العدد الثاني والثلاثون من جريدة المسار – أيلول ٢٠١٩

  • الافتتاحية: قضايا ما زالت مطروحة أمام الفكر السياسي العربي.
  • محاولة في تحديد “السلفية” – محمد سيد رصاص.
  • عن النِّهايات – سمير سالم.
  • أمريكا لم تعد بحاجة إلى الشرق الأوسط – جورج سيه.
  • ملف حول الصين: إعداد وترجمة هيئة التحرير:
  • 1- الصين: سلطة وقوَّة هل الصين إمبراطورية؟ – مايكل كلاير.
  • 2- الصين في قلب العولمة – فيليب ريكيسويكز.
  • 3- الاقتصاد الصيني: تحول جذري – ريتشارد هيرد وشون دويرتي.
  • 4- الصين تثبت الدليل على مكانتها في وسط العالم – فرانسوا نيكولاس.
  • مقتطف من مقال “خمس أطروحات في الماركسية المعاصرة” – فريدريك جيمسون.
  • شخصيات ماركسية: المفكِّر الماركسي “سمير أمين”.

الافتتاحية:

قضايا ما زالت مطروحة أمام الفكر السياسي العربي

أظهرت بداية الألفية الثالثة، مع عودة الاحتلال عبر (بغداد)، أنَّ العرب لم يتجاوزوا مرحلة ” التحرُّر الوطني ” إلى مرحلة ” التَّحرُّر الاجتماعي”، بالترافق مع عدم إنجازهم، أو بالأحرى فشلهم، في إنجاز مهام ” التَّنمية والتَّحديث ” و” الاستقلال الاقتصادي ” للدخول في نادي الأمم المتقدمة.

الآن مازالت مهام المرحلة البرجوازية مطروحة بقوّة على جدول أعمال العرب، لأنًّ الليبراليين لم يستطيعوا إنجازها عبر برنامجهم الليبرالي، و كذلك القوميين من خلال برنامجهم المطلي بشعارات اشتراكية، حيث وصل العرب من خلال الأخيرين إلى شكل مشوَّه من العلاقات البرجوازية، الممزوجة بكثير من العلاقات البطريركية القديمة والمفاهيم الريفية، من دون أن يصلوا إلى الحداثة والتقدُّم العصري، لا بمعنى الجانب القانوني – الحقوقي – الدستوري ولا بمعنى استيعاب التقنية وانتاجها، ولا على صعيد الصناعة، ولا على صعيد تجاوز العلاقات الماقبل رأسمالية في المجتمع (عشائر – طوائف)، ولا بمعنى علاقات المرأة والرجل، ولا على صعيد بناء مواطنة تتحدَّد، كمفهوم، من خلال الوطن وليس من خلال شيء آخر (طائفة – دين – عشيرة – منطقة).

يكتسب البرنامج الديموقراطي، الذي طفى إلى سطح الحياة السياسية العربية في العقدين الاخيرين من القرن العشرين، قوَّته من فشل القوميين، وقبلهم الليبراليين، في تحقيق مهام المرحلة البرجوازية، وهو برنامج (سواءً وعى القائمون بالديمقراطية أم لا) ليبرالي في الاقتصاد (ولو مع إمكانية تحديد، عبر استفتاء وطني، حدود قطاع الدولة في الاقتصاد)، وبرجوازي من حيث الحقوق الدستورية والسياسية.
تأتي إشكالية الحركة الديموقراطية العربية من عدم وعيها الكافي للترابط بين الجانبين السياسي والاقتصادي في البرنامج الديموقراطي، وذلك نابع بالأساس عن ميل الكثيرين منها إلى ربط هذا البرنامج بمكافحة الاستبداد السياسي فقط، وربَّما كان ذلك ناتجاً عن إتيانهم ومجيئهم إلى (الديموقراطية) على هذا الأساس قادمين من أيديولوجيات شمولية، سواء كانت ذات طابع قومي عربي أو سوفيتي ستالين، مع احتفاظهم بالكثير من مفاهيمهم السابقة حول (القطاع العام) و (التطوُّر اللارأسمالي) مع حذف “الدولة الشمولية”.
أضافت المرحلة الراهنة من عودة الاحتلال للمنطقة العربية، عبر العراق، إشكالية جديدة انضافت إلى إشكاليات الحركة الديموقراطية : أدَّى وجود ديكتاتور، و نظامه في العراق، هو في حالة مواجهة و مجابهة مع (القطب الواحد) المتدرِّع بالديمقراطية، إلى إنشاء تناقض حصل بين ( الديموقراطية ) و( الوطنية) أثناء الأزمة العراقية و الحرب التي أعقبتها، ولم يكن ذلك على الصعيد النظري فقط، وإنَّما من خلال العملية والممارساتية للقوى السياسية العراقية، والشخصيات والفعاليات الثقافية المعارضة لديكتاتور بغداد، وكذلك من خلال مواقف الكثير من السَّاسة والمثقفين العرب الديمقراطيين في بلدان عربية أخرى الذين غلَّبوا رحيل الديكتاتور على ما عداه.
لا يطرح (القطب الواحد)، عبر مجيئه للهيمنة على المنطقة العربية، موضوع (الديموقراطية) فقط، وإنَّما أيضاً (اقتصاد السوق) و (التَّحديث) في التعليم و القضاء و المؤسسات : من المحتمل أن يؤدِّي هذا أيضاً، كما حصل في موضوع (الديمقراطية) و (الوطنية)، إلى اصطفافات ضدّية، أو إلى عدم قدرة الحداثيين العرب على الجمع الناجح بين (الحداثة) و (الليبرالية) و (الديموقراطية) وبين مكافحة هيمنة (القطب الواحد) وسياساته ، فيما من الممكن كذلك، في الجانب الآخر، أن يؤدِّي ذلك بكل من هو ضد (القطب الواحد)، من قوميين وإسلاميين وماركسيين، إلى الانجرار إلى وضعية يصبح فيها (التَّحديث) و (اقتصاد السوق) عند الطرف المضاد، أو إلى أن يربطوا القضيتين الأخيرتين بواشنطن.

كل هذه القضايا السابقة تقود إلى طرح إشكالية واحدة: هل تكون المقاومة للقطب الواحد على أساس برنامج وطني محض، أو قومي محض، أم أنَّه يجب أن تحتوي على قضايا ديموقراطية ، واقتصادية، ودستورية، وتحديثية، لتجاوز ما كان عليه الوضع عند (إبراهيم هنانو) و (عمر المختار) و (جبهة التحرير الوطني الجزائرية)؟
إذا تركنا القضية السابقة والتي هي محصلة تراكمية للقضايا المذكورة قبلها، فإنَّ فشل تحقيق (الوحدة العربية) بعد قرن كامل من بداية طرحها مع (الشريف حسين) في عام 1916، يثير قضايا عديدة، لا يمكن حسمها إلا بعد نقاش واسع في الساحة العربية: هل فشل (الوحدة العربية) ناتج فقط عن القوى الدولية التي كانت ضد تحقيقها (فرنسا – الاتحاد السوفيتي – الولايات المتحدة – بريطانيا، ولو أنَّ الأخيرة شجعت قيام الجامعة العربية ثم حبذت مشروع الهلال الخصيب)؟ 

أم: أنَّ الخلل كامن في العوامل المحليَّة، أيضاً و أساساً، مثل التَّناقض في المصالح، بين الدول الغنية البترولية والقليلة السُّكَّان وبين الدول ذات الكثافة السُّكَّانية والفقيرة اقتصادياً إلاَّ أنَّها أرقى تعليمياً و تحديثياً (بلاد الشام و مصر)، أو لوجود حواجز جغرافية – ديمغرافية غريبة و معادية، كما حصل بعد قيام إسرائيل بين الشام ومصر؟ ثمّ: هل طرح الوحدة العربية، بمعنى الكيان السياسي الواحد الممتد من الخليج إلى المحيط، وبغض النظر عن كون هذه الرقعة الجغرافية ذات وحدة ثقافية -شعورية مع لسان عربي، هو قائم على حقيقة تاريخية مُتَّسقة ومنسجمة مع مجرى التاريخ، أم أنَّ وحدة (أو اتحادها) الأقاليم (الهلال الخصيب – الجزيرة العربية – وادي النيل – المغرب العربي) هي الواقعية أكثر؟ لنصل إلى قضية ثانية: ما هي علاقة (العروبة) و (الإسلام)، وهل الأولى وعاء مادي أعطاه الثاني الهوية الثقافية الحضارية، بعد أن جمع أكثرية العرب في كيان سياسي واحد عبر دين جديد أم هناك بعد آخر؟ وهنا: ألم يكن أحد إشكاليات الحركة القومية العربية، وخاصة من خلال ظروف نشوئها ضدَّ “مركز الخلافة الإسلامية” عند العثمانيين، وعبر بعض حامليها، نشوء تناقض داخلها بين (العروبة) و (الإسلام)؟ ثمَّ: لماذا لم تستطع الحركة القومية العربية، إذا تركنا فشلها في مواضيع (الوحدة العربية) و (الغرب) و (إسرائيل)، إنشاء كيانات وطنية يتم فيها تغليب قيم (الوطن) و (الأمة) على (الطائفة) و (الدين) و (العشيرة)؟ لنصل أخيراً إلى موضوع الأقليات القومية في الوطن العربي: هل الحل في إعطائها (حق تقرير المصير)؟ أم: أنَّه يجب إيجاد أشكال غير الانفصال؟ ثمَّ: هل إعطاء حقوق ثقافية، كما جرى ويجري في الجزائر مع البربر أو في حال يمكن أن يحصل في بلدان عربية معينة مع الأكراد (سوريا، مثلاً)، يمكن أن يكون ذلك بدون مطالب موازية من الأكثرية العربية تطلب عدم اعتبار ذلك سلم تدريجي نحو مطالب أعلى أو تطلب الاعتراف من الأقلية القومية المعنية بالحدود القائمة؟

يطرح الفشل العربي في موضوع (فلسطين – إسرائيل) قضايا مماثلة لموضوع (الوحدة العربية): هل الطريق الذي اختط، عربياً في المواجهة مع إسرائيل، هو الصائب سياسياً وتاريخياً، بخلاف طريق (بورقيبة) و (السادات) ؟ ثمَّ : هل يمكن للعرب أن يستمروا في المواجهة، بظل الظروف الدولية الجديدة التي تريد (التسوية)، وخاصة في مرحلة أصبح فيها التوتُّر الاقليمي متركِّزاً في شرق (الهلال الخصيب)، وأصبح مركز الثقل الاقليمي في طهران المتواجهة مع واشنطن بعد اتفاق لم يعمر أكثر من سنتين بينهما  بعد سقوط عاصمة الرشيد العباسي، ما يدفع (القطب الواحد) إلى تبريد شرق المتوسط لمواجهة التوتُّرات هناك؟ هنا: هل تعني (التسوية) نهاية الصراع، أم أنَّها مدخل إلى شكل جديد له؟
حتَّى الآن، وبعد قرن من بدء مشروع (الوحدة العربية) وما رافقه من فشل، وبعد نصف قرن من الفشل الكبير في موضوع (فلسطين – إسرائيل)، لم يضع المفكرون والسَّاسة العرب أنفسهم وجهاً لوجه أمام الأسئلة التي ولّدها هذان الموضوعان، إضافة إلى القضايا التي يولّدها موضوع (الديموقراطية) وإشكالياته، مرفوقاً بفشل (التحديث) و (التنمية)، مع القضايا التي ولّدتها عودة الاحتلال إلى ديار العرب وما أعادتهم معها إلى المربَّع الأوَّل مع عدم إنجاز مهام (التحرر الوطني): إنَّ الإجابة على هذه الأسئلة، والطريقة التي يمكن من خلالها إدارة نقاش عربي حول هذه المواضيع، من الممكن أن يحدّدا ملامح الفكر والسياسة عند العرب في المرحلة القادمة.


محاولة في تحديد “السلفية”

محمد سيد رصاص

في العهد الأموي تمَلَّك الكثير من المسلمين شعور بالابتعاد عن المثال الذي كان زمن النبي ومن بعده أبو بكر وعمر. قال سعيد بن جبير (ت 94 هجرية): “ما لم يعرفه البدريون فليس الدين” (الشاطبي: “الموافقات”، ج4، دار المعرفة، بيروت 1975، ص 78). هذا الشعور وجد أيضاً عند بعض الصحابة منذ زمن ما بعد وفاة عمر بن الخطاب في اليوم الأول من عام 24 للهجرة بعد ثلاثة أيام من الطعنة التي تلقاها في المسجد من الفارسي أبو لؤلؤة. قال عبد الله بن مسعود (ت32هـ): “ليس عام إلا والذي بعده أشَرّ منه” (الشيخ محمد بن عبد الوهاب: “كتاب فضل الإسلام”، وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض 1422هـ، ص13). وصل هذا الشعور إلى ذروته عند الإمام مالك بن أنس (93- 179هـ،) الذي كان أول من قال بمقولة “السلف الصالح” وقصد بها الصحابة ومن عاصر الصحابة وتابعهم، والإمام مالك أتى وريثاً لـ “مدرسة أهل الحديث” في الفقه المتمركزة في الحجاز والتي قالت بـ “الأثر” كأساس للفقه وأحكامه، وأوله “الحديث النبوي” ومعظم رواته حجازيون، ضد “مدرسة الرأي” المتمركزة في العراق، وقد عنت هذه المقولة أن هناك عهداً مثالياً يكون الاقتداء به هو الإسلام، وما دون ذلك هو “بدعة” أو “إحداث” لم يعهده الإسلام المعطى زمن النبي ومعه ومن بعده المسلمون الأوائل من الصحابة والتابعين.

لم يكن تفكير مؤسس المالكية هو الغالب في السياق التاريخي العام لمسار الفكر الإسلامي، ولكن، في محطات منفردة، وجدت نزعات مماثلة تنتخب “ماضياً اسلامياً مثالياً” تضعه في مواجهة مسلمي عصرها وبالتضاد معهم، كما نجد عند أحمد ابن حنبل (ت241هـ) في مواجهة المعتزلة في زمني المأمون والمعتصم، حيث طرح نزعته الحرفية الاقتدائية بالكتاب والسنّة في مواجهة الأخطار العقائدية التي رآها في عقيدة المعتزلة حول “خلق القرآن”. هذه النزعة هي وقائية ودفاعية. كان هذا أيضاً عند ابن حزم الأندلسي (994-1064 م/ ت594)، الذي عاش فترة انحطاط الدولة الأموية في الأندلس وسقوطها ثم بدء عهد ملوك الطوائف منذ عام 1031 ميلادية، حين طرح المفكر الأندلسي فكرة “الأصل-النبع” ممثلاً في “الكتاب والسنّة” وضرورة الاقتداء بظاهرهما من دون تأويل أو إعمال الرأي. وصلت هذه النزعة إلى اكتمالها مع ابن تيمية (ت728هـ/ 1328م)، وهو الذي عاش فترتي الصليبيين والتتار وحارب فكرياً الفلاسفة وعلماء الكلام والمتصوفة والشيعة، ثم دخل في صدام مع المماليك حتى انتهى الأمر بوفاته في سجن القلعة بدمشق، حين طرح في كتابه “الفرقان بين الحق والباطل” أن أصل “مذهب أهل السنّة” هو النظر “فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكّر، وبه يستدل، فهذا أصل أهل السنّة” (مكتبة دار البيان، دمشق 1993، ص41)، ومحدداً فضل الصحابة من خلال “اعتصامهم بالكتاب والسنّة” (ص17) أي محدداً “السلف” من خلال “الأصل”، ومحدداً مفهوم “البدعة” عبر “ما تقدموا/ أي أصحاب الرأي من فلاسفة ومتكلّمين ومتصوفة/ فيه بين يدي الله ورسوله” (ص42).

يلاحظ هنا انفراد الإمام مالك بمقولة “السلف الصالح”، فيما اقترب ابن حنبل من ملامسة مفهوم “الأصل” الذي لاحقاً كان أول من طرحه ابن حزم ثم وصل إلى اكتماله في مفهوم “أصل أهل السنّة” مع ابن تيمية: مفهوم “الأصولية” انبنى على فكرة ابن تيمية تلك التي وصلت عند سيد قطب في “معالم في الطريق” (مكتبة وهبة، القاهرة 1964) إلى حدود القول إنه كان “قصد رسول الله أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل في فترة التكوين الأولى على كتاب الله وحده” (ص16) وهو يبني مفهومه كأصولي عن “الانحراف” و “العودة إلى الجاهلية” بسبب “اختلاط النبع الأول”(ص16).

“السلفية” و”الأصولية” مفهومان في الفكر السياسي حديثان من بنات أفكار القرن العشرين، ولو كانت قاعدة الأول عند مالك بن أنس، وقاعدة الثاني عند ابن تيمية: اختلط الاثنان عند شامي طرابلسي هو رشيد رضا (1865-1935) جعله سقوط دمشق بيد الفرنسيين مع معركة ميسلون (24 تموز/ يوليو 1920)، وهو الذي كان قبل أربعة أشهر ونصف الشهر رئيساً للمؤتمر السوري الذي نصَّب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على المملكة السورية، يهجر الأفكار الإصلاحية لأستاذه محمد عبده. وتأسست “السلفية” على يد تلميذ دمشقي له هو محب الدين الخطيب (1886-1969)، وتأسست “الأصولية” على تلميذ مصري له هو حسن البنا (1906-1949).

مال رشيد رضا أكثر نحو “السلفية” ومات سلفياً، وهو يعتبر “الإسلام الحق هو ما أعلنه النبي والسلف الصالح، وحواه القرآن والحديث وسنّة النبي وأصحابه” (ألبرت حوراني: “الفكر العربي في عصر النهضة”، دار النهار، بيروت 1968، ص276) فيما كان أستاذه محمد عبده يمد زمن “السلف الصالح” إلى الغزالي (ت505هـ). كان رشيد رضا متشدداً عقائدياً مع الشيعة وميالاً سياسياً لـ “الوحدة الإسلامية” معهم ضد الهجمة الغربية وضد الأتاتوركية. لم يكن هذا اتجاه محب الدين الخطيب عندما قال، ضد محاولات التقريب بين السنّة والشيعة التي حاولها حسن البنا في عام 1947، بـ “استحالة التقريب بين طوائف المسلمين وبين فِرَق الشيعة بسبب مخالفتهم سائر المسلمين في الأصول” (كتيب “استحالة التقريب”، 25 صفحة، نسخة إلكترونية http://www.shemala.ws، ص 22). هذا الموقف العقيدي ضد “الشيعة”، الذي يضعهم خارج ملة الإسلام، يترافق عند محب الدين الخطيب مع “الولاء للصحابة”: “يوالي المسلمون سائر الصحابة الذين قام الإسلام، والعالم الإسلامي، على أكتافهم” (ص24)، وهو يعلن في تصدير كتاب “العواصم من القواصم” لأبي بكر بن العربي أن “أصحاب رسول الله هم قدوتنا في ديننا… كانوا سبب كياننا الإسلامي، ولهم ثواب انتمائنا إلى هذه الملة الحنيفية.” (دارالبشائر، من دون مكان وتاريخ الطبع، ص 26 و28)، وهو يرفض تخطئة أحد منهم: “أصحاب رسول الله تتفاوت أقدارها، وتتباين في أنواع فضائلها، إلا أنها كلها كانت من الفضائل في مرتقى درجاتها” (ص25-6)، بخلاف ما نجده عند سيد قطب في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” تجاه عهد الخليفة عثمان بن عفان.

كان هناك دمشقي آخر في تأسيس “السلفية” هو الشيخ ناصر الدين الألباني (1914-1999): يقول الألباني في تحديده كيفية فهم الدين: “يفسر القرآن بالقرآن والسنة، ثم بأقوال الصحابة” (“منزلة السنة في الإسلام”، الدار السلفية، الكويت 1984، ص15-16)، وهو يوحّد بين القرآن والسنة: “الشريعة الإسلامية ليست قرآناً فقط، وإنما هي قرآن وسنّة” (ص13)،”لا فرق بين قضاء الله وقضاء رسوله” (“الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام”، مكتبة المعارف، الرياض 1425هـ، ص31)، و”القرآن لا يغني عن السنّة” (“المرجع السابق”، ص33).

لم يقترب الألباني من السياسة بل ركّز على العقيدة وتحديد تخومها، ولكن وعلى رغم هذا ومن قول الألباني بـ “طاعة ولي الأمر” وقوله “من السياسة ترك السياسة”، إلا أنه وفي محاضرة “الحديث حجة بنفسه.”، الملقاة في غرناطة عام 1972، ينوه بشكل ايجابي (في الصفحة 91) بمبدأ “الحاكمية لله” عند الأصوليين أبو الأعلى المودودي وسيد قطب الذي كان أساس النزعة الجهادية في وسط “الإسلام السياسي”، إلا أنه من الواضح أن ذلك لأسباب عقيدية مفهومية، وليس لأسباب تتعلق بالسياسة.

حاول سوري ثالث هو محمد سرور زين العابدين، وهو من حوران أتى للتدريس في السعودية عام 1965، التوفيق أو إقامة جسر بين “السلفية” وسيد قطب: قاومه “الإخوان المسلمون”، وقاومه السلفيون. لم تنجح النزعة السرورية في ذلك. ما فشل فيه سرور زين العابدين نجح فيه قيادي اخواني أردني- فلسطيني هو عبدالله عزام، الأقرب إلى سيد قطب من قربه للبنّا، حين تتلمذ على يديه في السعودية شخص اسمه أسامة بن لادن قبل أن ينتقلا إلى أفغانستان، حيث تحوّل ابن لادن من السلفية، التي في بنائها العقائدي “طاعة أولي الأمر”، إلى “السلفية الجهادية” بتأثير عزّام، ثم تبلور هذا تنظيمياً من خلال تأسيس “تنظيم قاعدة الجهاد” في عام 1998، القائم على “السلفية الجهادية”، عبر تلاقي ابن لادن مع زعيم “تنظيم الجهاد” المصري أيمن الظواهري الذي يحمل أفكار سيد قطب في تكوينه العقائدي.

في البنية العقيدية لـ “السلفية الجهادية” يحضر دائماً مبدأ “الحاكمية لله” بالمعنى السياسي، كما كان بالأصل عند المودودي وسيد قطب وعبد الله عزام وأيمن الظواهري: هناك مثال سوري متأخر على ذلك هو ما ورد في “ميثاق الجبهة الإسلامية”، الصادر في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، عن “بناء دولة اسلامية تكون السيادة فيها لشرع الله-عز وجل-وحده مرجعاً وحاكماً وموجّهاً وناظماً لتصرفات الفرد والمجتمع والدولة”. في السياق نفسه يندرج أبوبكر البغدادي.


عن النِّهايات

سمير سالم

شكَّل سقوط الاتِّحاد السوفياتي سنة 1991 فرصة للكثير من المفكرين العالميين المعادين للشيوعية عموماً، والليبراليين، لإعلان “نهاية التاريخ”، و”نهاية الأيديولوجيا”، وغيرها من النِّهايات، التي لم يخفَ على أحد، أنَّها فعلياً كانت احتفاءً علنياً بهزيمة الخصم الأكبر حينها الاتحاد السوفياتي، واحتفاءً متسرِّعاً من بعدها بموت الاشتراكية. وقد أعلن “فرانسيس فوكوياما” في كلمة في جامعة شيكاغو في شباط 1989 “إنَّ الديمقراطيّة الليبراليّة بإمكانها أن تشكِّل مُنتهى التطور الأيديولوجي للإنسانيّة، والشكل النهائيّ لأيّ حكم إنسانيّ”، قبل أن تتحوَّل هذه الأطروحة إلى كتاب أثار الكثير من الجدل عام 1992 بعنوان “نهاية التاريخ، والإنسان الأخير”. تلخَّصت نظرية “فوكوياما” بأنَّ الانهيار الوشيك للاتحاد السوفياتي يشكِّل نهاية لآخر بدائل الليبرالية الأيديولوجية، وأنَّ التَّاريخ بلغ نهايته، ليتحوَّل إلى عالم ليبرالي بالكامل تُعدّ ُالدِّيمقراطية والأسواق الحرَّة النموذج الوحيد المتبقِّي فيه. واعتبر هذا التحوُّل هو انتصار لمفهوم الدَّولة العقلانية. تحمل هذه الأطروحات الكثير من التَّناقضات ضمنياً. فحين يُبشِّر فوكوياما وغيره بنهاية الأيديولوجيا، فإنَّه يعلن سيطرة أيديولوجيا ومفاهيم أخرى على العالم بأكمله، ممَّا يجعله ادِّعاء أيديولوجيّ إلى حدَّه الأقصى. من حيث تعريف الأيديولوجيا بوصفها نسقاً من المعتقدات والمعايير، والأفكار الواقعية والمعيارية. وعلى الرِّغم من تراجع حدِّة هذا الخطاب بشكل كبير بعد ظهور حاجة إعلامية مستجدَّة لاستغلال الظواهر الأيديولوجية الكثيرة (وخاصةً الحركات والأحزاب الدينية والعرقية) حول العالم منذ بداية القرن الحادي والعشرين إلى اليوم، وحلول مفاهيم “صدام الحضارات” مكانها، إلاَّ أنَّ مفاعيل الخطاب ما تزال تملك تأثيراتها القائمة إلى يومنا هذا. وكلا الخطابين – نهاية التاريخ وصدام الحضارات-يتعاملان مع المجتمعات التي تتواجد خارج مراكز رأس المال العالمي، كمجتمعات غير تاريخية، أي ناشزة عن سياق التاريخ العالمي الرأسمالي الذي يرتكز على الإمبريالية الاقتصادية والليبرالية السياسية. بالتَّالي فإنَّه يُهمِّش أطراف المراكز الرأسمالية والتي تقوم قوة المراكز الرأسمالية في العالم في جانب كبير منها على استغلالها وإفقارها.

 ويخطئ الكثيرون حين يحوِّلون انهيار الاتحاد السوفياتي إلى دليل قوي –بنظرهم-على تهافت مبادئ الماركسية والشيوعية. حيث أنَّ قيمة الأفكار الأساسية تنبع من قدرتها على تحليل الواقع، وإيجاد الحلول للمشاكل الذي يخلقها هذا الواقع. أي بشكل أو آخر، من قيمة هذه الأفكار بالنسبة لحامليها، ومضمون هذه الأفكار، والجمهور التي توجِّه إليه. وانطلاقاً من هذه النقاط تحديداً ينبع تميُّز الماركسية، كونه الفكر الوحيد الذي قدَّم بديلاً متكاملاً واضحاً عن النظام الاقتصادي – الاجتماعي القائم. وتستمدٌّ الماركسية قيمتها وقدرتها على الاستمرار إلى الوقت الحالي، وإعادة تَصدُّرها الهادئ للمشهد مع كل أزمة اقتصادية تحلُّ بالعالم الرأسمالي، من قدرة ماركس تحليل النظام الرأسمالي وتشريحه، وتحديد نقاط الضِّعف فيه. على الرِّغم من التَّغيرات في شكل وآلية عمل النظام الرأسمالي نفسه، طارحاً بديلاً – الذي وإن بدا للكثير طرحاً طوباوياً – إلاَّ أنَّه ينطوي ضمنياً على بحث الإنسان الفطري عن الحرية والعدالة إن أهم ما يُميِّز هذا الطَّرح أنَّه ينبع من منطق التاريخ وآليات الرأسمال، ولا يهرب من مواجهتها. ولا عجب أنَّ قراء “البيان الشيوعي” الذي كتبه ماركس وأنجلز عام 1848 بعد أكثر من قرن ونصف على صدوره، ما يزالون يشعرون بأنَّ هذا النَّص يجيب على العديد من التَّساؤلات التي يطرحها الواقع. حيث أنَّ الأزمات الاقتصادية العالمية المُتكرِّرة تدلَّ على الطَّابع التَّناحري للإنتاج والتَّراكم الرأسمالي حتى وقتنا هذا، وخصوصاً أنَّ سعي الشركات لزيادة تحقيق الأرباح ورفع الإنتاجية أدَّى مع التَّطور التكنولوجي إلى تقليص متواصل لحاجتها إلى العنصر البشري، ممَّا خلق زيادة في نسبة العاطلين عن العمل، وزيادة لتركيز الثروة في أيدي قلَّة من البشر. وكانت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 بمثابة دليل على تهافت الادعاء الليبرالي بأنَّ الأسواق الحركة إذا ما تركت لنفسها فإنَّها قادرة على حلِّ كُلِّ مشاكلها. ولم يتمكَّن النِّظام المصرفي العالمي من النَّجاة إلاَّ عبر ضخ مبالغ هائلة من المليارات في كل دولة، أي أنَّ الأزمة لم تحلَّ فعلياً بل تمَّ نقل عبئها من السُّوق إلى الدَّولة، ممَّا أدَّى إلى ازدياد كبير في معدلات البطالة، وتخفيض لمناسيب الرعاية الاجتماعية، وبالتَّالي خلق تناقضات جديدة في المجتمعات. ووفقاً لوثيقة نشرتها الأمم المتحدة عام 2006 فإن 1% من البشر يمتلكون 40% من الأصول في العالم، بينما يمتلك أغنى 10% حوالي 85%. في المقابل، يمتلك البشر البالغون في النصف الأدنى من البشرية فقط 1% من الأصول في العالم. وأصدرت مؤسسة “أوكسفام” في بيانها السنوي عام 2018 حول التَّباين في العالم المستند إلى بيانات مجلة “فوربس” ومصرف “كريدي سويس” أنَّ 26 شخصاً باتوا يملكون ما يساوي أموال 3.8 مليارات نسمة هم الأفقر في العالم، وأنَّ عدد أصحاب المليارات تضاعف منذ الأزمة المالية عام 2008، بالإضافة إلى أن َّ”الأثرياء لا ينعمون بثروة متزايدة فحسب، بل بنسب ضرائب هي الأدنى منذ عقود”. أي أنَّ الاتجاه الوحيد الذي استمرَّ فعلياً على مدى آخر ربع قرن كان الاتِّجاه إلى زيادة الثَّروة التي يمتلكها من يوجد في الأعلى.

كل هذه الإشارات وغيرها تؤدَّي إلى نقطة واحدة، أنَّ الماركسية كمنهج في التَّحليل تكتسب مناعتها من الحاجة إليها حتَّى وقتنا هذا، حيث ما زلنا إلى الوقت الحالي نشهد عالماً ما زال يمضي وفق عبارة البيان الشيوعي: “إنَّ تاريخ كل مجتمع موجود حتىَّ الآن هو تاريخ صراع الطَّبقات”.


أمريكا لم تعد بحاجة إلى الشرق الأوسط

جورج سيي

مجلة “ناشيونال إنتريست”

ترجمة هيئة التحرير

تتوقَّف فعالية السِّياسة الخارجية الأمريكية المرتقبة على كيفية تعاملنا مع الصين والهند وروسيا والاتحاد الأوروبي ودول قومية عالمية كبرى، وليس على كيفية إشراكنا في الشرق الأوسط. أحد الأشياء المثيرة للاهتمام حول اللعبة والاستراتيجية الكبرى هي كيف يرى الممارِسون المحترفون في هذا الحقل ببطء، التَّغيرات الاستراتيجية الماديَّة عند حدوثها. ومن الأمثلة القوَّية على ذلك، كيف وقف ونستون تشرشل بمفرده في بريطانيا العظمى في حقبة الكساد ضدَّ ظهور أدولف هتلر. لقد تعرَّض تشرشل للسخرية لسنوات من قبل “الخبراء” وأقرانه في مجلس العموم. تواجه الولايات المتحدة اليوم في الشرق الأوسط، تغيُّيراً استراتيجياً ملموساً، وهو التَّغيُّير الذي ينبغي الاستفادة منه بكل ما يلزم من سرعة. والنتيجة هي عودة السياسة إلى التَّركيز الأساسي على دبلوماسية القوة العظمى، وليس الحروب الصغيرة التي لا نهاية لها والتي لا معنى لها في الشرق الأوسط والتي كلَّفت الكثير من الأرواح الأمريكية واستنزفت موارد بلدنا. ما هو الشيء الذي غيَّر اللعبة، والذي لم يعترف به أي أحد تقريباً أو يقدِّره تماماً؟ إنَّه النَّفط الصخري الأمريكي والغاز. لم تعد أمريكا بحاجة إلى النفط والغاز من الشرق الأوسط، سواء كان مصدر الإمداد المحلّي أو غيره من المورِّدين خارج الشرق الأوسط، فهناك موارد وفيرة من الوقود الأحفوري لتوفير احتياجاتنا من الطَّاقة طالما أنَّنا نعتمد بشكل أساسي على النفط والغاز. أعطى الرئيس دونالد ترامب أوَّل إشارة إلى أنَّه استوعب هذا الوضع عندما قال قبل ثلاثة أسابيع أنَّ الصين والهند واليابان وغيرها يجب أن تحمي الشحن عبر مضيق هرمز، وليس الولايات المتحدة، لأنَّنا لسنا بحاجة إلى نفط وغاز أوبك بعد الآن. يمكن للمرء أن يجادل بمزايا فض الاشتباك الأمريكي في المضيق، ولكن ليس الحاجة إلى الطاقة في الشرق الأوسط -فهو على صواب، ونحن لا نفعل ذلك.

كان للولايات المتحدة من عام 1979 وحتى وقت قريب مصلحة استراتيجية جوهرية في الشرق الأوسط: (1) الطاقة و (2) احتواء إيران / دعم إسرائيل. يتم تغيير رقعة الشطرنج الجيوسياسية في الشرق الأوسط بشكل لا رجعة فيه، مع مصلحتنا الأساسية إزالتها بشكل دائم، وتمَّ تعزيز اليد العالمية للولايات المتحدة -نحن حقاً مستقلون في مجال الطاقة ولا نعتمد على البلدان المستبدّة لإمداد الطاقة. إذن ما يظل مصلحة الولايات المتحدة الأساسية هو الاستقرار الإقليمي. لحسن الحظ، حالة الاستقرار ليست مصدر قلق أمريكي أحادي الجانب. إسرائيل والمملكة العربية السعودية والأردن ومصر والإمارات ودول أخرى لا تحصى تشاركنا قلقنا هذا.

وعلى الرِّغم من أنَّ إسرائيل يجب أن تظلَّ حليفاً أساسياً للولايات المتحدة، إلاَّ أنَّنا بحاجة إلى الاعتراف بإسرائيل كدولة مستقلَّة وغنيَّة وقويَّة، وهي اليوم قوَّة نووية ومُمثِّل فعَّال على السَّاحة العالمية، وليست ضحية للاضطهاد والظلم العربي. وفي حين أنَّ التزامنا بإسرائيل يظلُّ ثابتاً ودون تغيير، إلَّا أنَّنا نحتاج إلى السماح لإسرائيل باتخاذ موقف عالمي أقوى، بصفتها جهة فاعلة مستقلة وودودة، وألَّا نتحمل الكثير من المسؤولية تجاه “الأخ الأكبر” لإسرائيل في كل حالة أمنية أو مالية. معظم الأمريكيين غير مدركين تماماً أنَّه من عام 1985 حتَّى اليوم، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل من 7000 دولار لكل إسرائيلي إلى أكثر من 41 ألف دولار. وتُعتبر إسرائيل مستقلَّة عن الطَّاقة من خلال حقل لڤياثان البحري للنفط الذي اكتشفته شركة نوبل إنرجي/ تكساس. لذلك فإسرائيل لا تتطلَّب، خارج المساعدات الخارجية المتعلِّقة بالمشتريات العسكرية من الولايات المتحدة، دعمًا مالياً مفرطاً من جانبنا.

إنَّ تحُّول إسرائيل على مدى العقود القليلة الماضية من دولة اشتراكية وجماعية وزراعية إلى مجتمع رأسمالي كامل (يجب على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وطبقة رواد الأعمال الإسرائيليين أن يفاخروا بذلك) شيء يستحق الاحتفال به ولا يتم تجاهله، في تقييم ما يجب أن تبدو التزامات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل والمنطقة ككل مستقبلاً.

الآن فيما يتعلَّق بإيران، كما يجادل المحافظون الجدُد بأنَّه لا يمكننا أبداً الانفصال عن الشرق الأوسط، ويجب أن نستمر في التَّضحية بآلاف الأرواح الأمريكية وإنفاق تريليونات الدولارات الأمريكية في حروب لا نهاية لها لمواجهة التهديد الإيراني. إنَّ هذه النظرة صحيحة جزئياً، إذ يجب الحفاظ على القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ويجب أن نواصِل سياسة الاحتواء والضغط الإيرانيين. لم يتغيَّر موقفنا بعد هذا القول تجاه إيران منذ استيلاء آية الله روح الله الخميني على السُّلطة قبل أربعين عاماً. يمكن القول إنَّ موقفنا قد ازدادَ سوءاً، من خلال الحرب التي لا طائل من ورائها ضدَّ العراق والتي تشل ثقلنا الإقليمي مقابل إيران. بعد أكثر من عقد من الزمان، ما زال العراق يتعافى. من المؤكَّد أنَّ التَّهديد النووي الإيراني يُشكِّل تهديداً جاداً، وقد يتطلَّب القيام بعمل عسكري وقائي مُنسَّق في مرحلة ما مع حلفائنا في المنطقة. ولكن بعد التضحية بآلاف الأرواح الأمريكية وإهدار ما يكفي من المال لإنقاذ الضمان الاجتماعي، ووضع حد كبير في التزاماتنا للرعاية الطبية غير المموَّلة، يمكننا القول إن وضعنا في المنطقة أسوأ ممّا كنا عليه من قبل. مطلوب تفكير جديد وقد تأخر طويلاً.

يجب أن يتضمَّن المحور العقلاني والحكيم في سياسة الولايات المتَّحدة بسبب استقلالنا في مجال الطَّاقة عن أوبك العناصر التَّالية:

  1. تشكيل النَّاتو الشَّرق أوسطي مع المملكة العربية السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية المتَّحدة كقادة رئيسيين (ومع إسرائيل كعضو غير رسمي، ونأمل في يوم ما، أن تكون عضو رسمي). دع هذه الدول القومية “تكبر” كجهات فاعلة على السَّاحة العالمية وتتحمَّل المسؤولية الأساسية عن استقرار “جوارها” بدعم كامل من الولايات المتحدة.
  2. المحافظة على دعم الولايات المتَّحدة الأمن القومي لإسرائيل، لكن ينبغي تحويل تركيزنا على العلاقات الثنائية من الاهتمامات العسكرية إلى التِّجارة الاقتصادية وتطور العلاقات التجارية بين بلدينا. إن إسرائيل في وضع قوي يمكّنها من الدفاع عن نفسها، بدعم الولايات المتحدة الهادئ والمستمر، ويجب أن نركز بشكل أكبر على ” Start-up Nation “= (الأمة الناشئة: قصة المعجزة الاقتصادية لإسرائيل هي كتاب لعام 2009 من تأليف دان سينور وشاول سينجر عن اقتصاد إسرائيل) كشريك تجاري ومصدر لتطوير الأعمال، في كلا الاتجاهين. نحتاج إلى مزيد من الاستثمارات الإسرائيلية في الولايات المتحدة، والمزيد من الاستثمارات الأمريكية في إسرائيل. 
  3. الحفاظ على القوَّة العسكرية للولايات المتحدة في المنطقة من خلال قواعدنا ووجودنا البحري، ولكن نتنازل بنشاط أكثر عن المزيد من المسؤولية تجاه الجهات الفاعلة المحليَّة.
  4. نقل المزيد من المسؤولية عن قابلية مضيق هرمز للملاحة واستقراره إلى المستهلكين الرئيسيين لخام أوبك. يجب الحفاظ دائماً على الوجود الأمريكي، لكن لا ينبغي أن يكون المضيق مفتوحاً أمام العمل، هي من مسؤوليتنا وحدنا أو حتى من مسؤوليتنا الأساسية. 
  5. خفض أو قطع المساعدات الخارجية الأمريكية لجميع الدول القومية باستثناء أولئك المشاركين في حلف شمال الأطلسي الشرق الأوسط / أو أصدقائنا الحقيقيين منذ أمد بعيد في المنطقة. يجب استخدام دولارات دافعي الضرائب في الولايات المتحدة بشكل استراتيجي أقل وأكثر.
  6. أن نكون أكثر مقاومة بكثير لسفك الدماء المتهوِّر على رمال المنطقة. وأكثر تردُّداً في الانخراط عسكرياً ما لم يكن هناك اهتمام أمني أمريكي مقنع أو تهديد فوري. وأن نكون أكثر حماية لأموال دافعي الضرائب والملاءة المالية للجمهورية الأمريكية.

لم نكن في عالم تهيمن عليه القوى العظمى منذ نهاية الحرب الباردة. كدنا ننسى على ما يبدو، وبالتَّالي جهلنا بالتحوُّل المذهل في الإطار الاستراتيجي في الشرق الأوسط، بعد ثلاثين عاماً من السياسات والإجراءات الأمريكية المتهوِّرة وغير الفعّالة في المنطقة. تتوقَّف فعالية السياسة الخارجية الأمريكية المرتقبة على كيفية تعاملنا مع الصين والهند وروسيا والاتحاد الأوروبي ودول عالمية مهمة أخرى، على وجه التَّحديد في هذا النظام، وليس بكيفية تعاملنا مع الشرق الأوسط. لقد حان الوقت لصانعي السياسة في الولايات المتحدة للاعتراف بأنَّ “مرَّة واحدة في جيل” أن الظروف الاستراتيجية تغيّرَت، وبناء عليه، إنقاذ حياة عدد لا يحصى من الأميركيين مع وقف الهدر الذي لا داعي له للموارد الأمريكية.


ملف حول الصين: إعداد وترجمة هيئة التحرير

1- الصين: سلطة وقوَّة هل الصين إمبراطورية؟

جريدة “لوموند ديبلوماتيك” – مايكل كلاير – عدد أيلول 2012

إنّ التَّبادلات التِّجاريّة ما بين الصين وإفريقيا لم يَسبُق وأنْ ارتفعت بنسبة 89% أو حتَّى وصلت إلى نسب قريبة من ذلك خلال عامين. إنَّ بكين تنشر منتجاتها في أسواق القارَّة السوداء بأكملها وبالمقابل تُخزِّن المعادن.

وبهدف البحث عن مصادر الطَّاقة فإنَّ المملكة الوسطى تضاعفت استثماراتها في بُلدان الجنوب، لكنَّها لا ترغبْ بإقامة علاقات من النَّوع الاستعماري مع الدول الّتي تزوّدها بالمواد الخام، لكنَّ ذلك لا ينجح دائماً. 

الصين، والتّي صنَّفت نفسها من إحدى الدول الناميّة، تَعِدُ دول الجنوب بأنَّها لنْ تُكرِّر التَّصرفات الّتي كانتْ تقوم بها القوى الاستعماريّة القديمة. وإنّ الرئيس جين تاو، وأثناء انعقاد منتدى التعاون الصيني الإفريقي الرابع، قد صرَّح قائلاً: “إنّ الصين هي أكبر الدول الناميّة، وأفريقيا هي القارَّة الّتي على أكبر عدد والشعبان الصيني والأفريقي تربطهما علاقات المساواة والإخلاص والصداقة، ويدعم كلاهما الآخر في تطورّهما المشترك”. 

حتىَّ لو أنّ هذا التصريح يمكن أن يكون ذو نمط دبلوماسي، إلّاَ أنّ الصينيون لا زالوا يحتفظون بذاكرتهم بالإهانات الّتي تعرَّضوا لها عندما كانوا تحت سيطرة القوى الأوربية واليابان. ومع ذلك فإنّ زعماءهم يواجهون مشكلة: من أجل دعم النّمو الاقتصادي (الأمر الّذي يُعدّ من أولوياتهم)، فإنَّهُ يتوجَّب عليهم أن يحصلوا دائماً على المزيد من المواد الأوليَّة من مزوِّديهم الأجانب والّذين أصبحت بلادهم تابعة لهم بعد انطلاقها الاقتصادي في سنوات 1980. كما أنهَّم يقيمون علاقات مع الحكومات الفاسدة والديكتاتورية لكي يضمنوا الإمداد المستمر، وهذا النَّوع من العلاقات هو نفسهُ الّذي كان قائماً بين القوى الغربية الكبرى قبل ذلك. 

في الواقع فإنَّ بعض البلدان الفقيرة تواجه لعنة الموارد الطبيعية: أيّ أنَّها تخضع لأنظمة استبدادية. ومن ناحيتها فإنَّ بلدان الاستيراد الرئيسية، وبمجرَّد أنْ تُشارك وتُساهم ببقاء الدول الاستبدادية، فإنَّهُ لا يُمكنها التَّخلُّص من لعنة الموارد المُنعكسة عليها. وكلَّما زاد الاعتماد على المواد الأوليّة من مزوُّديها، كلّما تمَّ التَّأكيد على بقاء حكومات هؤلاء المزوَّدين. وقدْ سادَ هذا النَّمط في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وممالك النَّفط في الخليج على سبيل المثال. 

وقد عاش الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت ” نفوراً كبيراً ” من الإمبريالية والإقطاعية. ومع ذلك عندما حذَّرهُ مستشاروهُ من انخفاض مستوى الاحتياطي الأمريكي للنفط ومن ضرورة إيجاد مصدر آخر للإمدادات فقد قَبِلَ، خلال الحرب العالمية الثانية، من الانتقال إلى المملكة العربية السعودية والّتي كانت حينها المنتج الأكبر في الشرق الأوسط، وذلك من أجل الهروب من السيطرة البريطانية. 

عندما التقى روزفلت بالملك عبد العزيز بن سعود، في شباط 1945، قد عقدَ معهُ اتفاق غير رسميّ: الولايات المتَّحدة الأمريكية ستؤمِّن الحماية العسكرية للمملكة مقابل المُلكية الحصرية لنفطها وعلى الرُّغم من أنَّ بنود هذا الاتفاق قد تغيَّرت -حقول النفط تعود مُلكيتها الآن إلى العائلة المالكة وليس إلى شركات أمريكية-فإنَّ هذا الاتِّفاق يبقى أحد أساسيات سياسة واشنطن في المنطقة.

وإذا كان لهم الحق في الاختيار، فلا شكَ في أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية تُفضِّل شراء كُلَّ المُنتجات الهيدروكربونية من البلدان الصديقة، المُستقرَّة والآمنة مثل كندا، المكسيك، المملكة البريطانية المتحدة، وغيرها من البلدان الأعضاء بمنظمة التَّعاون والتَّطوير الاقتصادي (OCDE). ولكن ما يمنعهم هو الحقيقة الجيولوجية القاسية بأنَّ أغلبيةْ حقول البَترول تقع في إفريقيا والشرق الأوسط والاتحاد السوفيتي السابق.

وفقاً لإحصائيات شركة BP العملاقة (ex-British Petroleun) فإنَّ 80% من احتياطي النَّفط يقع خارج منطقة منظمة التعَّاون والتَّطوُّر الاقتصادي لذلك فإنَّ واشنطن، ومع دول غير مستقرة قامت بالاندماج بالسياسات المحليَّة، كما قامت بتحالفات مع الحكام، وعزَّزت استقرارها في مجال الطَّاقة من خلال القيام بمختلف أشكال المساعدة العسكرية في بداية القرن العشرين، ومن أجل ضمان السَّيطرة على البلدان الغنية بالنفط والفحم والمطاط ومختلف المعادن.

ومن أجل استخراجها، قد قامت القوى الاستعمارية الكبرى بإنشاء شركات عملاقة للقانون العام أو الخاص، والحصول على حق استثمارها. وقد تابعت هذهِ القوى الاستعمارية نشاطاتها بعد الاستعمار، حيث أقامت علاقات قوية مع النُّخب المحليَّة كما أنَّهم حافظوا على الموقف الذي كانوا يستفيدون منه في ظل الحكم الاستعماري. وهذا هو حال شركة   بريتش بتروليوم (هي شركة نفط فارسية الأصل)، وحالة Francais Total (دمج مختلف شركات النَّفط الحكومية)، وأيضاً حال Ente Nazionalen Idrocarburi (والتي تُشكّل Agenzia Generalen Italiana Petroli جزءاً منها).

 قروض مفيدة. مشاريع رائعة. هذه هي الأساليب الّتي هي الأساليب الّتي يلجأ إليها الزعماء من أجل إغراء القارة السمراء.

يودُّ الصينيون الهرب من هذا النَّمط التاَّريخي المتكرِّر. وعند انعقاد آخر منتدى للتعاون الصيني الإفريقي قد أعلنَ الرئيس الصيني عن توفير قرض بقيمة 20 مليار دولار لمدة ثلاثة سنوات لصالح البلدان الإفريقية من أجل الزراعة، البنى التَّحتية، والشركات الصغيرة. كما إنَّ المسؤولين الصينيين رفيعي المستوى لا يوافقوا على التَّدخّل في الشؤون الداخلية للبلدان الموردّة. لكن بكين تسعى جاهدة للهروب من القوى الّتي اكتسبت الخبرة قبلها من طرف اليابان والقوى الغربية.

حتى عام 1993 إن الصين قد استطاعت الاكتفاء بمواردها الخاصة من النفط. ولكن بعد ذلك، فإنّ نسبة شراء الصين للذهب الأسود قد ارتفعت من 1.5% مليون برميل باليوم الواحد في عام 2000 إلى 5 مليون برميل في عام 2010 وهذا الارتفاع كان بنسب ة330 %. وإذا تحققت التنبؤات الحالية فإنها ستصل إلى 11.6 مليون برميل في اليوم الواحد في عام 2035. ومع التَّوسُّع السريع لأسطول السيارات، فإنَّ بعض المحليين توقَّعوا، مع حلول عام ٢٠٤٠، ” استهلاكاً مساوياً لاستهلاك الولايات المتحدة الأمريكية”. ولكن في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية يمكنها أن تُؤمّن ثلثي احتياجاتها (بما في ذلك إنتاج كندا الّتي تجاورها)، إلّا أنّ الصين لا تغطي سوى ربع استهلاكها من مواردها الخاصة. لهذا يتوجب على الصين إذاً تأمين المتبقي من إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية ودول الاتحاد السوفيتي السابق. وإذا حافظت بكين على هدفها المُتمثل بمضاعفة إنتاجها من الكهرباء بمقدار ثلاث مرات في خمسة وعشرين عاماً، فإنّ واردات الغاز، والّتي لم تكنْ أساساً موجودة في علم ٢٠٠٥، ستصل عام ٢٠٢٠ إلى ٨٧ مليار متر مكعب يومياً، وذلك سيكون بشكل أساسي من الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا على شكل غاز طبيعي سائل، ومن روسيا وتركمانستان عن طريق خط أنابيب. إنّ الصين قادرة أن تؤمن احتياجاتها من الفحم، ولكن الاضطرابات فيما يخصّ الإنتاج والنقل قد جعلتها أكثر فاعلية اقتصادية بالنسبة للمقاطعات الساحلية المتطورة، وذلك بإحضارها من استراليا أو اندونيسيا. أمّا بعد ذلك فقد وصلت الواردات إلى ١٨٣ مليون طن بعد ذلك بسنتين، ما عدا عام ٢٠٠٩، فكما نُلاحظ ازدياد الطلب على المعادن الخام المُستوردة مثل: (الحديد، النحاس، الكروم، النيكل)، والّتي هي أساسية للإلكترونيات المتقدمة ولصناعة السبائك ذو المقاومة العالية.


2- الصين في قلب العولمة 

“لوموند ديبلوماتيك” – فيليب ريكيسويكز – أيلول – ٢٠١٢

   

بما أنَّ هذا الاعتماد يزداد، فإنَّ استمرارية الشراء تُعدُّ بمثابة قلق كبير بالنسبة للزعماء وقد صرح نائب وزير الخارجية M.K Yucheng قائلاً: إنَّ واجب الصين هو تأمين حياة كريمة للسكان والَّذين يبلغ عددهم ١.٣ مليار نسمة. يمكنكم الآن تخيُّل التَّحدِّي النَّاجم عن هذا الأمر، والَّضغط الهائل الَّذي تواجههُ الحكومة، أعتقد أنَّ لا شيء يبدو مهماً. كُلّ البقية يجب أن يخضعوا لهذهِ الأولوية الوطنية، إذاً فإنَّ تعزيز الروابط مع مورديِّ المواد الأولية الدوليين، يصبح هدفاً أساسياً للسياسة الخارجية. إذاً السُّلطات مدركة لمخاطر انقطاع الإمدادات والتي يمكن أن تنجم عن الحروب الأهلية، عن تغيُّرات النِّظام أو عن نزاعات إقليمية أمَّا من أجل الوقاية من ذلك حاولت الصين تنويع مصادرها، تطوير إعلانات سياسية مع مورِّديها الأساسين والمشاركة في ودائع المعادن الخام والهيدروكربونات. هذه المبادرات تستفيد من دعم الإدارة ككلِّ: البنوك التَّابعة للدَّولة، الشَّركات الوطنية، السلك الدبلوماسي، الجيش. أمَّا فيما يخصُّ النَّفط، فقد حثَّت الشَّركات التَّابعة للدَّولة: شركات النَّفط الوطنية الصينية (CNPC)، شركة الصين للبتر وكيماويات (Sinopec) وشركة النَّفط الصينية البحرية (nooc)، على الاستثمار في حقول النَّفط بالخارج، بالشراكة مع الشركات الوطنية المحلية مثل Saudi Aranco، 

Petroleum de Venezuela SA (PDVSA)

La Sounded Nacional de Petroleos de Angola (Sonangol) 

وقد تمَّ إتباع نفس السِّياسة في صناعة المعادن، حيث قامت شركات الدولة، مثل: 

China Minmetals Corporation (CMC)

China Nonferrous Metals Int’L Mining (CNMIM) ، بمضاعفة استثماراتها في مناجم الفحم في الخارج، ومن أجل دعم هذهِ العمليات، فقد شاركَ القادة في مناورات دبلوماسية كبرى، وغالباً يوافقها وعود بالفوائد، بقروض منخفضة الفائدة، عشاء مُترف في بكين، مشاريع مرموقة، مباني رياضية ومساعدة عسكرية.  وقد منحوا الحكومة الأنغولية قرض بقيمة ٢ مليار دولار من أجل تسهيل حصول شركة Sinopec على نصف عمليات الحفر البحرية الموعود بها. كما قد أقرضوا فنزويلا ٢٠ مليار دولار من أجل مساعدة المفاوضات الشاقة القائمة بين NPC، PPVSA.

كما تلَّقت بلدان أخرى من بينها السُّودان وزيمبابوي، دعماً عسكرياً مقابل الوصول إلى ثرواتها الطبيعية.

هذا النَّوع من الترتيبات يقود بكين بلا شك إلى الانخراط أكثر فأكثر في الشؤون السياسية والعسكرية للدول المعنية.

في السُّودان تمَّ اتِّهام الصين، الَّتي كانت مهتمة بحماية استثمارات (CNPC)، بمساعدة النظام الوحشي الخاص بِ عُمر البشير وذلك عن طريق تقديم الصين الأسلحة والدعم الدبلوماسي.

وقد صرَّحت مجموعة الأزمات الدولية في حزيران عام ٢٠٠٨ قائلة: ” إنَّها أكبر مُستثمر في السُّودان، وإرادتها بحماية استثماراتها بضمان أمنها فيما يخصُّ الطَّاقة، مُتحَّدة مع سياستها التقليدية بعدم التَّدخُّل ساهمت في وضع السودان بمأمن من الضَّغط الدولي” وفي الفترة الماضية، قلَّل الصينيون دعمهم للبشير وخصوصاً بإنشاء دولة جنوب السودان الجديدة المُستقلَّة حيث يتواجد معظم النفط.

ربما قد ننسى مجدداً أنّ الصين ليست نموذجاً لحكومة ديمقراطية، وقد تمَّ أيضاً انتقاد دعم بكين لأنظمة استبدادية أو فاسدة مثل أنظمة إيران وزمبابوي وخصوصاً من قِبل الأمم المتحدة التي وضعت طهران تحت المراقبة، وفي زيمبابوي قامت الصين بمساعدة النظام القمعي لِ “Robert Mugabe ” روبرت موغابي، وذلك بتزويده الأسلحة وتدريب قواتهِ الأمنية وذلك بأمل الحصول على الأراضي الزراعية، التبغ، والمعادن الثمينة.

حتَّى في حالة البلدان الأقل انعزالاً على السَّاحة الدولية، فإنَّ بكين تميل إلى التَّعامل مع الشَّركات الوطنية التاَّبعة للحكومات الشريكة، وبذلك تساهم حتماً بإغناء النُّخب المحليِّة بدلاً من بقية الشعب، حيثُ أنَّ هذهِ البقية نادراً ما يستفيدون من نتائج هذه الاتفاقيات. 

في أنغولا تمَّ إقامة علاقات وثيقة مع La Sonagol، والتي هي شركة تابعة للدولة ويسيطر عليها شخصيات مُقرَّبة من الرئيس خوسيه إدوارد دوس سانتوس. وإن تمَّ الاستفادة من أولئك المُدراء التنفيذيين الأساسيين للشركة، فإنَّ أغلبية الأنغوليين يعيشون بأقل من دولار في اليوم. ويواصل أيضا Chevron، exxon Mobil، BP. الَّتفاوض مع النِّظام الأنغولي ومع أنظمة أُخرى من نفس النوع.

 حتىَّ لو أنَّ الطبقة الاستبدادية أو العدائية للأنظمة الّتي تتعامل معها لا تزعجها كثيراً، فإنَّ الصين تودُّ استرداد قيمتها من خلال تقديم مساعدات لصغار المزارعين وغيرهم من المقاولين من الطبقات الأقل دعماً. وفي المناطق الّتي تُطبَّق فيها بشكل كبير، مثل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فقد استثمرت بشكل كبير في بناء السِّكك الحديدية وخطوط أنابيب النفط. ولكن ومع ترقُّب الاستفادة من القطاعات الأخرى يوماً ما، فإنَّ هذه البنى التَّحتيِّة تخدم بشكل أساسي احتياجات شركات المعادن والنفط المرتبطة بها.

يقول رئيس جنوب أفريقيا:

“إنَّ هذا النوع من العلاقات ليس دائماً على المدى الطويل”

حسب تقرير مُوصى به من قبل لجنة التَّنمية بالبرلمان الأوروبي فإنَّه للوهلة الأولى تبدو الرِّغبة الصينية بالثروة الطبيعية كنعمة لإفريقيا. بكين قد ساهمت بالعمل بالّنمو الاقتصادي للقارة. ومع ذلك يكشف الفحص المُعمَّق عن صورة أكثر وضوحاً. في عام 2005، فقط 14 بلداً جميعها من منتجي النفط والمعادن الخام، كان لديها توازن تجاري إيجابي مع الصين وهذا التَّوازن يعتمد بشكل أساسي على تصدير المواد الخام. ثلاثون بلداً ممن لديهم عجز تجاري تغمرهم المنسوجات الصينية وغيرها من السِّلع الاستهلاكية الرخيصة وهذا ما يثير غضب المنتجين المحليين.

فيما يخصُّ التَّبادلات الصينية الأفريقية، فقد اتسعت الفجوة بشكل كبير بين البلدان الفائزة والخاسرة، الأمر الذي سبَّب هنا وهناك استياء شديد، ويُلخِّص التَّقرير قائلاً: “بالنسبة لغالبية البلدان الأفريقية، فإنَّ الخطاب الصيني بخصوص الَّتنمية قد أثار توقُّعات كبيرة، لكنَّه لم يخلق الظروف لنمو اقتصادي دائم”.

إذا استمرت الصين بتأمين الوصول إلى المواد الخام قبل كلّ شيء، فإنَّها ستتصرف بشكل أكبر مَّما كانت تفعله القوى الاستعمارية القديمة، وستقترب من الحكومات في البلدان الغنية بالموارد الطبيعية، بتشكيلها الحد الأدنى من التَّنمية العامة. ولم يتأنى رئيس جنوب أفريقيا في أن يكشف عن ذلك عند انعقاد منتدى تموز الماضي حيث قال: “التزام الصين بتطوير أفريقيا يتشكل خصوصاً من توفير المواد الخام” وهذه حالة يعتبرها الرئيس غير ثابتة على المدى الطويل”.


3- الاقتصاد الصيني: تحول جذري 

ريتشارد هيرد وشون دويرتي

قسم الشؤون الاقتصادية: OCDE

ترجمة: هيئة التحرير

ظهور الصين كواحدة من أكبر الاقتصاديات في العالم ليس مفاجأة في الواقع.

اقتصاديون أمثال Angus Maddison تنبَّؤوا بهذا التَّطوُّر منذ فترة والجانب الأكثر وضوحاً لهذا التَّطور يتجلَّى في مساهمة القطاع الخاص للوصول إلى معدل عالمي في النمو. مع ذلك تستمر الصعوبات، كما هو متوقَّع، بعد إعادة توجيه جذرية لما كان فيما مضى اقتصادا موجَّها من قبل الدولة.

التَّحوُّل الاقتصادي الصيني كان سريعاً جداً منذ الإصلاحات الأولى التي قد أجريت منذ حوالي 25 عاماً أو أكثر بقليل (1979). وحسب الإحصاءات الرسمية، فإنَّ متوسِّط النمو السنوي كان 9،5% خلال العقدين الماضيين، وهذا المعدل يجب أن يستمر بنفس الوتيرة لمزيد من الوقت.

كل ثماني سنوات تضاعف الدخل الوطني. وهذه الزيادة بالإنتاج قد قادت إلى تحوُّل اقتصادي، والذي يعدُّ من التَّحوُّلات الأسرع والأقوى في السنوات الخمسين الأخيرة.

بعد تعديل الاختلافات في القوة الشرائية، فإن َّحجم الاقتصاد يتجاوز حالياً حجم كل بلدان OCDE (منظمة التعاون والتطوير الاقتصادي) باستثناء بلد أو اثنين، حسب مساواة قوة الشراء المستخدمة.

وإن كان متوسِّط الدَّخل هناك لا يزال أدنى منه في البلدان الأخرى ذو الربح المتوسِّط، فإن أجزاء كبيرة من البلاد تشبه بعض بلدان شرق آسيا المتقدِّمة منذ حوالي 20 عام، وتتِّبع معدَّل سريع جداً.

من الآن وصاعداً العديد من قطاعات العمل قد تم دمجها بشكل كامل في سلسلة الإنتاج العالمي، وحسب التَّوجُّهات الحالية، فإنَّ الصين يمكن أن تصبح مع بداية العقد المقبل أول دولة مصدِّرة في العالم، ويمكن أن تمثِّل 10% من التَّبادلات التِّجارية العالمية والتي هي 6% حالياً.

هذا الأداء الاستثنائي كان ممكناً بفضل الإصلاحات الاقتصادية التي أجرتها السُّلطات والتي أطلقت آليات السوق تدريجياً. وقد بدأ هذا التَّحوُّل في القطاع الزراعي منذ أكثر من 20 عاماً، وانتشر تصاعدياً في الصناعة وفي أقسام كبيرة من قطاع الخدمات.

منذ عام 2000، إجراءات مراقبة الأسعار تمَّ تقليلها بشكل أساسي، ما عدا قطَّاع الطَّاقة. خلال هذه الفترة، أوجدت السلطات الصينية قانون الشركات المبتكر، وبذلك سمحت لأول مرة لأفراد معينة بالمحافظة على شركات ذو مسؤولية محدودة. كما تطبِّق الحكومة بصرامة العديد من القوانين فيما يخص المنافسة، وهذه القوانين تهدف إلى توحيد السوق المحليِّة. كما تَّم إعادة إحياء مناخ الأعمال من خلال السماح بالاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد، خفض الرسوم الجمركية، تفكيك احتكار الدولة للتجارة الخارجية والقضاء على ظاهرة تعدُّد أسعار الصرف.

هذه الديناميكية بتحرير الاقتصاد استمرَّت مؤخَّراً. مع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية (OMS)، الأمر الذي قاد إلى تسوية عدد كبير من القوانين التشريعية والتنظيمية، والذي قد فتح المجال لتخفيضات جديدة على الرسوم الجمركية. وفي عام 2005، تم َّإلغاء القوانين التي كانت تمنع الشركات الخاصَّة من الوصول إلى عدد من القطَّاعات مثل: البنى التَّحتية، المرافق، أو الخدمات المالية.

كثير من الإصلاحات دعمت بشكل شامل ظهور قطاع خاص وقوي في الاقتصاد.

هذا ليس كل شيء، حيث أنَّ السُّلطات بدأت أيضا بإصلاحات واسعة في القطاع الحكومي الذي سيطر على الاقتصاد في أوائل التسعينيات من القرن الماضي. وقد تمَّ دمج الشركات التَّابعة للدولة، وإدراج الكثير منها في البورصات المفتوحة منذ حوالي 15 عام. منذ عام 1998 اتَّبعت السلطات العامة بنجاح سياسة والتي تقوم على السماح للشركات الصغيرة بالرحيل وتجبرها على التخصُّص بشيء ما أو الإغلاق، وإعادة هيكلة الشركات الكبرى. خلال السنوات الخمس التي تلت فإنَّ أكثر من نصف الشركات الصناعية التابعة للدولة قد اختفت أيضاً، والقوى العاملة بهذا القطاع تناقصت لأكثر من 14 مليون وينسب ذلك بشكل جزئي إلى تخفيض عقود العمل. وقد تمَّ تسهيل هذه العملية من خلال وضع مخطَّطات مساعدة للعاطلين عن العمل من خلال تأمين الحماية الاجتماعية.

هذه الإصلاحات وغيرها حسَّنت الشُّروط الخاصَّة  لتعبئة الموارد النَّاتجة عن واحد من أعلى معدَّلات الادِّخار في العالم- معدَّل الادِّخار الإجمالي يقترب من نصف النَّاتج المحلي الإجمالي- الأمر الذي قاد إلى تضخُّم سريع بأسهم رأس المال حتىَّ لو أنَّ هذه التقديرات لا يمكنها أن تكون إلَّا تقريبية، وقد كان الاستثمار أيضا بمثابة قوَّة هادفة لتوسيع المجتمع وهي ظاهرة رافقت تدفُّق العمال الريفيين باتِّجاه القطاعين الصناعي والخدمي، وعند الأخذ بعين الاعتبار الإنتاج الضعيف للعاملين بالقطاع الزراعي فإنَّ هذه الظَّاهرة قد زادت النمو بشكل كبير.

من جهة أخرى فإنَّ السلطات قامت بتحسين مستوى تأهيل الشباب. كما أنَّها أطلقت أيضا برنامج لكي تضمن لكل الأطفال الحد الأدنى من التعليم والذي هو 9 سنوات، مؤكِّدة بشكل خاص على وصول جميع المناطق الريفية لهذا الهدف بحلول عام 2006، كما تمَّ أيضاً إصلاح التعليم العالي. ارتفعت أجور المثقفين في ظل التَّأثير المتزايد لاقتصاد السوق.

ومع هذا فإنَّ ديناميكية الاستثمار لا تجعلنا ننسى الحاجة إلى توزيع أفضل لرأس المال. بالتَّأكيد الدين العام يمكن أن يكون مستقر عند مستوى يعادل فقط ثلث بلدان منطقة منظَّمة التَّعاون والتَّطوير الاقتصادي. ولكن القروض الممنوحة من قبل البنوك لا تستوفي شروط السوق، ولهذا فإنَّ الديون تُمثِّل 30% من إجمالي النَّاتج المحلي ويجب أن تكون في النِّهاية معطاة من قبل السلطات العامة. ولقد تمَّ البدء بإعادة هيكلة البنوك الكبرى ولكن الجهود الكبيرة تبقى أساسية من أجل ضمان عمل النِّظام المصرفي وفقاً للقواعد التجارية ومن الواجب أيضاً إصلاح الأسواق المالية: أسهم الشركات المشاركة في التَّداول يجب أن تكون قابلة للتَّفاوض، وأسواق العمل يجب أن تكون مفتوحة للشِّركات الخاصِّة.

يُفضَّل وضع تشريع تجاري أفضل، خاصََّّةً فيما يتعلق ببدء الشركات وإغلاقها.

يجب تغيير قانون الشركات من اجل تقليل العوائق أمام إنشاء الشركات، كما يجب وضع قانون للإفلاس من أجل إضفاء الطابع الرسمي على حقوق الدائنين ومساعدة الشركات الخاصَّة بالحصول على الائتمانات بسهولة أكثر، وتدابير كهذه يمكنها أن تدعم دور القطاع الخاص، والذي يُشكِّل نموه أحد أهم الأحداث البارزة في توسيع الصين.

من الصعب قياس حجمها بدقَّة ولكن إن أخذنا بعين الاعتبار الشركات التي لا تنتمي إلى الدولة أو إلى مجتمع معين، فإنَّ القطَّاع الخاص سيشكل 57% من القيمة المضافة التي تمَّ إنتاجها في عام 2003 من قبل قطاع الشركات غير الزراعية.

يُؤكِّد الثقل المتزايد للقطاع الخاص على التَّوجُّه نحو اقتصاد السوق، ويجعل الحفاظ على بيئة اقتصادية متوازنة أمرا لا بد منه، خاصَّة فيما يتعلَّق بالأسعار. إنَّ الَّثبات النسبي لسعر الصرف مقابل الدولار الأمريكي قد عرَّض الاقتصاد لتضخُّمات أو انكماشات. في الواقع فإنَّ مُعدَّل التَّضخُّم، الذي كان غير ثابت في العقد الماضي، قد كان أعلى بحوالي ثمانية أضعاف من معدل الولايات المتحدة الأمريكية، وأعلى أربع مرات من معدَّل أوروبا الغربية. خلال الَّدورة الحالية إنَّ تدفُّق العملات الأجنبية قد جعل الشراء بالدولار الأمريكي أمراً ضرورياً من أجل استقرار سعر الصرف. بهذه الطريقة كان من الصعب جدا تجنُّب تضخُّم النُّقود.

الاختلالات:

كما هو متوقَّع، فإنَّ السِّرعة في التَّوسُّع والتأثير المتزايد للسوق قد قادا إلى ظهور تفاوت بين الناس وبين المناطق. لكن انخفض الفقر المدقع: حسب بعض المصادر، فإنَّ أكثر من نصف الانخفاض في الفقر المدقع في العالم بين عامي 1980-2000 حصل في الصيف. حتىَّ أفقر المناطق في الغرب والوسط كان نمو معدَّل دخلها أقل بنسبة 1% فقط من معدَّل نمو البلاد ككل. وعلى الرغم من كونها متواضعة مقارنة بنمو المناطق الساحلية، فهي أعلى من مثيلاتها في العديد من الدول النامية.

ساهم ازدياد الإنفاق العام على تخفيف بعض أوجه التَّفاوت في التَّنمية. كما قد تمَّ وضع برامج بهدف تقليل الضَّرائب والرسوم غير القانونية في المناطق الريفية، وبالتاَّلي زيادة في الدَّخل. ومع ذلك، سيكون من المرغوب فيه أن تكون هذه التَّدابير مترافقة بإصلاح التَّحويلات والذي يقلِّل الفجوة بين احتياجات الإنفاق والواردات المحلية في المناطق الأكثر فقرا.

وفي الوقت نفسه يمكن نشر جهود من أجل إنشاء سوق عمل وطني، أو على الأقل على مستوى المنطقة.

حالياً، من الصعب على عُمَّال الريف وعائلاتهم الاستقرار بشكل حتمي في منطقة أخرى، وإن تمكَّنوا من ذلك، فإنَّ حقَّهم في استئجار استثماراهم الزراعي يمكن أن يتمَّ سحبه دون تعويض. حيث يتم طلب تراخيص لأي تنقل، حتىَّ وإن كان مؤقت، كما أنَّ العديد من الخدمات العامة المحلية تصبح غير متاحة أو صعبة المنال بالنسبة للمهاجرين.

مع ذلك فإنَّ الهجرة الجماعية الريفية تُشكِّل ناقلا للتَّحضر والذي يجب أن يدار بعناية. في الوقت الحالي، تعتبر المدن الصينية ذو حجم أكثر تجانساً مقارنةً بالاقتصادات الأخرى، وقد أكَّدت تقارير حكومية أخرى حديثة على الفوائد المحتملة الناجمة عن إنشاء أعمدة مدنية كبيرة على طول الساحل والأنهار الكبرى. بدأت قوى السوق تشعر بنفسها في القطاع العقاري، والذي يتميَّز بمعدَّل انشغال بما يقارب 70%. ومع ذلك، فإنَّ المدَّة القصيرة لعقود الإيجار التجارية والسكنية (من 40 إلى 70 عام) يمكن أن تتصرّف كعامل إيقاف لتخطيط الأراضي ذو النوعية الجيدة، حيث أنَّ المباني المنشاة يتم إعادتها للدولة عند انتهاء عقود الإيجار.

يٌشكِّل التلوث تحدِّيا آخر. بما أنَّ خمس من المدن العشر الأكثر تلوُّثا في العالم تتواجد في الصين، فإنَّ تلوُّث الهواء سيفرض على المجتمع تكلفة تقدر ما بين 3% و8% من إجمالي الناتج المحلي. وقد أَّدت الاستثمارات المنجزة في إطار الخطتين الخمسيتين الأخيرتين إلى تحسين مكافحة التَّلوث من خلال التقليل بشكل كبير من الارتباط بين النمو الاقتصادي والتدهور البيئي.

ومن أجل مواصلة هذا التَّحسُّن يجب التَّحكُّم بعناية بمناطق الانبعاثات الكبرى ومن ثَّم التَّأكُّد من أنَّ المكاتب المحلية المسؤولة عن البيئة ستعاقب على أي انتهاك للمعايير. تؤكِّد هذه القضية، كمثيلاتها، على ضرورة تكثيف الصين لإصلاحاتها المؤسساتية وعلى ضرورة ضمان التنفيذ الفعَّال لترسانة تشريعية ذو نوعية جيدة.

التَّحوُّل الاقتصادي الصيني عظيم، غني بالتعاليم، لكنَّه أيضا مصدر للتَّحدِّيات المتعدِّدة. كل شيء يتمُّ فحصه بالتفصيل في الدراسة الاقتصادية الأولى للصين والتي تنجزها منظمة التعاون والتطور الاقتصادي.

يمكن وصف العقد الماضي عصر تسارع الإصلاحات، ولكي يستمر النمو بنفس الوتيرة خلال السنوات العشر المقبلة فإنَّه يجب بذل كل ما يمكن من أجل الحفاظ على، او في الواقع توسيع حماس هذا الإصلاح.


4- الصين تثبت الدليل على مكانتها في وسط العالم

فرانسوا نيكولاس

تُصرِّح الخبيرة الاقتصادية فرانسوا نيكولاس في مقابلة لها مع “ميزانية العالم لعام 2019” قائلةً: طرق الحرير الجديدة، الكيان البحري، استثمارات هائلة، دبلوماسية تجارية… تُبسط بكين سيطرتها على الكوكب، ولكنَّ هذا التَّوسُّع لا يخلو من الضعف.

درست فرانسوا نيكولاس منذ سنوات تطوُّر العلاقات بين الصين ودول جنوب شرق آسيا. وهكذا تمكَّنت أن تنظِّم كيف أنَّ جدلية العلاقات التجارية والتأثيرات السياسيّة تغيِّر شيئاً فشيئاً في التَّوازنات الاستراتيجية والاقتصادية الإقليميّة، بما في ذلك ما يجاور حدود الصين مباشرةً

تنشر الصين مبادرة (Belt and Road) على طول الطُّرق البحرية والبريِّة التي تربطها بأوروبا. كما أنَّها تزيد من قوِّتها ووجودها العسكري البحري امتداداً من واجهتها البحرية وحتىَّ المحيط الهندي. دبلوماسيتها التجارية واستثماراتها تتواجد في جميع القارات. هل هي إذاً في طور قهر مكانة قوّة الهيمنة في العالم؟

إنَّ الصين لديها، بطريقة غير قابلة للشك، رؤية استراتيجيّة عالميّة منظَّمة إلى حدٍ ما خصوصاً منذ وصول الرئيس شي جين بينغ إلى السُّلطة. وهذه ليست بالضرورة استراتيجية معرفة بشكل كامل أو نهائية، ولكنَّها تتَّبع شعاراً بسيطاً ألاَّ وهو: استعادة الصين مكانتها في العالم والتي كانت تملكها قبل انتهاك الأوروبيين لسيادتها ابتداءاً من منتصف القرن التاسع عشر. إذاً هذه الاستراتيجية لديها حكاية والتي هي التَّجديد، ولكن على أرض الواقع فإنَّ الممارسات متغيِّرة للغاية. فالصينيون يُغيِّرون تصرفاتهم تدريجياً عندما يواجهون الحقائق. 

ولكن أليس هذا انفصالاً جذرياً عن الموقف السابق لبكين، والتي لا تزال تحت حكم دنغ شياوبينغ، والتي كانت تريد أن تكون متواضعة وأن تتخلَّى عن كل تدخل في شؤون العالم، باستثناء حدودها المباشرة؟

في الواقع يعتقد القادة الصينيون الآن أنَهم يمتلكون الوسائل الاقتصادية التي تمكِّنهم من تحقيق طموحهم، وأنَّه يمكنهم الخروج من الانتظار التقليدي من أجل مواصلة الهجوم والتَّخطيط للتأثير الصيني على بقية العالم. لأنَّه ما وراء البُنى التحتية الثقيلة-موانئ، طرقات، سكك حديديّة -فإنَّه يوجد طرق الحرير الجديدة، كما أنَّه يوجد أيضاً رغبة قويَّة بنشر المعايير الصينيّة وكذلك الطُّرق التي تتَّبعها الصين لفعل الأشياء.

إذاً هل هي، كما في عصر الماويين، عبارة عن تصدير للشيوعيّة كنموذج للتنمية؟ أو هل هي ليست إلَّا مُجرَّد سياسة حقيقية من أجل ضمان تحكًّم بالطُّرق الِّتجارية والمصادر الأساسيّة لاقتصاد تصديري كبير ومستهلك للطاقة وللمواد الأوليّة؟

لا يمكننا معالجة هذه المفاهيم بسهولة كما يفعل الصينيون. ولطالما أعتقد الغربيون أنَّهم منذ أن مرَّوا بمراحل الَّتصنيع، الليبراليّة، والاستعمار من أجل تحقيق الديمقراطية، فإنَّ الصين ستفعل الشيء نفسه. لكنَّنا، فيما يخص هذا الأمر، نفتقر بشكل متفرِّد إلى التَّخيُّر. 

بالتأكيد فإنَّ الصين تريد أن تضمن أمن إمداداتها، ولكن وعلى خلاف الاستعمار الأوروبي أو الإمبريالية الأمريكية فإنَّه لا يوجد أي إيديولوجية سياسية، رغبة بفرض نموذج اجتماعي، اقتصادي وثقافي. بالمقابل فإنّ الصينيين مقتنعون بأنَّهم يمتلكون الحلول التي تسمح للبلدان النامية بالتقدُّم كما فعلوا. ولكنهم لا يسألون أنفسهم حتىَّ أن يبرهنوا أنَّ نموذجهم يجب اتِّباعه. إنَّهم يعتبرون أنفسهم إمبراطورية الشرق، وهذه الحقيقة قد تمَّ إخفاؤها مؤقتاً عن أعين العالم خلال القرنين الماضيين.

 إنَّ الاستراتيجية الصينية ليست بهذا السياق “إمبريالية”، والتي تهدف إلى أن تفرض هيمنتها على الشعوب الأخرى، إنَّه فقط مَُّجرد تأكيد على ثبات مكانة الصين في وسط العالم، وتأكيد على أنَّ الصين لم تتمكَّن من لعب الدور الذي كان يجب عليها أن تلعبه. ولكن هذا في نظرهم كان يعتبر منطقيّاً بما يكفي نظراً للوزن الديموغرافي والاقتصادي لهذه البلاد. نسبة الصين من التِّجارة العالميّة هي اليوم نفسها نسبة الولايات المتحدة عندما وصلت إلى ذروتها في أوائل الستينات. والقضية هي معرفة ما إذا كانت ستستمر في النمو.

لكن العالم يختلف عما كان عليه في القرن السادس عشر، عندما كانت الصين وحدها تزن أكثر من نصف الثروة العالمية…

الخطاب حول عودة الإمبراطورية هو في الواقع أسطوري لأنَّ الأشكال الحالية مختلفة جداً بالتَّأكيد. في القرن السادس عشر كانت الإمبراطورية بالتَّأكيد في الوسط لكنَّها لم تكن منفتحة على العالم. 

اليوم، الأمر ليسَ مسألة إعادة بناء الماضي بترك الثروة العالمية تتدفَّق متقاربة من الصين والسيادات الأجنبية من أجل تكريم الإمبراطور، ولكن من أجل إسقاط سلطة محو الخارج ونحو بقية العالم. 

المساعدة “بالنسبة للصين” هي عبارة عن قروض مرتفعة، شروط في حالة تقصير الدائن والتي تقتصر على التَّخلِّي عن السيادة: ألم نرَ بكين تفرض على سريلانكا الحق بميناء لمدة تسعين عام.

هذا ما فرضهُ البريطانيون على إمبراطور الصين لهونغ كونغ عام ١٨٩٨! أليست هذه إعادة إصدار لسياسة السفن الحربية، عندما اتَّخذت القوى الاستعمارية الثورية خطوة أولى، قبل الغزو، بفرض وجودها على الدول التي لا تستطيع سداد ديونها؟

الفرق مع الاستعمار الأوروبي هو أنَّه، مع الصين، فإنَّ الدولة لا تدعم المصالح التجارية لأصحاب البنوك أو التجار. 

المُستثمران الصينيان الأساسيان في الخارج-سواءً في “طرق الحرير الجديدة” أو مشاريع أخرى-هما بنك الصين للتَّنمية وبنك التَّصدير والاستيراد، وكلاهما من البنوك التابعة للدولة. 

المستفيدون الرئيسيون، وتقريباً، الوحيدون من الأعمال الكبرى هم الشركات الكبرى التابعة للدولة مثل: (SOE State-Owned Entreprises)

والتي ليست بالضرورة تابعة للدولة المركزية مثل منطقة تيانجين للتنمية الاقتصادية (TEDA) والتي تعود مُلكيتها لسلطات مقاطعة تيانجين والتي استثمرت منطقة واسعة في السويس في مصر والتي من المفترض أن تستضيف الشركات الصينية.

اختلاف آخر وهو أنَّ الصينيين لا يهدفون إلى قهر السلطة السياسية في البلدان المُستهدفة، وكل تأثير عليها.

للتأَّكيد فإنَّ ثقل سُلطتها على ميزانيات بعض الدول الصغيرة مثل: لاوس، كمبوديا، نيبال، صربيا، كازاخستان، سريلانكا، يُقدم لهم نفوذاً كبيراً.

خصوصاً أنَّ الصين تستخدم أيضاً عوامل تأثير أخرى مثل: تدريب المسؤولين في جامعاتها، تبادل الطلاب، العلاقات بين الأطراف. 

كما أنَّ النَّشاط الدبلوماسي للحزب الشيوعي الصيني مع الأحزاب الأخوة والتي يتجاوز مداها الشيوعية يبدو كبيراً.

لكن هذا لا يعمل في كل مكان، حيث أنَّ بعض الحكومات تقاوم إشارات الإنذار كما في منغوليا، او أنَّها تمارس سياسة التَّبديل الصينيين والغربيين، اليابانيين والكوريين كما في تايلاند، الفلبين، وروما. 

ولقد شهدنا مؤخراً رئيس الوزراء الماليزي يستنكر الاستعمار الصيني الجديد وشروط بعض العقود، حتى باكستان تقترح بعض المقاومة. وسيتوجَّب على بكين دون شك أن تُغيِّر أساليب تصرفها.

في بداية القرن الواحد والعشرين، أليست الصين على وشك أن تكون خليفة للولايات المتحدة كقَّوة أولى عالمية، كما قالت الولايات المتحدة قبلها في بداية القرن العشرين أمام بريطانيا؟

حتماً فإنَّ الصين تستفيد من انسحاب الولايات المتحدة والدول الأوربية الكبرى من بعض أنحاء العالم. هذا واضح كليِّاً في أفريقيا وبشكل جزئي في أمريكا اللاتينية. كل التَّوسُع الصيني لا يخلو من نقاط الضعف ويختلف عن التَوسُّع الأوربي في القرنين الثاني عشر والتاسع عشر والتوسع الأمريكي في القرن العشرين.

أولاً وقبل كل شيء بما أنَّهُ إطراء تقودهُ الدولة وليس شركات خاصة، فإنَّ الاستثمارات والمشاريع الكبيرة ليس شرطاً أن يكون هدفها أو شرطها متمثِّلاً بالربح المالي. بالتأكيد سيأتي وقت سيتوجَّب فيه طرح مسألة القائد على الاستثمار، أو مسألة سداد الديون خصوصاً أنَّ هذهِ المشاريع وهذهِ القروض تفرض انتقادات في البلدان المنفية. خصوصاً أنَّهُ يمكن أن يفرض حدود نظام اقتصادي مالي تدعمهُ أسواق متقلبة مثل العقارات أو معرَّضة للخطر مثل الشركات الكبيرة الحكومية غير التنافسية والمجتمعات المحلية المُثقلة بالديون. 

الفرق الكبير الآخر مع بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية هو أنَ الصين ينقصها السمة الرئيسية لقوة هيمنة عالمية أولاً وهي: المال، ولقد كانت سيطرة الجنيه الإسترليني ومن ثم الدولار في المبادلات التجارية دليلاً وأداة للإمبريالية البريطانية والأميركية.
بالتَّأكيد فإنَّ بكين حصلت اليوان المدمج بعملات صندوق النقد الدولي، أو أنَّ بعض التبادلات الإقليمية مُطبَّقة باليوان. لكن الطريق إلى عولمة اليوان سيبقى طويلاً للغاية، خصوصاً وأنَّ السلطة السياسية لا تبدو مستعدة لقبول اشتراكات فاعلية تحويل مجانية للعملة الوطنية. وعندما تمَّ اتِّخاذ هذه الخطوة في هذا المجال منذ عامين فقد أدَّى ذلك إلى هروب هائل من رأس المال، كما أنَّ بكين قد تراجعت.

لا تزال بكين بعيدة عن محاولة المساواة مع الولايات المتحدة في بعد رئيسي آخر للقوَّة: ألا وهو الحال العسكري. وإنَّ الصين، وبغضِّ النَّظر عما يقال، فهي بعيدة عن السيطرة على الأسلحة الأكثر تطوُّراً حتَّى لو أنهَّا تملك الرغبة بتقليص هذا البعد. بأسطولها البحري لا يملك إلا حاملتي طائرات.

بالتأكيد فإنَّ الولايات المتحدة، وبعد أن تعلَّمت من إخفاقاتها المتعدِّدة في العقود الماضية في مختلف المناطق، قد أصبحت أقل نشاطا وتواجداً على الساحة العالمية. هذه كلها فرص والتي يمكن للصين انتهازها. ولكن إذا تصرَّفت واشنطن كما يريد الرئيس دونالد ترامب، حتَّى لو كان سلوكه وحشيا وغير عقلانيا، فإَّن أمريكا يمكنها بقوَّة أن تسجل نقاطا ضد الصين التي لديها الكثير لتخسره في الصدام الدبلوماسي والتجاري. لأنَّه، ومن وجهة نظر عسكرية، فإنَّ الولايات المتحدة تبقى القوة العالمية الأولى.

نُشر في 25 كانون الثاني في عام 2019


مقتطف من مقال “خمس أطروحات في الماركسية المعاصرة” – فريدريك جيمسون

“توسيع النظام”

للرأسمالية دوماً مركز. كان المركز السابق هو المركز الانكليزي وهو الآن مركز الهيمنة الاميركي. وكان كل مركز جديد أوسع مدى وأكثر إحاطة من المراكز التي سبقته. وبهذا تنفتح مجالات أرحب للتسليع عموماً، ولقيام الاسواق وإنتاج المنتجات الجديدة. وفاقاً لصيغة مختلفة نوعا ماً من صيغ السرد التاريخي، نستطيع الحديث عن حقبة قومية من لحظات تطور الرأسمالية انبثقت من الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر. وتلك هي الحقبة التي خبرها ماركس نفسه ونظّر لها، وإن يكن بصورة نبوئية. وقد أعقبتها في نهاية القرن التاسع عشر حقبة الامبريالية، حيث انخرقت حدود الاسواق القومية وتأسس نظام كولونيالي شامل للعالم بأسره. أخيراً، بعد الحرب العالمية الثانية وفي عصرنا الحالي، تفكّك النظام الامبريالي القديم وحلّ محلّه “نظام عالمي” جديد تسيطر عليه الشركات المتعدية الجنسية. إن الحقبة الحالية من الرأسمالية، الرأسمالية “العابرة للقوميات”، تعيش توازناً قلقاً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بين ثلاثة مراكز هي اوروبا والولايات الاميركية المتحدة واليابان، لكل مركز ملحقاته الشاسعة من الدول الدائرة في فلكه. هذه الحقبة الثالثة، التي لم تكتمل مراحل انبثاقها الحاسمة إلا مع نهاية الحرب الباردة (على افتراض انها اكتملت فصولاً) هي بالتأكيد أكثر «عولمة» من عصر الامبريالية السابق. فمع “تحرير الأسواق” (حسب التسمية الدارجة) في أراض شاسعة من الهند والبرازيل وأوروبا الشرقية، باتت فرص تغلغل رأس المال والسوق أعظم نوعياً مما كانت عليه في مراحل سابقة من الرأسمالية. فهل يجب الخلوص من ذلك الى ان هذا هو الاكتمال النهائي لما تنبأ به ماركس حول تكوّن السوق العالمي وبالتالي بلوغ الرأسمالية حقبتها الختامية -بما فيها “التسليع الشامل لقوة العمل”؟ أشك في ذلك. لأن الديناميات الطبقية الداخلية للحقبة الجديدة لم تستنفد كامل طاقاتها بعد، وعلى الاخصّ من حيث انبثاق اشكال جديدة من تنظيم العمل ومن النضال السياسي المتناسب مع الدرجة التي بها تحوّل عالم الاشغال بفضل “العولمة”.


شخصيات ماركسية:

المفكِّر الماركسي “سمير أمين”

توفي سمير أمين في باريس يوم الأحد ١٢ آب ٢٠١٨.

ولد في احدى قرى الدلتا عام ١٩٣١، ونال الدكتوراه عن أطروحة في الاقتصاد من جامعة السوربون عام ١٩٥٧ تحت عنوان “الآثار البنيوية للدمج العالمي للاقتصاديات ما قبل الرأسمالية” قدم فيها أطروحة ماركسية جديدة، مخالفاً نظرية ماركس عن الآثار التقدمية للاستعمار الانكليزي للهند، تقول إنه في عصر الإمبريالية لا يمكن للبرجوازيات القومية أن تتجاوز التخلف كما فعلت انكلترا ١٦٤٢ – ١٦٨٩ وفرنسا ١٧٨٩ نتيجة ارتباطها البنيوي التابع بالمركز الإمبريالي.

في كتابيه “التراكم على الصعيد العالمي” (١٩٧٠) و “التطور اللامتكافئ” (١٩٧٣) هناك تطوير لتلك الأطروحة المقدمة عام ١٩٥٧ وبسط وشرح لها.

في أثناء دراسته بفرنسا انتسب سمير أمين إلى الحزب الشيوعي المصري (الراية)، بقيادة الدكتور فؤاد مرسي، الذي اندمج مع فصائل شيوعية أخرى (“الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني – حدتو” و “تنظيم العمال والفلاحين”) في ٨ يناير ١٩٥٨ لتشكيل الحزب الشيوعي المصري. كان سمير أمين هو صلة الوصل لتنظيم “الراية” مع الحزبين الشيوعيين الفرنسي والايطالي. في فرنسا نشر كتاباً باسم حركي (حسين رياض) تحت عنوان “مصر الناصرية” في مرحلة ما بعد اعتقالات الشيوعيين في ١ يناير ١٩٥٩ في القاهرة ودمشق.

كان سمير أمين هو صلة الوصل لتنظيم “الراية” مع الحزبين الشيوعيين الفرنسي والايطالي. في فرنسا نشر كتاباً باسم حركي (حسين رياض) تحت عنوان “مصر الناصرية” في مرحلة ما بعد اعتقالات الشيوعيين في ١ يناير ١٩٥٩ في القاهرة ودمشق.

لم يكن مناصراً لقرار الشيوعيين المصريين بحل الحزب عام ١٩٦٥ والاندماج في “الاتحاد الاشتراكي” بعد خروجهم من السجن.

مال في فترة الخلاف السوفياتي – الصيني إلى الماوية بالستينيات. كان رأيه أن ما سقط في الاتحاد السوفياتي أعوام ١٩٨٩ – ١٩٩١ هو نموذج “رأسمالية الدولة” وليس “الاشتراكية”.

كان الماركسي العربي الوحيد الذي اكتسبت أطروحاته الفكرية بعداً يتجاوز النطاق العربي، وهو يعتبر من كبار الاقتصاديين العالميين في القرن العشرين. كان مثالاً عن المفكر – المثقف الذي ينتظم في العمل الحزبي ونقيضاً قوياً لكثير من المفكرين والمثقفين الذين يرون تعارضاً بين الانتظام الحزبي والعمل الفكري-الثقافي.

ظل محتفظاً بماركسيته ولم ينجرف في موجة ترك الماركسية التي مارسها الكثير من الشيوعيين والماركسيين في مرحلة ما بعد الانهيار السوفياتي.


ملاحظة: إن المواد المترجمة المنشورة تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن آراء وتوجهات “الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي”.


 لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا