العدد الثاني والعشرون من جريدة المسار – تشرين الثاني ٢٠١٨

  • الافتتاحية: تعقيدات النظر للمسألة الكردية في سوريا.
  • ألمانيا الموحدة والمسألة الاجتماعية – الدكتور جون نسطة.
  • “صلاة الاستسقاء” اليسارية – نادر عازر.
  • الضمانات الدولية لحقوق الإنسان – (مكتب الدراسات والتوثيق بهيئة التنسيق الوطنية).
  • صعود السياسة الخارجية اليمينية في أمريكا.
  • ملف: اتفاقية بحر قزوين.
  • فيسبوكيات: سردين وبصل يابس.


افتتاحية:

تعقيدات النظر للمسألة الكردية في سوريا

ليس الموضوع الكردي في سورية بسيطاً من حيث أبعاده: حزب هو الأقوى في الوسط الكردي السوري يتبع تنظيمياً وسياسياً وفكرياً لقيادة هي خارج الحدود السورية في جبال قنديل لها أجندات تشمل الوجود الكردي في أربع دول. هذا الحزب من خلال ستار الحرب على “داعش” جلب قوات أجنبية إلى سورية وشكل غطاءً محلياً لإعطائها منشآت من أجل إقامة قواعد عسكرية، أميركية وفرنسية، على الأراضي السورية.

هذا الحزب أدخل السوريين في أتون صراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني البادئ في عام1984لما حسبت أنقرة بأن ترسخ حزب (ب.ي.د) وتمتين وجوده عند حدودها الجنوبية يعني امتداداً لـ (قيادة جبال قنديل) من المالكية حتى عفرين.

هذا الحزب قام في عام 2014 بمبادرة بمعزل عن السوريين الآخرين طرح  من خلالها مشروع (الإدارة الذاتية) لشمال وشمال شرق سورية ثم قام وأيضاً بمبادرة من طرف واحد عام 2016 بطرح مشروع (الفيدرالية) للمنطقة ذاتها التي أسماها بـ “روج آفا “التي تعني بالكردية: “غرب كردستان”. هذا الحزب كان سلوكه منذ دخوله في (هيئة التنسيق الوطنية) منذ تأسيسها في 25 حزيران 2011 وحتى خروجه منها بالشهر الأول بعام 2016 ليس سلوكاً لحزب معارض، وهناك مؤشرات على أن تنسيقه مع السلطة السورية كان مستمراً ولم ينقطع طوال فترة 2011-2016، بل سلوكاً لحزب ليس موالياً أو معارضاً وإنما كان هدفه الرئيسي هو استثمار ظروف ومناخات ومنعرجات الأزمة السورية من أجل تحقيق أهدافه الفئوية الكردية الخاصة ولو تحت ستار شعار “الأمة الديمقراطية” التي تعني في بلد، سكانه العرب يشكلون 90% من مجموع السكان، عملياً إلغاء الهوية القومية-الوطنية لبلد مثل سورية ولدت الدولة العربية على أرضه مع الأمويين، فيما هناك هويات قومية-وطنية لبلدان تتحدد من نسب لا تتجاوز 80% من السكان مثل الأتراك في تركية أو الروس في الاتحاد الروسي. يمكن كذلك تعداد مثالب أخرى على حزب (ب.ي.د):

1- تكريسه سابقة أن تطرح قوة سياسية غير منتخبة، وكذلك هي قوة فئوية لجزء من فئة من فئات الشعب السوري لا تتجاوز من مجموع السوريين أكثر من 7%، مشروعاً لشكل سوريا القادم وتحاول فرضه عبر الأمر الواقع العسكري-السياسي.

2- قيامه بتأمين الغطاء المحلي لوجود أجنبي عسكري على شكل قواعد عسكرية فيما هذا في القانون الدولي من اختصاص سلطة الدولة حصراً.

لن نتحدث هنا عن قضايا أخرى: تهجير السكان العرب من مدينة تل رفعت ومحيطها عام 2016 بعد سيطرة ما يسمى بـ “قوات سوريا الديمقراطية”، وهي الذراع العسكري لـ (ب.ي.د) فيما الذراع السياسي لهذا الحزب يتمثل بما يسمى بـ “مجلس سوريا الديمقراطية”، وهو ما حصل أيضاً للعرب في الكثير من مناطق محافظة الحسكة وكذلك في مدينة تل أبيض ومحيطها.فرض نموذج الحزب الواحد والشعارات والصور الحزبية وبرامج تربوية ليس معترفاً بشهاداتها دولياً غير كم الأفواه و إرهاب المعارضين الأكراد والعرب والسريان والآشوريين لحزب (ب.ي.د).

كل الوقائع المذكورة آنفاً جعلت من غير الممكن التعامل مع (ب.ي.د)، ومؤسساته في “الإدارة الذاتية”وفي “مجلس سوريا الديمقراطية”،من دون الأخذ بعين الاعتبار كل تلك الوقائع المذكورة بكل ما تعنيه لكل السوريين سواء كانوا معارضين أو موالين أو كانوا بين- بين، بل يمكن القول بأن سلوك حزب (ب.ي.د) يشكل عامل لتكوين حالة تلاقي لكل السوريين الآخرين ضده وعامل جمع نادرة للموالين والمعارضين على نقطة واحدة.

هناك قضايا بالغة الخطورة: ما جلبه (ب.ي.د) من قوات أجنبية وقواعد عسكرية هو جلب لأجنبي تتخطى أجنداته الموضوع السوري، ولو كان وجود “داعش” هو الذريعة، لتصل  تلك الأجندات من أجل استخدام الأرض السورية (ولاستخدام سوريين) ضد إيران وتركية ومن أجل أن يكون لواشنطن نفوذاً في سورية يوازن النفوذ الروسي في مرحلة ما قبل التسوية السورية وفي مرحلة طبخها وفي مرحلة ما بعد التسوية.

تحت ذريعة تمدد (ب.ي.د) عند الحدود السورية-التركية، الذي استخدمه أردوغان من أجل غزو واحتلال تركي لعفرين ثم استخدام عفرين كجسر لوصل منطقة جرابلس-الباب-أعزاز مع ادلب: نقول، تحت هذه الذريعة وبسببها يحصل ويولد خطر وجودي على كل السوريين من أن تتكرر مأساة لواء اسكندرون في المنطقة الحدودية السورية-التركية الممتدة بين جرابلس ومنطقة ربيعة في شمال محافظة اللاذقية حيث تفرض أنقرة سيطرتها من خلال وجود عسكري تركي مباشر مع أتباع سوريين من فصائل عسكرية وتنظيمات سياسية موالية للأتراك.

الخطورة تكمن في التوافق التركي-الروسي على وجود ونفوذ أنقرة في الشريط الحدودي المذكور حيث كانت قمة جبل جليد هذا التوافق ما جرى بين بوتين وأردوغان في 17 أيلول الماضي من اتفاق في سوتشي حول محافظة ادلب.

هناك الآن مؤشرات على قرب نشوء توافقات أميركية-تركية لإنشاء إدارة أمنية مشتركة،على غرار ما تم الاتفاق عليه بين واشنطن وأنقرة  في منبج ،تشمل كل منطقة شرق الفرات أو الشريط الحدودي بين جرابلس والمالكية، مع إدارة مدنية يتوافق عليها الأتراك والأميركان، بكل ما يعنيه هذا من إزاحة سلطة (ب.ي.د) وكل المؤسسات المدنية والعسكرية التي أقيمت منذ عام 2014. هذا سيقود إن حصل إلى تعزيز الوجود الأميركي والتركي في المنطقة بكل ما يحمله ذلك من أخطار على مستقبل سوريا،إضافة لما يعنيه من إطالة أمد الأزمة السورية وزيادة عوامل تدويلها وبالتالي الزيادة في تعقيدها.

السؤال الآن: هل كان سلوك حزب (ب.ي.د) مساعداً على تقريب السوريين لطريق التوافق على حل المسألة الكردية في سوريا، أم زاد الأمر تعقيداً؟


ألمانيا الموحدة والمسألة الاجتماعية

الدكتور جون نسطة


A- حول الترويج القومي الشوفيني لتوزيع الثروة المنتجة:

شهدت ألمانيا منذ نهاية شهر آب المنصرم موجة جديدة من مظاهر العنف العنصري: من مظاهرات واعتداءات وصدامات….كانت ساحتها الرئيسية ولاية ساكسونيا (شرق ألمانيا) وحيث تصدرت المشهد فيها مرة أخرى مدينة كيمنيتس الصناعية. عرفت هذه المدينة في نهاية القرن الماضي بدايات العنف الدموي للنازيين الجدد ضد الاجانب في ألمانيا….ففي هذه المدينة أقام تنظيم NSU القومي الاجتماعي السري، مقره السري لسنوات،مارس خلالها مجموعة من الاعتداءات على بنوك في المدينة، كما نظم تأمين السلاح، الذي مارس به الاغتيالات اللاحقة، والتي ذهبت ضحيتها تسع مواطنين من أصول تركية وكردية، وأخرها شرطية ألمانية(الضحية رقم ١٠ والأخيرة ).

كشفت التحقيقات اللاحقة مدى تورط بعض عملاء دائرة حماية الدستور(جهاز الأمن الداخلي في ألمانيا ) في تأمين السلاح لعصابة القتل المذكورة. 

أفضت إحداث آب الأخيرة في مدينة كيمنيتس إلى: 

١-إنهاء ولاية رئيس(دائرة حماية الدستور ) الأنف ذكرها، اثر فضيحة تصدره الإعلام للتورية على اعتداءات المتظاهرين العنصريين ضد مواطنين من أصول غير ألمانية وفي وضح النهار.

٢-تدخل القضاء الفيدرالي الألماني في مجريات الأحداث، واعتقال رموز للحركة العنصرية “من اجل كيمنيتس “pro cheminz. لممارساتها العنفية في المظاهرة المذكورة آنفا. 

٣-تنظيم جواب  موحد من منظمات المجتمع المدني الألماني بكافة أطيافه السياسية والنقابية والثقافية…حيث خرجت تظاهرة في ١٣ تشرين أول الماضي شارك فيها ربع مليون إنسان في العاصمة برلين تحت شعار “نعم للتضامن لا للعزل والتهميش، ومن أجل مجتمع تسوده الحرية وبمشاركة الجميع “

٤-تلت هذه التحركات الصاخبة انتخابات لبرلمان ولاية بافاريا، حيث سيطر اليمين المحافظ(الحزب المسيحي الاجتماعي ) منفردا منذ تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية عام ١٩٤٩ ،وأنهت نتائج هذه الانتخابات الأخيرة الهيمنة المطلقة للحزب المذكور(الشقيق للحزب المسيحي الديمقراطي بقيادة ميركل ) إلا إن استمرار هيمنة التيار السياسي المحافظ على إدارة هذه الولاية حسب تحالف الحزب الاجتماعي المسيحي مع “قائمة الناخبين الأحرار “وهو تيار يميني محافظ أيضا،بعد أن رفض التحالف مع حزب الخضر الذي أصبح القوة الثانية بحصوله على ١٧،٦ من الأصوات ،فوت الفرصة لتشكيل ائتلاف لمواجهة صعود التيار الشعوبي اليميني المتطرف بقيادة حزب(البديل لألمانيا )الذي حصد ١٥،٢ من الأصوات في ولاية بافاريا هذه. وتكررت اتجاهات التطور هذه مجددا في انتخابات ولاية هسن(Hessen ) حيث يحكم منذ عام ٢٠١٣ ،ائتلاف من الحزب المسيحي الديمقراطي(حزب ميركل) وحزب الخضر الذي حصد في هذه الانتخابات رقما قياسيا في تاريخه قدره ١٩،٤من الأصوات وحل ثانيا بعد شريكه في الحكم المسيحي الديمقراطي والذي تراجع بدوره من ٣٨ بالمائة إلى ٢٨ بالمائة من أصوات الناخبين .وكذلك مني الحزب الديمقراطي الاجتماعي بهزيمة كبيرة لفقدانه حوالي عشرة نقاط تقريبا من أصوات الناخبين أي من ٢٩ بالمائة إلى ١٩،٤ وحل ثالثا لتفوق حزب الخضر عليه ب ١٤٠ صوتا فقط. ودخل حزب (البديل لألمانيا )برلمان هذه الولاية الصناعية لأول مرة حيث حصل على ١٢ بالميت من أصوات المقترعين، في أنه لم يحصل في انتخابات عام ٢٠١٤ إلا على ٤بالمية من الأصوات فقط.

B- تداعيات الانتخابات وقراءة متأنية لأسبابها واتجاهات التطور المجتمعي الألماني:

أدت هذه الانحيازات من صفوف يمين الأحزاب الليبرالية والديمقراطية الحاكمة لصالح التيار الشعوبي =البديل لألمانيا، ويمنيه المنفتح على المجموعات النازية الفاشية، أدت إلى زيادة الضغوط على أحزاب الائتلاف الحاكم، فأعلنت المستشارة ميركل قرارها بمغادرة رئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي مع انعقاد مؤتمره القادم في شهر كانون الأول ٢٠١٨ وبالتالي مغادرة موقعها كمستشارة في نهاية ولاية البرلمان الألماني في عام ٢٠٢١ .

وتشهد صفوف الحزب الديمقراطي الاجتماعي توترا غير مسبوق بسبب التراجع الكبير في موقعه وسط جماهيره العمالية والطبقات الوسطى….وترتفع الأصوات عالية في أوساط تياره اليساري، لمغادرة الشراكة في الائتلاف الحكومي المركزي، واستلهام تجربة حزب العمال البريطاني الحديثة بقيادة جيريمي كوربين، وتتعالى التساؤلات حول الدوافع، التي تؤدي إلى المزيد من الانحيازات في صفوف الطبقات الوسطى- وخاصة في شرق ألمانيا-لصالح قوى فاشية لا تتورع أبدا عن استعمال العنف في الصراع السياسي، كما شهد مدينة كيمنيتس وقبلها مدينة كتبوس في ولاية براندنبورغ وبعدها مدينة(köther ) في ولاية سكسونيا. 

ولا تغيب عن الذاكرة أيضا المفاجأة الصارخة لانتخابات ولاية( سكسونيا-انهالت) من شرق ألمانيا في مطلع العام المنصرم، إذ كان حزب اليسار(die linke ) يستعد لنتيجتها ليحكم هذه الولاية على غرار ولاية تورنغن(Thüringen )  من خلال ائتلاف ثلاثي يترأسه حزب  اليسار وبمشاركة حزبي ،الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر، وكانت الفاجعة بأن حسم حزب البديل لألمانيا، التصويت لصالحه وحاز على ٢٣بالمية من الأصوات، في حين تراجع حزب اليسار عن مستواه التقليدي في الولاية(ما فوق ٢٠بالمئة )إلى ١٦بالمئة فقط. 

إن جذر الأزمة يعود أصلا إلى السياسة الاقتصادية الاجتماعية التي خرجت بها في مطلع القرن الجاري حكومة الائتلاف المشكلة من حزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر بقيادة المستشار(شرويدر )1998-2005والتي عبثت بشكل غير مسبوق بمقومات مجتمع الرفاه الاجتماعي، على حساب الطبقة العاملة والمستويات الدنيا من الفئات الوسطى، وكل ذلك من أجل ضمان مستوى التشغيل وكبح نمو مستويات البطالة نتيجة لإغراق السوق الألمانية بجحافل اليد العاملة الأوروبية ،نتيجة إزالة الحواجز وفتح أسواق الاتحاد الأوروبي لحرية تنقل الرأسمال واليد العاملة تباعا. وأدارت حكومة الائتلاف اللاحقة(مسيحي ديمقراطي/ديمقراطي اجتماعي) البلاد على مدى ثلاثة عشر عاما بقيادة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وفي ظل الأزمة المالية العالمية منذ عام ٢٠٠٩ ،بتشدد كبير أنتج جمودا لمستوى الأجور بتبعاته الثقيلة على مستوى حياة المنتجين والشرائح الدنيا من الفئات الوسطى، وساهم في الوقت نفسه في تطور إنتاجية الاقتصاد الألماني  لحدود غير مسبوقة، تجلت بدورها في ارتفاع مضطرد لفوائض ميزان التجارة الخارجية لصالح ألمانيا ،وعلى حساب بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي الخ. 

وبقي الصراع ضمن الائتلاف الحاكم يجتر نفسه في محاولة لتحريك المعادلة القائمة والوصول إلى تفاهمات جديدة، وإن بخطوات صغيرة لتصحيح مستوى الأجور، كما مستوى معاشات التقاعد، وكذلك نظام التعليم والعناية الصحية ووصولا لإعادة صياغة مقومات مجتمع الرفاه…الأمر الذي حدى بالبعض لتشبيه المجتمع الألماني بحالته الراهنة ب oldtimer. حيث لا ينفع تغيير الطلاء ولا بعض البراغي، في وقت يحتاج فيه إلى قطع غيار بديلة وأساسية. 

ويتمايه ضمن هذه الصورة العامة وضع الولايات الشرقية( ألمانيا الديمقراطية ) التي ألحقت إلحاقا عام ١٩٩٠ بجمهورية ألمانيا الاتحادية،واستبيحت فيها ممتلكات الشعب، بموجب قانون الخصخصة بطريقة لم يرى التاريخ مثلها، تاركة مرارة عميقة في أوساط غالبية مواطني ألمانيا الديمقراطية، وأطلق عليها أمين الكتلة النيابية لحزب اليسار في البرلمان الاتحادي، يان كورته،صفة السرقة الكبرى لما مجموعه ٨٥٠٠ مجمع إنتاجي صناعي وزراعي و٢٠٠٠٠ مركز تجاري و٧٥٠٠ مطعم و٩٠٠ مكتبة و١٨٥٤ صيدلية وثلاثة ملايين وستمائة إلف هكتار ارض زراعية وغابات وخمسة وعشرين مليار متر مربع للسكن. هذه الثروة المنهوبة، كما لقبها السيد كورته، تعني نتيجة لدراسة نشرتها الجريدة اليومية الكبرى فرانكفورتو الجماني( Frankfurter allgemeine ) وقبل وحدة العملة بين الشطرين لألمانيا، أن يحصل كل مواطن ألماني شرقي ما قيمته أربعين إلف مارك. 

وتعمقت المرارة والشعور بالغبن والإحباط جراء رفض المساواة وتعديل شهادات التحصيل العلمي، واحتساب قيمة سنوات الخدمة والعمل وما استتبع ذلك من غبن وإجحاف فاضح لقيمة معاشات التقاعد ونهاية الخدمة، والتي ما زالت قائمة نسبيا إلى يومنا هذا. 

كما قضى تدمير الاقتصاد الصناعي الشرقي إلى هجرة جماعية بحثا عن أسواق العمل في الشطر الغربي للدولة الموحدة، وما رافق ذلك من تراجع خطير في كثافة السكان، وخاصة في بلدات وقرى الريف، وأثر ذلك على ديمومة الخدمات الاجتماعية فيها…..كل هذا التطور ترك وولد من الضغائن والأحقاد، لم تفلح سنوات النضال السياسي الديمقراطي الاجتماعي لحزب اليسار في احتوائها أو التخفيف من وطأتها،الأمر الذي يفسر التحول في نسبة التصويت في الانتخابات لصالح اليمين الشعوبي المتطرف، والتحول في أوساط المحبطين نحو اليمين الفاشي/النازي، آملا بتوفير القوة لغرض التغيير المرتجى…وترى بعض القراءات لمجريات الأحداث الأخيرة في مدينة كيمنيتس وسواها صورا تتكرر لتلك الجموع من المحتجين والمتظاهرين …لتلك الصبية التي عاصرت وشاهدت دولة مرهوبة الجانب، مثل ألمانيا الديمقراطية ،تنهار تحت وطأة احتجاجات ولأسابيع محدودة فقط. أنهم يستمدون من تلك الذكريات القناعة في إمكانية التغيير. وبالوقائع الملموسة بات واضحا نجاح المجموعات النازية، التي غزت مدن ومقاطعات ألمانيا الديمقراطية بعد سقوط دولتها، في تشييد تنظيمات لها على أراضيها، تمارس سلوكا فاشيا يعلن موافقة ضد الأجانب وضد تنظيمات المجتمع الألماني الديمقراطي من أحزاب ونقابات وسواها…وانتقلت من ثم لإحاطة نفسها بتشكيلات سياسية أو الاصطفاف على يمين حركات شعوبية يمينية كان أنجحها حتى اللحظة الراهنة “البديل لألمانيا ” والذي يثبت عبر التصويت الدوري في الانتخابات المحلية أو المركزية الفيدرالية عن خصوصية حاضنته الألمانية الشرقية،فهنا يتقدم الصفوف باضطراد دون أن يخفي نواياه في الوصول للمشاركة في حكم ولاية سكسونيا وعاصمتها مدينة دريزدن بنتيجة الانتخابات المحلية المقبلة في العام القادم…مستفيدا من تبعثر قوى اليسار، خاصة، والمجتمع الديمقراطي الاجتماعي الحاضنة التاريخية، لما أحرزته ألمانيا تحت مسمى “مجتمع الرفاه”…وإليه تحن جموع المنتجة في المجتمع الديمقراطي الليبرالي الديمقراطي.

تذكر الصحافة بالأرقام هذا التطور الخطير. فالتظاهرة الأولى التي نظمها التشكيل النازي الذي قدم من الغرب إلى مدينة كيمنيتس عام ١٩٩٠ لم تستقطب سوى ٤٠٠ مواطن، في حين بلغت المشاركة في تظاهرة أواخر آب ٢٠١٨ ،إل ٦٠٠٠ متظاهر، مع استعداد فاضح لسلوك عدواني، وخطر حمايتهم عن ثقة واطمئنان للحاضنة المحلية التي أشاد بنيانها في المدينة. 

وأخيرا فإن ظاهرة “البديل لألمانيا ” بخصوصية تموضعه في المناطق الشرقية الألمانية هي إحدى إفرازات الأزمة  الاقتصادية الاجتماعية للمجتمع الألماني برمته وبموقعه المميز في قيادة منظومة الاتحاد الأوروبي(الاتحاد الأوروبي هو ثاني أكبر اقتصاد على المستوى العالمي بعد الولايات المتحدة الأمريكية ) وهو الوضع الذي لا يمكن ولا يجوز مقارنته بأوضاع جمهورية ألمانيا عشية انهيار الإمبراطورية بعد الحرب العالمية الأولى،قبل مئة عام من اليوم، وما تبع الهزيمة آنذاك من ظروف داخلية، والروبية محيطة، ودولية، عززت لاحقا من إمكانات تطور النازية كحل قومي فاشي لطموحات الرأسمال الألماني الصناعي التوسعي أولا، وخدمة للرأسمال العالمي الطامح آنذاك للقضاء على أول تجربة لا رأسمالية /اشتراكية  تصبو لحل التناقض الرئيسي بين الرأسمال والعمل.


“صلاة الاستسقاء” اليسارية

نادر عازر

تقول إحدى حكايانا الشعبية القديمة، بأنه حدثت مجاعة بقرية، فطلب الوالي من أهلها، في محاولة منه لمواجهة خطر القحط والجوع، وأخبرهم بأنه سيضع قِدراً كبيراً في وسط القرية، وأن على كل رجل وامرأة أن يضع كوباً من اللبن في القِدر، بشرط أن يضع كل شخصٍ الكوب لوحده دون أن يشاهده أحد.

هرع الناس لتلبية طلب الوالي، وتخفى كل منهم بالليل وسكب ما في الكوب الذي يخصه، وفي الصباح فتح الوالي القدر، وشاهده ممتلئاً بالماء، دون وجود لِلَّبن فيه.

كان لإتكال أهل القرية على الآخرين، بحيث أنهم إذا وضعوا بأنفسهم كوباً من الماء، بدل اللبن، فإنه لن يؤثر على كمية اللبن الكبيرة التي سيضعها أهل القرية، وبالتالي عَمَّ الجوع أهل القرية ومات الكثيرون، ولم يجدوا ما يعينهم وقت الأزمات.

بالانتقال إلى عصرنا الحالي، نجد يساريين وماركسيين يتعاملون مع قضية تجميع وتوحيد الأحزاب الشيوعية على طريقة أهل القرية في الحكاية الشعبية، مكتفين بالتمني وسكب الماء وأن يفعل “الآخر المجهول” هذه المهمة، ويسكب اللبن، عوضاً عنهم، دون بذل أي جهد لتحقيق هذا الهدف.

نرى أن هؤلاء اليساريين حزينين على ما جرى بالأحزاب الشيوعية واليسارية، وهم أنفسهم تخلوا عن أحزابهم واكتفوا بالجلوس في منازلهم خلف الشاشات يلقون قصائد الرثاء، ويقودون معاركهم الدونكيشوتية، ويجرون نوع جديد من “صلاة الاستسقاء” اليسارية على أمل أن يهطل المطر ويتم إنقاذ المحاصيل.

أسباب تفرق وتشتت الأحزاب الشيوعية واليسارية، ليس فقط في بلداننا العربية، بل في العالم كله، عديدة ومتشعبة، لكن قسم كبير منها يعود إلى كبرياء قياداتها وعقليّاتهم ووضع مصالحهم الخاصة وعلاقاتهم الشخصية فوق مصالح الطبقة العاملة وكل العاملين بأجر. وبالتالي نمت العصبوية والأجنحة، متناسين أنهم أولاً وأخيراً الحزب الذي يجب أن يضع مصالح المسحوقين على رأس أولوياتهم، وأن ضغائنهم الشخصية ونكاياتهم لا تعني شيئاً للتاريخ ولا للفقراء والمقهورين والمغتصَبين واليتامى والأرامل والسجناء السياسيين.

هناك العديد من هؤلاء اليساريين الخمولين الذين ينتظرون لحظة أن يحصل أحد الأحزاب اليسارية على موقع قوة لينضموا إليه في سبيل الحصول على مكانة اجتماعية أفضل أو منصب ما، دون أن يبذلوا أي جهد، وبالتالي يكشفون انتهازيتهم مقابل هدف اليسار النبيل في التخلص من الأنظمة الجاثمة على صدور البشر.

إن العمل السياسي يتطلب أموراً أكثر من الثرثرة، كما أن تقريب الحركات السياسية من بعضها يحتاج إلى الابتعاد عن الشخصنة والشعاراتية وتخوين الآخر وتفرقة الطبقة العاملة، فيما يتوجب التركيز على القواسم المشتركة بين جميع الحركات اليسارية المستندة على النبع الفكري والفلسفي نفسه وذات الهدف المتماثل.

يمكن بكل بساطة الانضمام إلى الحزب اليساري أو الماركسي الأقرب فكرياً، وبعدها التأثير من الداخل والعمل على التغيير، والتضحية في سبيل ذلك، كخطوة في هذا السياق.

لو فعل هؤلاء اليساريون ما هم فعلاً يستطيعون فعله بصدق وإخلاص، ولو نشطوا في وسطهم الاجتماعي، لكان اليسار الآن غير الذي نعرفه، طبعاً لن يجعل هذا النشاط من اليسار قوة ضاربة، لكنه كان سيكون أكثر حيوية وقرباً من الناس.

إن العمل السياسي اليساري يتطلب أن يكون الناشط مبدعاً ومبتكراً ومثقفاً عضوياً موجوداً بين الناس ومتفاعلاً معهم ومستمعاً لهمومهم، دون أن يتعالى على البسطاء منهم والمسحوقين ويتهرب منهم أينما رآهم، ودون أن “يصفعهم” على وجوههم بالشعارات الخشبية البائدة وأن “يرشّهم” بالمصطلحات النظرية الجافّة والمواعظ الأخلاقية.

هناك مئات المفكرين المجتهدين اللامعين وعشرات آلاف الكوادر والرفاق حول العالم الذين كرّسوا سنين عمرهم في السجون وضحوا بحياتهم في سبيل تحرير الإنسان من قيوده، وعلى طريق مجتمع العدالة والوفرة، دون كلل أو ملل أو يأس، فماذا يفعل هؤلاء اليساريون الكسولون سوى نمط جديد من “صلاة الاستسقاء”؟ أو كما تقول الحكاية الشعبية “أين اللبن؟”.


الضمانات الدولية لحقوق الإنسان

(مكتب الدراسات والتوثيق بهيئة التنسيق الوطنية)

تعريف حقوق الإنسان: تعرف حقوق الإنسان بأنها تلك الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الإنسان، بغض النظر عن الدين، أو الجنس، أو العرق، أو اللون….الخ ودون تمييز، وحقوق الإنسان في هذا الإطار يمكن أن تنقسم إلى حقوق فردية وحقوق جماعية وأيضا” حقوق اقتصادية، وحقوق مدنية واجتماعية، وثقافية، وسياسية.

الحقوق الفردية: وهي الحقوق التي تخص الإنسان  كفرد قائم بذاته، بصرف النظر عن المجتمع الذي يعيش فيه، ومنها الحق في الحياة، وحق الملكية، وحق الزواج وبناء أسرة، وحرية الرأي وحرية الفكر، وحرية الدين …الخ                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                

الحقوق الجماعية: وهي التي تتطلب ممارستها وجود عدد من الأفراد أو جماعة منهم{ حرية الصحافة، وحرية الاجتماع، وحق تقرير المصير، وحقوق الأقليات القومية والدينية ، وحقوق الأجانب} . وأيضا” لحقوق الإنسان تصنيفات أخرى وفقا” لمعايير اقتصادية وسياسية ومدنية وثقافية واجتماعية. وكانت البداية في ظهور هذه الحقوق على المستوى الدولي في العصر الحديث ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة، الذي يمكن اعتباره أول ما أعطى لحقوق الإنسان هذه الأهمية والانتشار، وجعل حقوق الإنسان ضرورة من أجل الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وأدخلها بعد ذلك في القوانين الدولية الوضعية المختلفة، حيث جاء في المادة الأولى من الميثاق فقرة 3″ تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإنسانية، وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا”والتشجيع على ذلك إطلاقا”بلا تمييز بسبب الجنس،أو اللغة، أوالدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء.” وجاء أيضا” في المادة13 من الميثاق الذي تبين وظائف الجمعية العامة للأمم المتحدة في الفقرة ب “… والإعانة على تحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس كافة ،بلا تمييز في الجنس أوالدين وبلا تفريق بين الرجال والنساء.”ومع ذلك لم تكن للمواد الواردة في الميثاق أن تحمي حقوق الإنسان في العالم وللغموض الحاصل في ماهية هذه الحقوق والرادع القانوني لحماية هذه الحقوق، وهذه الانتقادات التي وجهت للميثاق دفع بالجمعية العامة للأمم المتحدة طبقا”للمادة 68 من الميثاق إلى إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي قسمت مواده إلى حقوق سياسية ومدنية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ولكن اختلف فقهاء القانون الدولي حول القيمة القانونية لهذا الإعلان على المستوى الدولي ، فرأى بعض الفقهاء أن معظم ما جاء في هذا الإعلان هو عبارة عن توصيات من الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا تحمل أية صفة إلزامية، لأن الإعلان لم يصدر على سبيل معاهدة ملزمة للدول التي تصادق عليها ،فيما رأى آخرون أن نصوص الإعلان هي جزء لا يتجزأ من القانون الدولي العرفي، وهو بالتالي بمثابة قواعد ملزمة وهذا ما هو معمول به الآن في الفقه الدولي . ويعتبر ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان اللذان اعتمدتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة، أساسا”للكثير من الاتفاقيات الدولية لكل الحقوق والالتزامات التي يجب على الدول الالتزام بها،وتلك الاتفاقيات قد صادقت عليها معظم دول العالم وتبنت الكثير من موادها في دساتيرها وهي: 1 ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 وتم نفاذه في عام 1976 وفقا” للمادة 49.

2ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 وتم نفاذه عام 1976 بحسب المادة27.

3ـ البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدةـ  22000ألف<دـ21> 1966 وتم نفاذه 1976 بحسب المادة9.

4ـ البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام، اعتمد وأعلن رسميا”بقرار الجمعية العامة44/128لعام 1989.

5ـ الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري: اعتمدت وفتح باب التوقيع والتصديق عليها بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2016<د ـ20> 1965 وتاريخ النفاذ 1969.

6ـ اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة: اعتمدت وفتح باب التوقيع والتصديق عليها والانضمام إليها، بقرار الجمعية العامة 34/180تاريخ 1979، تاريخ النفاذ 1981 وفقا”لأحكام امادة27/1.

7ـ البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة: اعتمد بقرار الجمعية العامة54/4 1999، وفتح باب التصديق عليه والانضمام بنفس العام.

8ـ اتفاقية حقوق الطفل: اعتمدت، وفتح باب التوقيع والتصديق عليها والانضمام إليها بقرار الجمعية العامة 44/25، تاريخ النفاذ 1990.

9ـ البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل المتعلقة ببيع الأطفال وبغاء الأطفال واستغلال الأطفال في المواد الإباحية: اعتمد وفتح باب التوقيع والتصديق عليه والانضمام إليها بقرار المعية العامة 54/263المؤرخ في 25 أيار عام 2000/ تاريخ النفاذ 18كانون الثاني 2002وفقا لأحكام المادة 14.

10ـ البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل المتعلق باشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة: اعتمد وفتح باب التوقيع والتصديق عليه والانضمام إليه بقرار الجمعية العامة 54/263المؤرخ في 25أيارعام 2000/ تاريخ النفاذ12شبلط عام 2000وفقا للمادة10.

11ـ اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللإانسانية، أو المهينة: اعتمدت وفتح باب التوقيع والتصديق عليها والانضمام إليها بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 39/46 المؤرخ 10 كانون الأول 1984/ تاريخ النفاذ 26 حزيران 1987 وفقا للمادة27/1,

12ـ البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإانسانية أو المهينة: اعتمدت بقرار الجمعية العامة 57/  990ا لمؤرخ في 18 كانون الأول لعام 2000/ لم يدخل حيز النفاذ.

13ـ الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم: اعتمدت بقرار الجمعية العامة 45/158المؤرخ في كانون الأول 1990.

***الأجهزة الدولية المناط بها مراقبة تطبيق حقوق الإنسان:

أولا”ـالجمعية العامة للأمم المتحدة:اعتبر ميثاق الأمم المتحدة للجمعية العامة للأمم المتحدة مسؤولة بشكل مباشر عن ضمان  احترام حقوق الإنسان حيث جاء في المادة 13 من الميثاق “إن وظائف الجمعية العامة للأمم المتحدة هي وضع دراسات وتقديم توصيات،بقصد إنماء التعاون الدولي في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والصحة والإعانة في تحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس كافة، بلا تمييز بينهم في الجنس أو اللون أو الدين أو اللغة ولا تفريق بين الرجال والنساء” ومن أجل احترام حقوق الإنسان ضمن الاتفاقيات الدولية التي أعدتها وأصدرتها ووقعت عليها الدول ،عمدت الجمعية العامة إلى إنشاء هيئات رقابية مختلفة فأنشأت لجان فرعية تابعة لها مباشرة تنوي من خلالها مراقبة تنفيذ بنود حقوق الإنسان ومن هذه اللجان أـ اللجنة الخاصة المعنية بحالة تنفيذ إعلان الاستقلال، للبلدان والشعوب المستعمرة والمعروفة بلجنة إنهاء الاستعمار.

ب ـ اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصري.

ج ـ اللجنة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان لسكان الأراضي المحتلة.

د ـ اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف

ه ـ لجنة إقليم جنوب غرب إفريقيا.

ثانيا” ـ المجلس الاقتصادي الاجتماعي: ويعتبر هذا المجلس من أهم الأجهزة في المم المتحدة، ويضطلع وفقا للميثاق بمسؤولية متابعة القانون الدولي لحقوق الإنسان وعلى هذا المجلس بموجب المادة 62من الميثاق أن يقدم توصيات فيما يخص إشاعة احترام حقوق الإنسان ا لأساسية،ومراعاتها وله إن يعد الاتفاقيات لعرضها على الجمعية وعقد مؤتمرات دولية بشأن مسائل حقوق الإنسان.

ثالثا”ـ أمانة الأمم المتحدة:تقوم الأمانة العامة بإعداد مواثيق حقوق الإنسان، ومتابعة تنفيذها، وتلقي الشكاوى والبلاغات بشأن الانتهاكات، واتخاذ التدابير وإجراءات الحماية، وذلك من أجل كفالة حماية حقوق الإنسان، وللأمانة مركز خاص لحقوق الإنسان في جنيف تحت إشراف الأمين العام، حيث يقوم هذا المركز بمساعدة الجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ولجنة حقوق الإنسان في كل ما يتعلق بالتحضير للإعلانات ومواثيق حقوق الإنسان، ويتلقى هذا المركز الشكاوى المقدمة من الأفراد والجماعات ، الذي بدوره يوجهها إلى مختصين لدراستها ومتابعتها، ويتابع المركز تنفيذ حقوق الإنسان على مختلف المجالات ويعد دراسات وتقارير في هذا الصدد.

ثالثا”ـ مجلس الأمن :هو الأداة التنفيذية للأمم المتحدة، والمسؤول الأول عن حفظ السلام والأمن الدوليين،وقمع أعمال العدوان وإنزال العقوبات بالأعضاء المخالفين، ويتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات المجلس وتنفيذها، واهتمام المجلس بحقوق الإنسان وحمايتها ينطلق من مسألة تأثير انتهاكها في أوضاع السلم والأمن الدوليين، ومجلس الأمن يتدخل في حالة انتهاك حقوق الإنسان التي تشكل تهديدا” للسلام العالمي، وقد نصت المادة 39 من الميثاق أن على مجلس الأمن أن يقرر في كل الحالات والنزاعات التي تعرض عليه أو يضع يده عليها أن ما وقع هو تهديد للسلم أو عمل من أعمال العدوان، وفي هذا الصدد قام مجلس الأمن بإنشاء محاكم جنائية دولية خاصة لكل من يوغسلافيا وراوندا، وبوجوب البروتوكول الإضافي الصادر عام 1997أصبح مجلس الأمن يأخذ بعين الاعتبار النزاعات المسلحة ذات طابع داخلي وليس الدولي، إذا كان لهذه النزاعات تأثير على المجتمع الدولي مثل ما حصل في الصومال ونيجيريا والكونغو وسوريا.

رابعا”ـ محكمة العدل الدولية: وهي آلية قضائية رئيسية بالأمم المتحدة م 92 من الميثاق، تعرضت المحكمة لمسائل تتعلق بحقوق الإنسان في القضايا الآتية ” قضية حق اللجوء وقضية حقوق الطفل ،والاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان التي تعدها أو تتبناها الأمم المتحدة تعطى المحكمة دور بخصوص حل النزاعات الناجمة عن تطبيقها أو تفسيرها، إذا لم يتم حلها بأي وسيلة أخرى تتفق عليها الأطراف”.

خامسا”ـ مجلس حقوق الإنسان: عي عام 2006 صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 72 المنعقدة بنيويورك على القرار المتضمن إنشاء مجلس حقوق الإنسان، وانتخبت الجمعية العامة 47 دولة لعضوية المجلس من بين 63 يتم انتخابهم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ومن اختصاصات هذا المجلس

1ـ ترقية الاحترام العالمي للدفاع عن كل الحريات الأساسية للجميع دون تمييز وبصفة عادلة

2ـ التعامل مع أية قضية تتعلق بحماية أي حقوق إنسانية، في أي دولة، وتعزيزها، بما ذلك أوضاع الانتهاكات العارضة أو المتواصلة، والقيام باجتماعات منتظمة خلال السنة، لإتاحة المجال له لمعالجة كافة الأوضاع بسرعة وفعالة.

3ـ تقديم التوصيات أو المعلومات إلى الدول الأعضاء والهيئات الأولى التابعة للأمم المتحدة، بما فيها الجمعية العامة ومجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي.

4ـ يقدم توصيات للجمعية العامة لمواصلة تطوير التعاون الدولي في ميدان حقوق الإنسان

5ـ يقدم التقارير السنوية للجمعية العامة

سادسا”ـ لجنة حقوق المرأة : نتجت هذه اللجنة بالقرار الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي رقم 11{د ـ ح} عام 1946، وهي معنية بالوظائف التالية

1ـ إعداد توصيات وتقارير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بشأن تقرير حقوق المرأة في الميادين السياسية والاقتصادية والمدنية والاجتماعية والتعليمية

2ـ التقدم بالتوصيات إلى المجلس المذكور بشأن المشاكل الملحة التي تتطلب عناية عاجلة قي ميدان حقوق الإنسان بهدف تنفيذ المبدأ القاضي بالمساواة بين الرجال والنساء في الحقوق، ووضع مقترحات لتنفيذ تلك التوصيات.

سابعا”ـ المفوض السامي لحقوق الإنسان: انشأ بقرار الجمعية العامة في 30ديسمبر1993 بناء”على اقتراح من مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان في يونيو1993من أجل تفعيل حقوق الإنسان من الناحية التطبيقية، وذلك باختيار شخص معروف على المستوى الدولي من أجل العمل على متابعة والدفاع عن حقوق الإنسان، ويتم تعيين المفوض السامي بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بناء على اقتراح الأمين العام ولمدة 4سنوات قابلة للتجديد، ويختص المفوض السامي بالأمور التالية1ـ تعزيز وحماية التمتع الفعلي بكل الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية.

2 ـ تنفيذ المهام الموكلة إليه من قبل الأجهزة المختصة في الأمم المتحدة.

3ـ تقديم الخدمات الاستشارية والمساعدة الفنية والمالية للدول بناء على طلبها.

4ـ الدخول في حوار مع الحكومات من أجل كفالة احترام حقوق الإنسان.

5ـ تنسيق أنشطة تعزيز وحماية حقوق الإنسان من خلال نظام الأمم المتحدة.

6ـ الإشراف على مركز حقوق الإنسان.

7ـ إرسال تقرير سنوي إلى لجنة حقوق الإنسان، من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.

والمفوض السامي يتلقى سنويا”أكثر من مائة ألف شكوى من الأفراد والجماعات على مستوى العالم، حيث تخضع للدراسة وتفعيل آلية الأمم المتحدة لاتخاذ كافة الإجراءات المتاحة لإزالة أسباب تلك الشكاوى وإنصاف أصحابها.

ثامنا”ـ مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين:تم إنشاءها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1951لتوفير الحماية الدولية تحت رعاية الأمم المتحدة للاجئين الذين يدخلون في اختصاص الأمم المتحدة وذلك بالسبل التالية

1ـالتشجيع على عقد اتفاقيات دولية لحماية اللاجئين والتصديق عليها والإشراف على تطبيقها واقتراح التعديلات عليها.

2ـ التشجيع على تنفيذ تدابير لتحسين حالة اللاجئين وتقليل الأعداد التي تحتاج للحماية وذلك من خلال اتفاقيات خاصة مع الحكومات.

3ـ  مساعدة الجهود الحكومية والخاصة لتعزيز العودة الطوعية للاجئين واستيعابهم في مجتمعات وطنية جديدة.

4ـ العمل على السماح بدخول اللاجئين إلى أقاليم الدول.

5ـ الحصول على المعلومات من الحكومات تتعلق باللاجئين من حيث العدد وأحوالهم في أقاليمها والقوانين والنظم المتعلقة بهم.

6ـ للمفوضية إن تشارك في أنشطة الإعادة إلى الوطن وإعادة التوطين بناء على طلب الجمعية العامة

تاسعا”ـ لجنة القضاء على التمييز العنصري: أنشأت عام 197 وفقا للمادة 8 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وتنظر في التقارير عن التدابير التشريعية والقضائية والإدارية الأخرى التي اتخذتها الدول الأطراف أعمالا لأحكام الاتفاقية، ووفقا للمادة تنظر اللجنة في صور الالتماسات وصور التقارير وغيرها من المعلومات المتعلقة بالتمييز العنصري، في الأقاليم المشمولة بالوصاية وغير المتمتعة بالحكم الذاتي.

عاشرا”ـ اللجنة المعنية بحقوق الإنسان:أنشأت هذه اللجنة في عام 1966وتتمثل مهامها في المواد 40الى المادة 45من العهد في دراسة التقارير عن التدابير التي تتخذها الدول الأطراف لأعمال الحقوق المعترف بها في العهد وإحالة تقاريرها مشفوعة بما تراه مناسبا”من تعليقات إلى الدول الأطراف، ووفقا للبروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنظر بشكوى الأفراد الذين يدعون أن أي حق من حقوقهم المذكورة في العهد انتهك، وكانوا قد استنفذوا جميع طرق التظلم المحلية المتاحة، وتقديم رسائل كتابية إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان لتنظر فيها.

حادي عشرـ لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة أنشأت هذه اللجنة عام 1982 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وتتمثل مهمة هذه اللجنة في النظر في التقدم المحرز تنفيذ الاتفاقية، وتقديم تقرير إلى الجمعية العامة عن طريق المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتقديم الاقتراحات والتوصيات العامة.

ثاني عشرـ اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: أنشأت من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي عام 1985،وتؤدي اللجنة الوظائف المتصلة بتنفيذ العهد،وتدرس التقارير المقدمة إليها من الدول الأطراف عما اتخذته من تدابير، وما أحرزته من تقدم في مراعاة الحقوق المعترف بها في العهد، وتقديم الاقتراحات والتوصيات العامة إلى المجلس.

ثالث عشرـ اللجنة المعنية بحقوق الطفل:وذلك وفقا”للمادة 43من الاتفاقية المعنية بحقوق الطفل، ومن مهامها تقديم التقارير عن التدابير التي اعتمدتها لتطبيق الحقوق المنصوص عليها من الاتفاقية،ورفع تقرير إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي حول نشاطها.

رابع عشرـ لجنة مناهضة التعذيب: أنشأت عام 1987 تنفيذا” للمادة 17 من اتفاقية مناهضة التعذيب وتمثل اللجنة آلية تطبق اتفاقية مناهضة التعذيب، ودراسة التقارير عن التدابير التي تتخذها الدول الأطراف تنفيذا للاتفاقية، وإجراء تحقيقات سرية حول الدلائل الموثقة وتلقي بلاغات من الأفراد بسبب تعرضهم لانتهاكات تتعلق بممارسة التعذيب أو المعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة، شريطة أن تعترف الدول الأطراف باختصاص اللجنة في هذا الصدد، وأن تقدم تقارير سنوية عن أنشطتها إلى الدول الأطراف والى الجمعية العامة للأمم المتحدة.

خامس عشرـ فرق عمل ومقررين خاصين:يتم تعيينهم لتنفيذ مهام محددة لتطبيق بنود حقوق الإنسان، كالفريق المعني بحالات الاختفاء القهري، والمقرر الخاص المعني بحالات الإعدام التعسفي أو المحاماة المقتضبة، والمقرر الخاص بمناهضة التعذيب، ويمكن مخاطبة الفريق والمقررين الخاصين مباشرة على عنوان حقوق الإنسان في جنيف.

×× الآلية المتبعة من قبل اللجان لمراقبة حقوق الإنسان: تتولى هذه اللجان المنبثقة عن الاتفاقيات مهمة رصد مدى التزام الدول الأطراف للقوانين وللحقوق المقررة فيها، وهناك أسلوبين تتبعهما هذه اللجان في ذلك

1ـ أسلوب نظام التقارير: تقوم هذه اللجان بتلقي التقارير الواردة من جانب الدول الأطراف في الخاصة بحقوق الإنسان في مواعيد دورية، وتقوم أيضا: بالنظر بالشكاوى المقدمة من الدول والأفراد والمتعلقة بخروقات حقوق الإنسان، ويتعين إن تتضمن هذه التقارير كافة التطورات التي طرأت على الصعيدين النظري والعملي ، وتملك اللجان أيضا تقديم التقارير الإضافية في أي وقت من الدول الأطراف. ويعتبر نظام التقارير نظام ضعيف لاعتماده على إرادة الدول الأطراف ورغبتها في الامتثال، ولا تملك هذه اللجان سلطة اتخاذ قرارات ملزمة بشأن تقارير الدول.

2ـ نظام الشكاوى وتبليغات الأفراد:تتلقى اللجان تبليغات الأفراد وجماعات الأفراد الخاضعين لولاية الدول الأطراف في هذه الاتفاقيات، واللذين يدعون أنهم ضحايا أي خرق من جانب إحدى الدول الأطراف لأي حق من حقوقهم المقررة في هذه الاتفاقيات.

××شروط قبول التبليغات الفردية:

1ـ يجب أن يكون التبليغ داخلا”في اختصاص اللجنة المعترف بها.

2ـ أن يكون صاحب التبليغ من الأفراد فقط أو جماعات الأفراد الخاضعين لولاية إحدى الدول الأطراف في الاتفاقية المعنية.

3ـ أن يكون صاحب التبليغ أو الطاعن ذا مصلحة في الطعن وقد لحقه ضرر مباشر جراء خرق أحد أحكام الاتفاقية نتيجة عمل معين أو الامتناع عن عمل معين من جانب إحدى الدول الأطراف.

4ـ أن يكون التبليغ الفردي قد استنفذ طرق الطعن الداخلية المتاحة جميعها، القضائية والإدارية، ويتوجب لإعمال هذا الشرط أن تكون طرق الطعن الداخلية فعالة وفعلية، فلا ينطبق هذا الشرط في الحالات التي تستغرق فيها  إجراءات الطعن أوالتظلم مدة تتجاوز الحدود المعقولة، أوفي حالة عدم احتمال إنصاف الشخص الذي وقع ضحية لانتهاك أحد الحقوق المحمية على نحو فعال

5ـ لا تنظر اللجان في التبليغات الفردية المنصبة على انتهاك للحقوق الواردة في الاتفاقيات سابقة دخولها حيز التنفيذ، وأن يكون الانتهاك المدعى به قد وقع بعد دخول البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والقضاء على التمييز ضد المرأة.

6ـ يجب أن يكون التبليغ الفردي معلوم المصدر وموقع من قبله وان يكون مستندا على أساس ومسببا”ولا يشوبه عيب في إساءة استعمال الحق.

×××الوكالات المتخصصة والمنظمات غير الحكومية في حماية حقوق الإنسان:

1ـ منظمة العمل الدولية ومنظمة اليونسكو.

2ـ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم.

3ـ منظمة الصحة العالمية.

4ـ منظمة الأمم المتحدة للأطفال.

5ـ منظمة العفو الدولية.

6ـ منظمة مراقبة حقوق الإنسان {الولايات المتحدة الأمريكية}

7ـ اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

8ـ المحكمة الجنائية الدولية.

9ـ الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

10 ـ الاتفاقية الأمريكية لرقابة حقوق الإنسان.

11ـ الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

12ـ الميثاق العربي لحماية حقوق الإنسان.


صعود السياسة الخارجية اليمينية في أمريكا

١٥ آذار ٢٠١٨ – PETER BEINART (بيتر بينارت)

المصدر

ترجمة: هيئة التحرير

لإدراك أهمية قرار دونالد ترامب باستبدال ريكس تيلرسون مع مايك بومبيو(13آذار2018) ، بجدر أن نتذكر كيف أصبح تيلرسون سكرتيرا للدولة(وزير الخارجية بالمصطلح الأميركي) في المقام الأول. حصل على الوظيفة ، إلى حد كبير ، لأن كوندوليزا رايس وروبرت غيتس حثوا ترامب على توظيفه. لقد عرف كل من رايس وغيتس تيلرسون لأنهما كانا يتشاوران مع شركته إكسون ، ولأن تيلرسون جلس إلى جوار غيتس على متن مجلس الكشافة. في شرح المنطق وراء الدفع باتجاه تيلرسون ، قالت رايس لصحيفة “ذي نيويوركر” أن “هذا الرئيس لا يثق في مؤسسة السياسة الخارجية. رجل أعمال أقام صفقات نفطية كبيرة – ظننا أن ذلك سيكون أمرًا مريحًا بالنسبة لترامب. “

بعبارة أخرى ، كان تيلرسون حصان طروادة. برر رايس وغيتس أن ترامب سيركز على الظواهر الخارجية. هو سيرى Tillerson كصفقة ، رجل غني مثل نفسه. وقد يكونون أيضا قد اشتبهوا فيما أكده بعض مستشاري ترامب في وقت لاحق: اعتقد ترامب أن تيلرسون كان يشبه وزير الخارجية.

لكن رايس وغيتس كانا يعلمان أنه تحت السطح ، شارك تيلرسون رؤيتهم للعالم. من وقته في إكسون ، تعلم أن يضع الفكر جانبا في إدارة العلاقات مع حكومات متنوعة مثل روسيا والمكسيك وقطر. وقد شارك في مجموعة أعمال عارضت بشكل عام العقوبات الاقتصادية التي أعاقت الشركات الأمريكية ، بما في ذلك ضد إيران. وتحت قيادته ، اعترفت شركة إكسون بأن النشاط البشري يساهم في تغير المناخ وأيدت اتفاق باريس بشأن تغير المناخ. خلال الانتخابات التمهيدية ، ساهم تيلرسون في  انتخاب جيب بوش منافس ترامب على ترشيح الحزب الجمهوري.

على غرار رايس وغيتس ، كان تيلرسون – في مصطلحات والتر راسيل ميد – “هاميلتوني”. كان يؤمن بإدارة إمبراطورية أمريكية بحكمة حتى يمكن أن تزدهر الأعمال الأمريكية ، وبالتالي الشعب الأمريكي. لم يكن صليبياً في نزعة غزو الخارج  ، أو مخاطراً ، أو أخلاقي النزعة في تقييم الشؤون الخارجية. وهو لم ير علاقات أميركا مع الدول القوية الأخرى كمبلغ صفر. في تيلرسون ، رأت رايس وغيتس فرصة لتقريب إدارة ترامب من المؤسسة السياسية الخارجية المعتدلة للجمهوريين ، والتي خدمتهم طوال حياتهم.

يعود تاريخ هذا التأسيس إلى عهد إليهو روت وهنري ستيمسون ، المحامون الأرستقراطيون الذين سافروا في فجر القوة العالمية لأمريكا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بين الحكومة وول ستريت. مثلهم مثل ثيودور روزفلت ، كانوا إمبرياليين في دعم الحرب الإسبانية الأمريكية(1898). بعد مرور ربع قرن ، زعم ستيمسون أن الفلبين ، التي احتلتها الولايات المتحدة نتيجة لتلك الحرب ، لم تكن تستحق الاستقلالية. لكن روث وستيمسون يعتقدان أيضا أنه لكي تحقق الولايات المتحدة مصيرها العالمي ، عليها أن تضع التزامات دولية ملزمة وأن تنضم إلى المؤسسات الدولية. وحيث إن كلاهما كان يخدع الكثير في حزبهما ، فقد أيد الرجلان دخول أميركا إلى عصبة الأمم ، وهي التمهيد الفاشل للأمم المتحدة. في القضايا الداخلية ، كان كلاهما معتدلين. كانوا يعتقدون أن جرعة معينة من الإصلاح التدريجي يمكن أن تساعد في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.  عبر ستيمسون خطوط الحزب – والبعض الآخر خان صفه – بحلول عام 1940 وأصبح وزير الحرب في حكومة الديمقراطي فرانكلين روزفلت.

كما أن هناك سلالة أخرى من الجناح اليميني أكثر تفكيرًا في السياسة الخارجية تتمتع أيضًا بنفوذ في الحزب الجمهوري. في الثلاثينيات من القرن الماضي ، كان محبوها في الغالب من الانعزاليين. ولكن خلال الحرب الباردة ، أعاد العديد من الناس صياغة أنفسهم بأنهم أحاديون متفائلون. وطوال تلك الفترة ، هاجم السياسيون والناشطون اليمينيون ورثة Root و Stimson لكونهم راغبين في التضحية بسيادة أمريكا ، وتلبية أعداء أميركا ، وتحمل دولة الرفاهية.

في الخمسينات من القرن العشتحتوي وتتغلبرث روت آند ستيمسون من قبل دوايت أيزنهاور وجون فوستر دالاس ، المحامي الخاص بالشركات الذي تحول إلى وزير الخارجية. اعترفوا بأن أمريكا يجب أن تحتوي  وتتغلب على – وليس التراجع أمام – القوة السوفييتية. وقبلوا التعادل في الحرب الكورية. هذا وضعهم على خلاف مع اليمينيين مثل دوغلاس ماك آرثر ، الذين أرادوا القتال حتى تم إعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية. جوزيف مكارثالأمريكي،ان يعتقد أن أمريكا يمكن أن تربح الحرب الباردة عن طريق هزيمة الشيوعيين في الداخل ؛ وروبرت تافت ، الذي اعتبر حلف الناتو انتهاكًا خطيرًا لسيادة الولايات المتحدة. كان اليمين الأمريكي ، رغم تصميمه على قهر الشيوعية ، يشكك في الالتزامات الملزمة التي ألزمت أمريكا بإدارة عالم فوضوي غير كامل.

وبحلول الستينات من القرن الماضي ، اندمجت هذه الغرائز اليمينية في الحركة المحافظة الحديثة. دعا بطلها ، باري غولدووتر ، إلى تحرير أوروبا الشرقية ، وترك الأمم المتحدة إذا اعترفت بالصين الشيوعية ، وجعلت من السهل على الضباط الأمريكيين في الميدان استخدام الأسلحة النووية. لكن بينما تغلب غولد ووترالصين،افسه المعتدل في المؤسسة ، نيلسون روكفلر ، على ترشيح الحزب الجمهوري عام 1964 ، كان ريتشارد نيكسون ، نائب الرئيس السابق لأيزنهاور ، الذي أعاد الرئاسة في عام 1968 إلى يدي الجمهوريين. كان نيكسون من بين الصنف الأحمر. لكن في منصبه ، كان هو ومساعده الأعلى في مجال السياسة الخارجية ، هنري كيسنجر ، يعامل الحرب الباردة وكأنها حرب صليبية أقل من مباراة شطرنج. وبافتتاح الدبلوماسية مع الصين ، ومواصلة الانفراج مع الاتحاد السوفيتي ، تكبدوا غضب الحركة المحافظة.

في عام 1980 ، انتخبت تلك الحركة أخيراً رئيسًا. ولكن إلى حد كبير من الإحباط ، اختار رونالد ريغان جيمس بيكر ذو العقلية التأسيسية – الذي كان يدير  حملات جيرالد فورد وجورج إتش. دبليو. بوش الرئيسية ضده في عام 1976 و 1980 – كرئيس له. وقد اختار وزير خارجيته جورج شولتز ، الذي كان أمينًا لسياسة نيكسون وأشرف على أول خطة عمل إيجابية. من خلالهم ، عانت مؤسسة السياسة الخارجية الجمهورية المعتدلة. لقد ساعد شولتز ، على وجه الخصوص ، على إقناع ريغان بقبول الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف ، وبينما كان السياسيون المحافظون والمثقفون يصرخون على التهدئة ، للتفاوض على أكثر اتفاقيات الحد من الأسلحة انتشارًا في الحرب الباردة.

تحت حكم جورج اتش دبليو. بوش – الذي جعل بيكر وزيرا للخارجية ، وجعل برينت سكوكروفت ، مساعد كيسنجر لمرة واحدة ، ومستشاره للأمن القومي – وصلت مؤسسة السياسة الخارجية الجمهورية إلى أوجها. ثم انهارت تحت حكم جورج دبليو بوش.

كانت كوندوليزا رايس ، مستشارة الأمن القومي الأولى ل W. ، هي من محامي سكوكروفت. كان أول وزير خارجيته ، كولن باول ، جمهوري روكفلر كلاسيكياً. لكنهم لم يستطيعوا أو لم يوقفوا مسيرته ومسار ديك تشيني للحرب. في جزء منه ، لأنه بسبب سنوات جورج دبليو بوش ، لم يعد لدى مؤسسة السياسة الخارجية الجمهورية المعتدلة قاعدة سياسية داخل الحزب الجمهوري. لقد استولت الحركة المحافظة على الحزب. كما أن أجهزتها – مؤسسات الفكر والرأي مثل مؤسسة هيريتيج ومؤسسة أمريكان إنتربرايز ، ومنشورات مثل ذا ويكلي ستاندرد وشبكات مثل فوكس نيوز – دعمت بشكل كبير الحرب. في أوائل القرن الحادي والعشرين ، كان الجدل داخل الحزب الجمهوري لسياسة خارجية قائمة على الدبلوماسية والاحتواء واحتضان المؤسسات الدولية شائعاً مثل الجدل بشأن فرض ضرائب أعلى أو السيطرة على السلاح.

عندما أعرب باراك أوباما عن إعجابه بسكوكروفت ، وفاز بتأييد كولن باول ، واستأجر روبرت غيتس ، اعتبره الكثيرون كدليل على أن النهج الهاملليتي يجسده الجمهوريون مثل ستيمسون وإيزنهاور ونيكسون وجورج إتش. أصبح بوش الآن أكثر ملائمة داخل الحزب الديمقراطي. لم تعد مؤسسة السياسة الخارجية الجمهورية المعتدلة جمهورية على الإطلاق.

كان تيلرسون بمثابة اللحظات الأخيرة المثيرة للشفقة. لقد جادل ضد تمزيق الصفقة النووية الإيرانية ، وحاول مواصلة الدبلوماسية مع كوريا الشمالية ، وعارض الانسحاب من اتفاقية باريس المناخية. لكن هذه الآراء أبعدته ببساطة عن ترامب ، الذي يرى أي صفقة لم يبرمها باعتبارها انحرافاً. وفي مفارقة مريرة ، قام تيلرسون – على الرغم من إيمانه بالدبلوماسية – بتخريب وزارة الخارجية ، مما أدى إلى تقويض قدرة أمريكا على متابعتها لسنوات قادمة.

في بومبيو، يتحول ترامب إلى نخبة جديدة في السياسة الخارجية للحزب الجمهوري: شخص لا يعود تاريخه الأيديولوجي إلى آيزنهاور بل إلى مكارثي ، وليس إلى نيكسون وكيسنجر ولكن إلى غولد ووتر ، وليس إلى جورج بوش الأب بل إلى ديك تشيني وجورج بوش. . تعمل الحركة المحافظة ، التي كانت معادية لحركة السياسة الخارجية المعتدلة لحزبها ، على إنشاء مؤسسة جديدة للسياسة الخارجية خاصة بها.

من المفيد رؤية بومبيو كجزء من مجموعة من السياسيين الجمهوريين المؤثرين ذوي التوجهات السياسية ، والتي تشمل توم كوتون ، ماركو روبيو ، وتيد كروز. وقد تم انتخاب الأربعة جميعًا للكونغرس بدعم من حزب الشاي ، وهي حركة تصور جمهوراً معتدلاً ، مثلما وصف جولدووتر يومًا أيزنهاور ونيكسون ، متواطئين مع دولة الرفاهية. لدى بومبيو علاقات وثيقة بشكل خاص مع أهم ممولي حزب الشاي ، كوخ براذرز.

في السياسة الخارجية ، تأرجح اليمين الأمريكي تاريخيًا بين الانعزالية والتدخل الصليبي. كوخ براذرز وراند بول يميلان نحو الانعزالية. روبيو والقطن يميلان نحو التدخل. ما يشاركونه جميعا هو البر الذاتي. الولايات المتحدة نقية. خصومهم أشرار. وبالتالي ، يجب على أميركا إما أن تتجنب الأمم الأخرى أو تهيمن عليها. ما لا تستطيع فعله هو أن تدرك أنه حتى خصومها لديهم مخاوف معقولة ومصالح مشروعة ، وهو ما يتعين على أميركا أن تحاول استيعابه.

لأن أمريكا نقية وأعداءها أشرار ، فإن استيعابهم هو أمر غير أخلاقي. ومثل غولدووتر وويليام ف. باكلي ، اللذان رأيا حلولا مع الأنظمة الشيوعية كاسترضاء ، وصف بومبيو الاتفاق الإيراني بأنه “استسلام” وأصر على أن الولايات المتحدة لا تقدم “أي تنازلات” في أي محادثات مع كوريا الشمالية.

من خلال تصوير مكان الإقامة على أنه استسلام ، فتح حق الحرب الباردة الباب للحرب الوقائية. جيمس بورنهام ، وهو أكثر كاتب السياسة الخارجية تأثيراً في مجلة باكلي ، “ناشيونال ريفيو” ، اقترح جميعاً شن حرب وقائية لمنع الاتحاد السوفياتي من الحصول على أسلحة نووية. اقترح باكلي استخدام الأسلحة النووية لدرء الهزيمة في فيتنام. وبالمثل ، قال بومبيو – مثل كوتون – إن تدمير البرنامج النووي الإيراني عبر الحرب “ليس مهمة مستعصية”. وعلى خلاف تيالتاريخية، هدف أمريكا في كوريا الشمالية بأنه تغيير للنظام.

ومن الناحية التاريخية ، فإن اعتقاد اليمين في نقاء أمريكا – ونجاسة الدول الأخرى – جعلها تشكك في إلزام الولايات المتحدة بالمؤسسات الدولية أو في إطار القانون الدولي. اعترف تيلرسون بأن أمريكا كانت تساهم في تغير المناخ ، ويجب أن تشارك في الاتفاقيات العالمية الهادفة إلى تخفيفه. بومبيو لا يوافق.

هذا الإصرار نفسه على نقاء أميركا الأخلاقي قد أعلم برفض بومبيو الشديد الاعتراف بأن الولايات المتحدة قد ارتكبت التعذيب. في عام 2014 ، عندما أصدرت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ جزءًا من تقرير مكون من 6000 صفحة يكشف أن وكالة الاستخبارات المركزية قد قامت بمعاملة وحشية للمعتقلين – وكذب مرارا وتكرارا حول هذا الموضوع – أصر بومبيو على أن “هؤلاء الرجال والنساء ليسوا من الجلادين ، إنهم وطنيون” يعملون على ” “سحق الجهاد الإسلامي الذي يهدد كل إنسان وكل أميركي”. لأنه، – يذكرنا بإعلان غولدووتر الشهير بأن “التطرف دفاعًا عن السعي وراء الحرية ليس رذيلاً” – كان في الأساس إعلانًا للإفلات الأمريكي من العقاب. لأنه ، بحكم تعريفه ، قضية أمريكا هي فقط ، أي شيء تسعى أمريكا لتحقيقه أيضًا.

الجانب الأخير من تقال استسلام، الخارجية اليمينية هو ميلها للعثور على الأعداء في الداخل. إذا رأيت تسوية كأنها استسلام ، وأعداء أمريكا كقوة شجاعة ، فمن المنطقي أن يكون وراء سياسات التهدئة الأمريكية طابور خامس محلي. كان هذا هو تفسير جوزيف مكارثي لرغبة إدارة روزفلت وترومان وإيزنهاور في السماح بالهيمنة الشيوعية على أوروبا الشرقية ، وانتصار الشيوعية في الصين ، والركود في كوريا ، وتطوير الاتحاد السوفياتي للقنبلة الذرية. لماذا سمح الرؤساء الأميركيون بهذه المصائب؟ لأن ماكارثي جادل بأن الشيوعيين قد تسللوا إلى حكومة الولايات المتحدة نفسها.

عندما يتعلق الأمر بالمسلمين والإسلام ، فإن بومبيو هو وريث مكارثي. مثل حلفائه فرانك جافني و بريجيت غابرييل ، اقترح أن أكثر منظمات المسلمين البارزة في أمريكا هي جبهات لجماعة الإخوان المسلمين ، التي يزعم أنها تخطط للإطاحة بحكومة الولايات المتحدة من الداخل. في ظهور واحد على برنامج غافني الإذاعي (ظهر بومبيو أكثر من 20 مرة) ، أكد أن “هناك منظمات وشبكات هنا في الولايات المتحدة مرتبطة بالإسلام الراديكالي بطرق عميقة وجوهرية. إنهم ليسوا فقط في أماكن مثل ليبيا وسوريا والعراق ، بل في أماكن مثل كولورادو وكنساس والبلدات الصغيرة في جميع أنحاء أمريكا. “وكما في  حالة جافني ، زعم بومبيو أن هذه الشبكات لديها متعاطفون داخل إدارة أوباما. في مقابلة أجريت عام 2015 ، اقترح جافني أن أوباما لديه “نوع من الانجذاب ، إن لم يكن قطع الرأس والصلب العنيف وقتل المسيحيين وكل ذلك ، ولكن على الأقل بالنسبة للقضية التي ينخرط هؤلاء الأشخاص في مثل هذه الأنشطة”. الرد: “فرانك ، في كل مكان تحدق فيه بسياسات الرئيس وبياناته، ترى ما وصفته للتو”.

لعدة سنوات ، دفع غافني وجابرييل -بالكونغرس،ع تيد كروز – إلى توصيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية ، الأمر الذي قد يمهد الطريق للهجمات القانونية على المنظمات الإسلامية الأمريكية البارزة كمحرض للإرهاب. كوزير للخارجية ، عارض تيلرسون ذلك. في الكونغرس ، دعم الاقتراح بومبيو. إذا حدث هذا التوصيف وتحول لقانون بالكونغرس ، فإنه سيكون أقرب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر إلى قانون السيطرة الشيوعية لعام 1954، والذي يجرم العضوية في الحزب الشيوعي. إلا أنها ستستهدف الأميركيين الذين لا يعتمدون فقط على انتمائهم الأيديولوجي ولكن على دينهم كذلك.

يمثل ارتفاع بومبيو انفراجة تاريخية. لم يحدث أبداً في التاريخ الأميركي أن تبنى وزير للخارجية نظرة راسخة عن اليمين الأمريكي. في أي إدارة جمهوريّة سابقة – ولا حتى لجورج دبليو بوش – كانت النخبة المعتدلة في السياسة الخارجية في الحزب الجمهوري قد خسرت قبضتها.

قد لا يعودوا ابدا. إذا كان رحيل تيلرسون يبشر بزوال مؤسسة سياسة خارجية جمهورية ، فإن صعود بومبيو قد يبشر بصعود آخر. لا تستمد شرعية بومبيو من الوظيفة التي سيحتفظ بها الآن. كما أنها مستمدة من أوراق اعتماده. مثل كوتون ، كان لمدينة بومبيو مهنة عسكرية متميزة. مثل كوتون وكارتر ، تخرج من جامعة هارفارد. في حين أن نظرته للعالم تتداخل بشكل كبير مع نظرائه ستضيف بانون وسيباستيان غوركا ومايك فلين ، فإن بومبيو يتمتع بمكانة لم يسبق لها مثيل. إن صعوده يقدم لمحة عن ترامبستية يمكنها أن تتغلب على ترامب ، وتعطي قدرا جديدا من الاحترام لسلسلة من التفكير في السياسة الخارجية التي افتقرت إليها بشكل عام في الماضي.

كان ريكس تيلرسون واحدا من أقل وزراء الخارجية من حيث المدة  في التاريخ الأمريكي الحديث. قد يكون مايك بومبيو، للأفضل أو الأسوأ، واحدًا من أكثرها.


ملف:

اتفاقية بحر قزوين

١٢ آب ٢٠١٨

بحر قزوين هو أكبر بحر مغلق في العالم يقع غرب آسيا بمساحة تبلغ 371000 كيلو متر مربع، يبلغ طول بحر قزوين 1200 كم بعرض 300 كم، ويبلغ أقصى عمق له 1023 م، وتطل عليه خمسة دول هي روسيا من الشمال والشمال الغربي وإيران من الجنوب وأذربيجان من الغرب وتركمانستان وكازاخستان من الشرق.

يحوي بحر قزوين على ثاني أكبر حقول النفط بالعالم “حقل تنجيز” الذي يقع في مستنقعات الشاطئ الشمال شرقي للبحر في كازخستان، وحقول الغاز على سواحل تركمنستان حول مدينة تركمانباشي (كراسنوفودسك سابقاً) على الساحل الشرقي للبحر. كما يعيش في بحر قزوين 78 نوعاً من الأسماك، أهمها سمك الحفش الأبيض الذي ينتج الكافيار، والذي يعد أحد أغلى الأطعمة في العالم، إذ يصل سعر الكيلوغرام الواحد من بيض هذه الأسماك إلى 25 ألف دولار أميركي.

نظراً لثراء بحر قزوين بالنفط والغاز الطبيعي والثروات والموارد الأخرى فقد تصارعت الدول الخمس المطلة عليه لتقاسمه، حتى تم الاتفاق بين هذه الدول على معاهدة “الوضع القانوني لبحر قزوين” سنة 2018 بعد أكثر من 20 عام من المداولات.

ومعاهدة الوضع القانوني لبحر قزوين هي معاهدة وقّعت بتاريخ 12 آب 2018 في قمة قزوين الخامسة في مدينة أكتاو الكازاخستانية من قبل رؤساء دول كلاً من روسيا وكازخستان وأذربيجان وإيران وتركمنستان حول وضع بحر قزوين القانوني.

بدأ النزاع بعد تفكك الاتحاد السوفياتي في عام 1991، فالاتحاد السوفياتي (ثم روسيا لاحقاً) وإيران كانتا تحترمان معاهدات سنتي 1921 و1940. لكن بالنسبة لأذربيجان وكازاخستان وتركمنستان فإن تلك المعاهدات لم تتناول استغلال قاع البحر وبالتالي فإن وجود معاهدة جديدة تضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أمر ضروري بسبب وجود العديد من حقول النفط في قاع بحر قزوين، فإن التساؤل حول الوضع القانوني أمر مهم جداً حتى أن بعض البلدان حاولت بناء وتطوير حقول في المناطق المتنازع عليها مما أدى تقريباً للتسبب بأعمال عسكرية.

تم تكوين فريق عمل خاص على مستوى نواب وزراء خارجية الدول المطلة على بحر قزوين في عام 1996 وذلك من أجل وضع معاهدة بشأن الوضع القانوني لبحر قزوين. الاتفاق على الوثيقة استمر أكثر من 20 عاما قبل توقيعه في 12 آب عام 2018 من قبل رؤساء الدول الخمسة المطلة على بحر قزوين في قمة في كازاخستان.

خلال سنوات الموافقة على المعاهدة (1996 – 2018) بين الأطراف عُقد 51 اجتماعاً لفرق العمل الخاصة وأكثر من عشرة اجتماعات وزراء خارجية بالإضافة لأربع قمم رؤساء، إذ عُقدت عام 2002 في عشق أباد وعام 2007 في طهران وعام 2010 في باكو وعام 2014 في أستراخان.

تم الاتفاق على مسودة الوثيقة في إطار اجتماع وزراء خارجية دول بحر قزوين يومي 4 و5 ديسمبر2017 في موسكو قبل تبنيها في آخر قمة.

وتنص المعاهدة على:

– المنطقة الرئيسية لسطح مياه بحر قزوين ستبقى متاحة للاستخدام المشترك للأطراف.

– ستقسم الدول الطبقات السفلية وما تحت الأرض إلى أقسام متجاورة بالاتفاق فيما بينها على أساس القانون الدولي.

– ستتم عمليات الشحن والصيد والبحث العلمي ووضع خطوط الأنابيب الرئيسية وفقاً للقواعد المتفق عليها بين الأطراف عند تنفيذ مشاريع بحرية واسعة النطاق، ويراعى العامل البيئي بالضرورة.

– منع وجود قوات مسلحة للقوى الأجنبية الإقليمية والدولية في بحر قزوين.

– حدد الدول الخمس لبحر قزوين المسؤولية عن الحفاظ على الأمن البحري وإدارة موارده.

وتنظم الاتفاقية صيد أسماك الحفش الأبيض التي أوشكت على الانقراض بسبب الصيد الجائر.

علماً أنّه لم يتم الإعلان عن تفاصيل الاتفاق الذي أبرم خلال القمة الخماسية لرؤساء الدول الخمس، إلا أنه أنهى خلافات بين هذه الدول دامت لأكثر من عقدين.

جدير بالذكر أن الرئيس الإيراني حسن روحاني قام بالتوقيع على تنازله عن مطالب بلاده بالحصول على نسبة كبيرة من البحر، مكتفياً بنسبة 13%، برغم الغضب الشعبي من هذه الخطوة وتشبيهها داخل إيران بمعاهدة تركمانجاي التي تنازلت فيها إيران عن سيادتها على بحر قزوين لصالح روسيا عام 1828

وافق روحاني بصعوبة على الرضوخ للأمر الواقع بهدف تصفية خلافاته مع روسيا، بعدما وجد بلاده في موقف لا تحسد عليه وتريد حماية ظهرها وتأمين نفسها، ولن تنفعها فيه ما يُطلق عليه “حقوق تاريخية”، ليس لها سند من القوة، ولو كان الثمن الخروج بأقل نسبة من الاتفاق، لكنه أكد على أن تحديد الإطار القانوني لا يغني عن ضرورة عقد اتفاقات أخرى جديدة مع الدول المطلة على البحر لترسيم الحدود بشكل أكثر تفصيلاً، آملاً في أن يخرج من تلك الاتفاقات بما لم يستطع أن يظفر به اليوم.

كما تنازلت طهران عن موقفها السابق بالإصرار على التوصيف القانوني لقزوين على أنه «بحيرة» وليس «بحراً»، إذ إن التوصيف الأول يتيح لجميع الدول المطلة على البحر تقاسم ثرواته فيما بينها، أياً كان موقع تلك الثروات، بينما إذا تم اعتباره بحراً – وهو ما حدث بالفعل – فستستفيد كل دولة بالثروات التي تقع داخل نصيبها من المياه الاقتصادية، على حسب التقسيم المتفق عليه، وبذلك ستستفيد كازاخستان بشكل كبير من الاتفاق لأن حقل تنجيز الذي يعد ثاني أكبر حقول النفط في العالم، ويضم كميات ضخمة من الغاز، يقع داخل منطقتها.

وقال الرئيس روحاني “إن الاتفاقية مهمة جداً لتحقيق الأمن ودعم العلاقات بين الدول الخمس”، وأضاف “إن ترسيم الحدود لتقاسم الثروات سيتطلب اتفاقات إضافية بين الدول الخمس لتسوية الخلافات المرتبطة بالبحر”، وأشاد روحاني بنص المعاهدة بمنع الدول الأخرى غير المطلة على قزوين من نشر قوات عسكرية في البحر، وقال “بحر قزوين ملك فقط للدول المطلة عليه”:

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “إن الاتفاقية بشأن الوضع القانوني لبحر قزوين ستضمن حل الخلافات بين هذه الدول، وتفتح صفحة جديدة من العلاقات بينها”، ووصف بوتين الاتفاقية بالإستراتيجية، وأنها ستضمن التنسيق في مجال مكافحة الإرهاب، داعياً إلى تعزيز التعاون العسكري بين الدول المطلة على بحر قزوين، وأشار إلى أن الدول الموقعة على الاتفاقية سيكون لها دوراً أساسياً والتزامات بشأن استخدام إرثها البحري وثرواتها الإستراتيجية، كما ستتمتع هذه الدول بسيادة كاملة لاستعمال موارد هذه المنطقة.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي غريغوري كاراسين إن الاتفاق يشير إلى أنه بحر، لكن تمنحه بنود المعاهدة «وضعاً قانونياً خاصاً»، إذ ستتشارك الدول الخمس في معظم البحر لكنها ستقتسم القاع والموارد الجوفية.

الآن بات بإمكان هذه الدول استثمار ثرواتها في بحر قزوين وفق القانون الدولي، لكن الاتفاقية لم تضع آليات محددة لاستخراج هذه الثروات، كما إن الاتفاقية تؤكد إمكانية استغلال جميع الدول كل مساحة بحر قزوين على أساس حدود الدول الخمس مع وجود منطقة مشتركة في عمق البحر.

معلومات تاريخية حول الصراعات التي تتعلق بثروات قزوين، وتأثيرها على الوضع الاقتصادي وأسواق النفط والغاز عالمياً:

في التسعينات كان هناك مشروع لخط أنابيب بحري بطول 300 كم بين أذربيجان وتركمنستان، وكان الهدف منه هو جذب احتياطات هائلة من الغاز التركماني، وكان يدعى المشروع “خط أنابيب ترانس قزوين”. تم تصميم المشروع لنقل ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، 16 متر مكعب للسوق التركية، و14 متر مكعب للمستهلكين الأوروبيين، ومع ذلك فإن الصراع بين تركمنستان وأذربيجان بسبب حصة المشروع وتقسيم حقول الغاز في بحر قزوين قد أوقف المشروع، وتمت في النهاية آن ذاك استعادة المشروع فيما يتعلق بمشروع الاتحاد الأوروبي نابوكو. وكان هذا المشروع في عام 2002 سيمكن تركيا من نقل الغاز إلى أوروبا.

بدأت المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وأذربيجان في أيلول 2011 لتحديد الإطار القانوني والظروف التشغيلية لخط الأنابيب، وقال المفوض الأوروبي للطاقة غونتر إيتنغر إن الصفقة ستضيف 40 مليار متر مكعب من الغاز إلى أوروبا في ممر نقل الغاز الجديد، لكن أدت الجولة الثالثة من المحادثات حول مسار عبر بحر قزوين في آذار 2012 إلى تناقض في مواقف روسيا وأروبا. في كانون الثاني 2013 قال وزير الطاقة الأذربيجاني ناتيغ علييف أنه سيتم قريباً توقيع وثيقتين بين رئيسي أذربيجان وتركمنستان ورئيس المفوضية الأوروبية.

تقدم تركمنستان ما مجموعه 40 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، مع خط أنابيب طوله 620 كيلومتر يربط بليون بئر و30 مليار ساحل شرق بحر قزوين الجديد. سيكون هذا أكثر من المبلغ المطلوب لخط أنابيب نابوكو.

في عام 2009 تم نقل نفط كازاخستان إلى خط أنابيب باكو – تبيليسي – جيهان بمليوني طن من النفط الخام عبر بحر قزوين، وأشار الرئيس إلهام علييف إلى أنه على المدى الطويل ستكون ترانس – بحر قزوين أكثر فاعلية وذات جدوى اقتصادية أفضل ومردود عالي بتكلفة أقل.

وتظهر مواد المراسلات الدبلوماسية في ويكيليكس في عام 2009 أن تركمنستان تدرس فرص تصدير الغاز للصين، وليس الشمال والجنوب. وقد ذكرت سوكار بوضوح أن أذربيجان يجب أن تأخذ في الاعتبار جميع المسارات لتنويع طرق التصدير، ومع ذلك يشير المسؤولون الأميركيون إلى أن أي نوع من الإلهام لهذه الخطوة من المرجح أن يدفع الضغط على تركيا من أجل دفع عجلة المفاوضات بشأن الغاز، على الرغم من الجهود الحقيقية للتصدير باتجاه الشرق.

كان رد فعل روسيا على خط الأنابيب المقترح سلبياً، الأمر الذي مكّن روسيا من بدء صراع حول هذه المسألة، وتقول روسيا التي تعمل في تطوير مشروع ساوث ستريم في المنطقة، إن اتفاق خط أنابيب الغاز عبر بحر قزوين غير ممكن بسبب التوازن الجيوسياسي في حوض بحر قزوين. تذكر روسيا أنه لا يمكن بناء البنية التحتية قبل تبني الوضع القانوني الدولي لبحر قزوين وهناك خلافات حول الدول الخمس المطلة على بحر قزوين.

ورداً على ذلك، قال الرئيس إلهام علييف إن أذربيجان لا ينبغي أن تحصل على إذن من روسيا للعمل مع تركمانستان أو كازاخستان في بحر قزوين. وأشار إلى أن روسيا لم تحصل على إذن من الدول الساحلية لبناء خط الأنابيب في بحر البلطيق أو البحر الأسود.

في عام 2012، قالت يوراسيا نت إن صفقة غاز جديدة بين الصين وتركمنستان يمكن أن تبطئ تطور ترانس – بحر قزوين، ويقول التقرير إن هذه الخطوة يمكن أن يتخذها الرئيس التركماني لتجنب التوتر السياسي في منطقة بحر قزوين، كما تعارض إيران بناء خط أنابيب الغاز.

أهمية الاتفاق بعد سنوات من الصراع:

لن تكون هناك نتائج اقتصادية مباشرة ملحوظة للاتفاق الذي تم في 2018 لكن هذا الاتفاق سيمكن هذه الدول من تحويل المنطقة بشكل شرعي إلى منطقة قوة اقتصادية وعسكرية، وهذا ما أكده الرئيسان الروسي والكازاخستاني، حيث صرح الرئيس الكازاخستاني بقوله “هذه الاتفاقية دستوراً لبحر قزوين، فهي مصممة على حل جميع القضايا المتعلقة بحقوق والتزامات الدول الساحلية، وكذلك تصبح الضامن للأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة”

ومن المتوقع أن يجري التفاوض بعد ذلك على مشاريع لمد خطوط أنابيب الغاز عبر البحر من تركمانستان إلى أذربيجان لتعبر الأراضي التركية وصولاً إلى أوروبا، لاسيما بعد تغير الموقف الروسي وتقبله الاعتماد على أنقرة في هذا الأمر.

وبالطبع تركيا مستفيدة بشكل اقتصادي وجيوسياسي، لأن الاتفاق يشكل قوة إقليمية تدعمها للمناورة مع الولايات المتحدة الأمريكية، هذا لأن الاتفاق يتزامن مع التوجه التركي للاستدارة شرقاً، وإعلان أردوغان عن استعداد بلاده للتعامل بالعملات الوطنية في التجارة مع روسيا وإيران والصين رداً على فرض واشنطن عقوبات اقتصادية على تركيا.

وتعد الاتفاقية ضربة مؤلمة للنفوذ الأمريكي، فمنذ انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991 بدأت واشنطن في التسلل إلى المنطقة بهدف التنويع في مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على نفط الخليج العربي، ومنع عودة النفوذ الروسي للدول المستقلة حديثاً ومنع الصين من الاستيلاء الاقتصادي على المنطقة والحد من النفوذ الإيراني، وبالفعل جرت محادثات بين حلف الناتو، وكل من أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان لضمهم إلى الحلف لكن الجهود الأمريكية التي استمرت حتى عهد أوباما تبخرت اليوم بفعل الاتفاق.

تعتبر الصين أيضاً من المستفيدين من هذا الاتفاق رغم إنها لا تطل على قزوين ولم تكن طرفاً في الاتفاق، فليس صدفة أن يشهد اليوم السابق على التوقيع، تدشين ميناء جديد على بحر قزوين في مدينة كيروك بكازاخستان ضمن مشروع طريق الحرير الصيني، إذ تحتل كازاخستان بمساحتها الشاسعة ومواردها الهائلة مكانة محورية في طريق الحرير، وقد ربطت اقتصادها بالصين وأطلقت مشروعات لتطوير بنيتها التحتية مصممة على مقاس الاستثمارات الصينية الكثيفة التي تتدفق عليها، وبذلك تبدو الاتفاقية مكملة لدور منظمة شنغهاي التي تقوم على تطوير التعاون بين معظم تلك الدول، إذ إن روسيا وكازاخستان والصين أعضاء مؤسسون، وأذربيجان عضو مراقب بالمنظمة، وطهران تقدمت بطلب الانضمام منذ سنوات لكن العقوبات المفروضة عليها حالت دون استكمال إجراءات العضوية، ولذا فليس من المبالغة على الإطلاق القول بأن الحدث يمثل خطوة هامة في طريق الألف ميل لتكوين معسكر شرقي جديد، مناهض للهيمنة الأمريكية، تقع موسكو وبكين في القلب منه.


فيسبوكيات:

Bassam Yousef

سردين وبصل يابس

في شباط 1981، كنت في سنتي الجامعية الثانية، كان مساء ماطرا، وكنت أغذ الخطى ما أستطيع لأصل إلى غرفتي، فالمطر ينهمر بغزارة، والطريق الذي أسلكه مليء بالحفر التي تحولت إلى برك غامضة لا تعرف عمقها واتساعها إلا من ذاكرتك التي حفظت معظمها.

كنت قد قاربت على الوصول، دقائق قليلة فقط، عندما لمحتها، امرأة تقف مستندة إلى جذع شجرة على رصيف الشارع، تدير ظهرها للعابرين فلا يرون إلا معطفها الأسود الطويل ورأسها المغطى بحجاب أسود أيضا.

استغربت الأمر، فما الذي يدفع امرأة لأن تقف في هذا المساء الماطر وحيدة؟؟!!. تجاوزتها وأسئلة كثيرة تدور في رأسي، لكنني فجأة قررت أن أعود إليها وأسألها إن كانت تحتاج لمساعدة ما.

عندما اقتربت منها، تنحنحت كي أنبهها، أدارت وجهها باتجاهي، وعلى ضوء مصباح الشارع البعيد استطعت أن أرى وجها لفتاة لا تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها، مبتلا، لا أدري إن كان بالدموع أو بالمطر.

حييتها وسألتها إن كنت أستطيع مساعدتها، فهزت رأسها بالنفي، ترددت في المضي لحال سبيلي، فالمطر يستحثني للهروب، لكن تعابير وجهها رسخت قناعتي أنها  – برفضها للمساعدة – هي بأمس الحاجة لها.

حاولت طمأنتها وأوضحت لها أن وقوفها وحيدة قد يكون سببا لمشاكل أخرى، كانت تسمعني بصمت، لكن دموعها كانت تنسكب بوضوح على وجهها.

تكلمت أخيرا، كان صوتها يتهدج، ويختنق بالبكاء:

– والله يا أخي ما بعرف لوين بدي روح، أنا مو من هون، أنا من ريف جسر الشغور……

باختصار هذه الفتاة كانت قد تزوجت منذ أقل من شهر من ابن عمها، وابن عمها كان قد قدم إلى اللاذقية منذ عدة أشهر ليعمل فيها “بلّاط”، وعندما استطاع استئجار غرفة عاد إلى قريته وتزوج خطيبته وجاء بها إليها.

في تلك الليلة كان الزوج قد عاد من عمله قبل حلول المساء، وضعت له زوجته الطعام، فأكل، وأعطاها نقودا كي تشتري له زوادته ليوم غد قبل أن يغلق السوق، على أن ينام هو خلال ذهابها إلى السوق.

لم يستغرق ذهابها للسوق وشراء ما تحتاجه وعودتها أكثر من ساعة، وعندما وصلت إلى أول الزقاق الذي تسكن فيه، شاهدت عددا من الرجال بلباس مدني لكنهم مسلحون، يغلقون الزقاق، ويمنعون الناس من الدخول إليه.

لم تكن الفتاة القادمة من قريتها، والمسكونة برعب الأحداث التي كانت تجري حينها في سوريا، تعرف ماذا ستتصرف، وعندما صرخ بها رجل مسلح يقف في أول الزقاق أن تبتعد، ابتعدت، لكنها خائفة على زوجها، فعادت.. صرخ بها مرة أخرى بقوة أكبر، فابتعدت مرة أخرى،  لكن لخطوات فقط تكفيها لكي تختفي عن الرجل الذي يصرخ بها….

أثناء حيرتها وارتباكها اقترب منها رجل أمن آخر، سألها عما تريد، فأخبرته أنها تريد الوصول إلى بيتها، وعندما سألها أين تسكن أخبرته عن غرفتها، تلفت حوله ثم سألها هامسا:

– فلان (اسم زوجها) شو يقربك؟.

أخبرته أنه زوجها، فهمس قائلا لها:

– اهربي بسرعة، والله إذا عرفو أنك زوجته لياخدوك معو ع السجن، روحي بسرعة، ولاترجعي ع الغرفة، لأنو رح يضلوا معسكرين فيها… يا الله بسرعة.

ابتعدت المرأة …  لكنها لم تكن قد ابتعدت كثيرا عندما رأتهم يقودون زوجها إلى سيارتهم.

إلى أين ستذهب فتاة قادمة من قرية منسية، في ليلة ماطرة وفي مدينة لا تعرف أحدا بها؟؟.

فكرت أن تعود إلى قريتها، لكن الوقت قد تأخر، ولم يعد هناك أي وسيلة مواصلات، والغرفة الوحيدة التي تعرفها أصبحت محتلة الآن.

مشت، ومشت، ثم اكتشفت أنها تاهت، كانت تمشي وتبكي، وكيسها الصغير الذي وضعت به ما اشترته لايزال في يدها.

عندما أرهقها المشي والبكاء استندت إلى جذع الشجرة وأدارت ظهرها لا تريد لأحد أن يرى وجهها المسكون بالخوف والقهر والدموع.

قلت لها أنها ستنام في غرفتي، وأنا سأنام عند أحد أصدقائي، ترددت، لكنني أقسمت لها أنها ستكون في مأمن.

ودعتها وقلت لها أين تضع المفتاح عندما تغادر صباحا، شرحت لها كيف تصل إلى كراجات جسر الشغور، وسألتها إن كانت تحتاج لنقود، فرفضت وأقسمت أن ما لديها يكفيها لكي تصل إلى قريتها.

عندما عدت في اليوم الثاني إلى غرفتي، كانت غرفتي مرتبة ونظيفة، وعلى الطاولة الوحيدة رأيت الكيس الذي كانت تحمله معها، كان فيه علبتا سردين، وكيلو بصل يابس.


 لقراءة أعداد جريدة المسار اضغط هنا