خواطر حول البرنامج الديمقراطي

(من أحد أعضاء الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي))

لا شك أن سورية تمر بأصعب وأقسى الازمات التي مرت فيها، من حيث حجم الخسائر البشرية والمادية، ومن حيث عمقها الزمني فهي أزمة شاملة تشمل كل ميادين العلاقات الاجتماعية السورية وارتباطها بالخارج الاقليمي والدولي.

سأتناول عدداً من الخواطر:

  • هل يمكن أمام سيادة العلاقات العشائرية والقبلية والطائفة ووجود بقايا علاقات إقطاعية بناء حكم ديمقراطي بدون المواجهة المباشرة معها، أي هل يمكن بناء حكم ديمقراطي في ظل غياب المؤسسات الديمقراطية وحرمان الأحزاب والنقابات من العمل الجماهيري المنظم والعلاقات ما قبل الوطنية؟.
  • هل هناك ضمانات لعدم عودة حكم استبدادي جديد بعد التسوية وخاصة بحكم طبيعة التسوية التي ستأتي بقوة دفع خارجي؟.
  • هل يسمح شكل الملكية في سورية بانتهاج نهج ديمقراطي في التشريع والعلاقات الاجتماعية أم أنه لا يسمح بتقليص ضعف تطور الرأسمالية في سورية؟.
  • هل يسمح حجم الرأسمال في بلادنا وتطور الملكية بتطوير الرأسمالية المحلية والاقتصاد الوطني باتجاه تصنيع الاقتصاد بكل جوانبه، ودعم التوجهات الإنتاجية في الاقتصاد حيث مازال هناك علاقات بضاعية صغيرة ومتوسطة تحاول مقاومة تطور الرأسمالية الكبيرة، وهل سيادة الرأسمالية الكبيرة يسمح بتطور سورية اقتصاديا وتشريعيا باتجاه احترام شرعة الامم المتحدة وتطبيقها، خاصة مع مصلحة الرأسمال الدولي بإعاقة نمو المجتمع الطبيعي ونشوء برجوازية كبيرة صناعية على وجه التحديد؟.
  • هل يسمح حجم الرأسمال المركز بأيدي الفئات البرجوازية السورية ،بمنع التدخلات الخارجية وازالة الهيمنة الخارجية على القرار السياسي والاقتصادي في بلادنا، والتوجه نحو حكم ديمقراطي مستقل بالقرار السياسي يعتمد الفصل بين السلطات ويوسع الحريات الديمقراطية؟.
  • هل يسمح كما أشرت أعلاه حجم الرأسمال السوري بإدارة موازين القوى باتجاه إنتاجي ينمي الطبقة العاملة عدديا ومعيشيا ويطور البلاد في المجال الديمقراطي والاقتصادي وينمي المجتمع المدني ويسيده في القرار السياسي والاقتصادي؟.
  • ما هي طبيعة الطبقة السياسية الحاكمة وماهي جذورها الطبقية السابقة وهل هي الحاكمة فعلاً أم هي عبارة عن طبقة تؤدي دور الوكيل، أي برجوازية وكيلة طفيلية مع بعض المنابع الإقطاعية والعشائرية، وما هي وظيفها في التقسيم الاجتماعي للعمل داخليا ودوليا وما هي مواردها الرئيسية التي تكدس منها رأسمالها؟.
  • معرفة الطرق لتحقيق البرنامج الديمقراطي ، مدى فائدة تحالفاتنا وهل ستؤدي لعزلة السلطة والضغط عليها لأخذ البلاد نحو التسوية وفق جنيف 1 والقرارات الدولية ذات الصلة أم تحركاتنا لا تتجاوز تحشيد قوى فقط دون تشكيل عامل ضغط داخلي معارض على الطبقة السياسية الحاكمة وحلفائها ، فالسياسة علم الممكن وإدارة موازين القوى فهل تحالفاتنا السياسية تسمح بتشكيل عامل ضغط سياسي معارض أم ستظل حبرا على ورق ونخبوية دون التأثير على مجمل ميزان القوى الداخلي المؤلف سياسيا من السلطة وحلفائها والمعارضة المسلحة وحلفائها والقوى الديمقراطية السلمية المعارضة والشخصيات المعارضة المستقلة والفئات المترددة والمنظمات العابرة للحدود وحلفائها، فتحالفاتنا يجب أخذها إذا أردنا تحقيق مبتغانا لتشكيل عامل ضغط سياسي وليس فقط تحشيد قوى داخلي ونخبوي والعمل عل كسب الفئات المترددة والوسطى نحو البرنامج الديمقراطي من خلال تضمين مصالحها في البرنامج الديمقراطي نفسه.
  • من الضروري معرفة المواقف الفعلية للقوى الخارجية وحلفائها الداخليين بالدرجة الأولى المحركة للوضع الداخلي وأهدافها ومصالحها واستغلال حالة المنافسة والصراع بين القوى الخارجية على سورية لفرض أمر واقع على ميزان القوى الداخلي باتجاه حل تسووي للأزمة السورية وفرض السلام بما يضمن مصالح تنمية المجتمع السوري وتحديث بناه ومؤسساته ودمقرطتها وفق بيان جنيف 1 والقرارات الدولية ذات الصلة.
  • في حال وقَّع كل من السلطة والمعارضة الممثلة بهيئة التفاوض كيف السبيل للئم الجروح واستعادت الرابطة الوطنية بين ابناء الشعب الواحد والابتعاد عن نزعات الثأر والاحقاد ، لا شك التسوية طريقها طويل فهي تحتاج لتفتح الذات على الآخر بشعور وطني جامع يؤخذ مصالح تطوير البلاد من كل النواحي ورأب الصدع وترميم الشقوق وهذا عمل ليس باليسير لكن اخيراً المصالحة الوطنية والاعتراف بالذنب والاعتراف بأحقية الآخر في العيش عيشة كريمة في بلاده الممثلة بالتسوية السياسية هي الطريق الأصوب لحل الأزمة الوطنية التي نعيشها وذاق مرارها كل فرد من ابناء الشعب السوري بكل طبقاته وشرائحه المختلفة بطريقة او  بأخرى ، بالنهاية وجود مستقبل مشرق يغدو ابناء الشعب الواحد متساويين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الثروة والقومية والانتماء المذهبي كفيل باجتراح الاحقاد من النفوس واخفات صوت الثأر والدمار.

كل هذه الأطروحات والتساؤلات تنتظر التوصل لثالوث البرنامج والرؤية للمرحلة الحالية ومستقبلها والمطالب والإجابة وذلك يتم من خلال البحث الجاد والمسؤول لمعرفة في أي اتجاه ستذهب رياح بلادنا فهل هناك مستقبل لتسوية سورية سورية ام تسوية بضوء أخضر خارجي وما هو سبب فقدان الخطاب السياسي الواعي لمصالح بلادنا ( من قبل غالبية المعارضة)، هذه التساؤلات أقترحها كنقطة ابتداء لعمل بحث مطول حول مستقبل البلاد وطموحات السوريين وإمكانية تحقيقها في ظل موازين قوى طبقية غير متكافئة وطبقة عاملة ضعيفة عدديا وفكريا ومعدومة تنظيميا .

تجربة البلدان التي دخلت بأزمات خانقة وصراعات حادة تسمح بوجود بصيص أمل في حصول سلام داخلي لكنه وفق أي اتجاه وعلى أي ركيزة ولمصلحة من؟! وهل يلبي مصالح الاقتصاد السوري وطبقته العاملة وشرائحه المختلفة أم سيبقى اقتصاد استهلاكي يؤدي دور الوكيل وتابع ومتخلف في ظل التقسيم الدولي للعمل ينتج الفقر والعوز والحرمان والاستبداد الداخلي في ظل المجتمع او الأسرة وسيادة الاستبداد باتجاه المرأة وحرمانها من الحريات الفردية وحرمان الطفل من حقوقه المشروعة والمكفولة وحرمان الشباب من حق العمل وحرمان الطبقة العاملة من تنظيمها النقابي المستقل وغيرها من القضايا التي يجب على كل القوى السياسية البحث فيها والعمل على معالجتها.

من العدد ٤٠ من جريدة المسار