العدد التاسع والعشرون من جريدة المسار – حزيران ٢٠١٩

  • الافتتاحية: لماذا سوريا بكل هذه الأهمية؟
  • القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا – نادر عازر
  • الحرب الأهلية في سوريا – ماكس فيشر
  • التأثير الدّولي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – نيكولاس ويستكوت
  • انتخابات البرلمان الأوروبي (23-26 أيار 2019) – د. جون نسطة
  • وثيقة: مشروع المهمات البرنامجية المرحلية – تجمُّع اليسار الماركسي في سورية (تيم)
  • مقتطف من كتاب “رأس المال” لـ “كارل ماركس”.
  • شخصيات ماركسية: من سلسلة شهداء الحركة الشيوعية العربية “عبد الخالق محجوب”

الافتتاحية: 

لماذا سوريا بكل هذه الأهمية؟

كانت سورية مفتاح منطقة الشرق الأوسط للغزاة والفاتحين، فعند سقوطها كانت المنطقة بأكملها تسقط بعدها بعدد من السنين لا يتجاوز أصابع اليدين، مثلما حصل مع الاسكندر المقدوني ثمّ المسلمين إثر معركة اليرموك، أو أكثر قليلاً بحد لا يتجاوز ثلث قرن (الرومان حين سقطت سورية بيدهم عام 64 قبل الميلاد ثم مصر في 31 قبل الميلاد)، فيما كان الزمن أقل مع السلطان سليم الأول بعد معركة مرج دابق عام 1516 إذ سقطت مصر والحجاز في العام التالي ثمّ العراق عام 1534، وفي عام 1918 كان تداعي الدولة العثمانية بعد سقوط دمشق في 1 تشرين الأَّوَّل (أكتوبر) 1918 بيد الحلفاء لا يتجاوز تسعة وعشرين يوماً حين وقع العثمانيون صكوك الاستسلام في جزيرة مودروس، فيما هذا لم يحصل لدى انفلات بغداد والقدس من يدي العثمانيين عام 1917، ولا القاهرة في 1882. وفي عام 1955 لم يكن انحياز سورية الى عبد الناصر سبباً فقط في موت حلف بغداد، وإنًّما أيضاً، بعد الوحدة المصرية-السورية في 22 شباط (فبراير) 1958، كان طريقاً أدَّى إلى سقوط نوري السعيد في 14 تموز (يوليو) 1958 وعدنان مندريس في 27 أيار (مايو) 1960 بانقلابين في بغداد وأنقرة فقدا الحكم وحياتهما بعدهما، فيما لم تؤدِّ الهيمنة الأميركية على القاهرة منذ 1974، ثمّ سقوط بغداد بيد واشنطن في 9 نيسان (ابريل) 2003، إلى استقرار المنطقة بيد الأميركي، ما دامت دمشق خارج هذا السياق.

في عام2011، كان نشوب الأزمة السورية منذ 18 آذار (مارس) في درعا سبباً في أزمة دولية هي الأولى منذ انتهاء الحرب الباردة عام 1989، لم تستطع أن تقود إليها لا حرب 1999 للناتو في صربيا وكوسوفو “الحديقة الخلفية للروس منذ أيام القياصرة ثم السوفيات” ولا غزو الأميركيين للعراق عام 2003.

في 4 تشرين الأول 2011 في قاعة مجلس الأمن في نيويورك أعلن الفيتو الروسي-الصيني المزدوج بداية مجابهة حلف موسكو-بكين، مدعوماً بدول مجموعة البريكس (الهند – البرازيل -جنوب أفريقيا)، مع حلف النّاتو الذي يضم دول ضفتي الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة وصولاً إلى جناحه الجنوبي الشرقي ممثلاً في تركيا، والذي كان في قمته في نيسان 1990، غداة انتصاره على حلف وارسو، قد وسع نطاق عملياته إلى أبعد من القارة الأوروبية، وهو ما رأيناه في أفغانستان 2001 مثلاً من خلال قوات “ايساف”.

خلال أعوام2012- 2019 ترادف الصراع الدولي (على سورية) و(في سورية) بين معسكري العالم هذا،(ولوأن البريكس قد انهارت بفعل الخلاف الصيني- الهندي وبفعل صعود اليمين للسلطة البرازيلية عام2016،فيما ظل تعاون صيني- روسي لم يصل تماماً لمستوى الحلف الثابت والمستقر) وهو تطوّر استقطابي ضد  القطبية الأحادية العالمية لواشنطن البادئة في عام 1989، مع مجابهة إقليمية بين الخليج، بدعم من التحالف الغربي بزعامة واشنطن، وبين إيران، المتلاقية في الصراع (على سورية) و(في سورية) مع محور موسكو- بكين، والمدعومة بحكومة بغداد و”حزب الله” المسيطر على مقدرات الأمور في بلاد الأرز، مع حيادية مترددة للقاهرة.

هنا، كانت دمشق منصة لإعلان صراع دولي-إقليمي بين معسكرين من طابقين دولي وإقليمي، مع امتدادات سورية محلية لكل منهما. لم تكن بغداد هكذا في عام 2003 على رغم الاعتراض الروسي-الفرنسي-الألماني على غزو العراق واحتلاله، ولم تتشجّع موسكو على تحويل أرض الرافدين إلى ميدان للصراع مع واشنطن على رغم انفكاك التحالف الأميركي – الإيراني في آب (أغسطس) 2005 مع استئناف طهران برنامجها في تخصيب اليورانيوم وهو التحالف الذي ظلّل غزو العراق واحتلاله ثمّ صياغة “العراق الجديد” عبر “مجلس الحكم” الذي أنشأه بول بريمر في 13 تموز 2003 وكان في تركيبته صورة مصغَّرة عن تقاسم النفوذ بين واشنطن وطهران. يبدو أنَّ الضعف الأميركي منذ الأزمة المالية- الاقتصادية في أيلول (سبتمبر) 2008، ثمّ فشل الأميركيين في احتواء التمدّد الإيراني في أعوام 2007 -2011، قد شجَّع الرُّوس والصينيين على محاولة مجابهة القطب الواحد الأميركي للعالم من خلال مجابهة واشنطن في الأرض السورية منذ ذلك الفيتو في 4 تشرين الأول 2011 ثم المتكرِّر في 4 شباط 2012 و19 تمُّوز 2012، قبل أن تقبل واشنطن بالأمر الواقع الدولي- الإقليمي المستجد وتقرّ في اتفاقية موسكو في 7 أيار 2013 بمفتاحية موسكو في حل الأزمة السوري ثم تقبل بالدخول العسكري الروسي للأرض السورية منذ 30أيلول2015،ولوأنَّ واشنطن في عهد ترامب قد لجأت لشيء جديد وهو تشجيع الأكراد على السَّيطرة على شرق الفرات مع مظلَّة عسكرية أميركية تجعل التواجد العسكري الأميركي في موازاة الوجود العسكري الروسي غرب الفرات.

هذه المنصَّة الدمشقية ليست فقط صراعاً في سورية لقوى دولية وإقليمية وإنَّما هي كذلك وفي الوقت نفسه صراع على سورية: كان (الصراع في سورية) من أجل تحدِّي واشنطن في وضعية القطبية الأحادية الأميركية للعالم، وهو ما تمَّ إعلانه من خلال اتفاقية موسكو التي هي اقرار أميركي بعدم قدرة واشنطن على ممارسة الأحادية القطبية في الأزمة السورية التي تتكثَّف بها صراعات المنطقة والعالم. وليس من دون دلالة أن يعلن ذلك بعد لقاء لوزير الخارجية الأميركي مع فلاديمير بوتين في الكرملين. أيضاً، فإنَّ هذا (الصراع في سورية) هو بالنسبة الى طهران ميدان لإثبات وتكريس ما حقَّقته من نفوذ وامتداد إقليمي بين كابول والشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط انطلاقاً من البوابة البغدادية في أعوام 2007-2011. من جهة ثانية، يبدو أنَّ (الصراع على سورية) هو بسبب كونها مفتاحاً للمنطقة، بالنسبة الى الروس كامتداد إلى البحر المتوسط، وبالنسبة الى الإيرانيين بوصف (سوريا جسراً إلى البحر المتوسط) من خلال معبر سيطرتهم على بغداد وهيمنتهم على الحكومة هناك.

هذا الأمر بالنسبة الى الروس والإيرانيين لا يقتصر على الميدان الجغرا -سياسي، وإنَّما له شق اقتصادي من خلال اهتمام روسي باكتشافات الغاز في الشاطئ الشرقي للمتوسط والتي وصلت عند شركة غاز بروم للتوقيع على عقود للشراكة في استثمار حقول الغاز الإسرائيلية والقبرصية والمصرية في العريش، ويبدو أنَّ هناك مؤشرات على اهتمامات لدى موسكو تجاه الحقول السورية واللبنانية عند الشاطئ الممتد من اللاذقية إلى الناقورة.

عند طهران نيَّات معلنة منذ عام2010 عن مشروع لمد خط لأنبوب غاز إيراني يمتد للساحل السوري عبر الأراضي العراقية، فيما هناك اهتمام تقليدي في بلاد الرافدين باعتبار الساحل السوري مرفأ ً للعراقيين ومصباًّ لأنابيب نفط العراق انطلاقاً من شعور كان يعبّر عنه نوري السعيد وصدام حسين بأنَّ العراق “يشبه الزجاجة ذات الفتحة الضيّقة”، وهو ما دفع الأول إلى طرح مشروع الهلال الخصيب، واهتمام الثاني الكثيف بسورية الذي تجسَّد في انخراط عملي في أحداث 1979-1982 إلى حدود طرحه آنذاك مشروع “حكومة سورية موقتة”، يكون مقرَّها بغداد، على المعارضين في “التجمع الوطني الديموقراطي” أثناء تفكيرهم بـ “جبهة عريضة” مع (الإخوان) و(بعث العراق) في فترة1980-1982، كما أنَّ هذا البحث عن نافذة بحرية عراقية للخروج “من عنق الزجاجة” هو السبب الذي دفع صدام حسين الى شن الحرب على إيران في 1980 ثم غزوه للكويت عام 1990.

هذا الانخراط الكثيف للروس والإيرانيين في الصراع السوري له أيضاً أوجه دفاعية وقائية على الصعيد الاقتصادي: مع تهديد إيران المستمر بإغلاق مضيق هرمز، ومع اضطرابات اليمن والصومال والقرصنة البحرية، ومع عدم قدرة قناة السويس على أن تعبرها ناقلات نفط وغاز عملاقة، هناك مؤشِّرات على أنَّ هناك تفكيراً عند دول الخليج الخمس (عدا عُمان، بالطبع) نحو جعل الساحل السوري مصباً لأنابيب النفط والغاز الخليجيين، وفي جعله مرفأ لبضائع الخليج في الاستيراد والتصدير، ويبدو أنَّ التكلفة الاقتصادية أقل من الطرق البحرية إذا استعملت القطارات والشاحنات وهي كذلك أسرع. يريد الروس والإيرانيون منع حصول ذلك من خلال تثبيت كلمتهم في سورية عبر الصراع المستعر الآن في وعلى الأرض السورية.

هنا، عند موسكو هاجس كبير بأنَّ استغناء أوروبا عن الغاز الروسي، الذي يزوِّدها الآن بثلث احتياجاتها، واستبداله بغاز خليجي يصل بسرعة وبتكلفة أقل عبر الساحل السوري، أو عبر أنابيب تصل من الخليج عبر الأردن وسورية وتركيا الى الأراضي الأوروبية، سيجعل روسيا في موقع الضعيف أمام الغرب ويجعلها غير قادرة على التحكم بعصب الاقتصاد الأوروبي، الذي يتهيأ منذ الآن ويخطط لاتجاهات نحو الاستغناء أو التقليل من واردات الغاز الروسية.

من المرجَّح أنَّ الأتراك يريدون جعل أراضيهم ملتقى أنابيب الغاز والنفط الخليجية، إضافة الى أنابيب غاز ونفط القوقاز وآسيا الوسطى السوفياتية السابقة، لتكون تركيا ممَّراً لها نحو القارة الأوروبية، (إضافة لأنبوب السيل الجنوبي الذي دشن عام 2018 لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركية) وهذا على الأرجح سبب انخراطهم الكثيف في الصراع السوري، إضافة إلى حلمهم بجعل دمشق و”شام شريف” مفتاحاً للمنطقة يشبه مرج دابق عام 1516 لتكون اسطنبول من جديد في زعامة العالم الإسلامي السنّي، وهو ما يقلق، الى حدّ ما، الرياض والقاهرة، ويثير بالتأكيد القشعريرة في طهران.


القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا

نادر عازر

(تنويه من الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي: ونحن ننشر هذه المادة عن القواعد العسكرية الأميركية في سوريا، نريد التنويه بأن حزبنا هو ضد تواجد كل القوات العسكرية غير السورية، سواء كانت نظامية أو غير نظامية، في سوريا وضد كل القواعد العسكرية لقوات غير سورية في سوريا، مهما كانت الجهة السورية التي هي وراء إعطاء تلك القواعد العسكرية لقوات غير سورية. هذا رأينا الذي يشمل فترة الأزمة السورية 2011- 2019 وفترة ما بعد انتهاء الأزمة السورية.)

محافظة الحسكة:

١- قاعدة الرميلان في مطار “أبو حجر”، أنشئت في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٥، بالقرب من بعض منشآت النفط الرئيسية في سورية، وهي من أولى القواعد العسكرية الأميركية في سوريا. المطار في الأساس ليس عسكرياً، بل كانت تستخدمه مديرية زراعة الحسكة لرشّ المبيدات الزراعية، لكن توقًّف العمل فيه منذ عام ٢٠١٠. القوّات الأمريكية عملت على توسيع مدرّج المطار ليصل طوله إلى ٢٥٠٠ متر وعرضه إلى ٢٥٠ متر، ليكون بذلك صالحاً للاستخدام من قبل الطائرات العسكرية، ودعم معارك “قوات سورية الديمقراطية”، وتؤوي القادة أيضاً جنوداً وخبراء وقوّاتاً مظلية، وتستعمل للإمداد العسكري، لكن عدد العناصر فيها غير معروف.

٢- قاعدة مطار روباريا، في أقصى شمال شرق البلاد، قرب مدينة المالكية والحدود العراقية التركية. المطار كان في الأصل صغيراً مخصصاً للطائرات الزراعية، قبل أن تحوُّله الولايات المتّحدة، أيضاً، إلى مطار لهبوط الطائرات المروحية، لتقديم الخدمات اللوجستية لـ “قوات سورية الديمقراطية” ودعم قوّات التّحالف الدولي الأخرى التي قاتلت تنظيم “الدولة الإسلامية”. وتضمّ طائرات للنقل ومركزاً للخدمات اللوجستية، وخبراء تقديم معلومات للتحالف، وفيها ما يقارب ٣٠٠ عنصر.

٣- قاعدة الشدادي، وتقع جنوب محافظة الحسكة، أُنشأت لدعم “قوات سورية الديموقراطية” في معاركها ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، وفيها ما يقارب ١٥٠ مقاتلاً أمريكياً.

٤- قاعدة تل بيدر، تقع شمال المحافظة، وفيها ما يقارب ٨٠٠ جندي أمريكي و٧٠ جندي فرنسي، ويتم فيها تدريب ما يسمى بـ “جيش مغاوير الثورة”.

٥- قاعدة المبروكة، غربي المحافظة، قرب الحدود التركية، وفيها ما يقارب ٤٥ جندياً أمريكياً، وتحتوي على مروحيات قتالية لتنقل الأسلحة والمساعدة إلى “قوات سورية الديمقراطية”.

٦- قاعدة تل تمر، شمال غرب المحافظة، ويتواجد فيها حوالي ٢٠٠ جندي أمريكي و٧٠ جندي فرنسي، ويتم فيها أيضاً تدريب ما يسمى بـ “جيش مغاوير الثورة”.

محافظة الرقة:

١- قاعدة عين عيسى (اللواء ٩٣)، وتعد كبرى قواعد الجيش الأميركي مساحة في سوريا، وفيها ما يقارب ٢٠٠ جندي أمريكي و٧٥ فرنسي، ومن مهماتها إيصال الذخيرة وتقديم الدعم اللوجستي إلى مواقع “قوات سورية الديمقراطية”.

٢- قاعدتين عسكريتين في الطبقة، وتستخدم الأولى (قاعدة محمد فارس) للطيران الأمريكي، وفيها جنود أمريكيين وفرنسيين وكنديين ونمساويين، وتشكّل موقعاً استراتيجياً لربط حلب بالرقة، ومهمتها تنسيق نشاط قوّات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في الرقة والحسكة. وليس بعيداً عنها تقع قاعدة أخرى، وتتمثل مهمتها في مراقبة تحركات القوات الحكومية وتدريب “قوات سورية الديمقراطية”.

٣- قاعدة تل سمن (سمعان)، ومهمتها التنصت وقطع اتصالات مسلحي تنظيم “الدولة الإسلامية” السلكية واللاسلكية، وتوفير الاتصال مع المقر المركزي للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

٤-قاعدة تل أبيض، وتقع على الحدود السورية التركية، وتعتبر نقطة انتشار وتمركز للتحالف الدولي، ويتواجد فيها حوالي مئتي جندي أميركي.

٥- قاعدتان عسكريتان في قرية “صباح الخير”، وتستخدمان لهبوط المروحيات الحربية.

محافظة حلب:

١- قاعدة صرّين جنوب عين العرب (كوباني)، وتعتبر إحدى أهم القواعد الأمريكية شمال سوريا، لأنَّ خطتها الإنشائية تشير، إلى أنَّها ستكون قاعدة دائمة، فقد أعد المطار من الصفر، وتم البدء ببنائها مطلع العام ٢٠١٧ لتكون قاعدة عسكرية ضخمة محاذية لشمال غرب محافظة الرقة، وتبعد أربعة كيلومترات فقط شمال طريق حلب-الحسكة.

بنيت هذه القاعدة على أراضي، معظمها (٨٠٪) جرى شراؤها من فلاحي القرية، في حين قدَّم “حزب الاتحاد الديمقراطي” بقية المساحة مجاناً من أملاك الدولة السورية.

وتعتبر قاعدة صرّين موقعاً لنشر وحدات الإنزال الأمريكية، وتشكّل مركزاً للتواصل بين قوات التحالف، ويوجد فيها أكثر من ٣٠٠ جندي أميركي وتحتوي على عشرات طائرات النقل العسكري الحديثة، ومدرج للطائرات وقاذفات مجهزة بأسلحة ثقيلة حديثة.

٢- قاعدة “خراب عشق” المجاورة لمعمل “لافارج” لإنتاج الاسمنت جنوب شرق مدينة عين العرب (كوباني). بدأ العمل فيها في آذار/مارس ٢٠١٦ بإنشاء قاعدة للطيران المروحي والتدريب، واتخذ الأمريكيون من بعض أبنية المعمل مقراً لهم، كما جرى شراء أراض خاصة من فلاحي المنطقة بمبالغ تجاوزت ٣٠٠٠ دولار امريكي للدونم الواحد في حين لا يتجاوز سعر الدونم ١٠٠ دولار في الأحوال العادية، وقدَّم “حزب الاتحاد الديمقراطي” الجزء الأكبر من المساحة اللازمة، أي حوالي ٧٠٪ منها مجَّاناً أيضاً، على الرغم من أنَّ ملكيتها تابعة للدولة السورية، وبالنتيجة شغلت هذه القاعدة حيزاً جغرافياً يقدَّر بـ ٣٥ كيلومتراً مربعاً.

وتختصٌّ القاعدة بالطيران المروحي وتقديم الدَّعم اللوجستي، كما يوجد فيها أكثر من ثلاثمئة جندي أميركي وخبير، وحقول تدريب على مختلف صنوف الأسلحة، ولهذه القاعدة أهمية جيوسياسية وعسكرية خاصة نظراً لإشرافها على طريق حلب-الحسكة، وقربها من سَدَّي تشرين والفرات، وكذلك توسُّطها المسافة بين منبج وعين العرب والرقة.

٣- قاعدة “جبل مشتى نور” جنوب عين العرب (كوباني)، وتشغله قوات فرنسية وأمريكية قوامها نحو ٣٠٠ جندي، كما يوجد برج راديو تابع للقوات الخاصة الأمريكية والفرنسية، وبناء لإقامة الخبراء والمستشارين العسكريين الفرنسيين الموجودين في المنطقة.

٤- القاعدة العسكرية الأمريكية في قرية الجلبية، بالقرب من عين العرب (كوباني)، وهي منطقة منفصلة مغلقة تحتوي على ما يقارب ٤٠ طائرة نقل عسكري حديثة ومدرج للطائرات وقاذفات مجهزة بأسلحة ثقيلة حديثة.

٥- القواعد العسكرية الأمريكية في منبج (ومنها الدادات وأثريا)، لها أهمية استراتيجية، وهي في الأساس كانت قواعد للفصل والمراقبة بين كافة القوات التي وصلت إلى مدينة منبج، ومنها “قوات سورية الديمقراطية” وفصائل “درع الفرات” المدعومة من تركيا، والجيش الحكومي السوري.

محافظة حمص:

١- قاعدة التنف، وتقع بالقرب من نقطة التقاء الحدود السورية-العراقية-الأردنية، ويتواجد فيها قوات أمريكية وبريطانية وما يسمى بـ “جيش مغاوير الثورة”، أنشأتها بدايةً بريطانيا في أيار/مايو ٢٠١٦، ومن مهماتها تدريب القوات التابعة لها وتسليحها وتقديم الدعم اللوجستي والعسكري لعناصرها لتمكينهم من قتال تنظيم “الدولة الإسلامية” وإنهاء وجوده في الصحراء السورية. وقد كشفت مصادر استخباراتية أن الجيش الأمريكي نصب قاذفة صواريخ طويلة المدى “هيمراس” تمثل دفعة كبيرة للوجود العسكري الأمريكي هناك، حيث بإمكانها ضرب أهداف ضمن مدى ٣٠٠ كيلومتر.

محافظة دير الزور:

قاعدة الزكف: وتقع جنوب غربي البوكمال، بالقرب من قرية حميمة، وعلى بعد نحو ٧٠ كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من التنف. أنشأتها الولايات المتحدة في وقت كان التوتر فيه شديداً إثر هجوم قوات التحالف الأمريكي على مقاتلين تدعمهم إيران مرات عدة لإيقاف تقدّمهم صوب التنف القريبة من حدود سوريا مع العراق، ليضمن سلامة قواته، ومنع قوات الجيش السوري الحكومي وإيران من التمدّد تجاه الحدود العراقية. ويوجد في القاعدة قوات التحالف الدولي، وما يسمى بـ “جيش مغاوير الثورة”، كما ينتشر فيها بطاريات مدفعية ذات قدرات عالية على المناورة ومنظومات لراجمات الصواريخ، ومعدات متنقلة لتنفيذ عمليات استطلاع وعربات مصفحة ومدرعات.

– المراجع:

موقع الجزيرة نت، وموقع وكالة سبوتنيك الروسية، ومركز حرمون للدراسات المعاصرة، ومرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.


الحرب الأهلية في سوريا

الصحفي الأمريكي: ماكس فيشر

الواشنطن بوست – 23/10/2013

ترجمة هيئة التحرير

يقول علم السياسة أنَّ الحرب الأهلية في سوريا قد تستمر على الأقل لعقد آخر جديد، وتبدو إدارة الرئيس أوباما وكأنَّها في ورطة حيال ما يجري في سوريا وتواجه سياسة اللا فعل وفقاً لرواية نيويورك تايمز واسعة الانتشار. ومن المحتمل أن يستغرق المسؤولين الأمريكيين سنوات وهم يتناقشوا بما يجب فعله حيال الحرب الأهلية في سوريا والتي قد تستمر حتى الإدارة الأمريكية القادمة. ووفقاً لمراجعة علم السياسة لمدة الحروب الأهلية من المحتمل أن يستمر الصراع السوري حتى العام 2020 أو ربما أكثر.

بدأ الصراع السوري في نيسان العام 2011 (آثرنا أن نقوم بالترجمة الحرفية لتاريخ الاحتجاجات في سوريا كما وردت في النص الأصلي الإنكليزي توخيِّاً للأمانة، ولكن من الضروري أيضاً الإشارة إلى التاريخ الصحيح وهو 18 آذار ما اقتضى التنويه : ]المترجم[) باحتجاجات تلتها عمليات قمع .لم تكن اللحظة الحاسمة التي تحوَّل فيها الصراع إلى حرب أهلية واضحة تماماً، ولكن بدأت معظم وكالات الأنباء بالإشارة إليها على الأغلب منذ أواسط العام 2012، ويمكن القول أن الحرب صار عمرها حوالي العامين. ووفقاً لدراسة حالات النزاعات الداخلية منذ العام 1945، فإن الحروب الأهلية تتجه لتستغرق متوسط من 7 إلى 12 عام، وهذا يقودنا إلى أن نهاية الحرب الأهلية في سوريا سيكون بين العامين 2018 و2023.

الأمر الأسوأ أنَّ تلك الدراسات قد ميَّزَت عدّة عوامل تتجه لتجعل الحروب الأهلية تستغرق وقتاً أطول من المعدَّل، والواضح أنَّ تلك العوامل تنطبق على الحالة السورية، بحيث يصبح من الواضح أنَّ الحرب الأهلية السورية قد تكون طويلة على نحوٍ غير اعتيادي. بالطبع هذه الأرقام هي مجرَّد توقُّعات بُنيَتْ على معدَّلات. وبالتعريف، فإنَ نصف الحروب الأهلية أقصر من الطول المتوسِّط، ويمكن للحالة السورية أن تكون واحدة منهم. ولكن، وبناءً على علم السياسة، فإنَّ الحالة السورية تمتلك الشروط المناسبة لتستمر الحرب الأهلية فيها طيلة فترة أوباما وربما فترة خليفتها لقادم. وهنا النتائج التي أظهرها البحث :

1) معدَّل حرب أهلية كان عشر سنوات كما في العام 2002: وجدت دراسة تمَّ إعدادها في العام 2002 من قِبَل “جيمس فيرون” من جامعة ستانفورد أنَّ معدَّل استمرار الحروب الأهلية كان عشر سنوات.

2) من المحتمل أن هذا الرقم قد ازداد: لقد ازداد طول فترة الحروب الأهلية بثبات منذ العام 1945 ووصلت إلى مستوى 15.1 سنة في العام 1999، بعد ذلك انتهت، ربما كان المطلوب حل النزاعات التي اشتعلت مع نهاية الحرب الباردة.

3) تصبح الحروب الأهلية أطول من المعدَّل وأكثر دموية عندما تتدخَّل قوى أجنبية: أكَّدت الدراسة التي قام بها “فيرون” و”ديفيد لاتين” في العام 2008 البحث السابق مذكِّرين أنَّ الحروب الأهلية تتَّجه لتكون أطول بشكلٍ ملحوظ عندما تتدخَّل قوى خارجية لصالح أحد طرفي النزاع. (وليكون الأمر واضحاً فإنَّ كلمة “تدخُّل” هنا تعني أكثر من تقديم التدريب لبضع من الثوار كما تفعل الولايات المتحدة، ولكنها تعني تقديم الدعم الكامل ليهزم طرف الطرف الآخر بشكل نهائي).

ثمة ورقة بحثية أخرى تمَّ إنجازها في العام 2002 وتوصَّلت إلى نتيجة مشابهة، حيث وجدت أن التَّدخُّل الأجنبي ينزع لجعل كل الأطراف أكثر عنفاً ولزيادة أدوات الموت. فإيران مشتركة بشكل مباشر في مساعدة قوات الرئيس بشار الأسد، كما يقوم حزب الله اللبناني بالأمر ذاته وأيضاً لصالح قوات الرئيس بشار الأسد، وبالمقابل تقوم المملكة العربية السعودية وبعض الدُّول الخليجية بالمساعدة على تكوين مجموعات مسلَّحة من الثوار، وأيضاً يشترك في القتال مجموعات جهادية أجنبية خصوصاً من العراق.

4)الحروب الأهلية تستمر أكثر من المعدَّل عندما يكون هناك العديد من المجموعات المسلَّحة :أشارت “باربارا ف وولتر” من جامعة كاليفورنيا في سنتياغو في ورقة بحثية في العام 2006 في مجلة العلوم السياسية ,أنَّ الحروب الأهلية تستغرق وقتاً أكثر عندما يوجد المزيد من المجموعات المتنافسة .المجموعات المسلَّحة في سوريا تتجه نحو التغيير في أعدادها وعلى نحوٍ منتظم . ولكن وولتر تقول أنَّ عددها هو 13 مجموعة. ولكن، ومهما يكن الرقم، فالحلفاء والموالين يتَّجهون نحو تبديل المواقع، ولكن المثير للقلق هو أنهم جاهزين دائماً لمقاتلة بعضهم البعض.

5) تكون الحروب الأهلية أطول من المعدَّل عندما لا يستطيع أي طرف من الأطراف نزع سلاح الطرف الآخر: إنَّما هي شلّ مقدرة الخصوم ومنعهم من قتالك. “تتجه الحروب الأهلية لتستمر وقتاً طويلاً عندما لا يستطيع أي طرف نزع سلاح الطرف الآخر الأمر الذي يسبِّب مأزقاً ع 

ليس الأمر مجرَّد أن تستولي على الأراضي وتتمسَّك بها عسكرياً” هذا ما استنتجه “فيرون “في دراسته العام 2002.

إنَّ نظام بشار الأسد مسلَّح بفعالية بقوى خارجية، وقد أعلنت إيران أنّه من الصعب نزع سلاح الثُوار، ومن الصعب رؤية بشار الأسد أن يقوم بنزع سلاح الثُّوار الذين جاءوا من الشعب السوري ومن خارج الحدود، من العراق، وقد حصل هؤلاء على تأييد الشعب السوري ضد نظام يشار الأسد واستطاعوا أن يغنموا الأسلحة.

6) تستمر الحروب الأهلية أكثر من المعدَّل عندما لا تنتهي عن طريق تسوية من خلال التَّفاوض عندما قام “فيرون” وآخرون بحساب معدَّل طول الحروب الأهلية، كان الرَّقم الأدنى هو في تلك البلدان التي توصَّلَ فيها أطراف النزاع إلى تسوية عن طريق التفاوض. وقالت “وولتر” أن هذه الاحتمال يكاد يقترب من الصفر، وقالت أن الوصول لاتفاق سلام أو تسوية يحتاج هنا الأمر لمسألتين: طرف ثالث يتعهَّد مصادر البلاد مثل قوات حفظ السّلام وقوة سياسية منفصلة بين المتقاتلين تكون قائمة على مواقعهم في ميادين القتال، الأمر الذي لا تملك منه سوريا أي منهما . وتضيف “وولتر” أنّ ثمة حرب أهلية واحدة من أربعة حروب قد انتهت عن طريق مفاوضات سلام أفضت إلى تسوية، ومعظمها انتهى إلى النصر الكامل لأحد أطراف النزاع، وهذا ما يكون حدوثه أقل الاحتمالات مع وجود التَّدخُّل الخارجي. ففي حين أن القوى الأجنبية تستطيع تأمين التَّزويد بالسلاح والمال بعد نشوب الصراع ، فإن هذا التَّدخُّل يؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاك الطرفين.

إننا لسنا بحاجة لكل هذا البحث لنرى أن سنتين من الحرب الأهلية في سوريا ولا ثمة أي علامة أو مؤشِّر على اتجاه الأمور نحو الحل. فالأرض السورية مقسَّمة اليوم بين قوات النظام والثوار العرب والمجموعات الكردية، ويبدو أن الجميع قد انتهوا إلى المأزق. فالثوار منقسمون على بعضهم وكل يحارب الآخر، وصار تأمين الطعام صعباً مثله مثل الوصول للعناية الطبية. ثمَّة دول أخرى بالشرق الأوسط قد تورَّطت بالحرب الأهلية في سوريا محوِّليها إلى ساحة حرب بالوكالة بين إيران ودول الخليج العربي. وبينما وافقت سوريا على تسليم سلاحها الكيماوي، تقوم روسيا بالمقابل بالعمل على حمايتها من التَّدخُّل الدَّولي.

يشير هذا البحث إلى أن استمرار الحرب الأهلية في سوريا لعشر سنوات قادمة ليس أمراً مُدهِشاً خصوصاً عندما ننظر إلى صراعات متشابهة. فالدولة الجارة لبنان كان لديها حرب أهلية مع انقسامات طائفية وتدخُّل أجنبي، واستمرَّت الحرب فيها إما لمدة 15 عاماً أو 30 عاماً وذلك بالاعتماد على كيفية حسابها. وثمَّة مخاوف من أن يتبع الصراع السوري النموذج الأفغاني، والتي اندلعت فيها الحرب الأهلية الأولى في الثمانينات وثم تبعتها حرب أهلية أخرى في تسعينات القرن العشرين بين مجموعات الثوار المنتصرين. بالنسبة لسوريا يقوم الثوار الآن بمحاربة بعضهم البعض وهذا يقودنا إلى الخشية من أن الثوار المنتصرين سوف يشعلون شرارة حرب ثانية.

يمكن أن تستمر الحرب في سوريا لمدة عشر سنوات أو ربما خمسة عشر، ولن يكون الرئيس أوباما قد غادر البيت الأبيض فقط، بل وقد يكون خلفه قد أمضى الفترتين الرئاسيتين ولا يزال القتل في سوريا مستمرَّاً. لقد قُتل أكثر من 100.000إنسان وتمّ تشريد مليون مواطن سوري، ولن يستطيع أي أحد أن يخبرنا كم ستكون التّكلفة بعد مضي عقد كامل.


التأثير الدّولي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

نيكولاس ويستكوت 

معهد الشؤون الدولية/إيطاليا Istituto Affari Internazionali (IAI)

9 آذار/مارس 2019

ترجمة هيئة التحرير

هَيِمَنت السِّياسة المحلية والأوروبية لخروج بريطانيا من الاتٍّحاد الأوربي Brexit على النقاش في البرلمان البريطاني وفي وسائل الإعلام وفي المملكة المتحدة ككل. ومع ذلك، سيكون لهذا الخروج تأثير دولي عميق على العالم بأسره. يجب فهم هذا بشكل أفضل، لأنّ بريطانيا ستعيش مع عواقب هذا الخروج لعقود قادمة.

جادلَ المُدافعون عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit) بأنَّه لن يكون له تأثير يُذكَر على مكانة المملكة المتحدة الدولية. وعن هذا الموضوع يقول رئيس الوزراء إنّنا نترك الاتحاد الأوروبي، لا أوروبا، وسوف نستمر في البحث عن أقوى روابط الأمن والسِّياسة الخارجية مع الدّول الأوروبية الأخرى. نحافِظ على واحدة من أكبر الجيوش وأكثرها فاعلية في أوروبا، إلى جانب فرنسا التي نتعاون معها عن كثب، وسنبقى عضواً قيادياً في منظمة حلف شمال الأطلسي والكومنولث، وسوف نحتفظ بمقعدنا في مجلس الأمن، ولا نزال سابع أكبر اقتصاد في العالم وواحد من أكبر المانحين للمعونة، فضلاً عن كوننا رائد عالمي في مجالات الرياضة واللغة والأدب والثقافة والفنون وجميع جوانب القوة الناعمة. يقرّ البعض بأنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يتسبَّب في حدوث انشقاق مؤقّت في المشاركة الدولية لبريطانيا أثناء قيامنا بترتيب ترتيبات المغادرة، لكن لا يمكن التغلب على روح(الدنكيرك) Dunkirk الصغيرة. ( روح الدنكيرك. موقف من القوة والتصميم والصداقة الحميمة، وخاصة من قبل الشعب البريطاني ككل، خلال وقت أو وضع صعب وضار. ويشير إلى إخلاء القوات من دنكيرك، فرنسا، التي نفّذتها عدة قوارب مدنية خلال الحرب العالمية الثانية)

سنكون بعد ذلك أحراراً في متابعة ما وصفه وزير الخارجية السابق بتقليدنا الفعَّال في الشؤون العالمية، وقد تحدَّث وزير الدِّفاع بجرأة عن البحرية الملكية مرة أخرى عن دوريات في بحر الصين الجنوبي.

للأسف، هذا يُسيء فهم الطريقة التي يعمل بها العالم، تماماً كما كشفت مفاوضات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي عن سوء فهم أساسي لكيفية عمل الاتحاد الأوروبي نفسه.

يشكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تغييراً جوهرياً في السياسة الخارجية البريطانية -في الواقع انعكاساً كاملاً- في حين تشكِّل مخاطر كبيرة على النظام العالمي الليبرالي المتعدِّد الأطراف الذي تدّعي بريطانيا الدِّفاع عنه، والتي ستعتمد عليها بشكل متزايد في ممارسة التأثير المستقبلي.

سوف تصبح التناقضات بين الاحتمالات الوردية التي رسمها المؤيّدون للخروج من الاتّحاد الأوربي Brexiteers (يشار إلى أولئك الذين يؤيدون الخروج البريطاني في بعض الأحيان باسم مؤيدو الانسحاب أو بريكستير “Brexiteers) والواقع الصَّعب والقاسي للسياسة العالمية واضحة بسرعة، ولكن بحلول ذلك الوقت سيكون قد فات الأوان لفعل الكثير حيال ذلك.

كشفت الحرب العالمية الثانية بشكل صارخ عمّق اعتماد بريطانيا على الولايات المتحدة، ولكن هذا البلد كان مع ذلك بارعاً في إدارة تدهوره النّسبي بينما ظلَّ فاعلاً عالميّاً. كان تفكيك الإمبراطورية قبل أن تبدأ تكلفتها العالية والانضمام إلى السوق المشتركة من الركائز الأساسية للسياسة الخارجية البريطانية، إلى جانب دعمنا غير المحدود للآليات الدبلوماسيّة متعدّدة الأطراف -الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز. (مؤسَّسات بريتون وودز هي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (IMF). تمَّ تأسيسها في اجتماع ضم 43 دولة في بريتون وودز، نيو هامبشاير، الولايات المتحدة الأمريكية في يوليو 1944. وكانت أهدافهم المساعدة في إعادة بناء اقتصاد ما بعد الحرب المُدمَّر وتعزيز الاقتصاد الدولي) ومنظمة التجارة العالمية (WTO) ومنظمة حلف شمال الأطلسي NATO.

يُعتبَر الاتحاد الأوروبي جزء من هذا المزيج، في الواقع هو مِحور الحفاظ على الاستقرار في أوروبا. كانت مارغريت تاتشر وجون ميجور بمثابة مهندسي علاقة بريطانيا الناجحة مع الاتحاد الأوروبي: فرز تكاليف الميزانية، وبناء السُّوق الموحَّدة، ودعم التوسعة، وإنشاء هندسة متغيرة أبعدتنا عن الكثير عمّا لم يناسبنا. 

استفادت بريطانيا بشكل كبير، من الناحية الاقتصادية من خلال الاستثمار الداخلي وتصدير البضائع (مثل السيارات) والخدمات (خاصة المالية) ليس فقط لباقي الاتحاد الأوروبي ولكن من خلال صفقات التجارة الحرّة إلى بقية العالم، ودبلوماسيَّاً من خلال تضخيم السياسة الخارجية البريطانية. يعترف العديد من أعضاء الاتحاد الأوروبي بأنّ بريطانيا لعبت دوراً غير متناسب في تحديد وتنفيذ السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.

واصَلَت المملكة المتحدة “اللعب بما يفوق ثقلها” في الشؤون العالمية بسبب تحالفاتها -مع الولايات المتحدة من ناحية، والاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى. هذا هو ما أعطى الثّقل لمواقفنا في الأمم المتحدة وحلف الناتو والكومنولث.

أصبح كلا هذين التحالفين موضع تساؤل الآن، من خلال “أمريكا أولاً” في الولايات المتحدة والتي من المُحتمل أن تتفوّق على ترامب وبريكسيت Brexit. على الرُّغم من كل صخب مؤيّدو الانسحاب Brexiteers، بعيداً عن إظهار قوتنا، فإنّ Brexit توضِّح ضعفنا، كما هو ظاهر بالفعل بوضوح للعالم في مفاوضات الخروج. في الواقع، منذ الاستفتاء، كان تثقيل بريطانيا أقل بكثير من وزنها.

سيؤثر Brexit على العالم في أربعة مجالات: صورة بريطانيا، وعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، دور الاتحاد الأوروبي في العالم، وصلابة الهياكل المتعدّدة الأطراف التي نقدّرها. من الناحية العالمية، فإنّ المستفيدين من خروج بريطانيا من الاتِّحاد الأوروبي ليسوا بريطانيا ولا الاتّحاد الأوروبي، ولكن السّيد “شي” وبوتين وترامب.

لقد تلقّت مصداقية بريطانيا الدولية ضربة قوية. إنّ التّخلي عن المعاهدات المُوقَّعة والتخلّي عن أصدقائك لمدة 40 عامًا يترك أثراً سيّئاً.

حلَّت صدمة وخيبة الأمل لدى الدُّول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في خلاصة مفادها أن بريطانيا لم تعُد تتصرَّف بعقلانية وليس هناك ما يمكنهم القيام به حيال ذلك. ومع ذلك، فإن هذه الصورة قد تلوّثت أكثر من خلال دفع شعار حول “عالمية” بريطانيا “تتناقض بوضوح مع كل شيء تقرأه دول أخرى في وسائل الإعلام حول ما يحدث هنا. يبدو أنّنا نحن الوحيدون المخدوعون.

ثانياً، على الرُّغم من تعهُّدات رئيس الوزراء بإقامة علاقات حميمة ووثيقة مع أوروبا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكنّه فقدَ الثقة وسيتطلّب الأمر بعض الوقت والجّهد لاستعادتها.

مع مرور خمس سنوات أو أكثر من المفاوضات التجارية المتعثِّرة لمتابعة رحيلنا الرسمي، لن تتم استعادة العلاقات الجيدة مع الاتحاد الأوروبي بسرعة. سيكون هناك دائماً شيء ما يمكن المجادَلة حوله، والعلاقات بين الدول كلها عبارة عن كرة واحدة من الشمع: ليس من السّهل أبداً المجادلة بشيء حول شيء ما والتعاون بشكل وثيق في شيء آخر، حتىّ مع الأصدقاء المقرَّبين مثل فرنسا وألمانيا. لذلك حتّى عندما نتّفق على قضايا السياسة الخارجية -بشأن روسيا أو الصّين أو الشرق الأوسط- سيكون التعاون أقل سهولة ممّا كان عليه.

ثالثاً، سيضعَف الاتحاد الأوروبي في العالم. أما فيما يتعلّق ببريطانيا فقد أعطتها العضوية في الاتحاد الأوروبي وزناً أكبر ومدى أكبر واتّصالات أوسع لمصلحتنا المشتركة، وذلك من خلال التحدُّث بصوت واحد حول التجارة والعقوبات وحقوق الإنسان، وكان الاتحاد الأوروبي قادراً على ممارسة نفوذ كبير في أوروبا الشرقية ومنطقة البلقان وأفريقيا. وسيكون تنظيم تلك الأمور أصعب بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقد يبدو صوت الاتحاد الأوروبي أقل شبهاً بصوت بريطانيا ممّا كان عليه الحال، حيث يفقد بعض التأثير والتوازن اللذين فرضتهما بريطانيا. ليس من مصلحة بريطانيا أن يكون الاتحاد الأوروبي أضعف على الساحة العالمية: سنكون أضعف في التصرُّف بشكل منفصل عن بعضنا البعض، وسوف تكون الأطراف الخارجية سعيدة بدقّ آسفين بيننا. ولن يكون أي شخص أكثر سعادة من دونالد ترامب وفلاديمير بوتين اللذين يسعى كلاهما لإضعاف الاتحاد الأوروبي بكل الوسائل المُمكِنة، لصالحهما. وقد أثار وزير الخارجية الألماني السابق، زيغمار غابرييل هذه النقطة ببلاغة.

وتُبرِز هذه النقطة التحدّي الرابع: وهو أنّ المملكة المتحدة، بتركها المؤسَّسة الأكثر فعالية في العالم المتعدِّد الأطراف، والتي كانت نموذجاً للآخرين، تضعف بشكل كبير النظام متعدِّد الأطراف ككل، في وقت تتعرّض فيه سلامتها للخطر الشديد. من الخطأ القول إنّ ذلك لن يُحدِث فرقاً: إن ذلك سيُضعِف النظام الذي نعتمد عليه.

كل هذا سيكون له عواقب على بريطانيا والاتحاد الأوروبي وآخرين. فالبيئة الدّولية لم تعد حميدة. وأولئك الذين يفضِّلون قانون الغاب يكسبون جولة على هؤلاء الذين يدافعون عن سيادة القانون الدولي، والوحوش الكبيرة في تلك الغابة لن يترددوا في التّنمُّر على الصغار الذين يحتاجون إلى الالتحام سويّاً إًذا أرادوا ألا يتم ابتلاعهم.

على الرّغم من أن Brexiteers يحبون أن يفكّروا في بريطانيا وحشاً كبيراً، إلاّ أنّها للأسف ليست كذلك.

فالدولة التي لا تكاد تستطيع حمل طائرة لوضعها على حاملة طائراتها، ناهيك عن الأسطول اللازم لحمايتها، نادراً ما تزرع الخوف أو الاحترام في نفوس الآخرين. ستكون بريطانيا في مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، في وضع دولي ضعيف للغاية، ومنقسم بعمق داخلياً وبدون سياسة خارجية متماسكة، وسط البحر وعلى طوّافة تائهة.

هناك خيارات بالطبع: للارتقاء مع الولايات المتحدة التي أوضحت بشكل متزايد أن أي تحالف يجب أن يكون وفقاً لشروطهم، والعمل على محاباة الحكومات الاستبدادية من بكين إلى الرياض على أمل تحقيق بعض المزايا الاقتصادية، أو الحصول على مكاسِب متواضعة والابتعاد عن الأصدقاء الأوروبيين الذين أداروا ظهورهم لنا في السّابق.

لا شك أنّنا سنحافظ على علاقات دافئة مع أصدقائنا القدامى اليابان وسويسرا وأستراليا وكندا والهند وبقية دول الكومنولث. لكن هذه ليست سياسة خارجية، ولن تضمن أمننا أو ازدهارنا.

هناك ثلاثة مفارقات في كل هذا. أولاً، في إضعاف أنفسنا والنظام الدّولي الذي يحمينا، سوف نضعف مطالبتنا بدور رائد في هذا النظام. عندما يتحقّق إصلاح الأمم المتحدة أخيرًا (والذي قد يكون أسرع ممّا نعتقد)، سيكون من الصّعب الدفاع عن عضويتنا الدائمة في مجلس الأمن. وكما اكتشف ديفيد كاميرون، فإنَّ حق النقض مفيد فقط إذا كان لديك القوة لفرضه. وبريطانيا لن تفعل ذلك. ثانياً، يكشف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عن حقيقة أن السيادة الحقيقية لا تأتي من الحكم الذاتي ولكن من المشاركة، وليس من التخلّي عن أصدقائك، ولكن من إبقائهم قريبين. ثالثاً، لمواصلة لعِب الدَّور العالمي الذي نتطلّع إليه والحفاظ عليه في ظل نمو الاقتصاد، سيتعيَّن على بريطانيا فتح حدودها أمام المزيد من الزوار والمهاجرين من بقية العالم.

وفي النهاية، إن المصادقة على صفقة رئيس الوزراء المغشوشة سيضع الختم على تراجع وسقوط بريطانيا.


انتخابات البرلمان الأوروبي

(23-26 أيار 2019)

د. جون نسطة

A – نتائج الانتخابات للبرلمان الأوروبي في ألمانيا:

١- الحزب الديموقراطي المسيحي (حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل) حاز على ٢٣ مقعداً وبخسارة ٦ مقاعد مقارنة بانتخابات ٢٠١٤.

٢-الحزب الديموقراطي الاجتماعي(الاشتراكي) حاز على ١٣مقعداً وبخسارة ١١ مقعداً مقارنة بانتخاب ٢٠١٤ 

٣-حزب الخضر حصل على ٢١ مقعداً بزيادة ١٠ مقاعد مقارنة بانتخابات ٢٠١٤

٤-حزب اليسار حاز على ٥ مقاعد، وبخسارة مقعدين مقارنة بانتخابات عام ٢٠١٤.

٥-حزب البديل من أجل ألمانيا (وهو حزب يميني متطرف) حاز على ١١ مقعداً بزيادة أربعة مقاعد مقارنة بانتخابات عام ٢٠١٤.

٦-الحزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي (موجود فقط في ولاية بافاريا) حاز على ٦ مقاعد بزيادة مقعد ١ مقارنة بانتخابات عام ٢٠١٤.

٧-حزب الليبراليين الأحرار حاز على ٥ مقاعد بزيادة مقعدين مقارنة بانتخابات عام ٢٠١٤.

علما بأن مجمل أعداد المقاعد المخصصة لألمانيا يبلغ ٩٦مقاعد مقعداً (نسبة لعدد السكان).

هذا وقد نزل إلى حلبة الصراع الانتخابي بقوائم مستقلة ٤٤ حزباً وتجمعاً، ومنها الحزب الشيوعي الألماني والحزب الشيوعي الالماني الماركسي اللينيني، ولم يحصل منها على أية مقعد. 

قائمة تعكس نسبة الاصوات المئوية التي حصلت عليها الأحزاب الفائزة فقط. 

١-الحزب المسيحي الديموقراطي حصل على ٢٨،٩% من أصوات المقترعين. 

٢-الحزب الاجتماعي الديموقراطي (مشارك بالسلطة) حصل على ١٥،٨%من أصوات الناخبين. 

٣-حزب الخضر حصل على ٢٠،٥ % من أصوات الناخبين. 

٤-حزب اليسار حصل على ٥،٥ من أصوات الناخبين.

٥-حزب البديل لألمانيا حصل على ١١،٥ من أصوات الناخبين. 

٦-حزب الليبراليين الأحرار حصل على ٥،٤ من أصوات الناخبين. 

هذا ويبلغ عدد الذين يحقُّ لهم الانتخاب في ألمانيا ٦١ مليون و٥٧٤ ألف و١٣٧ فرداً من أصل ٨٢ مليون نسمة العدد الاجمالي للسكان. 

وبلغ عدد الذين شاركوا فعلاً بالتصويت ٣٧ مليون و٨١١ ألف و٩٧١ ناخبا وبزيادة ١٣،٣ بالمئة عن الانتخابات السابقة في عام ٢٠١٤. وهذا يعني أن ٦٢% من الناخبين شاركوا في هذه الانتخابات بينما لم يشارك في الانتخابات السابقة سوى ٤٨% من الناخبين وهذا يعكس مدى الأهمية والحساسية السياسية لهذه الدورة الانتخابية. 

حصل الحزب الديموقراطي المسيحي على ٨ ملايين و٤٧٠ ألف و٩٣ صوتاً.

وحصل حزب الخضر على ٧ملايين و٦٧٥ ألف و٥٩٤ صوتاً.

وجاء بذلك في المرتبة الثانية من بين الأحزاب الفائزة. 

وحصل الحزب الديموقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) على ٥ ملايين و٩١٤ ألف و٩٥٣ صوتاً.

وجاء في المرتبة الثالثة في عداد الأحزاب الفائزة. 

وجمع حزب البديل اليمني المتطّرّف على ٤ملايين ١٠٣ ألف و٤٥٣ صوتاً وجاء في المرتبة الرابعة بين الأحزاب الفائزة. 

ثم جاء حزب اليسار وحصل على٢مليون ٥٥٦ ألف ٥١٠ صوتاً في المرتبة الخامسة. 

وختاما حزب الليبراليين الأحرار الذي حصل على ٢مليون و528 ألف و٣٥٣ صوت وكان بذلك في المرتبة السادسة والاخيرة. 

لقد كانت خسارة للحزب الديموقراطي المسيحي وخسارة أكبر للحزب الاجتماعي الديموقراطي، الأمر الذي سبّب استقالة زعيمة الحزب اندريا نالس من رئاسة الحزب الاجتماعي الديمقراطي ومن رئاسة الكتلة البرلمانية وحتىّ إنّها تخلّت عن مقعدها بالبرلمان وأعلنت تخلّيها عن العمل السياسي. 

وكذلك خسر حزب اليسار مقعدين. والكاسب لأصوات الناخبين كان حزب الخضر وحزب البديل. 

هذه النتائج شكّلت خضَّة قوية للأحزاب الخاسرة للأصوات، وجعلت كل منها يراجع طروحاته وبرامجه وحتّى تحالفاته، ممَّا يجعل تفكُّك الائتلاف الحاكم المؤلَّف من الديمقراطيين المسيحيين والاجتماعيين الديمقراطيين أمراً وارداً.

B- على نطاق أوروبا: 

بلغ عدد المدعوين للانتخاب في أوروبا ٤٠٠ مليون ناخب من ٢٨ بلداً اوروبياً هم أعضاء الاتحاد الأوروبي. وبلغت نسبة المشاركين ٥١% فقط. 

امتدت عملية الاقتراع من ٢٣ حتى ٢٦ من ايار لانتخاب ٧٥١ نائباً. ارتفعت نسبة المشاركين في الانتخاب من ٤٨،١ إلى ٥١% كما سبق ذكره. 

بشكل عام ازداد وزن أحزاب الخضر من ٥٠ إلى ٧٦ نائب. 

وازداد وزن الشعبيون إلى ١٧٩بالمئة نائباً. وحصل الاشتراكيون على ١٥٠مقعداً فقط. 

فقدت الكتل الكبرى في البرلمان الأوروبي من أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط أغلبيتها ممّا سيدعوها للتحالف مع الخضر والليبراليين وحتى القوميين. 

وعلى الرّغم من أنَّ الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة قد حقَّقت مكاسب في بعض البلدان، إلاّ أنّها لم تحقّق المكاسب التي كان يتوقّعها ويتخوّفها البعض، ولقد حقَّق الاشتراكيون نجاحات واضحة في هولندا، اسبانيا والبرتغال. الانزياح اليميني لم يحدث رغم بعض النجاحات التي حققّتها الاتجاهات اليمينية المتطرفة والشعبوية في كل من ايطاليا، فرنسا، المجر، بولونيا، التشيك، السويد، سلوفاكيا، وألمانيا.

فمثلا انتصر التجمّع القومي الفرنسي بقيادة مارين لوبان على الحزب الحاكم بقيادة الرئيس ماكرون وحصل على ٢٤% من الأصوات مقابل ٢٢.٥ حصل عليها الأخير. وكذلك كانت خسارة حزب الجمهورية بالغة استدعت زعيمة الحزب الى الاستقالة.


وثيقة: مشروع المهمات البرنامجية المرحلية

تجمُّع اليسار الماركسي في سورية (تيم)

الحوار المتمدن-العدد: 2586 -2009 / 3 / 15 

معايير ونواظم استراتيجية للأهداف والتوجُّهات البرنامجية المرحلية:

في السياق التاريخي الذي نناضل فيه لتحقيق مستقبل إنساني مزدهر لشعبنا السوري ووطننا العربي والبشرية ككل، يداً بيدٍ مع كل الشعوب والقوى المعنية بهذا المستقبل، حيث يتمتَّع البشر بأوسع إطار من الحرية، ومن الثقافة والرقي المعرفي والمسلكي والأخلاقي، كما يتمتّعون بإشباع حاجاتهم المادية والروحية، عبر إقامة النظام الذي ينهي استغلال الإنسان للإنسان، وينهي اغترابه عن شروط وجوده وعن عمله، واستلابه لحاجات الحياة الأساسية والمسيطرين عليها عبر تملّكهم وسيطرتهم على قوى ووسائل الإنتاج، ونعني إقامة النظام الاشتراكي، نظام الحرية الأعلى، والثراء الأوفر، والتطوّر المفتوح الآفاق.

في هذا السياق الذي يشكّل بالنسبة لنا التزاماً أعلى لا محيد عنه، لا بد من وضع تصوّر للمهام البرنامجية المرحلية التي تنطلق من الواقع الملموس اليوم، بكل تخلّفه ومصاعبه وتعقيداته، وتهدف إلى نقله خطوة أو خطوات إلى الأمام في سياق استكمال مهام المرحلة الوطنية – الديمقراطية، وبهدي واتجاه الأهداف العليا لشعبنا وطبقتنا العاملة.

لقد بينت التجربة الملموسة خلال القرن العشرين في بلادنا وسائر البلدان العربية (إن لم نقل في عموم أو معظم بلدان العالم التابع أيضاً) أنَّ البورجوازية المحلية ،التي تكوَّنت بعد ظهور الإمبرياليات الغربية عاجزة بقواها الخاصة عن انجاز المهام التي أنجزتها البورجوازية الأوروبية في بلادها خلال عصر صعودها ونهضتها (التنمية والنهضة الصناعية-تطوير قوى الإنتاج الوطنية بصورة مستقلة-العلمانية وفصل الدّين عن الدولة-إقامة الدولة القومية على كامل التراب الوطني-تحقيق الاندماج الاجتماعي الداخلي وبناء الأمّة/الدولة- إقامة النظام الديمقراطي التداولي) وذلك لأسباب باتت معروفة ولا لزوم لإعادة سردها هنا وأنه لابدّ بالتالي لإنجاز تلك المهام من دور فاعل ورئيسي للطبقة العاملة والطبقات الشعبية وأحزابها بالتشارك والتّعاون والتّحالف (إذا أمكن) مع طبقات وفئات اجتماعية أخرى وأحزابها ضمن تحالف وطني عريض يسعى للتغيير الوطني الديمقراطي لدفع مسار التطّور التاريخي في البلاد نحو انجاز هذه المهام والحيلولة دون انحراف المجتمع والوطن في طريق التطور التابع والملحق بالبلدان الإمبريالية والذي لا يحل أيّاً من المهام التاريخية المنشودة بالكيفية التي تخدم الشعب والبلاد بل بما يخدم مصالح المراكز الإمبريالية وبعض البورجوازية المحلية حصراً ويخلق قدراً هائلاً من الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لا مخرج منها إلاَّ بتجنبه وإعادة مسار التطور إلى الطريق الذي يعالج المشاكل والتحديات المطروحة على الوطن ككل وعلى قوى المجتمع كافة بما فيها شرائح البورجوازية المَعنية بالإنتاج المادي الوطني وليس بالسمسرة والوساطة والتطفل. 

وفي هذا السياق، لا بدَّ من التأكيد على جملة من المبادئ والمهام التي تحكم هذا النضال وتوجهه، وتكسبه صفات وخصائص ضرورية، توضّح بعض جوانب ماهيته، وتؤسّس لإنجاح مشروعه التاريخي وتحقيق أهدافه في الارتقاء بحياة الشعب والطبقة العاملة وحلفائها، والوطن ككل، وإغناء هذه الحياة بكل ما هو ضروري لها مادياً ومعنوياً، في صيرورة يقرّر التاريخ والبشر الذين يصنعونه، مداها الزمني ومتطلبات نجاحها وتكاليفها، بكل المعاني.

1) إنَّ الهدف الأساسي للاشتراكية هو سعادة الإنسان المادية والروحية، ولأنَّ مشروع الطبقة العاملة التاريخي هو المشروع الأكثر إنسانية، فإن ذلك يحتِّم النضال من أجل حماية واحترام حقوق الإنسان على طول الخط وبصورة دائمة.

2) يحتل العمل والنضال لنشر ودعم الثقافة الديمقراطية الوطنية والقومية والاجتماعية موقعاً مبدئياً ملزماً على طول الخط، وبالمقابل فإنّ محاربة الجهل والتعصّب والتزمّت والانغلاق هو مسؤولية أكيدة وشرط لازم لارتقاء المجتمع وتجاوز تخلّفه التاريخي، ومثل ذلك الكفاح ضدّ الوعي والممارسة التي تكرّس أو تخدم الطائفية أو العشائرية أو التعصّب القومي أو الديني أو العرقي.

3) إن ّالعمل الدؤوب لنشر ثقافة المواطنة، ومبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، مساواة حقيقية يحميها القانون والدولة بصرف النظر عن القومية والدين والطائفة والعرق والعشيرة… الخ، كما يحميها الوعي الديمقراطي للمواطنين ودفاعهم عن حقوقهم الديمقراطية، هو مسؤولية مبدئية واجبة على كل مواطن.

4) تشكل إقامة دولة القانون والمواطنة المتساوية، أحد الأهداف العليا للمهام البرنامجية المرحلية، وهي الدولة التي يمكن وصفها بأنّها دولة المجتمع الديمقراطية، التي يكون الشعب فيها مصدر السلطات، والتي يحكمها مبدأ فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية عن بعضها، ومنع طغيان بعضها على بعضها الآخر، والتي يتم فيها خضوع الأقليّة السياسية لإرادة الأكثرية السياسية، وتملّك الأقلية فيها فرصاً حقيقيةً للتحول إلى أكثرية، تبعاً لوسائل النشاط السياسي المشروعة التي يكفلها الدستور، ويقرّر نتائجها صندوق الانتخاب الذي يسمح بالتداول السلمي للسلطة بصورة دورية.

إنَّ تنمية القاعدة المادية للإنتاج وتطوير قوى الإنتاج ووسائله، والاستثمار الأمثل للثروات الطبيعية والبشرية والعلمية، وتحقيق تنمية بشرية مستدامة، هو هدف آخر من الأهداف العليا للمهام البرنامجية المرحلية، يهدف إلى زيادة الثروة الاجتماعية العامة وتجاوز الفقر والتخلّف الاجتماعي والاقتصادي والعلمي. ويتعيّن تدعيم وتعزيز هذه التنمية، بصرف النظر عمن يملك وسائل الإنتاج (دولة، قطاع خاص، تعاوني، غير ذلك).

5) إنّ للدولة دور مركزي في المرحلة التاريخية الراهنة والمنظورة في بلادنا، اقتصادياً وتنموياً واجتماعياً، ولا بد من العمل لتحمل الدولة مسؤولياتها في ضمان مستوى معيشة وصحة وتعليم وسكن الطبقات الشعبية، قانونياً وفعلياً. إنَّ التنمية الرأسمالية المنفلتة العقال، رأسمالية السوق غير المضبوطة، والتي تضرب عرض الحائط بمصالح وحقوق الطبقة العاملة والطبقات الشعبية، وحقوق الإنسان عموماً، هي تعميق للتخلف والتبعية، وانتهاك متفاقم للسيادة الوطنية يلحق البلاد بالسوق العالمية ويسلب المجتمع حقه في سيطرة ضرورية ضرورة مطلقة، على مقومات وجوده، وحتى لو أدَّت هذه التنمية إلى زيادة رقمية كبيرة في أرقام الإنتاج والأرباح، فإن المستفيد الأساسي وشبه الوحيد منها، هو شرائح ضيقة جداً في قمة الهرم الطبقي، بالتزاوج والتشارك مع أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة (سواء كانوا عرباً أم غير عرب) فيما يدفع الشعب ثمنها مزيداً من المآسي والفقر والتخلّف.

كذلك لا بد أن يكون توجيه السياسات الاقتصادية والتنموية لتنمية القاعدة المادية للإنتاج الصناعي والزراعي والعلمي وتطويرها باستمرار هو أحد المسؤوليات العليا للدولة، ويتعين على كل قوى التطور الوطنية حقاً، الاجتماعية والسياسية، أن تراقب وتنقد وتحرّض وتمارس كل ما هو ضروري لتحقيق هذه التنمية وجعلها بنداً ثابتاً ذا بعد استراتيجي، لكل سلطة تحكم البلاد، أيّاً تكن طبيعتها الطبقية والسياسية.

ويصدق الأمر نفسه على ضمان وحماية المقوّمات الاستراتيجية العليا للمجتمع والوطن، كقضية المياه وقضية الاكتفاء الغذائي الأساسي وقضية صون وحدة التراب الوطني والسيادة الوطنية ودحر الصهيونية ومشروعها، وقضية الحريات السياسية، والديمقراطية عموماً، وغيرها من القضايا الكبرى.

6) يشكّل رفض ومناهضة المشاريع الإمبريالية الهادفة إلى التحكّم بالعالم والهيمنة عليه، والنضال من أجل إقامة نظام دولي عادل سياسياً واقتصادياً، هدفاً وسياسة استراتيجية يتعيّن الالتزام بها على طول الخط. كذلك الأمر فيما يخص رفض الحروب العدوانية والدعوة للسلام بين الشعوب والأمم، وحل الخلافات الدولية عن طريق الحوار والوسائل السلمية، وتعزيز دور الأمم المتحدة وتخليصها من هيمنة الإمبريالية الأميركية، بحيث تغدو هيئة تحمي السلام العالمي وتنصف شعوب الأمم المستضعفة في سبيل تنميتها وصوغ مستقبل عادل للبشرية، ومثل ذلك الدعوة لنزع أسلحة الدمار الشامل، والسعي لتضامن الشعوب ضد مستغلّيها وتعاونها من أجل تنميتها المتبادلة.

7) البيئة هي الحاضنة المادية – الطبيعية للحياة بكل مظاهرها، ومن ضمنها الإنسان. ولقد أدّى التطوّر الكبير للقدرات المادية للإنسان لا سيما في الدول الصناعية الكبرى (الآلات ذات القدرات الهائلة في حفر الأرض وتجريفها وفي قطع الأشجار وفي الصيد البحري والبري، وكذلك استخدام الفحم الحجري والنفط كمصادر للطاقة، والصناعات الكيميائية الكبرى التي تطلق غازات وفضلات سامة متنوعة في البيئة… إلخ). وفي ظل نهم الرأسمالية الأعمى إلى الربح دون أخذ العواقب الخطرة على البيئة للكثير من الصناعات والآلات والنشاطات الاقتصادية. أدّى كل هذا إلى تدمير خطير للتوازن البيئي الحساس وإلى الاستنزاف الأعمى للموارد الطبيعية المحدودة التي جرى التعامل معها وكأنها لا نهائية، ووصل الخطر إلى حد حدوث إخلال حقيقي بتوازنات المناخ والبيئات البرية والبحرية والجوية. باتت تهدّد بتغييرات شاملة لصورة الحياة على الأرض، بل وأدّت إلى انقراض العديد من مظاهرها النباتية والحيوانية، وإلى تزايد أعداد الضحايا البشرية لتسمم الأجواء والمياه والتربة. لكل هذا فإنّ اليقظة الحذرة تجاه الإضرار المتفاقم بالبيئة، وآثارها الكارثية على الحياة، وتطوير ثقافة بيئية حقيقية فاعلة، وتبني قضايا الدفاع عن البيئة وحمايتها من الاستنزاف المتوحش لمواردها والنضال ضد تلويثها وتسميمها بفضلات الصناعات المتنوعة وبنتائج الاستخدام المجنون للأسلحة الكيماوية والشعاعية والمتفجرة، بات واجباً ومسؤولية حقيقية، يجب أن تشكّل جزءاً ثابتاً ودائم الحضور من المعرفة والثقافة والسلوك البشري، وبات النضال ضد المصادر والوسائل الكبرى للتلوث واجباً إنسانياً أممياً لا يعفي أحداً من مسؤوليته، بحكم كونية المناخ والبيئة وعدم اعترافهما بالحدود السياسية التي اخترعها الإنسان.

على ضوء كل ما سبق ذكره من أهداف عليا ومبادئ ناظمة للتوجهات السياسية والبرنامجية، يرى التجمّع ضرورة صوغ المهمات البرنامجية المرحلية كما يلي:

تتعرض سوريا والمنطقة العربية، بشعوبها وقواها الوطنية الديمقراطية، لثلاثة مخاطر داهمة في المرحلة الراهنة، تهدد حاضرها ومستقبلها، وهي:

– المخطّطات الإمبريالية التي ترسمها للمنطقة مراكز النفوذ الإمبريالي، راعية المشروع الصهيوني.

– الأّنظمة الاستبدادية التي تخنق الشعوب، وتعيق تطوّرها في شتى المجالات، تحت هذه الذريعة أو تلك.

– القوى التكفيرية المعادية للمجتمع بأيديولوجيتها وممارساتها الدموية المدمرة.

وتتداخل هذه المخاطر وتتشابك بحيث لا يمكن الفصل بينها، بل وبحيث تغذي بعضها بعضاً في حالات عديدة، رغم تصارع أطرافها في هذا الموقع أو ذاك، وهو صراع يمكن فهمه على أنه صراع من أجل الهيمنة على الشعب والبلاد، لاستغلال خيراتها، كل طرف لصالحه، رغم قول كل منها بلغته وخطابه أنّه يصارع من أجل الشعب وحريته وسيادته على مصيره ومستقبله.

أوّلاً: إنَّ المخرج الوحيد من هذا المأزق التاريخي المستعصي، لا يكون إلا بالتغيير الوطني الديمقراطي، الذي يُعتبر الهدف الأعلى للمهام البرامجية المرحلية، وجسر الانتقال إلى وضع سياسي تاريخي جديد، رغم استمرار النظام الاقتصادي الرأسمالي خلاله وبعده، فمثل هذا التغيير لا يهدف إلى قلب النظام الرأسمالي، أو استبدال الطبقة السائدة (وهي الطبقة الرأسمالية) بغيرها، بل يهدف إلى تحقيق التحول السياسي الديمقراطي، الذي نرى أنّه سيخدم مصالح الغالبية الساحقة من المجتمع بكل طبقاته، لاسيما الطبقة العاملة التي نناضل من أجل مصلحتها أولاً ومعها الطبقات الشعبية، ولن تتضرر منه إلا قلة ضيقة من البورجوازية البيروقراطية الفاسدة والرأسماليين الطفيليين، فيما ستستفيد منه سائر القوى والشرائح الرأسمالية لاسيما منها الناشطة في ميادين الإنتاج الصناعي والزراعي.

بناءً على ما سبق، فإن الانتقال السلمي والتدريجي من الاستبداد إلى الديمقراطية، هو المدخل الأساسي لمستقبل شعبنا وبلادنا، وهو النقلة التي ستحرّر قوى المجتمع والشعب من قيود هائلة تكبل مبادرتها وتعيق طاقاتها، وتفتح الأبواب بالتالي لمستوى نوعي جديد من الفاعلية التاريخية الشاملة.

ولا يعني هذا أنَّ النضال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لخدمة أهداف الطبقة العاملة والمجتمع ككل، بما في ذلك قضيته الوطنية، غير مجدٍ في المرحلة الراهنة، وأنَّه يتعيّن تجميد كل نضال حتى تحقيق الانتقال أو التحوّل المنشود، وإنّما يعني أنَّ تحقيق أي إنجازات كبرى أو رئيسية، سواء في المسألة الوطنية أو في مسألة الاقتصاد والتنمية ومعالجة الفقر والبطالة والتخلف، أو في محاربة التعصب والطائفية والنزعات التكفيرية والإرهاب، أو في دحر المشاريع الإمبريالية والصهيونية، أو غير ذلك من القضايا الرئيسية لمجتمعنا وشعبنا، مرهون بالظفر بالحريات السياسية والنقابية والإعلامية قبل كل شيء، وأنَّ النضال في الظروف الراهنة من الاستبداد يظل محدود الجدوى رغم ضرورته القصوى. ولا يمكن أن يحقّق أكثر من بعض التحسينات هنا وهناك في مختلف القضايا، في حين سينقل التحول الديمقراطي فعالية شعبنا وقواه الواعية إلى مستوى نوعي جديد من الجدوى وسرعة التطور في كافة الحقول. وهو ما يستوجب إعطاء قضية النضال من أجل الحريات والديمقراطية موقعاً محورياً بين سائر القضايا، كما يستوجب ربط النضالات الاجتماعية والوطنية بقضية النضال من أجل الحرية ربطاً عضوياً في وعي النخب السياسية والطبقة العاملة وكل حلفائها،بل والمجتمع عموماً، بحيث يكون كل تحرك من أجل تحسين الظروف المعيشية والأوضاع الاجتماعية عموماً، رافعة لوعي الجماهير بضرورة الظفر بالحريات السياسية، وضرورة التقدم على طريق تحقيق التحوّل الديمقراطي للمجتمع والبلاد.

  • ثانياً: تشكّل مناهضة ودحر المشاريع الإمبريالية ولاسيما الأمريكية منها، والتي تستهدف السيطرة على المنطقة وعلى وطننا السوري ضمناً، لتشديد نهب ثرواتها وتعميق ضعفها وتخلّفها عبر تفتيتها القومي والديني والطائفي (وهو ما جسده ” مشروع الشرق الأوسط الكبير” بكل وضوح) -شرطاً لازماً لحماية حق الشعب بالسيادة على بلاده ومقومات وجوده ومشروع نهضته المنشود. ولا نشك أبداً في أنّ مواجهة وهزيمة المشاريع الإمبريالية وبقدر ما هي مطلوبة وضرورية، تظل غير كافية بحد ذاتها، إذ لا بد من ربطها بصورة عضوية بالتحول الديمقراطي المنشود، بحيث يعزّز كل منهما الآخر. فهزيمة المشاريع الإمبريالية لا تعني أنَّ الشعب قد بات سيّداً على بلاده ومقومات وجوده المادية والمعنوية، ما دام الاستبداد مستمراً، وما دام الشعب محروماً من حقوقه الديمقراطية في اختيار حكامه ومحاسبتهم واستبدالهم بالآليات الديمقراطية عندما يريد ذلك، ناهيك عن أنه محروم من حقوقه في قبول أو رفض السياسات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية… الخ، التي تقرّرها السلطة الاستبدادية حصراً في دوائر قرارها الضيقة. وبالمقابل، فإن مناهضة الاستبداد والسكوت عن المشاريع الإمبريالية أو تجاهلها، ناهيك عن التواطؤ معها مثلاً، أو (العمل بالتعاون؟ معها) بحجة ضرورة ذلك لتحقيق التغيير الديمقراطي المنشود، ليس إلاَّ خداعاً للجماهير، (وربما للنفس بالنسبة للبعض)، لن يؤدي إلا إلى إغراق بلادنا وشعبنا في ماضات من الدمار والدماء، وسيعيد مجتمعنا في حال تمكنت الإمبريالية الأمريكية من السيطرة على بلادنا، قروناً إلى الوراء، إلى زمن التفتت الديني والطائفي والمناطقي، مما سيدمر كل إمكانية لبناء المجتمع الوطني الديمقراطي الحديث، ويسلب الشعب تماسكه ووحدته التي دُفعت دماء غالية لصونها عبر التاريخ (في مواجهة الاستعمار الفرنسي ثم المشروع الصهيوني والمشاريع الأمريكية اللاحقة)، ويصادر كل إمكانية محتملة للنهضة وللحداثة وللديمقراطية المعاصرة. ولم يعد الأمر بحاجة لأي برهان فكري أو نظري بعد ما كشفته 
  • ثالثاً: ربطاً بما سبق فإنَّ مهمة دعم الحركات الوطنية المقاومة للاحتلال، وتأكيد حق الشعوب في مقاومة المحتلين بكل الوسائل المتاحة لها، هي مهمة واجبة حكماً، ويتعين تجسيدها على الأرض بكل الوسائل الممكنة، لاسيما في ما يتعلق بنضال الشعب الفلسطيني في سعيه من أجل تحرير أرضه وتقرير مصيره، وعودة اللاجئين إلى أرضهم، وإقامة الدولة العلمانية الديمقراطية، دولة كل المواطنين، على كامل التراب الفلسطيني، دون تمييز بينهم لا في الحقوق ولا في الواجبات ولأية أسباب دينية أو عرقية أو قومية.

وكذلك في دعم الشعب العراقي في نضاله لتحرير وطنه من الاحتلال الأمريكي والنفوذ الأجنبي (سواء أخذ صورة اتفاقيات إذعان أو غير ذلك)، وإقامة دولته الوطنية الديمقراطية الموحدة والسيادة على مقومات وجوده السياسية والاقتصادية بكل أبعادها.

  • رابعاً: تعتبر مهمة تحرير كافة الأراضي السورية المحتلة، ولاسيما الجولان، بكافة الوسائل والطرق الممكنة مسؤولية وطنية عليا تتعّين تلبيتها بشتى السبل الممكنة، والتي تضمن استعادة السيادة التامة على هذا الجزء من التراب السوري بثرواته ومياهه، وتعيد النازحين إلى أرضهم وتعزز السيادة الوطنية، وتقوّي نضال الشعب الفلسطيني واللبناني لاستعادة أراضيهما وحقوقهما المستلبة كاملة غير منقوصة.
  • خامساً: سوريا جزء من الوطن العربي والشعوب العربية، التي تشكّل امتدادها القومي الطبيعي والتاريخي. ولا يتنافى هذا مع وجود وحقوق القوميات الأخرى، وخاصة الكردية، والتي تشكل بمجموعها مع العرب النسيج الوطني السوري. يجب العمل من أجل إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في سوريا ضمن إطار وحدة الوطن السوري أرضاً وشعباً، يحترم ما تقرّه الماركسية في هذا الصدد من الناحية المبدئية. كما يجب العمل لمكافحة وإلغاء التمييز بين المواطنين السوريين بسبب الدين أو الطائفة أو الجنس أو العرق، سواء كان معلناً أو مستتراً، وضمان المساواة الحقيقية والتّامة لكافة المواطنين في الحقوق والواجبات، كما يجب العمل لتمتين اللحمة الوطنية وتعميقها على كل مستويات المجتمع.
  • سادساً: إن الطبيعة الطبقية الرأسمالية للنظام، وشكل حكمه الاستبدادي، وسياساته المعتمدة التي يتحمّل مسؤوليتها وحده (مع حلفائه الملحقين به)، واستغلاله للدولة والمجتمع لصالح سلطته والمنتفعين منها، وتسببه في نخر الدولة وقوانينها بآليات الفساد والقمع ومصادرة الحريات السياسية ، وإلحاق السلطات القضائية والتشريعية بالسلطة التنفيذية، كل هذا يؤدّي (بالتّكامل مع دور البورجوازية السورية المتحالفة معه، رغم تضرر بعضها منه) إلى انسدادات وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية مستفحلة.

لهذا فإنَّ النّضال من أجل إنهاء احتكار السلطة، وإقامة النظام الديمقراطي التعدّدي الذي يقوم على فصل السلطات والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، وهو ما نصفه بأنّه التحوّل الديمقراطي المنشود، يشكل المهمة المفتاحية للإنجاز الشامل والفعلي للمهمات البرنامجية المرحلية، ومن أجل ذلك يتعيّن النضال والعمل من أجل:

أ) رفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية المستمرة منذ أكثر من أربعين عاماً، وتفعيل العمل بالدستور والقوانين المدنية العادية.

ب) إطلاق الحريات الديمقراطية، بما فيها حّرية التعبير عن الرأي وحرية النشر والإعلام والتنظيم والتظاهر والإضراب.

ج) إلغاء المحاكم والقوانين الاستثنائية، وإصدار قانون ديمقراطي للأحزاب واستبدال قوانين الجمعيات والمطبوعات بأخرى ديمقراطية.

د) إلغاء كافة مواد الدستور التي تكرّس احتكار السلطة وتمنع تداولها السلمي بين مختلف القوى السياسية وتحالفاتها في الوطن، وفق ما تراه صناديق الاقتراع الديمقراطي الحر قولاً وفعلاً.

هـ) إصدار قانون جديد للانتخابات يعتمد سوريا دائرة انتخابية واحدة، ومبدأ النسبية، بهدف تعزيز اللحمة الوطنية وتقديم أهمية الانتماء السياسي والطرح البرنامجي على كل انتماء آخر، على أن تشارك كافة القوى السياسية والفعاليات الاجتماعية والثقافية في صياغة هذا القانون وإقراره.

و) إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين، وسجناء الرأي والضمير، وإعادة الاعتبار والحقوق المدنية والمادية لهم، وللملاحقين السياسيين السابقين وللسجناء السابقين، وإنهاء ملف المفقودين وعودة جميع المنفيين دون مساءلة، وإلغاء القانون /49/، واقتصار المحاسبة على مرتكبي العنف السياسي بحق المواطنين، أياً يكن انتماء أو موقع هؤلاء المرتكبين.

  • سابعاً: على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي: أدّت جملة التطوّرات والسياسات الاقتصادية – الاجتماعية التي رعتها رأسمالية الدولة وبورجوازيتها البيروقراطية خلال العقود الأربعة الماضية، إلى تركيبة اجتماعية – طبقية جديدة، وتندفع السّلطة إلى التحوّل نحو ارتكاز اجتماعي – اقتصادي جديد، تتنكّر فيه لقطاعات واسعة من الطبقات والفئات الشعبية التي كانت تأخذ بعض مصالحها وحقوقها بعين الاعتبار، وتعتمد عليها كقاعدة شعبية، تتحاشى غضبها، وتهتم باستمالتها وكسب ولائها، عبر لحظ تلك المصالح والحقوق ولو باليسير الذي يكفي لاستمرار العيش دون فقر مدقع أو حرمان شديد. وفي حين بتسارع هذا التنكر لتلك الطبقات والفئات ويشتد إفقارها وسحق مستويات معيشتها (طبقة عاملة، فلاحين صغار، شرائح وفئات وسطى عديدة) يزداد الاعتماد والترابط مع فئات وشرائح من البورجوازية الكبيرة السورية، المستقرة في البلاد والمهاجرة خارجها، كما يزداد التشابك والترابط مع قوى الرأسمال الكبيرة، العربية والعالمية، الأمر الذي يهدد بتحويل بلادنا إلى بلد تابع كلياً لرؤوس الأموال الخارجية، وبأزمات عميقة، معيشياً، صحياً، تعليمياً، وحتى غذائياً، للطبقة العاملة وسائر الفئات الوسطى.

لذلك، يتعين العمل في المرحلة الراهنة على ما يلي:

أ) حماية مستويات معيشة الطبقة العاملة وصغار الفلاحين والموظفين وكل العاملين بأجر في قطاع الدولة وخارجه، ووقف تدهورها المستمر، بل والنضال لتحسينها وضمان نيل المنتجين والشغيلة جميعاً لحصة مقبولة من ثمار عملهم ومن الثروة الوطنية العامة، تكفل لهم ولأسرهم العيش الكريم، والضمانات الضرورية في مجال التغذية والتعليم والصحة والسكن.

ب) محاربة الإفقار المستمر بآليات التضخّم وارتفاع الأسعار. ووضع سلم متحرّك للأجور (ربط الأجور بالأسعار) يستند إلى دراسات فعلية ودورية لنسب التضخم الموجود.

ج) مناهضة ومحاربة الفساد والنهب البيروقراطي للثروة الوطنية العامة، وكل أشكال المحاباة الاقتصادية والتهرب من الضرائب الذي يمارسه بشكل رئيسي أصحاب الثروات الكبيرة.

د) مناهضة البورجوازية البيروقراطية والكومبرادورية والنشاطات الطفيلية في الاقتصاد، وتشجيع العملية الإنتاجية في كل الحقول، بغض النظر عن مالكيها (قطاع دولة أو قطاع خاص).

هـ) النضال من أجل قطاع دولة اقتصادي قوي ومتطور، مستقل عن تدخلات أجهزة السلطة المختلفة فيه لحساباتها ومغانمها الخاصة، ومكافحة الفساد المستشري في ما هو موجود من هذا القطاع، ومقاومة خصخصته المراوغة التي تتم تحت ذرائع مختلفة، ومقاومة مساعي خنقه ومنع تطوّره وإفشاله، لتبرير التخلي عنه، أو خصخصته. بحيث يكون قطاع الدولة الاقتصادي ضامناً وموجّهاً موضوعياً لعملية التنمية، وضابطاً عبر المنافسة بالجودة والأسعار لكل أشكال التحايل والغش في المواصفات والأسعار والاحتكار التي تمارسها عادة الكثير من قوى السوق.

و) إنَّ تحقيق تنمية مكثفة وجدية للاقتصاد السوري أمر ضروري وممكن فعلاً، بحكم تنوع وغنى بلادنا بالثروات المختلفة ( وأهمها القوى البشرية الماهرة)، بحيث تتحقق تنمية رأسمالية فعلية وبمعدلات نمو تفوق كثيراً ما هو محقّق في ظل النظام القائم بكل سياساته وأمراضه المستعصية (استبداد، فساد، تخلف ومصادرة للمبادرة، هدر كبير… الخ). ويشترط ذلك تحرير قوى المجتمع من مختلف الطبقات المعنية بالعملية الإنتاجية والاقتصادية، ومحاصرة وإزاحة القوى الطفيلية والبيروقراطية الفاسدة والمعطلة، ومن ثم وضع خطط استثمار صائبة تشترك في تنفيذها كل قوى المجتمع الحية عندما تشعر وتقتنع بأنَّ مصلحتها تكمن فيها، وأنَّ ثمارها لن تحتكر لصالح قلّة ضيقة، بل ستنعكس مصلحة وطنية عامة، ومصلحة اجتماعية واسعة، تتجسَّد على الأرض نمواً أو تحسُّناً ملموساً في مستويات المعيشة، وازدهاراً عاماً.

ز) إنَّ النضال من أجل الحريات النقابية للطبقة العاملة ولكل قوى المجتمع، ولحرية التنظيم والتعبير والاحتجاج والإعلام والتظاهر والإضراب، يشكِّل الرافعة الأساسية لتعبئة قوى الشعب الحية واستعادتها لحقوقها في الدفاع عن مصالحها ومستوى معيشتها وازدهار بلادها. وسيظل النضال المطلبي، كما ستظل كل الطروحات الاقتصادية – الاجتماعية، رغم ضرورتها القصوى التي لا بديل لها، ضعيفة المردود بل وربما عديمة المردود في بعض الحالات، ما استمر الاستبداد.

ح) المرأة: يلعب التمييز الجنسي ضد المرأة في مجتمعنا وسائر المجتمعات البشرية، لا سيما المتخلّفة منها، دوراً كبيراً في التخلف الاجتماعي والحضاري للمجتمع. وليس ثمة ما يكشف درجة تخلف المجتمع وثقافته وقيمه، أكثر من موقفه من قضية تحرُّر المرأة ومساواتها بالرجل في الحقوق والواجبات، مساواة فعلية، لا لفظية، وما تزال المرأة في العالم هي الشغيل الأشد اضطهاداً، إذ يضاف إلى كل ما هو موجود من عوامل الاضطهاد والظلم القومي أو العرقي أو الطبقي الذي تتعرض له القومية أو العرق أو الطبقة في مجتمع ما، والتي تطال الرجال والنساء على حد سواء. يضاف لها الاضطهاد والظلم الموجَّه ضد النساء بشكل خاص، بسبب كونهن نساء ينظر إليهن بصفتهن الجنس الأضعف (حتى في بلدان الرأسمالية المتطورة لا تزال أجور النساء أقل من أجور الرجال للعمل نفسه! وكانت مجتمعات “الاشتراكية” في أوروبا الشرقية هي أول المجتمعات التي ضمنت للمرأة مساواة فعلية بالرجل في فرص العمل والتعلُّم وسائر الحقوق والواجبات).

وفي مجتمعنا السوري، فإنَّ اضطهاد المرأة القانوني والاجتماعي هو أكثر من مخجل (وهو أسوأ من هذا في معظم البلدان العربية)، رغم أنّ النساء يتولّين فعليا مسؤوليات في الحياة الطبيعية والاجتماعية (والاقتصادية أيضاً في حالات عديدة) أكبر مما يتولّاه الرجل وأشقّ. ولن يتحرر المجتمع من تخلفه (رجالاً ونساءً وأجيالاً جديدةً)، ما لم تتحّرر المرأة من كل ما يعيق انطلاق وتحرّر إنسانيتها وشخصيتها، قانونياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً.

لكل ما سبق فإنَّ النضال من أجل تحرر المرأة في مجتمعنا، ومساواتها بالرجل في الحقوق والواجبات، وفي فرص التعليم والعمل، كما في المكانة الاجتماعية والثقافية والسياسية. هو مهمّة أساسية من مهام النضال الاجتماعي والوطني، لتجاوز التخلّف من جهة والتقدُّم نحو مجتمع أكثر حضارة وعدالة وفعالية لكل قواه البشرية. وهو مسؤولية ملقاة على عاتق الرجال والنساء معاً، ولاسيما على عاتق النخب والشرائح الطليعية في كل الطبقات.

ط) الشباب: يشكلّ الشباب في مجتمعنا(كما في كل المجتمعات) خزان طاقة التغيير الأهم والأكبر، وهم طاقة يمكن أن تكون ثورية وبالغة الفعالية حين تتوّفر لها الشروط المناسبة (الوعي والتنظيم). كما يمثّلون من ناحية أخرى قوى المستقبل التي ستشغل مواقع الإنتاج في شتّى الحقول، ومواقع السلطة بمختلف مقوماتها أيضاً.

ويعاني الشباب في بلادنا (كما تعاني الأجيال الكهلة من موقعها وبطريقتها) من مشكلة (الفجوة بين الأجيال) التي تنشأ عن سرعة التطوّر العلمي وسرعة تغيّر القيم والمفاهيم والعلاقات الاجتماعية جرّاء التأثير المتزايد للعولمة الإمبريالية للإعلام والثقافة والفنون التي تحرص الطبقات السائدة في البلدان الإمبريالية كما في البلدان المتخلّفة على ترويجها خدمة لمصالحها (ومعظم ما يروّج هو منتوج استهلاكي مبتذل، يهدف للإثارة والتشويق والترفيه وعبر هذا لتكريس الرؤية والمنظور المنشود إمبريالياً للحياة والمجتمع والقيم)، وتسهم الديكتاتورية عبر منعها لحرية الإبداع والنشاطات الثقافية والسياسية والاجتماعية الحرة، كما عبر تسهيل نشاطات القوى الخاضعة لها، السلطوية والدينية، (وهي بدورها ذات محتوى زائف وتضليلي، أو ذات محتوى رجعي ومتخلف)، تسهم في إفراغ الساحة الاجتماعية من أي نشاط ذي محتوى جاد أو إبداعي خلاَّق، وتركها بالتالي نهباً للتأثيرات السلبية والاغترابية لقوى الإعلام والثقافة الإمبريالية، كما لقوى التخلّف والرجعية في الآن نفسه. هذا في حين ينحسر باطّراد تأثير الأسرة والمدرسة والمجتمع في عملية التربية والثقافة وتكوين القيم الوطنية والاجتماعية، لاسيما في ظل اهتراء أيديولوجيا النظام وتحوّل طروحات البعث وحلفائه إلى منظومات لفظية فارغة من المحتوى لا علاقة لها بالواقع المعاش.

كما يعاني الشباب لاسيما الجامعيون منهم من البطالة الناشئة من السياسات الاقتصادية للنظام والطبقة السائدة عموماً. والمتجسّدة بتخلي الدولة عن مسؤولياتها في توفير فرص العمل لهم، وإقامة أو حتى تشجيع المشاريع الصناعية والزراعية الكبرى التي تؤمن فرص عمل واسعة تستوعب قوة العمل المتنامية في المجتمع، مما يوقع نسباً متزايدة في بحر البطالة بكل أمراضه وتأثيراته السلبية الخطرة، ويدفع نسباً أخرى إلى الهجرة. وفي الحالتين يخسر المجتمع طاقات أساسية وبالغة الأهمية لنموه وتحضره، بل وتزداد بنيته تشوهاً واضطراباً.

و في حين لا يلغي كل ما سبق نزعات التغيير العميقة لدى الشباب، وحلمهم بحياة أفضل وأغنى بكل المعاني، فإن ما ينجم عنه هو اغترابهم وعدم قدرتهم على تصور ومعرفة الطريق الذي يمكن أن يقودهم إلى تحقيق أحلامهم (الفردية والاجتماعية)، فنراهم يلجؤون إما إلى سلوك الطرق المتاحة، عبر الخضوع للآليات السائدة اجتماعياً والمسموح بها سلطوياً، أو إلى الهجرة والانسلاخ عن المجتمع وهمومه.

و يفاقم من المشكلة أنّ جزءاً مهماً من الهجرة لأجل العمل تتم إلى بلدان النفط الخليجية بتخلّفها الاجتماعي والثقافي، وثرائها الفاحش في الآن نفسه، وهو أمر له نتائجه العميقة على الوعي والقيم والثقافة، في حين يتم جزء آخر منها إلى بلدان الغرب الإمبريالي الحريصة على استقطاب أفضل الكفاءات المهنية والعلمية بصورة انتقائية (هجرة الأدمغة) حيث الإغراءات كثيرة للاستقرار وهجر الوطن والمجتمع كلياً.

بمحصّلة ما سبق يعاني جيل الشباب من مجموع أزمات عميقة ومترابطة تتحكّم بحياتهم وشروط وجودهم كبشر. وتضاف بهذا إلى مجموع أزمات المجتمع والبلاد أزمة أخرى تسيطر مفاعيلها على أحد أهم قطاعات المجتمع وأكثرها حيوية وحاجة للتغيير الوطني الديمقراطي. وأكثرها قدرة على المساهمة في صنع هذا التغيير. ولا بد بالتالي من تشخيص هذه الأزمة ومكوناتها وعواملها بصورة علمية، ووضعها في دائرة الضوء والاهتمام. ومن ثمّ إيجاد اللغة والأدوات المسموعة والمفهومة من قطاع الشباب، للوصول إلى عقولهم وأرواحهم، بهدف ترسيخ وتنمية بذور الوعي الاجتماعي والفكري – الثقافي والسياسي الوطني والطبقي في صفوفهم، في شتى مجالات الحياة. ومن ثم تأطير طاقاتهم ومساهماتهم في بناء الوطن والمجتمع والثقافة والنظام السياسي الكفيل بفتح أوسع الأبواب لمستقبلهم، وتحقيق حريتهم في بلادهم وسيادتهم عليها، ولعب دورهم في صوغ تطورها ومستقبلها، ربطاً بكل أهداف هذا البرنامج.

ثامناً: يعمل التجمُّع على إقامة أوسع تحالف بين كافة القوى الوطنية والديمقراطية والعلمانية لتحقيق الأهداف الوطنية والديمقراطية المشتركة.

  • تاسعاً: يحدّد التجمّع موقعه من شتى القوى والطروحات السياسية، وإمكانيات لقائه معها أو معارضته لها، على ضوء القضايا الأساسية الثلاث التي يناضل لتحقيقها:

1- التحوّل الديمقراطي والموقف من الاستبداد.

2- المسألة الوطنية والموقف من المشاريع الإمبريالية والصهيونية.

3- المصالح الاقتصادية والأوضاع المعيشية للطبقة العاملة وسائر الفئات والشرائح الشعبية (الوسطى).

ورغم أنَّ نهج التجمع وسياساته تضعانه في موقع المعارضة للنظام، إلاَّ أنَّه يدعو في الوقت نفسه للحوار الشامل مع كل الأطراف داخل الوطن، وهو سيلحظ ويُقيم في حينه أي خطوة أو فعل سياسي أو مبادرة قد تأتي من أي طرف، مهما كان موقعه، على ضوء القضايا الأساسية المذكورة آنفاً، ومنطوق المهمات البرنامجية المرحلية والوثيقة التأسيسية للتجمع.


مقتطف من كتاب “رأس المال” لـ “كارل ماركس”

الميل التاريخي للتراكم الرأسمالي

إذن، ما هو فحوى التراكم الأولى لرأس المال، أي منشؤه التاريخي؟ فبما أنّ هذا التراكم ليس تحولاً مباشراً للعبيد الأرقاء والأقنان إلى عمال مأجورين، وليس بالتالي مجرد تبدل في الشكل، فإنه لا يعني سوى انتزاع ملكية المنتخبين المباشرين، أي انحلال الملكية الخاصة القائمة على العمل الشخصي لمالكها.

إنّ الملكية الخاصة، بوصفها نقيض الملكية الاجتماعية الجماعية، لا توجد إلاّ حيث تكون وسائل العمل والشروط الخارجية للعمل ملكاً لأفراد خاصين. بيد أنّ طابع الملكية الخاصة هذا يختلف تبعاً لكون هؤلاء الأفراد شغيلة أم غير شغيلة. إنَّ التلاوين التي لا تحصى والتي نراها في الملكية الخاصّة لأول وهلة، لا تعكس غير الأوضاع الوسيطة الواقعة بين هذين القطبين المتضادين.

إنَّ ملكية الشغيل الخاصة لوسائل إنتاجه هي قاعدة الإنتاج الصغير، والإنتاج الصغير بدوره، هو الشرط الضروري لتطور الإنتاج الاجتماعي والشخصية الفردية الحرة للشغيل نفسه. وبالطبع فانَّ أسلوب الإنتاج هذا كان قائماً في ظل العبودية والقنانة وغيرهما من أشكال التبعية الشخصية. ولكنه لا يزدهر، ولا يطلق العنان لكامل طاقاته، ولا يبلغ شكله الكلاسيكي الوافي، إلاَّ حيثما يكون الشغيل هو المالك الخاص الحر لشروط عمله الخاصة التي يستخدمها بنفسه، حيث يكون الفلاح مالكاً للأرض التي يزرعها، والحرفي للأدوات التي يستخدمها استخدام القنان الحاذق لأداته.

ويفترض أسلوب الإنتاج هذا، سلفاً، تجزؤ الأرض ووسائل الإنتاج الأخرى. إنه يستبعد تركّز وسائل الإنتاج هذه، كما يستبعد التعاون وتقسيم العمل في نطاق عملية الإنتاج الواحدة، وسيطرة المجتمع على الطبيعة وتنظيمها اجتماعياً، والتطور الحر للقوى المنتجة الاجتماعية. إنّه لا يتلاءم إلاّ مع الحدود البدائية الضيقة للإنتاج والمجتمع. والسعي لتخليده يعني كما يقول بيكور بصواب السعي إلى “تعميم المستوى المتوسِّط بمرسوم”. ولكنه يولّد، عند مرحلة معينة من تطوره، الوسائل المادية لفنائه هو. ومنذ تلك اللحظة، تبدأ تضطّرم في أحشاء المجتمع قوى جديدة ومشاعر جديدة تحس أنّها مقيدة بأسلوب الإنتاج هذا. ويقتضي الأمر تدميره، فيدمّر. إنّ تدميره، تحويل وسائل الإنتاج الفردية والمبعثرة إلى وسائل إنتاج اجتماعية مركزة اجتماعياً، وبالتالي تحويل الملكية القزمة للكثرة إلى ملكية عملاقة للقلة، وانتزاع الأرض ووسائل المعيشة وأدوات العمل من الجماهير الشعبية الواسعة، إنَّ هذا الانتزاع المرعب، المؤلم، لملكية الجماهير الشعبية يؤلف المقدمة في تاريخ رأس المال. وينطوي هذا التاريخ على طائفة من الطرائق القسرية، التي لم نعرض منها سوى الطرائق الصانعة لحقبات كاملة، مثل طرائق التراكم الأولى لرأس المال. إنَ انتزاع ملكية المنتجين المباشرين قد تم بأكثر الأشكال الوحشية قسوة، وبدافع أحط الأهواء وأكثرها مقتاً ودناءة وسُعاراً. إنَّ الملكية الخاصة المكتسبة بعمل مالكها، أي المرتكزة، إن جاز القول، على اندماج الشغيل الفردي المستقل، بأدوات ووسائل عمله، تُزاح من قبل الملكية الخاصة الرأسمالية، التي تقوم على استغلال قوة عمل الغير، الحرة شكلياً“1”.

وما إن تكون عملية التحول هذه قد فسخت المجتمع القديم، بدرجة كافية، من حيث السعة والعمق، وما إن يتحول الشغيلة إلى بروليتاريين، ووسائل عملهم إلى رأسمال، وما إن يقف الأسلوب الرأسمالي للإنتاج على قدميه هو، حتى نجد شكلاً جديداً لمواصلة إضفاء الطابع الاجتماعي على العمل ومواصلة تحويل الأرض ووسائل الإنتاج الأخرى إلى وسائل إنتاج مُستمرة اجتماعياً، أي وسائل إنتاج جماعية، وبالتالي لمواصلة انتزاع ملكية المالكين الخاصين. فذلك الذي ينبغي انتزاع ملكيته الآن لم يعد الشغيل الذي يعمل لأجل نفسه بنفسه، بل الرأسمالي الذي يستغل كثيرين من العمال.

إنَّ انتزاع الملكية هذا يتحقق بفعل القوانين الملازمة للإنتاج الرأسمالي نفسه عن طريق تمركز رؤوس الأموال. فالرأسمالي الواحد يقضي على الكثير من أقرانه. وإلى جانب هذا التمركز، أي انتزاع حفنة من الرأسماليين لملكية الكثيرين منهم، يتطوَر التطبيق التكنيكي الواعي للعلم، والاستثمار المنهجي للأرض، وتحول وسائل العمل إلى وسائل عمل غير قابلة للاستخدام الاَّ بصورة مشتركة، والتوفير في وسائل الإنتاج كافة باستعمالها كوسائل إنتاج لعمل اجتماعي مركب، وإشراك الشعوب كلها في شبكة السوق العالمية، ويتطور كذلك الطابع العالمي للنظام الرأسمالي. وإلى جانب التناقص المستمر لعدد أساطين رأس المال، الذين يغتصبون ويحتكرون كل مزايا عملية التحوُّل هذه، يتسع نطاق البؤس، والاضطهاد، والاسترقاق، والانحطاط، والاستغلال؛ ولكن ينمو في الوقت نفسه عصيان الطبقة العاملة، الطبقة التي يتزايد عددها باستمرار والتي تتعلَّم وتتحد وتتنظم بفعل آلية عملية الإنتاج الرأسمالي ذاتها. ان احتكار رأس المال يغدو قيداً لأسلوب الإنتاج الذي نما معه وبه. وان تمركز وسائل الإنتاج وجعل العمل اجتماعياً يبلغان ذلك الحد بحيث يأخذان بالتنافر مع إطارهما الرأسمالي. فينفجر هذا الإطار. وتدقُّ ساعة نهاية الملكية الرأسمالية الخاصة. ويجري انتزاع ملكية منتزعي الملكية.

إنَّ الأسلوب الرأسمالي للتملك الناجم عن الأسلوب الرأسمالي للإنتاج، وبالتالي الملكية الرأسمالية الخاصة، هما أول نفي للملكية الخاصة الفردية القائمة على عمل الفرد بالذات. ولكن الانتاج الرأسمالي يولد، بحتمية قانون طبيعي عملية من عمليات الطبيعة، ما ينفيه هو نفسه. وهذا نفي النفي. إنه لا يعيد الملكية الخاصة، بل الملكية الفردية على أساس إنجازات الحقبة الرأسمالية: أي على أساس التعاون والحيازة المشتركة للأرض ولوسائل الإنتاج التي أنتجها العمل نفسه.

إنَّ تحوُّل الملكية الخاصة المبعثرة، القائمة على عمل مالكيها إلى ملكية رأسمالية خاصة، هو بالطبع عملية أبطأ وأطول وأصعب وأشق، بما لا يقاس، من تحوُّل الملكية الرأسمالية الخاصة، التي ترتكز واقعياً على عملية الإنتاج الاجتماعية، إلى ملكية اجتماعية. ففي الحالة الأولى كان الأمر يتعلَّق بقيام حفنة من الغاصبين بانتزاع ملكية الجماهير الشعبية، أمَّا في الحالة الثانية فالمقصود قيام الجماهير الشعبية بانتزاع ملكية حفنة من الغاصبين“2”.

(1) “لقد بلغنا وضعاً جديداً تماماً بالنسبة إلى المجتمع… فنحن نسعى إلى فصل كل نوع من الملكية عن كل نوع من العمل”

Sismondi. “Nouveaux Principes de IEconomie Politique”. t.II (Paris, 1827), p. 434

(2) “ان رقي الصناعة الذي ليست البرجوازية الا خادماً منفعلا له ومقسوراً على خدمته يستعيض عن انعزال العمال الناتج عن تزاحمهم، باتحاد ثوري بواسطة الجمعيات. وهكذا ينتزع تقدُّم الصناعة الكبرى من تحت اقدام البرجوازية نفس الاسس التي شادت عليها نظام انتاجها وتملكها. إنَّ البرجوازية تنتج قبل كل شيء حفاري قبرها، فسقوطها وانتصار البروليتاريا كلاهما أمر محتوم لا مناص منه… وليس بين جميع الطبقات التي تقف الآن امام البرجوازية وجهاً لوجه إلاَّ طبقة واحدة ثورية حقاً، هي البروليتاريا. فإنَّ جميع الطبقات الاخرى تنحط وتهلك مع نمو الصناعة الكبرى، أما البروليتاريا فهي، على العكس من ذلك، أخص منتجات هذه الصناعة. إنَّ الفئات المتوسطة، من صغار الصناعيين والباعة بالمفرق والحرفيين والفلاحين، تحارب البرجوازية من أجل الحفاظ على وجودها بوصفها فئات متوسطة. فهي ليست إذن ثورية، بل محافظة، وأكثر من محافظة اأضاً، انها رجعية، فهي تطلب أن يرجع التاريخ القهقرى ويسير دولاب التطور إلى الوراء” (كارل ماركس وفريدريك انجلز. “بيان الحزب الشيوعي”، لندن، 1848).

المصدر: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=3102


شخصيات ماركسية:

من سلسلة شهداء الحركة الشيوعية العربية: (عبد الخالق محجوب)

المولد والنشأة:

ولد عبد الخالق محجوب عثمان يوم ٢٢ سبتمبر/أيلول ١٩٢٧ في مدينة أم درمان بالسودان، ودرس في مدرسة الهداية الأولية، ثم أم درمان الأميرية الوسطى، ثم في مدرسة وادي سيدنا الثانوية.
الدراسة:

التحق بكلية غوردون التذكارية (جامعة الخرطوم لاحقاً)، وخرج إلى مصر – إثر مظاهرات احتجاجية على الإدارة البريطانية – فدخل كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول حيث تعرف على الحزب الشيوعي المصري، لكنه فُصل من الجامعة في السنة الثالثة وسُجن لنشاطه السياسي، ثم أعيد إلى السوداني عام ١٩٤٦.
التوجُّه الفكري:

كتب في مقال بعنوان “كيف أصبحت شيوعياً؟”: “إنّني أنتهج السبيل الماركسي في ثقافتي وتصرفاتي، وأؤمن بالنظرية العلمية الشيوعية… وجدت في النظرية الماركسية خير ثقافة وأنقى فكرة”.

عُرف بانتقاده الشديد لما سماه “المؤسسة الطائفية” (يقصد بالتعبير طائفتيْ الأنصار والختمية)، ولجماعة الإخوان المسلمين في السودان التي وصفها بأنَّها “لا تؤمن بالنظام الديمقراطي..، وفلسفتها تقوم على الإرهاب”.

الوظائف والمسؤوليات:

انتخب ١٩٤٩ لوظيفة المسؤول السياسي لـ “الحركة السودانية للتحرر الوطني” (حستو) التي أصبح اسمها “الحزب الشيوعي السوداني” عام ١٩٥٦.

تولَّى عام ١٩٥٢ منصب السكرتير العام لـ “حستو” ولاحقاً “الحزب الشيوعي السوداني” وظلََّّ في منصبه حتى إعدامه عام1971. انتخب عام ١٩٦٨ نائباً في البرلمان عن دائرة أم درمان الجنوبية.

التجربة السياسية:

كانت نهاية الحرب العالمية الثانية ١٩٤٥ موعداً لانطلاق المسار السياسي في حياة محجوب، فخاض – عبر حركة “حستو” التي كان من أبرز منشئيها عام ١٩٤٦ – النضال السياسي لإجلاء الاستعمار عن السودان ومصر، وإتاحة حق تقرير المصير للشعب السوداني.

أشرف على تسيير المظاهرات الطلابية ضد الجمعية التشريعية التي أقامها المستعمر الإنجليزي في ١٩٤٨، لكنه رفض انتهاج الكفاح المسلح ضد الاستعمار، داعياً إلى النضال الديمقراطي الشعبي الذي قاد في النهاية إلى إعلان استقلال السودان ١٩٥٦.

اعتقِل مرّات في العهد العسكري الأول أيام الفريق إبراهيم عبود (١٩٥٨ – ١٩٦٤) وسجن مع زعماء الأحزاب السياسية بمدينة جوبا في جنوبي السودان.

رفض بعض القرارات التي اتخذها جعفر النميري إثر انقلابه العسكري في 25مايو/أيار ١٩٦٩ رغم دعم الشيوعيين لهذا الانقلاب، فنفته الحكومة إلى مصر في ٢٢ مارس/آذار ١٩٧٠، وحظرت نشاط الحزب الشيوعي والمؤسّسات التابعة له.

سُمح لمحجوب بالعودة إلى بلاده – بعد ثلاثة أشهر قضاها في مصر – بطلب من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

اعتقِل مرتين إثر رجوعه إلى السودان، كانت آخرها في ١٦ نوفمبر/تشرين الثاني ١٩٧٠ في السجن الحربي بأم درمان ثم في معسكر للجيش جنوب الخرطوم.

تمَّ تهريبه من المعتقل في أواخر حزيران1971. وقع انقلاب ١٩ يوليو/تموز ١٩٧١ الذي قاده الرائد هاشم العطا المحسوب على الشيوعيين، لكن نميري أفشل الانقلاب واستعاد السيطرة على البلاد في ٢٢ يوليو محمِلاً الشيوعيين مسؤولية ما جرى، فاعتقِل محجوب مجدَّداً مع أبرز قيادات الحزب، وكان ذلك الاعتقال الفصل الأخير في حياته.

آمن محجوب في كتاباته بأنَّ “الفكرة الشيوعية تدعو في نهايتها إلى الاشتراكية حيث يمّحي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان”، وبأنَّ الشعب السوداني سيصل إلى المجتمع الاشتراكي بطريقته الخاصة ووفق تقاليده.

ومن أقواله: “هل صحيح أنَّ الفكرة السياسية الشيوعية في السودان تدعو لإسقاط الدين الإسلامي؟ كلا، إنَّ هذا مجرد كذب سخيف. إنَّ فكرتي التي أؤمن بها تدعو إلى توحيد صفوف السودانيين ضد عدو واحد هو الاستعمار الأجنبي، وبهدف واحد هو استقلال السودان وقيام حكم يسعد الشعب ويحقق أمانيه”.

ويضيف: “إن الفكر الشيوعي ليس أمامه من عدو حقيقي في البلاد سوى الاستعمار الأجنبي ومن يلتفّون حوله، فأين هذا الهدف من محاربة الدين الإسلامي؟”.

المؤلفات:

ألف محجوب كتبا عدة، منها: “لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني”، و“حول الائتلاف الرجعي”، و“المدارس الاشتراكية في أفريقيا”، و“آراء وأفكار حول فلسفة الإخوان المسلمين”، و“دفاع أمام المحاكم العسكرية”.

الوفاة:

حوكم بعد فشل انقلاب هاشم العطا أمام محكمة عسكرية قضت بإعدامه، فنفّذ فيه الحكم يوم ٢٨ يوليو/تموز ١٩٧١.
تقييم عام لمسيرة الشهيد محجوب:

لم يمنع اعتناق عبد الخالق محجوب للفكر الماركسي في القاهرة من خلال “الحركة المصرية للتحرر الوطني” بفترة ١٩٤٥ – ١٩٤٦ بزعامة هنري كورييل من أن يكون مؤيداً لاتفاقية ١٩٥٣ التي نادت بانفصال السودان عن مصر. كانت مشاركته في تأسيس “الحركة السودانية للتحرّر الوطني” في آب ١٩٤٦ تعبيراً عن إدراكه بأن هناك طريقاً سودانياً ماركسياً خاصاً.

كان الشهيد محجوب من أوائل الشيوعيين العرب الذين أدركوا ضرورة تفاعل الماركسية مع الثقافة الاسلامية وعدم التصادم معها، وضرورة أخذ التنوّع السوداني الذي يجمع العرب والأفارقة في بوتقة سودانية واحدة بعين الاعتبار. لم يحد عن الخط الاستقلالي للشيوعيين السودانيين عن السوفيات واستشهد وهو على خلاف مع موسكو التي لم تكن راضية عن صدام الشيوعيين السودانيين مع نظام النميري.


ملاحظة: إن المواد المترجمة المنشورة تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن آراء وتوجهات “الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي”.


 لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا