تركيا وعملية 9 تشرين الأول 2019

صحيفة “اللوموند”

ترجمة هيئة التحرير

في التاسع من تشرين الأول الجاري بدأت تركيا عمليتها العسكرية الثالثة (نبع السلام) في منطقة شرق الفرات شمالي سورية، بهدف إقامة منطقة آمنة على حدودها الجنوبية، داخل الأراضي السورية بعمق 30 كيلو متر، وإبعاد (وحدات حماية الشعب) الكردية. وقد قوبلت هذه العملية بمعارضة شديدة من قبل حلفاء تركيا في حلف الناتو، ودول عربية، في مقابل تفهم مشروط لمخاوف تركيا من قبل روسيا وإيران.

وقد تمكنت تركيا من توقيع اتفاقين; مع الولايات المتحدة الأمريكية (17 تشرين الأول 2019)، وروسيا (22 تشرين الأول 2019)، كل على حدة، تضمن لها إبعاد الوحدات الكردية عن حدودها، وسحب أسلحتها، وإقامة منطقة آمنة، لا تزال تواجهها تحديات التطبيق وربما التفسير.

يبحث تقدير الموقف ديناميكيات عملية نبع السَلام، وقياس مدى تحقيق أهدافها، والنظر في مستقبل منطقة شرق الفرات بعد الاتفاقين الأمريكي-التركي من جهة والروسي-التركي من جهة ثانية.

السياقات:

بعد أن يئست أنقرة من حصول توافق دولي (أوروبي) لإقامة منطقة آمنة على حدودها مع سوريا، ورغم تهديدات أمريكية بفرض عقوبات عليها في حال أقدمت على عمل عسكري ضد حلفائها الأكراد، اتخذت تركيا قراراً جريئا وأطلقت عمليتها العسكرية تحت اسم عملية (نبع السلام)، بهدف إقامة المنطقة الآمنة بعمق 30 كم على طول الحدود التركية السورية.

تَعتبر تركيا (وحدات حماية الشعب) الكردية أحد فروع (حزب العمال الكردستاني)، المصنف كَكيان إرهابي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وأعضاء حلف الناتو، والذي يحارب الحكومة التركية منذ عقود، ولطالما رفضت تركيا دعم الولايات المتحدة الأمريكية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية الغالبية فيها.

ترى تركيا في سيطرة الوحدات الكردية (الإدارة الذاتية) على شمال شرق سوريا كياناً مهدداً في وحدة أراضيها، وتبدو تركيا هذه المرة مصممة على استكمال ما بدأته في عمليتي غصن الزيتون ودرع الفرات، وتحقيق أهدافها في إقامة منطقة آمنة رغم الضغوط الدولية الشديدة، حيث تعتمد تركيا على النهج العسكري والدبلوماسي، وقد حققت اختراقاً كبيراً، سواء على مستوى الحضور على الأرض أو على الصعيد الدبلوماسي.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرر سحب قوات بلاده المنتشرة في شمال شرق سوريا، في ظل معارضة كثير من أعضاء الكونغرس والمطالبة بإلغاء قرار الانسحاب. وقد قاومت تركيا العقوبات الأمريكية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترام، الذي أعلن استعداده لتدمير اقتصاد تركيا، لكنه عاد وأرسل نائبه، مايك بنس، إلى تركيا وبرفقته وزير خارجيته، بومبيو، من أجل التفاوض والضغط على أنقرة لوقف العمليات العسكرية في شمال شرق سوريا، وقد تمكنا من التوصل إلى اتفاقية مرضية للطرفين.

الدوافع التركية:

استبقت أنقرة أي تفسيرات أخرى لأهداف عمليتها العسكرية بنشر حدود العملية وأهدافها الأمنية والسياسية وحتى الإنسانية، والتي ترى تركيا رغم (المعارضة الدولية الشديدة) أن لا أحد يستطيع نقدها بخصوصها; لكونها تستند إلى معاهدات وقوانين دولية; من اتفاقية أضنة، وصولاً إلى تصنيف الأمم المتحدة لفصائل تركية على أنها جماعات إرهابية.

لدى تركيا دوافع جوهرية في إقامة المنطقة الآمنة شمال شرق سوريا، تتمثل في إفشال إقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية يشكل مصدر تهديد سياسي وعسكري، وحتى لا يكون ملهماً للانفصاليين فيها، إضافة إلى أن الدعم الغربي للوحدات الكردية تجاوز محاربة تنظيم داعش وتحول إلى تهديد لأمنها القومي. وتهدف تركيا أيضا إلى إعادة ما بين مليون ومليوني لاجئ فيها إلى المنطقة الآمنة، كما أن للحكومة التركية أهدافاً داخلية تتمثل في تعزيز حضورها الشعبي، من خلال التقليل من أعداد اللاجئين فيها، والحد من التهديدات الأمنية.

وفي محاولة لإزالة المخاوف من العملية العسكرية، أورد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في خطابه أمام البرلمان التركي في (16 من تشرين الأول) الجاري، نقاطاً رئيسية في عملية نبع السلام، ومن ضمنها: أن تركيا في سوريا لا تستهدف الأكراد أو العرب، وتحترم سيادة ووحدة سوريا، ولا تهدف إلى احتلال المنطقة، بل إلى تأمينها من الإرهاب، وليست ضد الشعب السوري، وإنما هي ضد الظالمين، ولا تتفاوض مع الإرهابيين ولا تبحث عن وسطاء.

موقف قوات سوريا الديمقراطية:

أٌصيبت قيادات الوحدات الكردية (قوات سوريا الديمقراطية), التي تسيطر على شرق الفرات, بصدمة من سحب القوات الأمريكية وموقف الولايات المتحدة الأمريكية من العملية التركية, بعد الدعم الكبير الذي تلقته خلال السنوات الماضية, واعتقادها بتأسيس نواة دولة لها, وهو ما دفعها إلى عقد اتفاق مع النظام السوري, برعاية روسيا, لنشر قواته على الحدود التركية, وقال مظلوم كوباني القائد العسكري لقوات سوريا الديمقراطية, إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يعترض على اتفاق أبرمته القوات التي يقودها الأكراد مع الحكومة السورية لحماية سوريا من الهجوم التركي .

الموقف الإيراني:

الموقف الإيراني بدا حائراً بين رغبته في إخراج القوات الأمريكية من شمال وشرق سوريا من خلال التدخل التركي العسكري، وبين الخشية من توسيع تركيا لنفوذها العسكري والسياسي على حساب استراتيجياتها في سوريا، ووجدت إيران ذاتها بعيدة عن اتفاق تركيا وروسيا حول سوريا. وبدت إيران، التي تعاني من عقوبات اقتصادية شديدة، حريصة على المواءمة بين علاقتها مع تركيا ومصالحها مع الحكومة السورية.

وقد تباينت المواقف الإيرانية في حدة تعليقها على عملية نبع السلام التركية، وهو ما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الطلب من نظيره الإيراني إسكات الأصوات الإيرانية المنددة بالعملية. وكان المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، قال إن بلاده تدرك قلق تركيا بشأن تأمين حدودها الجنوبية، لكنها لا ترى أن العمليات العسكرية هي الحل، معربا عن قلق بلاده بشأن أمن الأكراد في شمال سوريا.

أما المواقف الأوروبية كانت شديدة تجاه العملية العسكرية التركية، حيث تصدرتها فرنسا وألمانيا وبريطانيا التي أدانت العملية, وحاولت إصدار قرار من مجلس الأمن يدين العملية التركية ويبحث في العقوبات التي يمكن أن تفرض على تركيا, وعلى الرغم من الإخفاق مرتين في أروقة مجلس الأمن, فقد دعت فرنسا التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب إلى عقد اجتماع, كما دعت ألمانيا إلى إقامة منطقة آمنة بحماية دولية, وهو مطلب قد يلتقي مع مطالب الوحدات الكردية في تقييد تحركات تركيا شمال سوريا, وقد تسببت المواقف الأوروبية في توتير علاقتها مع تركيا التي رأت أن المواقف الأوروبية كيدية وغير مؤثر في موقفها .

الدبلوماسية التركية:

سجلت الدبلوماسية التركية حضوراً فاعلاً في التهيئة للعملية وإدارتها والتعامل مع الانتقادات الدولية لها، وقد تمكنت من مقاومة الضغوط والعقوبات الغربية، وعقد اتفاقيات مهمة مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، تمكنها من تصديع علاقات الوحدات الكردية مع الدول الغربية وإبعادها عن أغلب حدودها، في حال تطبيق الاتفاقيات كما يرغب الأتراك، وقد أعادت هذه الاتفاقيات الأفضلية إلى تركيا في علاقتها الخارجية.

وسوف تشرف روسيا على إبعاد الوحدات الكردية عن الحدود التركية حتى عمق 30 كم، وتسيير دوريات مشتركة ابتداءً من (23 تشرين الأول 2019) بعمق 10 كم في مناطق شمال سوريا باستثناء القامشلي السورية، التي أبقيت خارج العملية لتفادي الاشتباكات مع قوات الحكومة السورية، وفقا لوزير الخارجية التركية تشاويش أوغلو.

ومن خلال بنود الاتفاق تبدو المطالب التركية قد تضمنتها، بأقل الكلف البشرية والمادية والزمنية، حيث تضمنت كلتا الاتفاقيتين مقتضيات حماية الأمن القومي التركي، من خلال المنطقة الآمنة، والتي حدد تطبيقها بين 120 ساعة بموجب الاتفاقية التركية الأمريكية، و150 ساعة بموجب الاتفاقية التركية الروسية، وبموجبها أوقفت تركيا عملية (نبع السلام) من أجل السماح بسحب وحدات حماية الشعب من المنطقة الآمنة.

من العدد ٣٥ من جريدة المسار