هل يمكن لمعارضة خارجية أن تنتصر وهي تتحالف مع أعدائها؟

الدكتور جون نسطة

يقول أبو العتاهية:

وخير الكلام قليل الحروف… كثير القطوف بليغ الأثر.

وهذا ينطبق تماما مع ما كتبه منذ زمن بعيد أيضا الجنرال جياب الذي قاد عسكرياً الشعب الفيتنامي إلى النصر في معاركه ضد الاحتلال الفرنسي والاحتلال الأمريكي:

“الثورة التي لا يقودها الوعي…تتحول إلى إرهاب، والثورة التي يغدق عليها المال تتحول إلى لصوص ومجرمين “..

إن الذين تنطعوا لقيادة الانتفاضة السورية المجيدة برعاية دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما، ووضعوا كل بيوضهم في سلالها، قد تجاهلوا تجارب حركة التحرر العربية في نضالها من اجل الاستقلال والحرية والعدالة الاجتماعية واسترداد حقوق الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة، وكيف وقفت هذه الدول في مواجهتها والتآمر عليها ومن ثم الاعتداء عليها عسكريا وتدمير جيوشها، والاستفراد بها، لتغريق الصفوف وتطويع من حاول المقاومة.

هل يمكن لمن يدعي انه يمثل مصالح وأهداف انتفاضة قامت للمطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أن يتمتع بهذا العمى السياسي والغباء المريع، ويطلب العون والمساندة، من دول شبه قبلية، محكومة من قبل ملوك وأمراء، يعادون الديموقراطية ويقمعون شعوبهم، وبمنعون عنه كل اشكال التعبير بالرأي والمساهمة في صنع القرار السياسي والمعاشي والثقافي.

هل يمكن لمعارضة خارجية أن تنتصر وهي تبتعد عن جماهيرها وتكذب عليها المرة تلو الأخرى ،بأن الخلاص قريب والنصر محتم، خلال أسابيع أو أشهر قليلة، لأن تركيا ستدخل،ولان حلف شمال الأطلسي سيتدخل، ولان الأمريكان قد نفذ صبرهم وقد وضعوا خطوطا حمراء، لايمكن تجاهله؟…

هل يمكن لمعارضة خارجية أن تنتصر وهي تبتعد عن شعوب أمتها وتدير ظهرها لها باستعلاء، غير عابئة بمهمات ملقاة على عاتقها، من أمور تتعلق بشرح أهدافها وتوضيح مشاريعها وشرعية مطالبها بالحرية والكرامة والتغيير الديموقراطي وإقامة دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية، حتى تعود سوريا إلى ما كانت عليه دائما، منارة تقدمية في العالم العربي، نناضل من اجل تحرر شعوب المنطقة من سيطرة الأنظمة العربية الرجعية المرتبطة بأعداء الأمة وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل، الدولة العنصرية، المحتلة لأراض سورية عزيزة، ولأراض فلسطينية وفي مقدمتها القدس عاصمة العرب الروحية.

في مطلع شهر أيلول2018 طلً علينا السيد رياض الترك في مقابلة صحفية نشرتها جريدة القدس العربي، بعد وصوله إلى باريس، قال فيها أنه كان يجب على الثورة السورية أن لا تثق بالغرب وبوعوده التي لم ينفذها وخدعنا بها.

هكذا وبكل بساطة يفسر الأمور قائد شيوعي بارز سابق، تعلم وعلم على مدى سنوات طوال بأن الإمبريالية العالمية هي عدوة الشعوب تقوم بقهرها واستغلالها ومقاومة أهدافها بالحرية والاستقلال والنهوض والتقدم الاجتماعي. كل هذا كان هو قد تناساه بضربة واحدة عندما تحدث عن الصفر الاستعماري في العراق عام2003مادحاً مايفعله الأميريكان بالعراق المحتل، وعندما تحالف باسم إعلان دمشق بمن بقي فيه، مع الإخوان المسلمين، وبعض الانتهازيين من المستقلين، اللذين طابت لهم أضواء الكاميرات للمحطات التلفزيونية، والإقامة بفنادق الخمسة نجوم، وركوب السيارات الفخمة،وشكلوا المجلس “الوطني” بعد أن تخلوا عن ورقة تفاهم بينهم وبين هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي، ووقع عليها فيمن وقع الدكتور هيثم مناع والدكتور برهان غليون في القاهرة.

قبل اسبوعبن تقريبا كتبت إحدى شخصيات الائتلاف وقادته السابقين مقالة في صحيفة عربية تشبه المذكرات والسير الذاتية لشخصه، و أدخل فيها بعض المواقف السياسية،فقال بما معناه أننا نخجل من الاعتراف بهزيمة الثورة ونتحاشى الاعتراف بالواقع، مثلما حدث معنا بحرب ال٦٧ ولم نعترف بالهزيمة وأطلقنا عليها اسم النكسة.

أنا أحب أن أقول له إن الذين انهزموا في الأشهر الأخيرة هم جماعة الثورة المضادة، المرتبطة بالخارج من أعداء الثورة الملثمين بقناع الصداقة والمساندة البريئة والطيبة. هؤلاء اللذين يمكن تسميتهم بقوى الظلام والطائفية من المتعصبين المهووسين، والمرتبطين بالغالب بالقاعدة و زعيمها أيمن الظواهري. هذه القوى وغيرها من تفرخ ورضع من أثداء جماعة الإخوان المسلمين، كانوا محكومين بالهزيمة المؤكدة، لأن هذا الفكر عاجز عن استيعاب علوم وخبرات العمل العسكري الثوري. وهم لم يتعلموا من تجربتهم في مجزرة حماه في العام ١٩٨٢ ،ولم يتعلموا من الخبرات الغنية لثورة الصين بقيادة ماو تسي تونغ، ولا من تجارب الثورات الفيتنامية، ولا من تجارب الثورة الكوبية، وخبرات تشي جيفارا. وبدلا من أن يحاصروا قوى النظام في المدن، جعلوا أنفسهم محاصرين في المدن من قوى النظام وحلفائه، فكانت الهزيمة المتوقعة، إلا من كان يؤمن بالغيب وإن النصر سيهبط عليه من السماء. وهؤلاء هم الخاسرون.

أحب أن أقول له إن إرادة مقاومة الاستبداد والفساد والديكتاتورية، لم تهزم ولن تنكسر، والنضال من أجل التغيير الديموقراطي وإقامة دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية سيستمر، وستنتظم القوى والشخصيات الوطنية الديموقراطية ذات التاريخ النظيف والتي لم تتلوث بالارتباط مع القوى الأجنبية والعربية الرجعية، مع بعضها البعض لتشكيل قطب ديمقراطي وطني، كان قد أعلن عن تشكيل نواة لجنة تحضيرية له، في مؤتمر صحفي في قلب العاصمة دمشق في ٢٢ من شهر كانون الأول من العام الماضي.

المهمة المطروحة أمامنا هي كسب ثقة الناس الذين انحازوا إلى النظام خوفا من البديل الأسوأ واستنهاضهم لمعاودة العمل والنضال من أجل التغيير الديموقراطي بالسبل السلمية، وكسب ثقة المجتمع الدولي بكل أطرافه، بأن الانتفاضة السورية لها وجهها الديموقراطي، المتنور، المدني، ولا يسعى لبناء دولة دينية تجاوزها الزمن منذ وقت طويل.