العدد الواحد والأربعون من جريدة المسار – حزيران ٢٠٢٠

  • الافتتاحية: مرض الشيخوخة اليساري.
  • من برنامجنا السياسي للعام ٢٠١٩.
  • أحزاب اليمين الأوروبي وكورونا: تراجع مؤقت أم دائم؟ – نادر عازر.
  • الجغرافيا السياسية لأنابيب النفط والغاز – محمد سيد رصاص. 
  • مقابلة مع سلافوي جيجك: لماذا لا أزال شيوعيّاً؟
  • هل العروبة رابطة قومية أم هوية حضارية عمادها الإرادة الموحدة والمصير المشترك؟ – حبيب حداد.
  • سلسلة مناضلات شيوعيات: سعاد إبراهيم أحمد.

الافتتاحية:

مرض الشيخوخة اليساري

في عام 1920، عدَّد لينين أعراض «مرض اليسارية الطفولي» بكتابه المعنون هكذا،كالتالي: «ضد النزعة البرلمانية ـــ اللامساومات في السياسة ـــ ضد الاشتراك في النقابات ـــ رفض النزعة الانتقالية في الطريق نحو الهدف ـــ النزعة الجماهيرية العفوية الطبقوية الرافضة للتنظيم الحزبي». هذه الأعراض الخمسة اعتبرها لينين قابلة للشفاء ما دام المرض حديث العهد وليس مستشرياً في الجسم اليساري. يبدو أن حسابات القائد البلشفي كانت تستند إلى بدء موجة يسارية عالمية دشنتها ثورة أكتوبر 1917، حيث استطاع عزل الاتجاهات نحو اليمين (كاوتسكي ـــ برنشتين) التي نمت بقوة في اليسار الألماني، وعلى الأرجح أن تقديره كان أن تلك الاتجاهات «اليساروية» لا يمكن أن تؤثر على الخط العام للحركة الشيوعية العالمية التي انتظمت عام 1919 ضمن الكومنترن. 

كان خط لينين منذ الانشقاق البلشفي ـــ المنشفي عام 1903 بين هذين الخطين: برلمانياً في مرحلة ما بعد هزيمة ثورة 1905، وثورياً عندما تنضج الظروف كما في أكتوبر 1917، وعندما يرى ضرورة المساومة القاسية (كما في صلح بريست ليتوفسك مع الألمان في آذار 1918) لا يتورع عن ذلك. كان لينين صاحب نزعة تمرحلية في رؤيته للعملية السياسية، ولو أنه في «موضوعات نيسان 1917» قد تخلى عن نظرته التمرحلية الموجودة في «خطتا الاشتراكية الديموقراطية في الثورة الديموقراطية» عام 1905 عندما نبذ  لينين  في كتاب “موضوعات نيسان” الفصل الذي قال به ماركس بين مرحلتي الثورتين «الديموقراطية» و«الاشتراكية»، ولم يلتفت لقول ماركس  عن ألمانية في “البيان الشيوعي ” عام 1848 وفي جدالاته عام1863مع الزعيم الاشتراكي الألماني فرديناند لاسال  أنه لا يمكن الدخول في المرحلة الاشتراكية من دون استنفاد كل مراحل الرأسمالية في بلد ما قبل رأسمالي من حيث البنية الاقتصادية – الاجتماعية.

لم يكن ستالين بعيداً عن النهج اللينيني في فهم العملية السياسية: التقدّم والتراجع وفقاً لموازين القوى ووفقاً للأولويات. فمثلاً هو ضغط على الشيوعيين الصينيين للتحالف إلى درجة الذوبان مع حزب «الكيومنتانغ» في فترة 1924 ـــ 1927 لحاجته إلى إنشاء حلف سوفياتي ـــ صيني في وجه الحصار الغربي للاتحاد السوفياتي، ثم شجّع حلفاً بينهما عام 1937 في وجه الغزو الياباني للصين، لكنه وقف وراء الشيوعيين ضد «الكيومنتانغ» في فترة ما بعد هزيمة اليابانيين عام 1945، وصولاً إلى تسلّم الشيوعيين السلطة في البر الصيني عام 1949 وطرد «الكيومنتانغ» نحو جزيرة فورموزا ـــ تايوان.

ستالين الذي شجع في مؤتمر الكومنترن السابع عام 1935 فكرة «الجبهة الوطنية» التي تضم الشيوعيين والاشتراكيين الديموقراطيين واليمين الليبرالي ضد اليمين النازي ـــ الفاشي، اتّجه في ظل تحوّل الاتحاد السوفياتي إلى دولة عظمى في فترة ما بعد الانتصار على هتلر نحو هجومية يسارية مع نشوب الحرب الباردة مع واشنطن عام 1947، ليعتبر من خلالها الشيوعيون، بوصفهم القوة القائدة لحركة التحّرر القومي من خلال أمثلة الصين وفييتنام وأندونيسيا، أن الحركات القومية (أتاتورك ـــ غاندي ـــ الكيومنتانغ ـــ حزب الوفد المصري) قد سيطر عليها اليمين البورجوازي أو شبه الإقطاعي (مقال جوكوف في مجلة «بولشفيك»، عدد 15 كانون الأول 1947، وهي المجلة النظرية للحزب الشيوعي السوفياتي). في عام 1956، اتجه خروتشوف، أمام ظواهر انفتاحية على موسكو أبداها جمال عبد الناصر، نحو تشجيع الشيوعيين على التعاون مع الحركات القومية المصطدمة مع الغرب، لكن موسكو في أعوام 1957 ـــ 1959 عندما لمست نمواً شيوعياً في سوريا والعراق لم تمنع خالد بكداش وسلام عادل من أن يقودا صداماً مريراً مع العروبيين في دمشق وبغداد.

يمكن تأريخ بدء انحسار الموجة اليسارية العالمية مع بدء النزاع الصيني ـــ السوفياتي عام 1960: كان من ظواهر هذا الانحسار سقوط خروتشوف عام 1964 بكل ما يرمز من اتجاه تجديدي للتجربة السوفياتية، وهزيمة الشيوعيين السوريين والعراقيين أمام العروبيين في فترة 1959 ـــ 1963، وهزيمة الشيوعيين الأندونيسيين أمام العسكر المدعوم من واشنطن والإسلاميين عام 1965. وكذلك من هذه الظواهر للانحسار اليساري، أيضاً، ظاهرة «اليسار الجديد» من تشي غيفارا إلى طلاب باريس 1968 التي أخذت امتداداً اجتماعياً احتجاجياً خارج قيادة الأحزاب الشيوعية المنخرطة في سياق كومنترن 1919. كانت ظاهرة «الشيوعية الأوروبية» عند الحزبين الإيطالي والإسباني ،التي اصطدمت مع موسكو في السبعينيات وعبّرت عن بداية تفكّك الحركة الشيوعية العالمية التي نشأت مع نشوء (الكومنترن)عام1919، هي الانشقاق الثاني أوالهزّة الثانية في بنية الحركة بعد هزة 1960مع بدء الخلاف الصيني-السوفياتي.

في النصف الثاني من السبعينيات، بدأ صعود الموجة اليمينية العالمية (الأحزاب الدينية الإسلامية بطبعتيها السنية والشيعية/ البابا يوحنا بولس الثاني الذي كان الأب الروحي لحركة التضامن العمالية في بولندا عام 1980 ضد الحكم الشيوعي/ رونالد ريغان الذي دعم الإسلاميين في أفغانستان، ثم كان الهازم لموسكو غورباتشوف في الثمانينيات). كان بدء صعود الموجة اليمينية العالمية ليس علامة فقط على تفاقم انحسار الموجة اليسارية العالمية، بل على قرب حصول الشيخوخة ودخول اليسار العالمي في مرحلة الأفول.

هنا، لا يمكن اعتبار انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه عام 1991، وقبله هزيمة موسكو أمام واشنطن في الحرب الباردة وتفكك الحكم الشيوعي وانهياره في دول حلف وارسو في خريف 1989، مجرّد «نكسة» كما سمى العروبيون هزيمة حرب 1967، بل من علامات شيخوخة يسارية يفتك بها المرض. لا ينفع الهروب من تلمّس ذلك عبر تفسيرين سادا معظم الشيوعيين لانهيار الاتحاد السوفياتي: مؤامرة أميركية صهيونية اخترقت قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي/ أخطاء في التطبيق لا في النظرية في التجربة السوفياتية (من دون تلمس بذرة الخطأ الأصلي عند لينين الذي لم يتقيّد بوصفة ماركس بضرورة اعتبار المرحلة الرأسمالية طريقاً نحو الاشتراكية، وهو ما يقوم به الشيوعيون الصينيون والفييتناميون الآن حيث يقودون التحديث الرأسمالي بعدما قادوا سابقاً عملية التحرر الوطني ضد الأجنبي).

كان من علامات هذه الشيخوخة انهيار معظم الأحزاب الشيوعية العالمية ليس فقط في اضمحلال قاعدتها الاجتماعية، بل أيضاً تفكّك الكثير من تنظيماتها أو تحولها إلى أيديولوجيات أخرى وتغيير اسمها وانتقال الكثير من الشيوعيين إلى اليمين، وبعضهم من حضن موسكو إلى حضن واشنطن مباشرة. من العلامات الأخرى لهذه الشيخوخة بناء السياسات بدلالة «الآخر» لا من خلال دلالة «الذات» وبرنامجها الخاص، حيث نرى عند الشيوعيين الراهنين بناء سياسات بدلالة «الآخر» حيث يمكن للأخير أن يكون فلاديمير بوتين عند الشيوعيين الروس والكثير من الشيوعيين السوريين، ويمكن أن يكون ما يسمى «محور المقاومة والممانعة»، وكذلك بناء سياسات من خلال نظرية «أهون الشرّين» عندما تحالف يساريون عرب في تونس والجزائر ومصر وسوريا مع السلطات القائمة ضد الإسلاميين. 

أحد علامات هذه الشيخوخة اليسارية هي التحاق يساريين بالإسلاميين عبر تحالف ذيلي ضد السلطة (مثلاً: رياض الترك). كانت النزعة الالتحاقية عند الشيوعيين العرب قد جاءت بتأثير السوفيات في شباط 1964 عندما طرح ميخائيل سوسلوف نظرية «التطور اللارأسمالي» وإمكانية التحوّل نحو الاشتراكية بقيادة القوى «الديموقراطية الثورية» المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي، حتى تجسدت هذه النزعة في الجبهتين اللتين دخلهما الشيوعيون السوريون والعراقيون مع نظامَي حزب البعث في دمشق وبغداد في عامَي 1972 و1973، وقد وصل الأمر بسكرتير الحزب الشيوعي العراقي عزيز محمد إلى أن يطلق على صدام حسين لقب «كاسترو العراق».

السؤال الراهن الآن في ظل فشل العروبيين في مهمات «الوحدة العربية» و«ضد إسرائيل» و«التنمية والتحديث»، وفي ظل علامات بدء انحسار التيار الإسلامي، وفي ظل عودة الهيمنة الإمبريالية بأشكالها المختلفة على المنطقة وعلى الدواخل العربية: ألا يمكن أن يكون هناك ضرورة ملحّة لبرنامج يساري جديد عربي ولبناء يسار عربي جديد بزعامة الماركسيين العرب؟ ولكن قبل هذا، هناك سؤال آخر ملِحّ: كيف يمكن عودة الشيخ إلى صباه؟


من البرنامج السياسي للحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) للعام 2019

الحزب الشيوعي السوري (1924 – 2019)

عبرت ولادة الحزب الشيوعي السوري يوم 28 تشرين الأول 1924 عن اتجاه كامن في البنية الاجتماعية السورية – اللبنانية (انفصل الحزبان عام 1964) وإن كانت عملية التحريض على الولادة قد ساهم فيها نشوب ثورة أكتوبر الروسية عام 1917، وهو ما ينطبق على الحركة الشيوعية العربية وخاصة أحزابها القوية في العراق وسوريا والسودان. من دون هذا ما كان للحركة الشيوعية السورية أن تستمر قوية رغم انشقاقات ما بعد 3 نيسان 1972 التي أفرزت أحزاب شيوعية عديدة  من رحم حزب 1924.

عانى الحزب الشيوعي السوري خلال مساره من أربعة أمراض:

1- التبعية للسوفيات.

2- عدم إدراك أهمية القضية القومية العربية. 

3- عدم التفاعل كاتجاه ماركسي مع البيئة المحلية بخصائصها الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية، كما فعل لينين وغرامشي وماوتسي تونغ وهوشي مينه. 

4- عدم إدراك أهمية المسألة الزراعية. 

كانت التبعية للسوفيات هي السبب في الأمراض الثلاثة الأخرى بينما صعد حزب البعث ونما اجتماعياً بسبب تلمسه لهذه القضايا الثلاث: القومية العربية – الخصائص المحلية – المسألة الزراعية. 

كان الملاحظ في التاريخ العربي الحديث بأن الحركات السياسية التي تفاعلت مع هذه القضايا الثلاث (البعث وعبد الناصر) أو إحداها (الإسلاميون) هي التي كانت الأقوى في التربة العربية بينما الاتجاهات السياسية التي لم تفعل ذلك، مثل الليبرالية والماركسية والقومية العربية بطبعتها العلمانية عند ساطع الحصري وقسطنطين زريق، كانت أضعف تأثيراً وفعالية في المجتمعات العربية.

عاش الحزب الشيوعي السوري فترات نمو: 1945-1947، 1957-1958، 1968-1972، حيث كانت الفترتين الأوليتين بفعل العامل السوفياتي: الانتصار على النازية وتحول موسكو إلى أحد قطبي العالم ثم مساعدة السوفيات للعرب في حرب السويس عام 1956، بينما كان النمو بالفترة الثالثة بفعل عامل محلي عندما قادت هزيمة حرب 1967 إلى نمو للتيار الماركسي وللابتعاد عن القومية العروبية بطبعتيها البعثية والناصرية وليتوقف التيار الماركسي عن النمو بالنصف الثاني من السبعينيات مُفسحاً الطريق لنمو التيار الإسلامي بطبعتيه: الأصولية الإخوانية (حتى 1982) والسلفية الدعوية بالثمانينيات ثم السلفية الجهادية التي نمت بقوة في فترة ما بعد احتلال العراق عام 2003 وحظيت بتشجيع السلطة حتى عام 2007 ثم دخلت بمواجهة مسلحة معها في فترة الأزمة السورية ما بعد يوم 18 آذار 2011.

كان الحزب الشيوعي يصاب بتراجعات تنظيمية نتيجة مواقف سياسية كانت تأتي بحكم التبعية لموسكو: تأييده لقرار تقسيم فلسطين عام 1947 الصادر عن الأمم المتحدة بموافقة أميركية-سوفياتية. وقوفه ضد الوحدة السورية – المصرية عام 1958 وماقاد إليه ذلك من صدام مع عبد الناصر، وخاصة بعد بدء خلاف الشيوعيين والعروبيين في العراق عقب ثورة 14 تموز 1958 وإبعاد الشيوعيين المتحالفين مع عبد الكريم قاسم وبتأييد سوفياتي للعروبيين المدعومين من عبد الناصر عن السلطة، وخاصة بعد أن طرح خالد بكداش (البنود 13) كشروط  لقبول الشيوعيين بالوحدة مستقوياً بقوة الشيوعيين النامية في بغداد، وما قاد إليه هذا الطرح من حملة اعتقالات الشيوعيين السوريين والمصريين منذ ليلة رأس سنة 1959. تأييده لحركة 16 تشرين ثاني 1970 رغم الانقسام الذي ظهر بقوة في اجتماع اللجنة المركزية للحزب بيومي 17 و 18 تشرين ثاني قبل أن يتدخل السفير السوفياتي بدمشق من أجل حسم مسألة تأييد الحركة والاشتراك بالوزارة وهو ما تم بأغلبية صوت واحد: 8 من 15 من مجموع أعضاء اللجنة المركزية. تكرر هذا المشهد في الموقف من الدخول في (الجبهة الوطنية التقدمية) يوم 7 آذار 1972 وهو ما كان سبباً مباشراً لانشقاق الحزب الشيوعي السوري بعد أربعة أسابيع يوم 3 نيسان 1972 عندما كان موضوع (الموقف من السلطة) أحد العوامل الكبرى في انشقاق الحزب.

كان هناك أيضاً عوامل نمو ساهمت في قوة الشيوعيين السوريين: قضايا عمالية – اتجاه كبير عند المثقفين والمتعلمين نحو الماركسية – اتجاهات كبيرة عند أقليات قومية وخاصة الأكراد، قبل نمو أحزابهم القومية منذ الثمانينيات على حساب الشيوعيين، نحو تبني الفكر الماركسي الشيوعي. 

قبل 8 آذار 1963 وبالذات قبل 22 شباط 1958 كان الشيوعيون هم الأبرز قوة وتأثيراً في الحركة النقابية العمالية السورية. كان هناك الكثير من الكتاب والأدباء والفنانون ومخرجي السينما والمسرح من الشيوعيين، وعندما افتتح (المعهد العالي للفنون المسرحية) عام 1978 بجامعة دمشق كانت الغالبية العظمى من المدرسين شيوعيين.

بسبب هذا المسار انفجرت أزمة الحزب الشيوعي السوري عام 1969 في المؤتمر الثالث للحزب: كان هناك ثلاثة عناوين للأزمة: مراجعة الموقف من (العروبة) و (قضية فلسطين) + إنهاء هيمنة الأمين العام للحزب خالد بكداش المرتبط بموسكو على الحزب + ضرورة وجود برنامج سياسي للحزب وهو ما كان مفتقداً منذ المؤتمر الثاني عام 1944.

نجح المؤتمر الثالث في تسكين الأزمة عبر قبول بكداش بمأسسة الحزب ومؤسساته القيادية المركزية والمنطقية من خلال الانتخاب ولكن عندما تمت كتابة (مشروع البرنامج السياسي) وتدخل السوفيات من خلال (الملاحظات السوفياتية على مشروع البرنامج السياسي) في أيار 1971 فإن أزمة الحزب قد انتقلت إلى (الخلاف) ثم إلى (انشقاق 3 نيسان 1972).

كانت قضايا الخلاف عديدة وجوهرية: الموقف من السلطة والمرحلة – العروبة – فلسطين – ضرورة استقلال الحزب عن التبعية فكريا وسياسياً وتنظيمياً للسوفيات. كان بيان 3 نيسان 1972، وهو بتوقيع سبعة من أعضاء المركزية الخمسة عشر واثنين من سبعة في المكتب السياسي هما خالد بكداش ويوسف فيصل، قد جاء بتأييد من موسكو والسلطة السورية. 

أخذ (جناح المكتب السياسي) أكثر قليلاً من 60% من جسم المنظمات الحزبية. في المؤتمر الرابع بكانون أول 1973 تمت بلورة الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) من الناحية التنظيمية وفي المؤتمر الخامس (كانون أول 1978) جرى تبني (موضوعات) جرى فيها لأول مرة منذ 8 آذار 1963 من حزب يساري سوري تبني (الديموقراطية) بعيداً عن مفاهيم (الديمقراطية الشعبية) و (الديمقراطية الثورية) مع بلورة (برنامج تغيير وطني ديمقراطي) كان هو عملياً برنامج (التجمع الوطني الديمقراطي) /كانون أول 1979/ و (هيئة التنسيق الوطنية) /حزيران 2011/.

في أحداث ما بعد 16 حزيران 1979 مع مجزرة مدرسة المدفعية بحلب التي ارتكبها (تنظيم الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين)، وما تبعها من صدامات مسلحة، أخذ الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) موقفاً سكوتياً عن ممارسات (الإخوان المسلمون) العُنفية، مركزاً على “التناقض الرئيسي” الذي اعتبره مع (السلطة)، طارحاً برنامج التغيير الوطني الديمقراطي: (إنهاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية – إنهاء احتكار حزب البعث للسلطة – السماح بحرية تشكيل الأحزاب والجمعيات – انتخابات ديمقراطية لإعادة تشكيل السلطة…إلخ) الذي هو متناقض مع السلطة ومتفارق مع ما يطرحه (الإخوان المسلمون)، هذا البرنامج الذي أصبح مع ولادة (التجمع) ثم بيانه المنشور والموزع بكثافة يوم 18 آذار 1980برنامجاً لخمسة أحزاب متجمعة في هذا التجمع: الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) – حزب الاتحاد الاشتراكي – تنظيم 23 شباط- حركة الاشتراكيين العرب (أكرم الحوراني) – حزب العمال الثوري العربي. 

نجح (التجمع) في طرح (خط ثالث) متفارق عن خطي (السلطة) و (الإخوان المسلمون). ولكن كان المأزق منذ نيسان 1980 في بدء ميلان ميزان القوى لصالح السلطة وهو ما قاد إلى طروحات في (التجمع)، من قبل الدكتور جمال الأتاسي أمين عام حزب الاتحاد الاشتراكي وفي الحزب من قبل عضو المكتب السياسي الدكتور أحمد فايز الفواز، تقول بأن ميل ميزان القوى الأمني-العسكري لصالح السلطة يتطلب تنزيل وتيرة الخط المتشدد المعارض والتخلي عن التكتيك السكوتي عن ممارسات (الإخوان المسلمون) لتفادي ضربات السلطة. كان الأمين الأول للحزب رياض الترك معارضاً لتلك الطروحات التي بدأت بالظهور منذ حزيران1980ثم برزت بقوة في اجتماع اللجنة المركزية للحزب في أيلول 1980 الذي قرر عقد مؤتمر تداولي للحزب في كانون أول 1980 لحسم الخلاف وقد جرى عقب اجتماع المركزية استفتاء لكل أعضاء اللجان المنطقية وقيادة منظمات الجامعة وقيادة منظمة الخارج لوضع آرائهم المكتوبة حول الخلاف وهو ما استغرق النصف الثاني من أيلول 1980. 

تفادى (حزب الاتحاد الاشتراكي) الضربة الأمنية، وهو الذي عملياً جمد نشاطه في (التجمع)منذ صيف1980، فيما بدأت السلطة حملات اعتقالات شاملة للقيادة والكوادر والأعضاء في الحزب  الشيوعي السوري (المكتب السياسي) بدءاً من يوم 7 تشرين أول 1980 وهو ما استمر حتى آذار 1990 التي كانت حملة الاعتقالات الثامنة على الحزب طوال عشر سنوات إذا حسبنا حملة الاعتقالات الجزئية الأولى في آذار 1980 لمنظمة الحزب في جامعة دمشق ولمنطقية دمشق للحزب عقب توزيع بيان (التجمع). نجحت قيادة الحزب في أن ترمم نفسها رغم اعتقال أغلب أعضاء المركزية ومنهم أربعة من خمسة من أعضاء المكتب السياسي وبينهم الأمين الأول للحزب وقد ظلت قيادة الحزب تقود الحزب من دمشق طوال فترة العمل السري التي استمرت حتى عام 2001، وهو ما لم يحصل عند كل الأحزاب السورية التي انتقلت للخارج بعد الضربات الأمنية وانتهت تنظيمياً كهيكل في الداخل مثل حزب العمل الشيوعي بعد اعتقالات عام 1992 حتى أعيد إحيائه عام 2001.

يظل هناك أسئلة  بعد فترة ما بعد 3 نيسان 1972 يجب درسها ومراجعتها والإجابة عليها: هل كانت سياسة الحزب في أحداث 1979-1982 صائبة وذات حصيلة ايجابية؟….هل كان من الممكن بشيء من التكتيك السياسي التراجعي، الذي لا يضر بجوهر الخط السياسي، تفادي حملة اعتقالات تشرين أول 1980 وما تلاها؟ هل أخطأت قيادة الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) عندما لم تقتدي بجمال الأتاسي منذ شهر نيسان 1980، لما قرأ ميلان الكفة لصالح السلطة السورية وهو ما دفعه إلى سياسات في اتجاه غير تصعيدي ضد السلطة من أجل تجنيب (الاتحاد الاشتراكي) الضربات التي تلقاها  الحزب الشيوعي (المكتب السياسي)؟

حافظت قيادة الحزب، التي رممت مرتين في كانون أول 1980 وفي أيلول 1987 بشكل جذري بسبب الاعتقالات، على التنظيم مستمراً كهيكل وكجسم طوال عشرين عاماً رغم ظروف العمل السري القاسية ورغم الحملات الأمنية المستمرة، إلا أنها لم تستطع تطوير حضوره السياسي وقد شاب فترة التسعينيات، حتى خروج الأمين الأول للحزب من السجن عام 1998، نوع من التبعية الفكرية- السياسية عند قيادة الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) للدكتور جمال الأتاسي الذي انقادت وراءه في نيسان 1998 نحو مشروع تحويل (التجمع) من (تحالف) إلى (حركة سياسية – تنظيمية واحدة بألوان أيديولوجية متعددة)، وهو ما أفشلته معارضة أغلبية كوادر وأعضاء الحزب، تلك المعارضة التي تعززت بخروج الأمين الأول  للحزب من السجن يوم 30 أيار 1998 وهو ما جعل ذلك المشروع يتجه للتلاشي. في فترة العهد الجديد إثر وفاة الرئيس حافظ الأسد ب يوم 10 حزيران 2000 سادت قيادة الحزب ماعدا الأمين الأول للحزب وبعض القياديين اتجاهات نحو “المراهنة على الاتجاه الإصلاحي في القصر عند الرئيس الجديد بمواجهة الحرس القديم” وهو ما تشارك في هذا الرأي حزب الاتحاد الاشتراكي والمراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين على البيانوني و (لجان إحياء المجتمع المدني)، وقد ظهرت قوة هذا التيار في الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) أثناء نقاشات المؤتمر التداولي للحزب المنعقد في آذار 2001 ببلدة التل بريف دمشق. جعلت اعتقالات أيلول 2001 هذا التيار يرتطم بالحائط وقد شملت الأمين الأول للحزب حتى خروجه من السجن في تشرين ثاني 2002، ورغم هذه الاعتقالات ظل هذا التيار مستمراً في الحزب وفي المعارضة حتى غزو العراق عام 2003.

بتأثير سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي يوم 9 نيسان 2003 نشأ اتجاه جديد عند الأمين الأول للحزب رياض الترك يرى الاقتداء بتجربة المعارضة العراقية نحو (الاستعانة بالخارج من أجل إحداث تغيير داخلي)، متشجعاً بنشوب الخلاف الأميركي-السوري منذ زيارة وزير الخارجية الأميركي كولن باول لدمشق بعد ثلاثة أسابيع من سقوط بغداد. تطور هذا عنده إلى طرح (نظرية الصفر الاستعماري: الأمريكان نقلوا العراق من تحت الصفر إلى الصفر) في مقابلة مع جريدة “النهار” يوم 28 أيلول 2003.

عندما عاد من زيارته لأوروبا وكندا، وسراً الولايات المتحدة الأميركية، بدأ يطرح أن “هناك رياح غربية ستهب على دمشق وعلينا أن نلاقيها ببرنامج سياسي جديد وبثوب جديد “طارحاً منذ كانون أول2003 التخلي عن الماركسية وتغيير اسم الحزب. بدأ الخلاف منذ بداية عام 2004 وحتى انعقاد المؤتمر التأسيسي لـ(حزب الشعب) 28 نيسان – 30 نيسان 2005 حول نقطتين:

1- ماركسية أم ليبرالية؟

2- استعانة بالخارج من أجل تغيير داخلي أم الحفاظ على الخط الوطني الديمقراطي الذي يربط بين حدي (الوطنية) و (الديموقراطية)؟

من قالوا ب(الاستعانة بالخارج) و (التخلي عن الماركسية) ذهبوا إلى مؤتمر (حزب الشعب)، ومن ظل متمسكاً ب(الخط الوطني الديمقراطي ورفض الاستعانة بالخارج من أجل إحداث تغيير داخلي) و (التمسك بالماركسية) ذهب إلى دير الزور حيث انعقد يوم 20 أيار 2005 كونفرانس أعلن فيه استمرار الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) مع انتخاب قيادة له وكما تم الإعلان أن مؤتمر حزب الشعب هو مؤتمر تأسيسي لحزب جديد من قبل من غادروا الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) وليس مؤتمراً سادساً للحزب وهو ما تم تكريسه في كونفرانس ثاني للحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي) في دمشق انعقد يوم 25 تشرين أول 2007 انتخب قيادة للحزب ورسم ملامح لخط فكري- سياسي: التمسك بالماركسية – خط وطني ديمقراطي يربط بين الحدين ويرفض الاستبداد المدرع بالوطنية واستجلاب الديموقراطية عبر دبابات الأجنبي- الاتجاه للتحالفات من أجل تعويم دور الحزب السياسي.

خلال أربعة عشر عاماً ونصف حافظ الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) على نفسه ولو بصعوبة بالغة وسط أجواء من العداء والتشكيك من الكثيرين: كان للحزب مساهمة رئيسية في تشكيل (تجمع اليسار الماركسي- تيم) /20 نيسان 2007/ و (الخط الثالث: الوطني الديمقراطي) /كانون ثاني 2008- تموز 2010)، كخط ثالث بين خطي السلطة و”إعلان دمشق “، ثم (هيئة التنسيق الوطنية) /25حزيران 2011/.من خلال (تيم) أريد الإعلان عن خط ماركسي معارض وسط حالات كثيرة من تخلي الماركسيين عن ماركسيتهم باتجاه (الليبرالية الجديدة) ووسط أحزاب شيوعية موالية للسلطة. 

عبر (الخط الثالث الوطني الديمقراطي)، الذي ضم (الاتحاد الاشتراكي) و (تيم) وقوى أخرى، أريد تثبيت وجود خط مفترق عن خط استبداد السلطة المتدرع بالوطنية وعن خط “إعلان دمشق “الذي يريد استجلاب الديمقراطية عبر (الاستعانة بالخارج). عبر (هيئة التنسيق) كان يراد الاستمرار ب (خط وطني ديمقراطي) ضد (نزعة الاستعانة بالخارج) و(خط سلمي) ضّد (عنفي السلطة والمعارضة) ومع (خط التسوية للأزمة السورية).

كان للحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) دور كبير في هذه المحطات الثلاث أثبت من خلاله أنه مازال رقماً مهماً في الساحة السياسية السورية ويملك القدرة على لعب أدوار سياسية تتجاوز ضعفه التنظيمي وتتخطاه وانه لم يختف ويزول ويغرق كما توقع الكثيرون بعد ذهاب الكثيرين من أعضاء الحزب إلى (حزب الشعب) أو إلى (البيت).

الآن وبعد ما يقارب القرن من الزمان من عمر الحزب الشيوعي السوري هناك حاجة إلى مراجعة واستخلاص دروس التجربة ليس فقط السورية وإنما أيضاً العالمية بما فيها وأولها التجربة السوفياتية. يمكن لهذه المراجعة واستخلاص الدروس أن تتمثل في التالي:

  1. الماركسية ليست عقيدة جاهزة ومحكمة الإغلاق. بل هي في السياسة منهج تحليلي معرفي لبنية اقتصادية- اجتماعية- ثقافية في مكان وزمان معينين للوصول عبر هذا المنهج إلى رؤية سياسية وبرنامج سياسي خاص بحزب هو ماركسي في المنهج التحليلي وشيوعي في التنظيم.
  2. حسب التنظيم اللينيني هناك شروط ثلاث لعضوية الحزب: (يعتبر عضواً في الحزب كل من يعترف ببرنامجه السياسي ويؤيده مادياً ويشترك شخصياً في إحدى المنظمات الحزبية) وتعتبر الصلة الفردية موازية للعضوية في المنظمة الحزبية. هذا يعني بأن الماركسية في السياسة لا تشترط (العقيدة).
  3. حرية الماركسي المنخرط في السياسة في أن يعتقد ما يراه من معتقدات دينية أو غير دينية تجاه النظام الكوني-  الطبيعي وأن يمارس ما يراه من شعائر وطقوس – أو لا يمارس – وفقاً لما يعتقده، لتكون الماركسية بناء على ذلك محصورة في إطار اقتصادي- اجتماعي- ثقافي- سياسي وبحيث تكون الماركسية مفصولة عن عقيدة الماركسيين عبر عملية فصل بين تخومي (العقيدة) و (السياسة) داخل الحزب الشيوعي الماركسي.
  4. الحزب لا يتحدد، كهوية فكرية سياسية، من خلال أهدافه بل من خلال منهجه: الحزب الشيوعي ماركسي المنهج وشيوعي (وفقاً لتصنيف الأممية الثالثة: الكومنترن 1919-1943) في النظرة التنظيمية. هناك حاجة لمراجعة تلك النظرة التنظيمية التي يتم من خلالها تحديد وظيفة الحزب: في كتاب “ما لعمل؟ “للينين عام 1902، الذي انبنت عليه النظرة الشيوعية للتنظيم، حيث هناك رأي عند لينين بأن “وظيفة الحزب والطليعة تصدير الوعي للطبقات والفئات الاجتماعية التي لا تستطيع من دون الطليعة الحزبية الوصول لأبعد من الوعي العفوي فيما الوعي النظري والسياسي لا يأتي إلا من خلال الطليعة الحزبية”. يمكن التفكير هنا في رؤية غير طليعية للحزب باتجاه إعطائه دوراً وظيفياً: تقديم رؤية وبرنامج سياسيين للمجتمع بطبقاته وفئاته وبحيث أن أفراد تلك الطبقات والفئات هم من يختارون ويميلون وفق مصالحهم  لهذه (الرؤية والبرنامج)، أو ذاك، عبر الانتساب للحزب أو تأييده أو الاقتراع له عبر صندوق الانتخابات أو المشاركة في فعالياته. ليس هناك من (طليعة) بل (ساسة حزبيون) والكل متساوي في الوعي ولكن يمكن أن يكون هناك درجات في المعرفتين النظرية والسياسية.
  5. اسم الحزب يأتي من منهجه المعرفي التحليلي ومن نظرته التنظيمية: كارل ماركس في “البيان الشيوعي” عام 1848 قدم رؤية وبرنامجاً سياسيين من خلال منهج تحليلي هو ماركسي في الاتجاه الفكري المعرفي لمنظمة اسمها “عصبة الشيوعيين” ولكن هو ديمقراطي يرى مهمات الشيوعيين (بالبلدان التي لم تنجز فيها المرحلة الرأسمالية مثل ألمانية) في تحقيق مهمات ذات طابع رأسمالي تحديثي اقتصادياً وذات طابع برجوازي دستورياً وقانونياً ومؤسساتياً. احتج ماركس وفريدريك إنجلز على اسم (الاشتراكي الديمقراطي) الذي أطلق على الحزب المتبني للماركسية في ألمانيا عام 1875. عاد لينين إلى اسم (الشيوعي) عام1917 مع الافتراق عن أحزاب الأممية الثانية ذات الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي ثم تكرس هذا مع تأسيس (الأممية الثالثة “الكومنترن”). 

كل الماركسيين الشيوعيين الذين دعوا إلى تغيير اسم الحزب الشيوعي في فترة ما بعد سقوط وتفكك الاتحاد السوفياتي كانت هذه الدعوة مؤدية بهم وبأحزابهم إلى التخلي عن الماركسية. نحن متمسكون باسم الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) ولن نغير هذا الاسم إلا عبر الاندماج مع فصيل أو فصائل ماركسية شيوعية سورية (آتية من رحم حزب 1924) أو فصائل ماركسية آتية من (اليسار الجديد) في السبعينيات مثل (حزب العمل الشيوعي في سوريا) وسيكون اندماجنا معهم، أو تجمعنا معهم في تجمع، حاملين معنا تجربة حزب ما بعد 3 نيسان 1972، وهي أهم تجربة سياسية سورية بالنصف الثاني بالقرن العشرين من حيث توليد الأفكار السياسية الجديدة (تبيئة الماركسية في البيئة المحلية العربية السورية – دمج الماركسية مع العروبة والثقافة المحلية – الاستقلال عن المركز الشيوعي السوفياتي ورسم السياسة من خلال الموقع المستقل غير التابع – أول انفتاح في حزب يساري سوري بالسبعينيات على مفهوم الديموقراطية)، لنندمج أو نتجمع مع الآخرين أو لنذوب في حزب ماركسي أو شيوعي جديد معهم.

  1. التجربة السوفياتية 1917 -1991 تثبت صحة تحليل ماركس وخطأ لينين بأنه لا يمكن الدخول في الاشتراكية وتحقيق مهمات اشتراكية من دون استنفاذ المرحلة الرأسمالية لذاتها. عملياً لم يستطع الشيوعيون في روسيا والصين أكثر من قيادة بلدانهم نحو المرحلة الرأسمالية المتطورة وتجاوز البنية الماقبل رأسمالية بشكل لا يتجاوز مهمات الثورتين الانكليزية والفرنسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. في فيتنام قاد الشيوعيون عملية التحرر الوطني ضد الفرنسيين وضد الاحتلال الياباني ثم ضد التدخل العسكري الأميركي وقادوا توحيد الوطن القومي عام 1975 وهم يقودون الآن عملية التحديث الرأسمالي.

أحزاب اليمين الأوروبي وكورونا: تراجع مؤقت أم دائم؟

نادر عازر

تسبّبت جائحة فيروس كورونا باختلالات اقتصادية واجتماعية كبيرة في العالم، وخاصّة بعد الإجراءات التي اضطرت الحكومات الدولية لاتخاذها، وأدّت إلى تضرّر قطّاعات سياحية وتجارية وخدمية، وارتفاع في معدلات البطالة. هذا كلّه انعكس على السياسة، وخاصة في أوروبا، حيث بدأت شعبية الأحزاب اليمينية والقومية المتطرفة بالانخفاض التدريجي، بدل أن ترتفع.

إنّ إجراءات إغلاق الحدود الأوروبية للتخفيف من وطأة الجائحة، منعت دخول اللاجئين، الشحيح أساساً، ومع أنّها كانت أكثر ممّا تحلم به أحزاب اليمين المتطرف، لكن الأوروبيين تراجع اهتمامهم بقضايا الهجرة والجريمة، التي تغذّت عليها الأحزاب المتطّرفة منذ أزمة اللاجئين عام ٢٠١٥، مستغلّة خوف الناس للصق كل مشاكل المجتمع في رقبة المهاجرين، ولتعزيز الأفكار المسبقة حولهم، كل هذا في ظل يسار أوروبي غائب ومشتت ومنفصل عن الواقع المحيط.

جعلت جائحة كورونا من قضايا القطاع الصحي، والبطالة، وإنقاذ الاقتصاد، الهمّ الأول بالنسبة للأوروبيين، كما أظهرت أنّ للمهاجرين دوراً حيوياً في المجتمع وسوق العمل، وخاصة في القطاعات الصحية والزراعية والخدمية، وكشفت أيضاً أن أداء الأحزاب اليمينية المتطرفة كان سيئاً ومفلساً، سواء كانت في الحكومة كما في إيطاليا، أو في المعارضة كما في ألمانيا وإسبانيا والسويد، وأنها لا يمكنها تقديم شيء خارج إطار مهاجمة الأجانب.

على إثر ذلك أعاد الناس ثقتهم بالعديد من الأحزاب الحاكمة في القارة العجوز سواء كانت محافظة أو ليبرالية أو من يسار الوسط، بعد أن كانت شعبيّتها في مسار انحداري بشكل عام.

تكفي جولة سريعة على أرقام استطلاعات الرأي في الدول الأوروبية الأربع المذكورة أعلاه لمعرفة ميول مواطنيها الحالية.

إيطاليا:

في استطلاعات الرأي بإيطاليا، تراجعت شعبية حزب “رابطة الشمال” اليميني المتطرف بقيادة ماتيو سالفيني، إلى ٢٧ بالمئة في حزيران ٢٠٢٠، بعد أن كانت ٣٧ بالمئة في آب ٢٠١٩.

وكانت شعبية “رابطة الشمال” في خط تصاعدي مستمر بقوة، إذا ما قارنا نتائج استطلاعات الرأي بنتائج الانتخابات البرلمانية، التي أخذ فيها أكثر من ١٧ بالمئة عام ٢٠١٨، مستفيداً من أزمة اللاجئين في أوروبا عام ٢٠١٥، فيما كان قد حصل على ٤ بالمئة فقط في انتخابات عام ٢٠١٣.

وشهد الحزب المتطرف انخفاضاً غير مسبوق في شعبيته في معقله بإقليم لومبارديا الذي أصبح بؤرة لتفشي فيروس كورونا. بعد سوء إدارته للأزمة وللنظام الصحي، وتقليله بداية من خطر الفيروس، وإلقاء اللوم على المهاجرين، تبعها تقصير شديد في إجراء الفحوصات الطبية، وفشل في شراء معدات كافية للحماية، إلى جانب نشر نظريات المؤامرة حول أصول الفيروس.

إسبانيا:

بدأت شعبية الحزب اليميني المتطرف Vox بالهبوط في استطلاعات الرأي، وحصل على ١٥ بالمئة في شهر حزيران ٢٠٢٠، بعد أن كانت ١٧ بالمئة في شهر آذار ٢٠٢٠ فترة بدء تفشي كورونا.

رغم مسارعة حزب فوكس لتقديم خطة من عشر نقاط لمواجهة تهديد فيروس كورونا، لكنها لم تساعده، لأنها لم تقدم جديداً على اقتراحات الحكومة بقيادة الحزب الاشتراكي العمالي، إلى جانب غرقه في نظريات المؤامرة حول فيروس كورونا، واتهامه الحكومة الإسبانية بترك المواطنين المسنين يموتون من الفيروس.

واشتهر حزب فوكس بعد حيازته على ١٢ مقعداً في إقليم أندلسيا، ثم حصل بعدها على ١٠ بالمئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الإسبانية في نيسان ٢٠١٩، وبعد إعادة الانتخابات في تشرين الثاني ٢٠١٩ حصل على ١٥ بالمئة من أصوات الناخبين أي أكثر من ٣,٦ مليون صوت.

روّج حزب فوكس لنفسه كمدافع عن المناطق الأكثر فقراً في إسبانيا، مثل أندلسيا، وأنه سيوقف تدفق المهاجرين من القارة الأفريقية، وسيعيد النظام الدستوري في كاتالونيا، وسيحظر جميع “الأحزاب الانفصالية”، وسيجعل من إسبانيا “رائعة مرة أخرى”، وهاجم الاتحاد الأوروبي واتهمه بتشكيل تهديد أساسي لسيادة البلاد.

ألمانيا:

شهد الحزب اليميني المتطرف “البديل لألمانيا” انخفاضاً في شعبيته في استطلاعات الرأي، إلى ٩ بالمئة في حزيران ٢٠٢٠ بعد أن كانت ١٧ بالمئة في أيلول ٢٠١٩.

لم يقدم حزب “البديل” اقتراحات جديدة غير التي قدمتها الأحزاب الأخرى لمحاربة وباء كورونا في ورقة سياسية من عشر نقاط أيضاً، تضمّنت زيادة عدد الفحوصات الطبية، وإنتاج معدات حماية إضافية للعاملين الصحيين، وحماية المواطنين المعرضين لخطر.

وبحسب متابعة لموقع “فورين بوليسي” فإن التفاعل حتى مع منشورات “حزب البديل” انخفض إلى النصف على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة المتعلقة منها بأزمة كورونا.

وكان حزب “البديل” قد حصل على أكثر من ٤ بالمئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية عام ٢٠١٣، ليقفز إلى أكثر من ١٢ بالمئة في انتخابات العام ٢٠١٧، أي ما يزيد عن خمسة ملايين صوت.

في المقابل ارتفعت شعبية الائتلاف المسيحي الديمقراطي بقيادة ميركل إلى أرقام غير مسبوقة منذ ثلاث سنوات، إلى ٣٩ بالمئة في حزيران ٢٠٢٠ بعد أن كانت ٢٦ بالمئة في حزيران ٢٠١٩. وفي استطلاع آخر أظهر رضى ٨٠ بالمئة من الألمان على طريقة إدارة حكومة ميركل لأزمة كورونا.

السويد:

شهدت الحياة السياسة السويدية نزعة مشابهة، مع ازدياد اهتمام الناس بالقضايا الصحية والاقتصادية والبطالة، مقابل تراجع أهمية قضايا الهجرة والجريمة، وتراجعت معها شعبية حزب “ديمقراطيو السويد” اليميني القومي في استطلاعات الرأي إلى ١٧ بالمئة في حزيران ٢٠٢٠ بعد أن وصلت إلى ٢٥ بالمئة في كانون الأول ٢٠١٩.

وكان حزب “ديمقراطيو السويد” قد حصل على أكثر من ١٧ بالمئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية عام ٢٠١٨، مقابل ١٣ بالمئة عام ٢٠١٤.

وفي المقابل ارتفعت شعبية “الحزب الاشتراكي الديمقراطي” الحاكم في السويد بشكل سريع وكبير، إلى أكثر من ٣٣ بالمئة في أيار ٢٠٢٠، بعد أن كانت آخذة في الانخفاض المتواصل حتى وصلت إلى ٢٣ بالمئة في شباط ٢٠٢٠.

ختاماً، معروف أن استطلاعات الرأي مؤقتة وقابلة للتغير السريع، ولا يمكن الأخذ بها كمؤشر بعيد المدى، لكنها تعكس ميلاً شعبياً راهناً، وتُظهر القضايا التي تشغل بال الناس، كالصحّة والاقتصاد وسط تحذير العديد من الخبراء الماليين من ملامح أزمة، أو ركود يلوحان في الأفق، مقابل آراء ترجح عودة انتعاش الاقتصاد العالمي.

كل ذلك يؤكد أن الأزمة التي خلّفها فيروس كورونا لها تداعيات قد تمتد لتكون طويلة الأجل، وقد تُظهر خلافات كامنة تؤثر على الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، مع ازدياد الاتهامات الدولية للصين بتكتّمها على معلومات مهمة حول احتمال تسرّب فيروس كوفيد-١٩، بالخطأ، من مختبر في ووهان، إلى جانب اتهامات بالتضليل والتقصير لمنظمة الصحة العالمية.

المراجع:

موقع بوليتيكو للإحصاءات، وموقع فورين بوليسي.


الجغرافيا السياسية لأنابيب النفط والغاز

محمد سيد رصاص

الجمعة 24 نيسان 2020 – جريدة “الأخبار”

عندما فكّرت رئيسة الوزراء الباكستانية بنازير بوتو، عام 1994، في إنشاء حركة «طالبان» من طلّاب المدارس الدينية للاجئين الأفغان في باكستان، فإنها لم تكن تعبّر فقط عن خيبة أمل باكستانية من عدم تمكّن حليف باكستان الأفغاني، قلب الدين حكمتيار، من السيطرة على كابول، عام 1992 بعد انهيار الحكم الشيوعي هناك، بل كانت تفكّر أساساً في أن يكون الساحل الباكستاني مصبّاً لأنبوب غاز عبر أفغانستان، كانت شركة «يونوكال» الأميركية تفكّر في مدّه من تركمانستان، الجمهورية السوفياتية السابقة، التي اكتشف فيها احتياطي من الغاز هو السادس في العالم. 

بعدما هزمت «طالبان» قوات الرئيس الأفغاني برهان الدين رباني، ووزير دفاعه أحمد شاه مسعود، وأخرجتهم من العاصمة كابول، في 27 أيلول 1996، فإنّ المحادثات بين الشركة الأميركية و«طالبان» قد شملت الجغرافيّتين الأفغانية والأميركية، وفعلاً كان تركيز «طالبان» الحربي ضد «التحالف الشمالي» بقيادة مسعود، الذي ظلّ يسيطر على مناطق واسعة من الشمال، على الشمال الغربي قرب الحدود الأفغانية ــــ التركمانستانية، وبالذات على مدينة مزار شريف. 

يلفت النظر أنّ سقوط مزار شريف بيد «طالبان» في شهر آب 1998، كان متزامناً بفرق يوم واحد مع تفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا، من قبل تنظيم «القاعدة» بزعامة أسامة بن لادن، الذي كان مقيماً في أفغانستان، وهو ما أدى إلى دخول العلاقات الأميركية مع «طالبان» في انسداد كامل، وإلى انهيار محادثات إنشاء خط الغاز المذكور.

هنا، كانت بنازير بوتو، ومعها المؤسسة العسكرية الباكستانية، تفكّر في التركة السوفياتية في جمهوريات آسيا الوسطى، المسلمة السوفياتية السابقة، التي دلّت الدراسات على احتوائها مخزون طاقة من النفط والغاز، يوازي ما هو موجود في منطقة الخليج. وفعلاً، بعد انهيار مشروع «يونوكال»، بدأت تركيا بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ـــــ الذي كانت دوله تستورد 40% من حاجاتها من الغاز من روسيا عبر خط يمرّ بأوكرانيا ـــــ بالتفكير بدءاً من عام 2002، في إنشاء خط «نابوكو» للغاز، من تركمانستان عبر أنبوب تحت مياه بحر قزوين يصل إلى أوروبا عبر آذربيجان ــــ جيورجيا ــــ تركيا.

اعترضت روسيا على «نابوكو»، متذرّعة بأنّ بحر قزوين ليس بحراً، بل بحيرة مشتركة بين دول خمس، وبالتالي يحتاج مدّ الخط تحت مياهه إلى موافقة جماعية. وفعلاً، عندما وقعت الحرب الروسية ــــ الجيورجية عام 2008، كان هناك جهدٌ حربيٌ روسيٌ لضرب منشآت «نابوكو» على الأراضي الجيورجية. مات مشروع «نابوكو» الذي كان مخطّطاً أن يكون بديلاً عند الغرب الأوروبي من الغاز الروسي، وخصوصاً من خلال ترادفه مع خط غاز من مصر (الاحتياطي السادس عشر عالمياً) يصل عبر الأردن وسوريا، حتى أنبوب «نابوكو» في تركيا. بالتوازي مع ذلك، كان هناك مشروع لأنبوب غاز من إيران (الاحتياطي الثاني بعد روسيا) عبر تركيا، تتولّاه شركة سويسرية لنقل الغاز الإيراني إلى أوروبا، انتهى بتخلّي السويسريين عنه عام 2010، بفعل أنّ التوتّر الأميركي ــــ الإيراني، منذ استئناف طهران عام 2005 لبرنامج تخصيب اليورانيوم، قد جعل من غير الممكن استكمال هذا المشروع. 

بالتأكيد، لم تنظر موسكو بعين الارتياح إلى مذكّرة التفاهم الإيرانية ــــ العراقية ــــ السورية، التي وُقّعت في تموز 2011، لنقل غاز حقل «بارس» الإيراني العملاق إلى أوروبا، عبر الساحل السوري، من خلال أنبوب غاز يمرّ في الأراضي العراقية، وهو ما جاء بعد عشرة أشهر من اتفاق عراقي ــــ سوري لإعادة فتح خط أنبوب النفط الواصل بين كركوك وبانياس، الذي تمّ إغلاقه عام 1982 بفعل التوتر العراقي ــــ السوري، ما جعل العراق يتّجه إلى تصدير نفطه عبر أنبوبين يمرّان في السعودية وتركيا.

يجب التفكير، هنا، فيما ذكرته صحيفة «ذي غارديان» البريطانية، في عدد يوم 30 آب 2013، عن أنّ موقف قطر وتركيا المُعادي للسلطة السورية في الأزمة السورية، يعود إلى رفض سوري عام 2009 لمشروع قطري لنقل غاز قطر (الاحتياطي الثالث في العالم)، عبر السعودية والأردن وسوريا وتركيا، وصولاً إلى أوروبا.

على هذا الصعيد، يجب عدم الاستهانة بما ذكرته الصحيفة، ولكن من دون المبالغة في تفسير كل شيء من خلال الأنابيب. مع ذلك، يجب تفسير الغزل الصامت لثلاثة وعشرين شهراً، بين إدارة بيل كلينتون وحركة «طالبان»، من خلال أنبوب «يونوكال» الذي، من جهة أخرى، يفسر دعم روسيا لأحمد شاه مسعود ضد حركة «طالبان». التوتر التركي ـــ الروسي حتى عام 2016، يمكن تفسيره بنفط وغاز منطقة بحر قزوين، والأنابيب عبر تركيا لهما (أنجز فقط أنبوب نفط باكو ــــ تبليسي ــــ جيهان)، وقد انتهى هذا التوتّر مع مشروع بناء خط الغاز الروسي إلى أوروبا، عبر البحر الأسود وتركيا (توركيش ستريم) كبديل من المعبر الأوكراني للغاز الروسي، بعد توترات 2007 ـــ 2008 بين موسكو وكييف، فيما قامت روسيا أيضاً بإنشاء أنبوبين للغاز نحو ألمانيا (نورد ستريم) عبر بحر البلطيق؛ ألمانيا، التي قال عنها دونالد ترامب إنها «أسيرة الروس» من خلال الغاز. 

يمكن، إلى حدّ ما، تفسير الاهتمام الروسي بسوريا وصولاً إلى الدخول العسكري إليها، منذ يوم 30 أيلول 2015، من خلال الأنبوبين المفترضين للغاز من قطر (2009) وإيران (2011)، عبر الأراضي السورية، واللذين مع تركمانستان، تمثل بدائل منافسة للغاز الروسي. وكذلك، يمكن تفسير اهتمام فلاديمير بوتين الشديد بالملف الأفغاني، الذي حصل فيه تطوّر مهم في 29 شباط 2020، من خلال اتفاق الأميركيين مع حركة «طالبان»، لتنظيم الانسحاب الأميركي العسكري من أفغانستان، حيث يربط الكرملين الأزمة الأفغانية، بهذا الشكل أو ذاك، مع غاز تركمانستان.

هنا، يمكن ربط مشاهد سياسية، من خلال أنابيب نفط وغاز: حصل انقلاب حسني الزعيم بتشجيع أميركي عام 1949، لأنّ الحكومة السورية، ومعها الرئيس شكري القوتلي، قد عرقلت مشروع خط نفط التابلاين الآتي من السعودية، حيث كانت تريد أن يكون انتهاء الخط في الساحل السوري وليس اللبناني. بين عامي 1949 و 1952، برز مشروع «الهلال الخصيب» للوحدة السورية ــــ العراقية، بالتوازي مع بناء خط نفط كركوك ــــ بانياس، وبالتأكيد هذا تفكير طبيعي عند العراقيين الذين يشعرون بأنّ الخريطة العراقية تشبه الزجاجة ذات الفتحة الضيّقة، لذلك يفكرون في الساحل السوري أو في الكويت، الذي ذهب ضحية الاقتراب منه كلّ من عبد الكريم قاسم وصدام حسين. هناك خطان قيد الإنشاء لأنابيب نفط، الأول بين جنوب السودان ــــ إثيوبيا ــــ حتى ميناء جيبوتي، والثاني من إثيوبيا (مع اكتشاف نفط في الصومال الإثيوبي: أوغادين) ــــ جنوبي السودان ـــــ حتى الساحل الكيني عند ميناء لامو. 

ويمكن أن يفسر هذان الخطّان اتجاه جمهورية جنوب السودان نحو الحضن الإثيوبي، بدلاً من شمال السودان، حيث نفط الجنوب يصدر بمعظمه عبر ميناء بور سودان. هناك أنبوب غاز قيد الإنشاء من نيجيريا (الاحتياطي العالمي التاسع)، عبر النيجر إلى الساحل الجزائري إلى أوروبا، جرى التوقيع على مشروع إنشائه عام 2009، ما يمكن أن يفسر الاهتمام الشديد من الأوروبيين بوجود المنظمات الإسلامية الجهادية في الصحراء الجزائرية. 

هناك اهتمام سعودي وإماراتي بمدّ أنابيب نفط وغاز (السعودية الخامسة في احتياط الغاز والإمارات السابعة) إلى الساحل اليمني على بحر العرب، لتفادي مضيق هرمز، ويمكن أن يفسر الكثير من الحرب اليمنية الحالية. الصين في عام 2017، استأجرت مرفأ غوادار الباكستاني، وأقامت منه أتوستراداً وسكّة حديد وأنبوب نفط تصل جميعها إلى البر الصيني، واستأجرت مرفأ كيوكبيو في ميانمار عام 2020 وستقيم منه أنبوبي نفط وغاز نحو البر الصيني، ليكون هذان المرفآن بابين خلفيين للصين بدلاً من المرور بمضيق مالاقا عند سنغافورة، حيث القاعدة الأميركية؛ هذا المضيق الذي يصل بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي. 

الصين تستورد نصف استهلاكها النفطي وما يقرب منه من احتياجاتها من الغاز، وعلى هذا الصعيد يمكن تفسير الكثير من التقارب الصيني ــــ الروسي بأنبوب الغاز الروسي ـــــ الصيني، الذي تم إنجازه في الشهر الأخير من عام 2019. في 2 كانون الثاني 2020، جرى التوقيع على إنشاء أنبوب غاز تحت البحر بين إسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، ومنها إلى أوروبا، لنقل الغاز من الساحل الفلسطيني. لا يمكن تفسير الاتفاقية التركية مع حكومة طرابلس الغرب حول الحدود البحرية التركية ــــ الليبية، من دون ذلك الاتفاق الرباعي، حيث تستطيع تركيا أن تعترض من خلال ذلك على وصلة أنبوب الغاز بين جزيرتي قبرص وكريت، على اعتبار أنها في مياهها الإقليمية.


مقابلة مع سلافوي جيجك: لماذا لا أزال شيوعيّاً؟

جريدة “الخندق “اللبنانية – العدد الأول – نيسان 2020

(سلافوي جيجك: مفكر ومدرس للفلسفة في جامعة لوبليانا عاصمة جمهورية سلوفينيا، التي استقلت عن الاتحاد اليوغسلافي عام 1991. سلافوي جيجيك من مواليد عام 1949)

أنا أوّل معترف بانتهاء حلم القرن العشرين الشيوعي. وإنني كذلك أبعد ما يكون عن الاسطوانة الغبية العتيقة التي أصرّت على كون الشيوعية فكرة جيدة جرى إفسادها على أيدي مستبدين منحطين. كلا: هناك مشاكل موجودة بالرؤية الأصلية، وبالتالي فعلينا القيام بإعادة تقييم لماركس ذاته. نعم: لقد حقق بعض الشيوعيين من الذين وصلوا الى الحكم وامتلكوا القوة، بعض الإنجازات الإيجابية، وقد حفظنا اللازمة: تعليم، صحة، مناهضة الفاشية. ولكن بالمجمل فإن الانتصار الحقيقي الوحيد لدى الشيوعيين ممن هم في السلطة هو ما حصل في الصين خلال العقود الماضية، والتي قد تكون أعظم قصة نهوض اقتصادي في تاريخ البشرية -حيث رُفع مئات الملايين من الفقر إلى الطبقة الوسطى. كيف حققت الصين ذلك الإنجاز؟ إن يسار القرن العشرين كان يُعَرَّف بمعارضته لنزعتين أساسيتين في الحداثة: حكم رأس المال بفردانيته العدوانية وديناميكياته التغريبية؛ والسلطة الاستبدادية -البيروقراطية للدولة. ما نجده في الصين اليوم ما هو إلا تطرّف في المزج بين هاتين الميزتين تحديداً: دولة قوية مستبدة، وديناميكيات رأسمالية متوحشة -وهذا هو الشكل الأكثر فعالية للاشتراكية اليوم… ولكن هل هذا ما أريد؟

تتجه الصين اليوم لتكون نموذجًا لما سمّاه هنري فاريل “الاستبداد المتشابك”: وهي فكرة أنه “إذا تجسست دولة ما على شعبها بشكل كافٍ وسمحت لأنظمة التعلم الماكيني أن تدمج تصرفاتهم وتتجاوب معها، فمن الممكن خلق “منافس أكثر فعالية وقدرة للتغلب على الديمقراطية في لعبتها الأساسية” -موفراً حاجات الناس بشكل أفضل من الدولة الديمقراطية. لقد أصبحت الصين مثالًا جيدًا عن هذا النموذج: إذ يزعم كلاً من مؤيديها ومعارضيها أن الصين تخلق ديكتاتورية مستدامة -بالتعليم الآلي والمراقبة الشاملة -، قادرة على معالجة “معضلة الاستبداد الأساسية”، بـ “تجميع وتنظيم المعلومات والتجاوب لحاجات المواطنين بما يكفي غرض الاستقرار.” ولكن يزعم فاريل أن هذا ليس الواقع، إذ تعاني الصين من عدم الاستقرار (إضرابات مبعثرة، حركات مستمرة منادية بالديمقراطية، معسكرات اعتقال، فقاعات ديون، انهيار مستوى الصناعة، خطف روتيني، فساد عارم، الخ). لقد وجد الغرب الليبرالي توظيفًا أفضل للسيطرة الرقمية من خلال الديمقراطية المتشابكة، أو ما يسميه البعض بـ “رأسمالية المراقبة” والتي تحمل في طيّاتها الديمقراطية والحرية مع حرص الدولة على نزع فعاليتهما.

ظهرت بوادر عن عدم استقرار الصين عبر حدث غريب في منتصف تشرين ٢٠١٩: شنّ الإعلام الصيني هجومًا مروجًا لادّعاء أن “المظاهرات في أوروبا وأميركا الجنوبية هي نتيجة مباشرة لتقبل الغرب لعدم الاستقرار في هونغ كونغ”: “يوجد العديد من المشاكل في الغرب وتيّارات الاستياء بكل أنواعه تكاد لا تحصى. حتما، الكثير من هذه المشاكل سوف يبرز بمشهد مشابه لتظاهرات هونغ كونغ”. لكن ثمة واقعتان يصعب تجاهلهما. أولا، تقوم الصين “الشيوعية” من خلف الكواليس بالاستثمار في تقوية أنظمة الحكم والسلطات حول العالم ضد الشعوب المتمردة، محذرة الغرب من إساءة تقدير الاستياء في بلدانه، -وكأنهم جميعاً يتشاركون مصلحة أساسية في التمسك بالسلطات القائمة، بعيدًا عن مجمل الفروقات الأيديولوجية والجيوسياسية -. ثانياً، مشهد “القلق داخل الفردوس”، أي أنّ المظاهرات لا تقتصر فقط على بلدان فقيرة وصحاري مثل إيران، بل أيضًا في بلدان ذات ثراءٍ (أقلّه نسبيّاً)، وهي البلدان التي قُدِّمت حتى الآن على أنّها نماذج ناجحة (أقلّه اقتصاديًّا). تعبر هذه المظاهرات عن استياء متزايد غير قابل للتوجيه والتشكّل في إطار أنماط التمثيل السياسي السائدة -ما ينتظرنا هو مجتمع في حالة استثنائية بشكل دائم، في حالة من الطوارئ والقلق /الإضرابات المدنية المتتالية -. وتلك الموجة الغريبة من التظاهرات تمكننا من إعادة النظر في سقوط جدار برلين.

إنه من المعتاد أن نؤكد على “أعجوبة” سقوط الجدار منذ ثلاثين سنة: كانت وكأنها حلم تحقق: أمر خارج الخيال، أمر بعيد كل البعد عن التوقع حتى قبل شهرين من الحدث؛ تفكيك الأنظمة الشيوعية التي انهارت مثل بيت من الورق. من كان يستطيع أن يتصور انتخابات حرة في بولاندا مثلاً، تحت رئاسة ليخ فالينسا؟ ولكن علينا ملاحظة أن “أعجوبة” أكبر قد حصلت فقط بعد مرور سنتين: عودة الشيوعيين السابقين الى السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية حرة، مع تهميش فالينسا وجعله بموضع أقل شعبية بمراحل عن “اللواء ووتشيه ياروجلسكي” الذي قمع حركة “تضامن” [برئاسة فالينسا] بانقلاب عسكري قبل عقد ونصف من قبل(1981). وبعد عقدين من الزمن أتت المفاجأة الثالثة: أصبحت بولاندا تحت سيطرة الشعبويين اليمينيين الذين قد رفضوا كلا الشيوعية والديمقراطية الليبرالية. فما الذي يحدث؟

عندما تظاهرت الشعوب ضد الانظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، الأغلبية العظمى لم تكن تفكر في الرأسمالية. كانوا يرغبون في التأمين الاجتماعي، التضامن، حجم كبير من العدالة. كانوا يرغبون في حرية الحياة خارج سيطرة الدولة، قدرة التجمع والحوار براحة، كانوا يرغبون بحياة مكونة من الصدق البسيط، متحررة من التلقين الأيديولوجي البدائي والنفاق المتشائم السائد. باختصار، كانت المثاليات الملتبسة التي قادت المتظاهرين نابعة من الايديولوجيا الاشتراكية بحد ذاتها. وكما قد تعلمنا من فرويد، ما يتم كتمه يعود حتما وبشكل مشوه -في حالتنا -، ما كان مكتوماً من المخيلة المعارضة عاد بلباس شعبوي يميني.

في تفسيره لشيوعية أوروبا الشرقية، برز يورغن هابرماس كنموذج مثالي للفوكويامي اليساري، متقبلاً بصمت أن النظام الليبرالي -الديمقراطي الموجود هو أفضل ما يمكن أن يكون، وحيث أن علينا المحاولة في جعله أكثر عدالة، إلا أنه لا يجوز لنا تحدي افتراضاته الأساسية. ولذلك هو رحب تحديداً بما وجدها الكثير من اليساريين الثغرة الكبيرة في المظاهرات ضد الشيوعية في أوروبا الشرقية: وهو أن تلك المظاهرات لم تحركها أي رؤى لمستقبل ما بعد الشيوعية، فالثورات في أوروبا الشرقية ووسط أوروبا لم تكن سوى ثورات “تصحيحية” أو “متابعة”؛ كان هدفها تمكين المجتمعات الأوروبية الوسطى والشرقية من نيل ما كان يتمتع به الأوروبيون الغربيون، أي ببساطة: إعادة الاندماج في النموذج “المثالي” الأوروبي.

إلا أن احتجاجات السترات الصفراء بالتأكيد ليست حركات معارضة “لقيطة”. وهنا نجد مفارقةً يجب علينا مواجهتها: إنّ الإحباط الشعبوي إزاء الديمقراطية الليبرالية هو الدليل على أن سنة ١٩٩٠ لم تكن مجرد فلتة ثورية، وأنها كانت تهدف إلى ما هو أكبر من تحقيق الاعتدال الليبرالي-الرأسمالي. فرويد، كان قد تحدث عن مفهوم “الاضطراب الثقافي”، أي القلق/الانزعاج في الثقافة؛ اليوم وبعد ثلاثين سنة من سقوط جدار برلين، فإنّ موجة التظاهرات المستجدّة والمستمرّة تشهد على نوع من الاضطراب في الرأسمالية الليبرالية، وهي تفتح الباب على سؤال بات ضروريًّا: من الذي سيعبّر عن هذا القلق؟ هل سيترك للقوميّين الشعبويين ليستغلّوه؟ هنا تنطوي مهمة اليسار الكبرى.

ما العمل؟ في آخر مشهد من فيلم (V for Vendetta)، يسير الآلاف من اللندنيين غير مسلحين، ملثمين بأقنعة “غاي فوكس” نحو مجلس النواب؛ وبدون توجيه، يسمح الجيش للجمهور أن يصل الى المجلس وأن يستولي الناس على الحكم. بالفعل، لحظة لطيفة مليئة بالشغف، ولكنني على استعداد لبيع أمّي في سوق النخاسة في مقابل مشاهدة الجزء الثاني من الفيلم: ماذا كان ليحدث في اليوم التالي بعد انتصار الشعب؟ كيف سينظمون حياتهم اليومية؟ باختصار، انا لست منبهراً بمئات الألاف من المتجمعين في ميدان كبير في أثينا أو اسطنبول أو غيرهما. ما يهمني هو اليوم التالي، بعد انتهاء الشغف والبهجة، عند عودة الأمور الى طبيعتها اليومية: كيف ستنعكس تجربة التغيير لدى عامة الشعب؟

يحاول توماس بيكيتي معالجة هذا السؤال. في كتابه “رأس المال والإيديولوجية”، يطرح ديمقراطية اجتماعية متجذرة. يصدق بيكاتي القول بأن الايديولوجيا تلعب دوراً فاصلاً اليوم، في عصر يتباهى بأنه تجاوز الايديولوجيا. ولكن تركيزه على الايديولوجيا يصل لدرجة السذاجة -فهو يفهمها بمعناها الحرفي: كان بإمكان اليسار أن يتقدم في تطبيق مشروع الدولة الديمقراطية الاجتماعية، إلا أنه قد أضاع تلك الفرصة منذ السبعينات بسبب العميان الايديولوجي. طرح بيكتي هو إعادة تجذير لدولة الرفاهية -ليس بالضرورة تأميم جميع الثروات على نمط شيوعية الاتحاد السوفييتي، بل الحفاظ على الرأسمالية مع إعادة توزيع الممتلكات بمنح كل فرد راشد مبلغًا محدّدًا مع إتمامه الخامسة والعشرين من العمر.

ضرائب الدخل التصاعدية التي يطرحها قد تمكن الحكومات من منح الجميع دخل أساسي يساوي ٦٠٪ من متوسط الأجر في الدول الثرية ويغطي تكلفة تحويل الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد لا-كربوني. إضافة الى ذلك، يحق للموظفين نصف المقاعد في مجالس إدارة الشركات، مع وضع سقف ١٠٪ لقوة اقتراع أصحاب الأسهم من أصغرهم لأكبرهم، إلى جانب ضريبة كربون فردية تحسب ببطاقة شخصية لتسجيل مساهمة كل فرد في احتباس الحرارة. ولكن ماذا لو رفض الأثرياء دفع هذه النسب من الضرائب وقرروا الهجرة؟ يقترح بيكتي ضريبة سفر ونظام عدل عالمي يجعل من المستحيل الهروب من الضرائب في أي بلد. وفي هذا الصدد يتخيل مجلس نواب عالمي مكون من أعضاء منتدبين من السلطات التشريعية في كل بلد.

يُمثّل الحوار الغني والمطوّل بين بيكيتي وآلان باديو مأزق اليسار الراديكالي اليوم بأفضل شكل. رؤية باديو هي رؤية بروليتاريا رحّالة – مهاجرة، تصبح قوة ثورية عالمية عابرة لحدود الدول الوطنية والديمقراطية النيابية، تلغي الرأسمالية، وتفرض علينا تجاوز مفهوم الديمقراطية كما نعرفها، والتوجه نحو أمميّة ثورية جديدة. أطروحة بيكاتي لا تقلّ مثالية، مع أنّها تقدم نفسها على أنها عمليّة تبحث في الحلّ ضمن إطار الرأسمالية والمسارات الديمقراطية.

هناك حلم ثالث، وهو حلم الديمقراطية المحلية المنتعشة، وهو قد يكون الطرح الأسوأ في نظري. ليست بمفاجأة أن ممارسات اليوم من “الديمقراطية المباشرة”، من الفافيلات (عشوائيات سكنية شعبية بضواحي مدن البرازيل) وصولاً إلى الثقافة الرقمية الما بعد صناعية تعتمد على جهاز دولة -وكذلك بقاؤها يعتمد على نسيج مكثف من آليات مؤسساتية متناثرة: فمن أين تأتي الكهرباء والماء؟ من يضمن سلطة القانون؟ لمن نلجأ من أجل الرعاية الصحية؟ عندما يزداد الحكم الذاتي لدى أيّ مجتمع، تحتاج هذه الشبكة لأداء أكثر سلاسة وخفاءً. فربما علينا تغيير هدف النضالات التحررية من التغلب على العزلة والتغريب لدى فئات كبرى من المجتمع الى فرض النوع الأصوب منها: كيف نستطيع تفعيل الآليات الاجتماعية الخفية المتغرّبة، بشكل سلس، والتي تحافظ على مساحة المجتمعات غير المتغربة؟ هذا ما يجذبني نحو فكرة دولة الرفاهية: ليس على مساعدة الفقراء بنفسي، حيث تقوم الدولة بهذه الوظيفة من أجلي حتى لا أضطر إلى مواجهة المهمشين والمحرومين. 

هذه خطورة العملية التي بدأت مع مارغاريت تاتشر -تذكروا قولها الشهير بأنه لا يوجد مجتمع بل ثمة فقط أفراد يسعون ويعملون، متحملين كامل المسؤولية عن مصيرهم. هذا يدخل نوعاً من النقيض المزيف للتغريب عن الواقع، استعادة زائفة لشخصنة العلاقات الاجتماعية، حيث يجب أن يكون هدف المساعدات تمكينهم من استعادة هذه المسؤولية. فلم تعد الدولة المجردة هي من تغطي التكاليف، بل أنا والاخرين من الكادحين، حيث يصبح من يتلقى المساعدات أيضاً ذو شخصية ووجه، أحياناً كسول وشرير، مستغل لكرمنا. وهل الأمر، ببعض جوانبه، ليس كذلك؟ بلى، لأن النظام المجهول المغرّب الذي ينظم حياتنا ليس وهمًا بل حقيقة وواقع. في مثل هذا الكون، تصبح كل عملية شخصنة (مثل التي طرحتها تاتشر)، كذبة إيديولوجية.

لنعود لسؤال البدء، لماذا لا أزال متمسكا بالاسم اللعين للشيوعية، مع كامل إدراكي أن مشروع الشيوعية في القرن العشرين قد فشل، مولّدًا شكلًا جديدًا من الرعب القاتل؟ دعوني أنطلق مشيرًا إلى أننا نعيش في عصر منخور بالآفاق المروعة -ثمة مضاعفات للمخاوف الكارثية، تناقض حقيقي مع نبوءة القيامة. مع تحفظي في الحديث عن التحديات الكارثية، حيث أنني على وعي بمدى تعقيد وغموض هذا المجال -ولكن ثمة فقط خط رفيع يفصل ما بين إدراكنا الدقيق للمخاطر الحقيقية المحدقة وبين السيناريوهات الخيالية عن كارثة كونية في انتظارنا آخر الزمان. ثمة نوع خاص من الاستمتاع بمعاصرة آخر الزمان، في انتظار كارثة ما. والمفارقة هي أن مثل هذا الهوس بالكارثة القادمة هو تحديدًا شكل من أشكال التهرب من مواجهتها بجديّة. أتبنّى اسم الشيوعية ليس لأنها حلٌّ لمشاكلنا، بل لأنّه العنوان الأفضل الذي لا يزال يسمح لنا بتحديد المشاكل التي نواجهها اليوم.


هل العروبة رابطة قومية أم هوية حضارية عمادها الإرادة الموحدة والمصير المشترك؟

حبيب حداد

تفاقمت مخاطر أزمة المجتمعات العربية، منذ مطلع هذا القرن، وبخاصة في البلدان التي شهدت انتفاضات التغيير الشعبية فيما سمي بالربيع العربي وتحول بعضها الى حروب أهلية مدمرة. وقد كان أخطر مظاهر هذه الأزمة، كما هو ماثل الآن، ما تعلق منها بصراع الهوية وصيانة مقومات الوجود والوحدة الوطنية، الذي يمثل بلا ريب في أبعاده وبكل ما يترتب عليه، معركة استعادة الذات للشعوب العربية واستعادة طاقاتها وقدراتها المعطلة، من أجل تجاوز حالة التخلف والتشرذم وكبح عوامل الإعاقة والارتداد، على طريق التقدم والتحضر ومواكبة مسار العصر. 

فإلى أي مدى كان يخطر في بال أجيالنا السابقة والحالية وكل نخب الأمة الفكرية والسياسية والثورية والإصلاحية أنّه سياتي مثل هذا الزمن الصعب الذي نعيشه الآن حيث يتعرض فيه العديد من أقطارها الى مخاطر الانقسام والتفتت، والذي يشهد تنازع أطراف وتيارات شتى من كل قوى ومكونات الأمة حول حقيقة هويتها، وحول أهمية امتلاكها لوعي عقلاني تاريخي لماضيها وحاضرها، ولرؤية سديدة وإرادة موحّدة لصنع المستقبل المنشود؟

من وجهة نظرنا، هناك عاملان اثنان يفسران إلى حد ما هذا الوضع المأزوم الذي وصلنا إليه والذي يندر أن تواجهه شعوب اخرى في عالم الْيَوْمَ: أولهما أنّ البلدان العربية منذ أن أحرزت استقلالها الوطني، بإنهاء الوجود الاستعماري المباشر، قد أخفقت حتى يومنا هذا في بناء دول مدنية ديمقراطية حديثة، تكرّس مبدأ المواطنة الحرة المتساوية دون أي تميز أو تهميش أو إقصاء. 

وثانيهما هو عصر العولمة، هذا الذي تعيشه البشرية منذ ثلاثة عقود من الزمن، عصر العولمة بكل ايجابياته وسلبياته وبكل تأثيراته المباشرة وغير المباشرة على مختلف الدول والمجتمعات. فإلى جانب عملية الترابط المالي والاقتصادي والتكنولوجي والسياسي، وإلى حد ما الثقافي، التي وحدت قارات كوكبنا الأرضي، والتي كانت في حصيلتها، وكما كان منتظراً، لصالح الدول الأكثر تطوراً، كان هناك في الوقت نفسه انتعاش وازدهار للقيم المتعلقة بحقوق الإنسان- الفرد -المواطن وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحقوق المكونات والجماعات القومية والثقافية والدينية.

كما تناولت بعض الاتجاهات الفكرية التي ترافقت مع العولمة، مسألة الحدود والموازنة بين الحرية الفردية والمصلحة العامة وجوهر الحقوق والواجبات التي تربط ما بين المواطن ومجتمعه، والتي اعتبرت امتدادا لأفكار وقيم تلك المرحلة التي سميت مرحلة ما بعد الحداثة. وكانت نتيجة ذلك أن هذه الاتجاهات الانسانية الخيرة في مراميها وغاياتها طرحت على مجتمعات متخلفة مثل مجتمعاتنا العربية، مجتمعات غير مهيأة بعد للتفاعل السليم معها، لأنّها لم تبلغ في تطورها المستوى الذي يوفر لها المناعة والوحدة الوطنية والمجتمعية المطلوبتين لمواجهة مثل هذه التحديات، الأمر الذي أدى لأن تكون نتائج تفاعل هذه المجتمعات معها سلبية في معظم الحالات.

لقد تبلورت العروبة بوصفها هوية مميزة لشخصية هذه الأمة، بكل مكوناتها القومية والإثنية والثقافية والدينية، في خضم الكفاح التحرري منذ بدايات عصر النهضة أي منذ منتصف القرن التاسع عشر في مواجهة الاحتلالين العثماني والغربي والمشروع الصهيوني، وفي خضم معركة التحرر لتجاوز وضعية التخلف والتجزئة والتبعية، واللحاق بالعالم المتقدم استجابة للسؤال المركزي الذي طرحه رواد مرحلة التنوير والنهضة آنذاك، وهو لماذا تقدم الآخرون وتخلف العرب والمسلمون؟ 

وكانت الهوية العروبية منذ أن طرحت هوية علمانية حضارية جامعة لشعوب وكيانات هذه الأمة، دون أية هيمنة من مكون على أخر ودون أي إلغاء أو تهميش لدور أي قطر على حساب آخر، وذلك في مواجهة الدعوات والاتجاهات التي عملت على تطويق وعزل الكيانات القائمة كأنّما هي أمم نهائية قادرة بذاتها على الاستمرار والتقدم في عصر التحديات الكبرى.

إذ في مقابل ذلك وتأكيدا لحقائق التاريخ والجغرافيا ، وتجسيدا لإرادة المصير المشترك كانت العروبة على الدوام، وباستيعاب دروس الماضي القريب والبعيد، الحافز الموجه لكيانات هذه الأمة نحو المزيد من روابط التعاون والتنسيق صيانة لأمنها الجماعي والمزيد من الخطوات العملية نحو التكامل والتوحد وفق ايّة صيغة تجسّد إرادة شعوبها في عصر ينحو صوب التجمع في تكتلات وكيانات كبرى تخدم مصالحها المشتركة، هذا. بغض النظر عن طبيعة مواقف الانظمة الحاكمة ومدى استجابتها لإرادة شعوبها.

وعندما طرح رواد عصر النهضة قبل قرن ونصف من الزمن شعار الدين لله والوطن للجميع، تعبيراً عن المضمون العلماني الإنساني الحضاري لهوية هذه الأمة لم يكن يخطر في بالهم أن يأتي بعد هذا الزمن كله، معارضون سوريون حاليون لنظام القهر والاستبداد، وحلفاء متحمسون للتيارات الاصولية الجهادية، وبعض ممن ينسب نفسه لاتجاهات التقدم واليسار والعلمانية، ليعلنوا أن هذا الشعار يشكل تحدياً صارخاً لمقومات هوية الشعب السوري الدينية والقومية والإثنية، وليعتبر من وجهة نظر آخرين تجاوزًا وتنكرًا لهويته الدينية وتراثه الإسلامي الأصيل!

وإذا كانت مقومات الهوية وبالتالي ماهيتها، بالنسبة لأي شعب أو أمة، تغتني وتتجدّد باستمرار في مسار التطور الخاص بهذا الشعب والمسار التاريخي الإنساني الأشمل، أي أنها تكتسب عناصر ومقومات جديدة وتستغني وتتجاوز عناصر ومقومات عفا عليها الزمن، فإنّ المقومات المكونة لهوية العروبة وما تجسده من شخصية واحدة مميزة، وتخصيصا في نسختها السورية أو الشامية، قد تعاقبت وتكاملت عبر آلاف السنين.

إنّ الهوية الوطنية السورية، التي هي الْيَوْمَ سلاح السوريين لإنقاذ وطنهم من مخاطر الازمة المصيرية التي يعيشها، هي في ماهيتها وأبعادها التاريخية والمستقبلية جوهر الهوية العروبية الحضارية لشعبنا. فإذا تمّ قطع اواصر الوطنية السورية عن عمقها وجذورها التاريخية من جهة، وعن آفاقها وبعدها المصيري والحضاري العروبي من جهة ثانية، فكيف يمكن لنا أن نتصوّر أن تظل هوية جامعة وحية مجسدة لإرادة شعبنا السوري الواحد بكل مكوّناته وأطيافه؟ 

وإذا كانت هوية أيّة أمة من الامم أو أي شعب من الشعوب في عالمنا، لا تبنى وتتوطّد على أساس الوعي الموحد لماضي وتاريخ هذه الأمة وهذا الشعب، وعلى الرؤية الموحدة لصورة المستقبل، فكيف يمكن أن ينتصرا في معركة التحدي الحضاري ومواصلة عملية البناء والتقدم.

وإذا كان البعض يرى، فيما عرضناه، موقفاً توفيقياً، أي لا يتفق مع واقع التنوع والتعدد في فسيفساء مكونات مجتمعاتنا العربية ومنها مجتمعنا السوري، فإننا نود أن نؤكد حقائق التاريخ القريب والبعيد، وفي مقدمتها أن حركة القومية العربية، برغم ما شاب مسيرتها من بعض الاتجاهات والانحرافات الشوفينية والعصبوية المدمرة، التي لا تعبر عن جوهرها من قبل بعض الأحزاب والحركات القومية التقليدية ، كانت على الدوام حركة كفاح تحرري لشعوب مضطهدة ومقهورة ومجزأة، وكانت على الدوام جزءا من حركة التحرر الإنساني الأشمل الهادفة لممارسة الشعوب لحقها في تقرير مصيرها، وانتصار قيم الحق والعدل والسلام في عالمنا.

لقد كان الأمر الطبيعي أن يشهد الفكر السياسي العربي عمليات مراجعة وتجديد في ضوء النكسات والهزائم التي منيت بها حركة لتحرر العربية منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم، 

فالعروبة ليست هوية القومية العربية بمفهومها التقليدي، كما أنّ الأمّة العربية ليست أمة مكوّن واحد في نسيج أي من مجتمعاتها.

إنّ كيان الامة العربية يقوم ويتأسّس على مقومات مادية روحية في مقدمتها الأرض والثقافة والتاريخ والمصالح المشتركة والمصير الواحد. ومفهوم الأقلية والأكثرية على أساس عرقي أو إثني أو ديني غير وارد في الدول الديمقراطية الحديثة بل إنّ هذا المفهوم يرتبط بحجم التيارات والأحزاب السياسية، وهو وضع غير ثابت يتغير من حين لآخر بفعل الارادة الشعبية المعبر عنها عن طريق الاستفتاءات والانتخابات الدورية.

إنّ ما ينبغي توضيحه في عملية تجديد الفكر العربي ما يتعلق منه بضرورة التمييز بين رابطة القومية العربية والرابطة القومية لكل من المكونات القومية والثقافية الاخرى في مجتمعاتنا العربية من أمازيغ وكرد وآشوريين وكلدان وأرمن وتركمان وشيشان وشركس و… من جهة، وبين هوية العروبة الثقافية الحضارية الانسانية المعبرة عن المصير الواحد والمصلحة المشتركة لكل شعوب الأمة العربية بكل مكوناتها من جهة اخرى، فالعروبة من وجهة نظرنا لا تتطابق من حيث ماهيتها مع مفهوم وكينونة القومية العربية، والأمة العربية مثل بقية أمم العالم الاخرى لا يمكن قصرها في أن تكون أمة مكون قومي واحد من مكوناتها مهما بلغ حجمه بل هي أمة المجتمع بكامله وبكل مكوناته القومية، وهذا هو المفهوم المعاصر لكل أمة أي الدولة – الأمة، المفهوم النظري والواقعي الذي يفتح الأفق أمام كل أمة كي تنتقل من حيّز القوة والإمكان إلى حيّز الفعل والوجود عندما تنجح أجزائها وكياناتها المتعددة ببناء دولة المواطنة الحديثة التي تكرّس مبدأ المواطنة الحرة المتساوية في الحقوق والواجبات دون أي تمييز.

العروبة إذن ليست رابطة قومية لأحد مكونات الأمة، بل هي هوية جامعة ورسالة حضارية لشعوب وكيانات أمّة مجزّأة هي الأمة العربية، وهذه العروبة لا يمكن أن تكون في موقع التناقض والتضاد مع الهويات الوطنية القطرية، إذا كانت هذه الهويات تعبر عن إرادة شعوبها في تكوين دول مدنية ديمقراطية حديثة مواكبة للعصر، فهذا هو المسار السليم والموضوعي لتكامل مشروعات التنمية والتطور والتعاون المشترك، واستعادة بناء مقومات النظام الإقليمي العربي لمواجهة كل التحديات التي تواجهها الأمة. 

إنّ صراع الهويات، واشتداد نزعات وإعصار الروابط والعصبيات ما قبل الوطنية، الذي تشهده الآن معظم البلدان العربية، وفي مقدمتها سورية، وما يرافقه من حرب شعواء في دلالات المفاهيم والمصطلحات على صعيد النخب الفكرية والسياسية ليس إلا نذيراً صارخاً عن غياب المشروع الوطني الديمقراطي الواحد والجامع في كل منها، وهذا الغياب إن هو إلاّ تعبير عن أزمة الثقافة والوعي في مجتمعاتنا التي هي بدورها الجانب الأشد خطورة، والثمرة الاقسى مرارة في الأزمة الشاملة لتلك المجتمعات.


سلسلة مناضلات شيوعيات: سعاد إبراهيم أحمد

ولدت سعاد إبراهيم أحمد عام ١٩٣٥ في مدينة أم درمان بالسودان. 

أثناء دراستها في المرحلة الثانوية عام ١٩٤٩ كان لها نشاطات عديدة منها تحرير جريدة حائط باسم “الرائدة” حول حقوق المرأة، وكتبت في الصحافة السودانية تحت اسم مستعار، كما قادت أول إضراب نسائي بالسودان طالبت فيه بالحفاظ على مقررات المواد العلمية في تلك المدرسة، وعدم استبدالها بمادة التدبير المنزلي والخياطة، وكان إضراباً ناجحاً أدى إلى تراجع الناظرة في قرارها، وهنا بدأ الانخراط في النضال السياسي ضد الاستعمار.

عملت صحفية متفرغة ب “صوت المرأة”، كما كانت محاضرة بمعهد الدراسات الإضافية ومستشارة بهيئة اليونسكو.

وعرفت “سعاد” بمناصرتها لقضايا النساء في السودان فسميت ب “أم النوبيات”.

دخلت سعاد أحمد جامعة الخرطوم عام ١٩٥٥، وأنشأت جمعية التمثيل والموسيقى بالجامعة. وانتخبت نائبة لرئيس اتحاد جامعة الخرطوم في ١٩٥٦ – ١٩٥٧.

انضمت إلى الحزب الشيوعي في آذار/مارس ١٩٥٧، وناضلت بشدة ضد اتفاقية مياه النيل\ نوفمبر ١٩٥٩ والتي نص فيها على قيام السد العالي وترحيل أهالي حلفا. 

حرصت سعاد على المحافظة على استقلال الاتحاد النسائي من أي نفوذ حزبي أو سلطوي ولضمان تحويل المنظمة إلى منظمة جماهيرية واسعة القاعدة، واشتركت بقيادة اتحادها في المعركة ضد الأنظمة الدكتاتورية علناً وسرياً واشتركت في ثورة أكتوبر ١٩٦٤ التي أطاحت بالحكم الدكتاتوري وأصبح الاتحاد النسائي عضواً في جبهة الهيئات التي نظمت ثورة أكتوبر ونالت المرأة حق التصويت والترشيح، وفي انتخابات عام ١٩٦٥ انتخبت سعاد عضواً في البرلمان السوداني، ومن داخل البرلمان ركزت على المطالبة بحقوق المرأة.

تزوجت سعاد في أكتوبر من العام ١٩٦٤، من حامد الأنصاري وأنجبا ابنهما الوحيد “أحمد”.

دخلت سعاد أحمد اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني في تشرين الأول/أكتوبر ١٩٦٧، حيث كانت ضمن أربع نساء في اللّجنة المركزية التي تضم ٣٣ عضواً وما أن حل عام ١٩٦٩ حتى نالت المرأة السودانية حق الاشتراك في كل مجالات العمل بما فيها القوات المسلحة وجهاز الشرطة والتجارة والقضاء، إلى جانب المساواة في فرص التأهيل والتدريب والترقية، والحق في الأجر المتساوي للعمل المتساوي، وحق الدخول في الخدمة المعاشية، والحق في عطلة الولادة مدفوعة الأجر، وإلغاء قانون المشاهرة (عقد العمل الشهري المؤقت)، وإلغاء قانون بيت الطاعة.

اعتقلت سعاد أحمد لسنتين ونصف في زمن النميري بعد محاولة انقلاب ١٩-٢٢ يوليو ١٩٧١.

اضطرت سعاد لمغادرة السودان عام ١٩٩٠ وواصلت نضالها في المهجر بتنظيم الندوات والتظاهرات وترتيب قافلات السلام لجنوب السودان وغيره، وفي عام ٢٠٠٥ رجعت سعاد إبراهيم من المنفى وأصبحت عضواً في البرلمان.

تعتبر سعاد أحمد، مناضلة شجاعة من أجل حقوق المرأة، ومن الرائدات في تاريخ الحركة النسائية وقد لعبت دوراً كبيراً مع غيرها من الرائدات في تعبيد الطريق لمئات الآلاف من النساء السودانيات لينتزعن حقوقهن في التعليم والعمل، وقد تحملت السجون والاعتقالات والملاحقات المستمرة جراء موقفها في الدفاع عن حقوق أبناء النوبة وكافحت طوال عمرها ضد التهجير في النوبة وحلفا بسبب بناء السد العالي الذي جعل النيل يغمر مناطق واسعة شمال السودان.

ساهمت سعاد أحمد مع زميلاتها وزملائها بالحزب الشيوعي السوداني في تطوير نظرة الحزب لقضية المرأة، وتركيز اهتمام الحزب الشيوعي بقضية المرأة باعتبار أن تقدم وتحرر المرأة هو المقياس لتطور المجتمع، ويعتبر الحزب الشيوعي السوداني أول حزب سوداني يفرد مساحة في برنامجه لقضية المرأة ويطرح رؤية تقدمية لحلها.

توفيت سعاد أحمد في ٢٩ كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٣.


لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا