس الماركسية وتجعل هؤلاء اورومركزيين بامتياز، على الرغم من كل الصياح السابق على الاورومركزية، ويتضح هذا جليا فى الإجابة على المسألتين التاليتن:

– الاولى، هي كيف نما وتشكل هذا التراكم وهذا النزح الإمبريالي من الأطراف إلى المراكز وليس العكس ؟

-الثانية، اذا كانت العمومية تشترط الخصوصية وتطبعها بالطابع العام ، فهل معنى هذا انتفاء انتاج فائض القيمة المحلى ام اشتراطه وطبعه بطابع القانون العام للإمبريالية في مرحلتها الانية؟

ومن هنا يتضح تهافت النقد للمدرسة الماركسية والمادية التاريخية في تفسير العالم والواقع المعاش، فهذا الكولاج الذى يأخذ قطعة من هنا وقطعة من هناك ، فنجد أنفسنا امام لوحة عشوائية دون رؤية حاكمة ، فسواء رؤى لينين أو ماو أو سمير أمين بخصوص الإمبريالية جميعهم استندوا المادية التاريخية ، ومن هنا تتجسد أزمة هذه الرؤية فى انها لا ترى العلاقة الجدلية بين العام والخاص بين فائض القيمة المعولم الذى هو محصلة النهب على الصعيد العالمى ، وبين فائض القيمة المحلى والذى هو جزء لا يتجزأ من فائض القيمة العالمي بعد استقطاع الطبقات الطرفية لحصتها حسب محددات القانون العام .

وبعبارة أخرى لا يدرك هؤلاء أن هناك مستويين وشكلين من استقطاع القيمة، أحدهما على المستوى المحلى – تشترطه درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي لبلد ما أو منطقة ما – والآخر عالمي تشترطه محصلة تطور الإمبريالية المشتركة أو القومية بحسب اقتسام مناطق النفوذ. ان كلا القانونين يعملان معا بحسب درجة التطور اللامتكافئ سواء تطور المراكز-وهذا يفسر تناقضاتها-أو تطور الأطراف وتراتبيتها على سلم التبعية، وبدون فهم الرئيسي والثانوي في كل حالة وموضوع تحليل يصبح التخبط سمة ملازمة لكل محاولة تحليل مبسترة تخاصم هذه الرؤية الشاملة؛ أو تأخذ منها بحسب الهوى ما يتناسب مع موضعها.


كارلوس شهاب يساجل سيد البدري: في معنى الهيمنة

صحيفة ميسلون ٢٧ حزيران ٢٠٢٠

كارلوس شهاب: كاتب وباحث عراقي.

أود أن أضع نقطة أبدأ منها، وهي منظور ماركس للمنظومة الرأسمالية كان منغلقاً على جغرافية واحدة والتغيرات من داخل هذه الجغرافية دون النظر إلى تشابك العلاقات مع جغرافيات أخرى، أفضى هذا المنظور إلى جعل عملية “التراكم الأولي” حدثاً لتغيير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في كل جغرافية على حدة، أي إنها ليست مرتبطة بصيرورة الاستعمار الأوروبي ونشوء الاقتصاد العالمي والبرجوازيات الأوروبية التي تبلورت من تجارة العبيد واستعمار “العالم الجديد” فيالقرن الخامس عشر، وحتى “التراكم الأولي” للرأسمال الصناعي الذي تنبه فيه ماركس إنه يحتاج ضرورياً إلى المستعمرات والهيمنة عليها، فإن الاستعمار يمثل مرة أخرى “حدثاً” ويختفي لاحقاً بعد انتهاء هذه المرحلة وتواصل الدورة ذاتياً.

نقر بأن هذا المنظور الذي يطرح إن النظام الرأسمالي تام بذاته منغلق على جغرافية واحدة وينبع من تغيرات داخلية هو مقولة ماركس المتمركزة أوروبياً لمن يفهم معنى التمركز قادت بدورها إلى مسائل شائكة في الطبقة والثورة والإمبريالية. 

أنهي هذه النقطة وأضع بموازاتها نظرية سمير أمين حول “المركز والأطراف” والتي تمثل إعادة صياغة للماركسية بانطلاقها ليس من الصفر إنما من لب ماركسي، هذا اللب الماركسي فرض على سمير أمين أن يفسر نشأة الرأسمالية بنفس تفسير ماركس المتمركز أوروبياً، فأمين يقر إن الرأسمالية نشأت في الإقطاع الأوروبي الذي يعتبره طرفياً أمام المراكز “الخراجية” بسبب مرونة هذا النظام، أي أن أمين أحال نشأة الرأسمالية هنا إلى أسباب داخلية النمو ذاتية الدفع، لا يظهر فيها أي دور للاستعمار مطلقاً. وبدورنا نسأل ماذا تختلف هذه النظرة في تفسير نشأة الرأسمالية عن نظرة ماركس، إذا لم تكن هذه النظرة متمركزة أوروبياً فماذا يمكن أن نسميها؟!.

وعملية إعادة الصياغة هذه -سواء التي نفذها أمين أو غيره -لا تجعل النظرية مكتملة في كل لحظة، فيتطلب الأمر جهوداً أحدث لإعادة صياغة النظرية، ومن هنا نتفهم مشاكل نظرية “المركز والأطراف” مثل مسألة القطيعة الاستعمارية التي يقر بها أمين باستحالة قيام مراكز رأسمالية أخرى، فبماذا نفسر قيام الصين الرأسمالية؟

أو تفسيره المتمركز أوروبياً لعدم ظهور الرأسمالية خارج أوروبا في القرن الخامس عشر والذي يرجعه إلى أسباب ذاتية متعلقة بالأيديولوجيا والثقافة، ولكن ما هو دور الاستعمار التخريبي والتفتيتي والحابس للتطور؟

لا يوجد أي شيء. للحقيقة فإن القول بأن نظرية المركز والأطراف بحاجة إلى إعادة صياغة مستمرة هو إنقاذ. فلو اعترفنا بأنها حُسمت فقد حكمنا عليها بالموت نظراً لهذه الإشكاليات.

يبقى إن لسمير أمين ملاحظات مبعثرة هنا وهناك يخالف بها الماركسية الغربية (بضمنها ماركس) مثل رفضه لمقولة التجميع الأولي كحدث سابق على الرأسمالية، كذلك رفضه لتمرحل التاريخ بالمراحل الخمسة ويعتبرها متمركزة، لكنه في ذات يستخدمها لوصف المضمون الطبقي للمجتمعات الطرفية، كذلك يدين سمير أمين المفكرين الأوروبيين – بما فيهم الماركسيين -الذي يغفلون الجانب التخريبي الوحشي للاستعمار الأوروبي، لكنه بذات الوقت يقر بأن هنالك جانب “إيجابي”. وإذا كانت حدود التنمية الرأسمالية في الأطراف غير مكتملة عند أمين وهو يخالف ماركس بهذا، إذاً ما الجانب “الإيجابي” للاستعمار؟، لا يجيب هنا بأي شيء. كذلك هو يدين المفكرين الذين يعتقدون بصحة رأي كارل ماركس في الهند ويعتبرهم يبتعدون عن روح الرأسمالية، ولكن رأي ماركسنفسه يتحدث عنه أمين بشكل مبهم. 

فهذه الملاحظات لا يمكن اعتبارها نظرية تقطع مع المركزية الأوروبية والحقيقة إن سمير أمين نفسه لم يتحدث عن إن لديه نظرية مضادة للمركزية الأوروبية بل دعا إلى تحرير الماركسية من سيطرة المركزية الأوروبية، وأظن إن نظريته عن المركز والأطراف تقع ضمن هذه الدعوة، وكل ما هو غير هذا هو تقوّل على سمير أمين. 

نخلص من كل هذا إلى الرد على النقاط التي وضعها الكاتب:

أولا: القول باستقطاب الصراع على مستوى العالم بين مركز رأسمالي وشعوب مضطهدة هو ليس أخذ ببعض نظرية أمين وترك بعضها، ومن يقول بهذا سوف نعذره على محدودية معرفته النظرية. ليس من ابتداع أمين حيث بل موجودة عند مدارس عديدة منها القومية اليابانية، ففي كتاب المفكر القومي كيتا أكّي الصادر عام 1924 “خطوطٌ عامة لإعادة بناء اليابان”، يطرح هذا المفكر إن النظام العالمي قد أنتج فوارق طبقية على مستوى الأمم فهناك أمم عبارة عن بروليتاريا (الأطراف) وهنالك أمم عبارة عن برجوازية وملاك أراضي (المراكز)، وبالتالي يصبح الصراع من هذا المنطلق لتعديل الفوارق الطبقية على مستوى العالم. كذلك نجده في المدرسة الإسلامية في محاضرات محمد باقر الصدر في حوزة النجف في الستينيات والسبعينات “نحن بنظرتنا المنفتحة يمكن أن نبصر ذلك التناقض وأن نضع إصبعنا عليه لأننا لم نحصر أنفسنا في إطار التناقض الطبقي، بل قلنا إن جدل الإنسان يفرز أي شكل من أشكال التناقض الاجتماعي. فذلك التناقض الآخر وجد فيه الرأسمالي المستغل (الأوروبي والأمريكي) أن من طبيعة هذا التناقض أن يتحالف مع العامل، ومع من يستغله لكي يشكل هو والعامل قطباً في هذا التناقض، فلم يعد التناقض تناقضاً بين الغني الأوروبي والعامل الأوروبي بل إن هذين القطبين تحالفا معاً وكوّنا قطباً في تناقض أكبر بدأ تاريخياً منذ بدأ ذلك التناقض الذي تحدث عنه ماركس. أما ما هو القطب الآخر في هذا التناقض؟ فهو أنا وأنت وهو: الشعوب الفقيرة في العالم أو ما يسمى بشعوب العالم الثالث؛ شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. فهذه الشعوب هي التي تمثل القطب الثاني في هذا التناقض”. ونحن إذا عذرنا الكاتب على محدودية معرفته فإننا لن نعذره على إطلاقيته التي يرى فيها إن مدرسته هي مدرسة الفكر الناجي والناس تأخذ منها أفكارها.

ثانيا: يورد الكاتب مفهوم “القرابة الخلدونية”، وهذا مفهوم مبهم بالنسبة إلينا ولم يقل به أحد وهو هنا ملزم بإيضاح مقصده، وإذا أردنا أن نجاري عدم دقة بالمفاهيم، فإننا نظن إنه يخلط – سواء بفهم أو من دون فهم – بين قضيتين أولها؛ “القرابة”، والقرابة ليست مدرسة في التحليل إنما هي دعوة للانطلاق من الواقع الملموس الذي تشكل فيه القرابة بأشكالها الروحية والرحمية (ونقصد هنا؛ الطائفة، القبيلة، العشيرة، العائلة)، بأشكالها هي كيانات اجتماعية/ اقتصادية لها حاجة موضوعية لا يمكن القفز عليها، ولا تنتفي حاجتها هذه إلا بتوافر شروط موضوعية من خلال الانتقال إلى أنماط إنتاجية يستحيل قيامها في واقع التجزئة/الهيمنة/المخفر الصهيوني القائم بما يخدم احتياجات الرأسمالية الغربية. وثانيا؛ “الخلدونية” والتي تتمثل بالدعوة لقراءة مفهوم “الدولة” ودورة الاجتماع الخلدوني -وهنا ليس إنتاج ابن خلدون وحده بالتأكيد -والانطلاق منها للمستقبل، وهذه العودة لا تعني سلفية تاريخية أي قولبة الحاضر بفكر الماضي. وأظن أن الكاتب قد جمع تعسفياً بين هذين الدعوتين وضربهما بخلاط فأنتج مفهوم “القرابة الخ لدونية” الذي يعبر -إن أحسنا الظن -عن عدم فهم الكاتب، وإذا كان ينوي أن يطلق مفاهيم مثل هذه من عندياته وينقدها فهذا شأنه شريطة ألا يلصقها بالآخرين.

ثالثا: في النقطة الثالثة يطرح الكاتب إننا “أورو-مركزيين بالرغم من كل الصياح السابق على الأورو -مركزية”، وأود أن أنبهه إلى إن الأورو-مركزية ليست سُبة ترميها على الآخر دون أي أساس، لا يكفي أن تقول فلان أورو -مركزي وتصمت، بل عليك أن تعرض أفكاره على أسس الأورو -مركزية الأربعة، وهو لم يقل إن لدينا “تمركز أوروبي معكوس” بل قال إننا “أورو-مركزيين” وأجده ملزماً بأن يوضح للجميع كيف توصل لهذا الشيء.

ونهاية وكإجابة على أسئلة الكاتب سيد البدري التي يطرحها في خاتمته فأود أن أقتبس مبدئياً من مقال أميلكار كابرال – وهو ماركسي بالمناسبة – “سلاح النظرية”، “وهكذا نرى إن لشعوبنا تاريخها الخاص بغض النظر عن مرحلة تطورها الاقتصادي، وعندما تعرضت للهيمنة الإمبريالية، تعرضت العملية التاريخية لكل من شعوبنا للعمل العنيف. هذا العمل – هيمنة الإمبريالية على مجتمعاتنا – لا يمكن أن يفشل في التأثير على تطوير القوى المنتجة في بلادنا والهياكل الاجتماعية لبلداننا”، وهذا هو جوهر ما نقوله: إن الهيمنة الإمبريالية قد حبست تطور البنى الاجتماعية للبلاد الخاضعة وربطتها برباط رأسمالي شكلي دون أن تجعلها على صورتها، وعليه فإن التناقض قد أصبح على مستوى العالم بين شعوب مضطهدة وإمبريالية/مستكبرين ومستضعفين أو سمه ما شئت، ومثلما وحّد التراكم الطبقات في “المركز” بحلف طبقي” فإنه يوّحد الشعوب المضطهدة في تناقضها الرئيس الذي يغلب على كل التناقضات الثانوية، والقول بتلازم التناقض الرئيس مع التناقضات الثانوية من أجل بناء “الداخل” وتحصينه في مواجهة “الخارج” هو قول مثالي قاصر عن فهم الهيمنة وركائزها بجعله “الخارج” و”الداخل” كجسمين موضوعين بجانب بعض.


التفكير الانتقادي

جمال عامر

سوف أتحدث عن فكرتين ضروريتين للحركة الديمقراطية عموماً والشيوعية خصوصاً متمثلة من جهة في امتلاك سلاح النقد والمعرفة الموضوعية من جهة ثانية. 

أولاً: 

يفرض التأخر المفروض على المجتمعات العربية البحث عن الموضوعية المعرفية، وامتلاك سلاح النقد لتحقيق الاندماج بحركة العصر والحداثة والتنمية والتطوير، ومحاربة الثقافة الكومبرادورية، التي تسعى لتثبيت التبعية الداخلية للخارج الإقليمي والدولي.

بناء على ما سبق، تأتي أهمية امتلاك أدوات المعرفة في تحديث الأيديولوجيا، وتنوير الفكر الديني السياسي، وامتلاك العقلانية في الفكر والممارسة السياسيتين، وتحديث البنى الاجتماعية الداخلية، وفك التبعية للخارج باتجاه تعزيز حقوق الفرد داخل المجتمع وتطبيق شرعية الأمم المتحدة بخصوص حقوق الإنسان والمرأة والطفل.

فلأجل تأسيس حركة سياسية معارضة ديمقراطية، يجب امتلاك ناصية النقد السياسي العقلاني وممارسة المعرفة الموضوعية والنزول من علياء الشعار إلى الواقع لإلغاء العادات والتقاليد المتخلفة التي تعزز العلاقات ما قبل القومية، ذلك لترسيخ المجتمع المدني وانهاء الاستبداد داخل الاسرة والمجتمع وحصر قوى الاستبداد المالي والسياسي والايديولوجي، وتنمية المجتمع وعقلنة التفكير السياسي وارتباطه بمصالح الامة – الشعب وتحرير التفكير السياسي من العقل التبريري لممارسات الاستبداد الى فضاء المعرفة والتقدم والحق وتكريس دولة القانون.

ما يحصل في مجتمعاتنا العربية يتطلب ما قيل أعلاه للخروج من حالة الضعف والتبرير والتخوين إلى عالم يسوده المساواة بغض النظر عن الثروة والجنس والمذهب، والبحث عن الإمكانيات الذاتية لمجتمعاتنا لإنهاء الاستبداد والتحكم الامبريالي بالمنطقة ومستتبعاته.

ثانيا:

تأتي مأثرة الفكر النقدي في نفيه للشروط السابقة والوضع السابق وتقديمه بذور البديل المطروح في نسيج انتقاده للوضع القائم.

من الأفضل والأكثر التماساً للحالة الثورية التي نعيشها والتي ستأتي في المستقبل من امتلاك سلاح النقد نقد الظروف القائمة والأوضاع التنظيمية والعقل التبريري والإلغائي والأحادي نقد كل ما يستند إليه النظام الاجتماعي الراهن لتفكيكه وتجاوزه لبديل أجمل يلامس الواقع العيني للطبقات العاملة.

سلاح النقد قد مارسه فولتير ضد السلطة الدينية لفصلها عن الدولة ومارسه هيجل بالفلسفة الألمانية ومارسته البرجوازية الأوروبية في تعبئة المضطهديَن ضد الإقطاع الديني والاقتصادي والسياسي فيتبين ضرورته للوصول لسيادة الحرية ولبناء المستقبل الوضاء للبشرية وإتلاف ما في الفلسفة من نظريات قد تجاوزها الزمان وتطور العلم.

هذا السلاح الذي شنه ماركس وانجلس والاممية الاولى ضد رأسمالية الفوضى والمنافسة وفورباخ يجب النهل منه لبناء وعي اجتماعي ناقد قادر على ايجاد التحليل المناسب للأوضاع القائمة والحلول الصحيحة المطابقة لجذر المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وللخروج من الأزمات ذاتها لتجاوزها نحو بديل أصلب ومطابق لتطور قوى الانتاج لتغيير علاقات الملكية بالاتجاه المطلوب مرحلياً واستراتيجياً.


من زوايا الذاكرة

الدكتور جون نسطة… الشيوعي القديم المدمن

(الجزء الأول: 1939 – 1953)

في الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الأحد الواقع في الثالث من ايلول ١٩٣٩ قدمت في مدينة حمص، إلى هذا العالم المعذب. 

وكانت أصوات بائعي الصحف تلعلع في شوارع المدينة…بدأت الحرب العالمية الثانية. 

في يومها أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا النازية، بعد كانت الأخيرة قد أدخلت جيشها إلى جمهورية بولونيا المستقلة بقصد احتلالها بعد احتلال الجمهورية التشيكية قبل ذلك وسكوت الغرب أو التغاضي عنه. 

احتار والدي ماذا سيطلق على من اسم. وأخيرا استقر الرأي بان اسم حرب هو المناسب. وهذا تقليد بدوي قديم، يسمون أولادهم، حسب المناسبة. فإذا ولد الطفل في الخميس يسمونه خميس أو في يوم الجمعة يسمونه جمعة او في النهار فيسموه نهار أو رمضان الخ. 

وكان من دواعي رغبة والدي بهذه التسمية هو نهاية اسم حرب بحرف الباء، حيث كان أطلق على إخوتي الكبار وكنت آخرهم الأسماء التالية:

أديب، لبيب، فيليب، منيب، مهيب. وكلها تنتهي بحرف الباء. 

ومضت أشهر طوال وأنا أعرف بهذا الاسم، إلى أن قدم من المكسيك، صديق عزيز لوالدي اسمه حنا عيسى، ولم يرزق بأطفال على الإطلاق. فترجى والدي بأن يسميني على اسمه وبانه سيعتبرني ابنه، وهو رجل ثري جدا. فوافق والدي وذهب الى دائرة النفوس لتغيير الاسم وفي الطريق خطر بباله بأن اسم حنا قديم ولم يعد مرغوبا به، فأسماني جون. 

وهكذا الانسان ليس متاحا له ان يختار اسمه ولا دينه ولا لغته ولا قوميته.

مع بداية الحرب بدأت أزمة اقتصادية تعم العالم ومنه بلدنا سوريا. ولم تسلم عائلتي من هذا المصير. كان والدي بعد عودته من المكسيك الذي عمل فيه مع اعمامه بالصناعة والتجارة، لمدة أربعة عشرة سنة، في العام ١٩٢١   قد جلب معه ثروة كبيرة جدا تفوق تصوري، فبنى قصرا جميلا بحي الحميدية في حمص بعد زواجه من والدتي روز عبود، فتاة جميلة متعلمة تتقن اللغة الانجليزية، وتفهم الروسية، من عائلة عريقة، حادة الذكاء، لبقة الاسلوب، حسنة التدبير بمنطق واع. وبعد عمله بالتجارة لفترة قصيرة ابتاع قريتين، الشومرية، والوريدة، وبنى في الوريدة قصراً ومضافة واسعة وجعلها مركزه في الريف إضافة إلى سكنه في المدينة.

كان والدي صبياً في الرابعة عشر من عمره عندما سافر إلى المكسيك لعند أعمامه ورجع معهم وهوفي سن الثامنة والعشرين. رجل طيب القلب، كريماً إلى حد التهور، لا يعرف طبائع الشرق، ولا طبائع الفلاح، التي لا تخلوا من الخبث احيانا، لا يعرف الكذب، ولا يظن بأن الآخرون يعرفوه ايضا، فلم يستطع أن يكون مزارعاً جيداً، كما كان تاجراً وصناعياً ناجحاً في المكسيك من قبل. 

بدأت أموره تتدهور إلى ان اندلعت الحرب وتوقف تصدير القمح السوري إلى اوروبا، بسبب خطر الغواصات الالمانية التي كانت تصطاد السفن في عرض البحر. ولم يعد، لهذا السبب ايضا، بمقدوره العودة إلى المكسيك بعد ان كان قد باع أكثر املاكه. وأصبح عملياً بدون عمل وبدون أية دخول. 

كان فرش بيتنا، الذي حافظ عليه ولم يبعه، فرشا أرستقراطياً بكامل معاني الكلمة، من السجاد العجمي النفيس، والموبيليا الفرنسية، والملاعق والسكاكين والشوك الفضية، إلى البورسلان الصيني والفرنسي الخ يتناقض مع الواقع الفعلي المعاش. وكانت والدتي تسعى بكل جهدها الحفاظ على المظاهر الخارجية الدالة على اليسر، رغم العسر الشديد. في هذا الجو المتناقض، بدأ وعيي المبكر، يشق طريقه، من دون أن أكون قادراً على التفسير. والوعي ينمو بتسارع في أجواء التناقضات. كنت أذهب إلى المدرسة وتتصدى لي المديرة وتقول ارجع إلى البيت ودع أهلك يدفعون قسط المدرسة. ارجع إلى البيت وأخبر والدي فيقول عد إلى المدرسة وقل للمديرة بأن والدي من بنى هذه المدرسة، وهذا صحيحاً وليس ادعاءاً، كنت أزور المدرسة الأرثوذكسية او الغسانية، نسبة إلى دولة الغساسنة العرب المسيحيين. 

كنت في الثامنة من العمر وانا أسير بطرقات المدينة وأرى جموع الشحاذين، وأرى اصحاب العاهات والمعاقين، أتساءل لماذا الرب خالق البشر، تخلى عن هؤلاء ولم يقم بواجباته تجاههم وهو لا يرى آلامهم ولا يسمع لتضرعاتهم. كانت علاقتي بالرب مشوشة من ذلك الوقت ولا تزال.

كانت المدارس الخاصة الاورذوكسية الابتدائي والاعدادي والثانوي تقع في حي قديم من أحياء المدينة يسمى بستان الديوان، وهو حي مسيحي اورذوكسي على الغالب، إن لم يكن كليا، مليء بالحياة والحركة، بسبب تواجد أعداد كبيرة من الطلاب، ومن المحلات والدكاكين العديدة، بما فيه محل كبير يملكه خالي رفائيل عبود وأسسه والد جدي لأمي مخائيل في العام ١٨٦٠ ولا يزال قائماً إلى الآن بإدارة ابن خالي مرشد عبود. 

وفي محل خالي هذا كان بعمل، أجيرا شاب من ريف حمص الغربي، اسمه ابراهيم، ولا أعرف كنيته. كان هذا الشاب ذو ثقافة عالية من أدب وشعر ونثر، بالإضافة إلى معرفة وطيدة بالماركسية ونظرتها الفلسفية المادية خصيصاً. كان في وقت الظهيرة وحركة البيع معدومة تقريبا، يحدثنا عن الجيش الأحمر السوفياتي وانتصاراته وبطولاته.

بإعجاب كبير. وعن خلق الكون. كان يقول مقولة بسيطة وغير معقدة… شيء من شيء يوجد… شيء من لا شيء لا يوجد، معبرا عن عدم وجود خالق لهذا الكون.

الذي لا يوجد له بداية ولا نهاية. 

كان ابراهيم كل يوم يعطينا درسا جديدا، نحن الفتية الصغار المتواجدون حول باب محل خالي هذا. 

كان في الشارع الرئيسي لهذا الحي يوجد ثلاثة محلات للحلاقة، لكل محل زبائنه حسب الأعمار والطبقات الاجتماعية أيضا، محل لكبار السن، ومحل لأغنياء الحي، ومحل للشباب وأكثرهم من اليسار. وهذه المحلات تشكل صالونات اجتماعية وثقافية ايضا تجتمع بها الناس، ليس بغرض قص الشعر فقط، بل للأحاديث والنقاشات وتناقل الأخبار. وكان حلاقي اسمه باصيل باخوص، أيضا شيوعياً وقارئاً نهماً. كنت من جلساء صالونه الدائمين. 

في هذا الحي أيضا كانت تقع كنيسة الأربعين شهيدا، أكبر كنائس حمص على الإطلاق. 

ثمة علاقة لابد من ذكرها، بين الأرثوذكسية وبين روسيا القيصرية، وامتدت علاقة المحبة هذه بدون وعي إلى روسيا السوفياتية. وكانت هناك أعياد مسيحية مثل عيد السيدة العذراء وعيد الصليب، في هذا العيد كان الشباب يشعلون ناراً عالية تسمى الراموشة يتجمعون حولها وهم بغاية البهجة والسرور. وفي هذه الأمسية كان يقدم رجلا من حي الحميدية يعمل نجارا وبنفس الوقت كان شاعراً زجلياً، وناشداً مشهوراً، وهو قيادي في الحزب الشيوعي السوري في نطاق حمص. كان الشباب يتجمعون حول نظير بطيخ، هذا ولقبه أبو سليم، ويحملوه على الأكتاف في عراضة وهو ينشد…. عيد الصليب الله يعيده ويعيده (والشباب تردد من وراءه الله يعيده) وينصر السوفييت ويعيده…وينصر خالد بكداش ويعيده. إلخ 

في هذه الأجواء والمناخات كانت مدارج وعي واهتمامي، تتسع وتتكون. 

في المدرسة الاعدادية والثانوية المشتركة، وفيها يسكن بعض الطلاب بقسم الداخلية، من قرى وبلدات سورية متعددة، من تل تمر في الشمال السوري إلى السلمية والسقيلبية في ريف حماه، كنا خليطاً من مجتمعات متعددة ومن أديان عدة، كان يجمعنا بنفس الوقت، نزوعاً قوياً ضد ديكتاتورية أديب الشيشكلي، وكانت تخرج مظاهرات حاشدة إلى الشوارع تنادي بالحرية. وكنت أشارك فيها إلى جانب الطلاب الشيوعيين، وكانت مجموعة تسير إلى جانب البعثيين الأقل حضورا. 

في صيف ١٩٥٣ دعاني أحد الطلاب من قرية قطينة الى القدوم لغرفة كان يستأجرها في حي بستان الديوان، بغرض تأسيس خلية شيوعية ننتظم بها، لبيت الدعوة فوراً وبسرور عارم. وفي هذه الغرفة البسيطة والصغيرة كان يجلس رجلاً لم أكن أعرفه من قبل، ولكنه مريح جداً، هاديء ومتواضع، عيناه تنطق بالود والمحبة والحنان. 

عرفنا عن اسمه الصريح…. ظهير عبد الصمد. 

كان من الحضور عدد من طلاب مدرستنا أذكر إلى الان، بعد أكثر من ٦٧ عاما، أسماء بعضهم، لا أعرف فيما إذا كانوا على قيد الحياة أم لا، وهم:

فاضل هديب. 

فايز سمعان. 

موسى طعمة. 

عادل سلوم. 

عون جبور وهو لايزال من اصدقائي المقربين، طبيب نسائي، مقيم في المانيا. 

بدأ الاجتماع بالقول بأنه شرف كبير للإنسان بان يحمل لقب شيوعي ومن ثم قام الرفيق ظهير بشرح معنى الفرقة الشيوعية ومهامها وتدرجاتها في التنظيم الحزبي من الفرقة الى اللجنة الفرعية ثم اللجنة المنطقية إلى اللجنة المركزية وأخيراً إلى المكتب السياسي والأمين العام خالد بكداش. 

وقال بأن على فرقتنا أن يكون لها مسؤولها أي أمين الفرقة ومسؤول مالي ومسؤول ثقافي. ولها اجتماعات دورية سرية جدا. 

وأذكر بأنني أصبحت مسؤولاً ثقافياً. 

ثم حدثنا الرفيق ظهير عن أهمية الثقافة الماركسية وكونها هي اللحمة التي تجمع كل أعضاء الحزب وتصهرهم إلى كيان واحد يناضل من أجل الحرية والديموقراطية ومن أجل بناء الاشتراكية. وقام بتوزيع كتاب ” أسس اللينينية” للرفيق ستالين وأن علينا البدء بمطالعته والتدارس حوله في كل اجتماع أسبوعي للفرقة. وبعد فترة أعطانا كراساً صغيراً للرفيق ليو تشاو شي (رئيس الصين بين عامي 1949 1966) وعنوانه “كيف تكون شيوعياً جيداً؟”.


لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا