الليبرالية العارية

كاظم محمد تقي

عزمي بشارة (المفكر العربي) كما قدمته محطة الجزيرة القطرية قبل سنوات كمنظر ومحلل وموجه (للربيع العربي) و (للثورة السورية) خاصة. ظهر علينا مؤخراً مغرداً على تويتر حيث كتب ”أنجزت الانتفاضتان الشعبيتان في العراق ولبنان نشوء مواجهة بين ثقافتين سياسيتين رئيسيتين واحدة مواطنية مدنية والثانية طائفية سياسية، بعد أن كانت البدائل المطروحة في لبنان طائفيات سياسية فقط. كانت الفكرة المدنية المواطنية هامشية وأصبحت بديلا مطروحا. هذا الإنجاز تحقق ولا يمكن انكاره”.

لا اعتقد ان حراكنا الشعبي المنتفض، بحاجة لتنظير السيد عزمي بشارة وتنضيدهُ للمفردات لتكون علامة لمصطلحات ومفاهيم جديدة متداولة باسمه٫ إن هذه الشخصية المثيرة للجدل والذي عرف عنه منظراً (ماركسياً) ومحللاً (ماركسياً) وموجهاً فكرياً وسياسياً وحتى عسكرياً من غرفة قيادة الأركان في محطة الجزيرة القطرية، وخاصة دوره البشع في تزويق وتجميل أنظمة الخليج في دعمها (للثورة السورية) وتنظيره المتعب لاضفاء صفة الثوار للإرهابيين الوافدين لسوريا من كل بقاع ا​​لعالم، وكيف أن الحراك (المدني) يجب أن يتحول في صيرورته إلى حمل السلاح وعسكرة حراكه واسقاط الانظمة.

ومن جهة اخرى اجهد السيد عزمي ذهنه وعقله كثيرا في تبرير ليبرالية بعض الشيوعيين سابقا وتبرير العهر السياسي الذي مارسوه وانتقالهم الفكري والسياسي ووقوعهم في الحضن السعودي والامريكي الصهيوني، وقد اجهد نفسه كثيرا في التطبيل والتأطير لمصطلحات الليبرالية الجديدة والبسها الثوب العربي، واليوم يغرد من جديد وبوضع مشابه لما قبل اكثر من ثمانية سنوات مصراً على استخدام المصطلحات الليبرالية الغربية ، حول (المواطنية المدنية) كثقافة في مواجهة ثقافة الطائفية السياسية، في الوقت الذي يتناسى ان هذه الطائفيات السياسية هي نتاج فكري ثقافي سياسي استعماري خدمت وتخدم في المقام الأول الدول الاستعمارية وسياساتها في التدخل والهيمنة.

ان شعوبنا تناضل من اجل التحرر الوطني والاستقلال الفعلي والسيادة لتستطيع ان تبني الدولة الوطنية بمؤسساتها الدستورية والتي في ظلها تزدهر المواطنة التي يضمنها دستور وطني وليس (مدني) حيث الفرق شاسع بين المفهومين، وفي ظلهُ تزدهر وتتكرس المواطنة الوطنية وليس (المدنية) التي اشتقت منها ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني والتابعة لمنظمات التمويل الأجنبي والمرتبطة بسياسات بلدان الغرب الاستعماري.

ان الدولة الوطنية السيادية القادرة على وضع أساس قانوني عصري تتشكل ابوابه الأساسية في دستور الدولة الوطني، والذي ينظم ويكرس قانونياً ماهية الدولة ونظامها السياسي ومؤسساتها ويحفظ قدسية المواطنة ويعزز وطنيتها ويشرعن حرية الرأي والفكر والتعبير ويعزز القيم المجتمعية النبيلة ويكرس ثقافة المسؤولية الفردية والجماعية.

في ظل دولة المواطنة الوطنية هذه تنمو وتتعزز روح الانتماء، حيث تنضج معها الهوية الوطنية والتي بدورها تستطيع مواجهة المعيق الخارجي وتدخلاته، وتحصن الوطن ضد الطائفيات والاستبداد والانظمة السياسية التي بناها المستعمر وفق دساتير ملغومة كما في العراق ولبنان. 

ان المواجهة الحالية في العراق ولبنان هي مواجهة بين مشاريع استعمارية امبريالية رجعية أنتجت أنظمة سياسية مشوهة ذات طابع طائفي وعرقي وحولت شعوبنا الى مكونات تتقاسم وتتحاصص نخبها واحزابها السلطة والنفوذ، مع التهديد المستمر في التفكيك والانفصال، وبين مشاريع وطنية لم تتبلور صيغها النهائية بعد، تحمل راياتها الجماهير المنتفضة بحراكها الشعبي، والذي تجاوزت به الأحزاب التقليدية وأحزاب الإسلام السياسي، حيث ان هذا الحراك الشعبي المنتفض يعبر عن إرادات وطنية بمضمون اجتماعي يساري يرفض الاستمرار في ظل الهيمنة والاحتلال والنظم الرجعية.

وإذ يعتبر عزمي بشارة ان السيادة الوطنية والاستقلال عبارة عن (غلاف أيديولوجي جديد، وهو تعبير عن الاستبداد الذي يُصدر من روسيا والصين …) وهذا ما جاء نصاً في محاضرته في معهد الدوحة للدراسات العليا في ٢/١١/٢٠١٩ حول الشعبوية بين الشرق والغرب، والتي حضرها عدد من الكتاب والباحثين الغربيين والعرب. في ذات الوقت وفي مقابلة تلفزيونية مع قناة العربي من قطر بتاريخ ١٣/١/٢٠٢٠، انكر على شعوبنا حق المقاومة، فهو وغيره من دعاة الاندماج في المشروع الليبرالي العالمي عبر عن استخفافه واستهزائه بالمقاومة ضد المشروع الصهيوامريكي، حيث أكد تحوله وانتقاله الى الضفة الاخرى عبر الانسجام الكامل مع طبيعة الخطاب الليبرالي المتصهين.

هنا يلتقي عزمي بشارة مع مفهوم العولمة الامبريالية ويتبناه بالكامل والتي تبغي فتح الحدود السياسية والاقتصادية والجغرافية للبلدان أمام الشركات والكارتلات الاحتكارية وجعل دولنا ذو دورة وظيفية محددة تلبي مصالح هذه الاحتكارات الرأسمالية، وحيث يتوسم عزمي وغيره من المتلبرلين الجدد في عالمنا العربي اللذين يتوسمون خيراً وفيراً في انفتاح اسواقنا وجعل (ديمقراطيتنا) غربية بمقاساتها السياسية والاجتماعية، ويتوسمون خيراً وفيراً في انغماس مجتمعاتنا راضية مرضية في عالم الاحلام، عالم الحريات الفردية والانخراط الكلي في بحار السوق المدهشة وهذا يعني بالنسبة لهم حداثة وعصرنة وانطلاق في العولمة، وهم يعتقدون ان الحديث عن المحلية والوطنية والسيادة والخصوصية أمور تعقد طريق التطور وتعني العزلة والانطواء والتكلس المتخلف. 

لقد قفز الليبراليون الجدد على النزعات التقدمية التي اعتبرت وقتها ثورية ايضا لدى الليبراليون التقليديون الذين تمتد بهم الجذور الى الطروحات النوعية للمفكرين من أمثال آدم سمث وريكاردو ومونتسكيو بروح قوانينه وجان جاك روسو في عقده الاجتماعي وغيرهم، وحتى في عالمنا العربي كان التقليديون من الليبراليين الوطنيين أصحاب رسالة في اطلاق العنان للتنمية بكل اشكالها وعلى أسس حرية العمل والاستثمار والملكية، وتكامل القطاعات الخاصة والعامة والمختلطة، دون وصاية الدولة البيروقراطية بل كانت تدعو الدولة الى تنظيم قوانين تجارة وكمارك توفر الحماية المطلوبة للرأسمال الوطني وأصحابه الرأسماليين المحليين من احتكارات الرأسمال الاجنبي، مع دعواتها للانفتاح الاجتماعي والتحرر السياسي وبناء نسق ثقافي يشيع ثقافة التعايش السلمي بين الأضداد و كانت أكثر القوى الرافضة لعسكرة الدولة والسلطة ودخول الجيش ميدان الحكم.

لقد أصبحت الوقاحة الليبرالية المقرونة بانتهازية مقيتة جزء من السلوك السياسي والفكري للمرتدين من مدعي الشيوعية والماركسية سابقا والذين باعوا كل شيء، حتى الأوطان.

من العدد ٣٧ من جريدة المسار

نشرة كنعان الإلكترونية